٢٦٥٦٤ - قال أصحابنا ﵏: موجب قتل العمد القود. ولا (تثبت) الدية إلا بالتراضي.
٢٦٥٦٥ - وقال الشافعي ﵀ في أحد قوليه: (موجبه القود والدية. والولي بالخيار في استيفاء أيهما (أحب).
٢٦٥٦٦ - وقال في القول الآخر: الواجب القود. وللولي أن يسقطه ويطالب بالدية. فتكون بدلا عن البدل.
[ ١١ / ٥٥٤١ ]
٢٦٥٦٧ - والدليل على أن (موجبه) القود قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾.
٢٦٥٦٨ - وقال النبي - ﷺ - (العمد قود). وقال في قصة الربيع.
٢٦٥٦٩ - (كتاب الله القصاص) معناه: حكم الله، فمن زعم أن له موجبا آخر خالف الظاهر.
٢٦٥٧٠ - ولأنه أحد نوعي القتل، فكان له موجب واحد كالخطأ.
٢٦٥٧١ - ولأنه معنى يوجب القتل، فلم يتنوع موجبه كالردة.
[ ١١ / ٥٥٤٢ ]
٢٦٥٧٢ - ولأنه قتل على وجه الزجر، فكان له موجب واحد كالقتل في قاطع الطريق. ولا يجوز أن يقال: (إن) في هذه المواضع لا يجور أخذ المال بالتراضي، وفي مسألتنا يجوز أخذه بالتراضي. لأن جواز أخذ المال عن الشيء بالتراضي لا يدل على أخذه بغير رضي كالطلاق.
٢٦٥٧٣ - ولأن القصاص يسقط بالشبهة. والمال لا يسقط بالشبهة. فلم يجز اجتماعهما بسبب واحد كالمهر والحد في الزانية المطاوعة.
٢٦٥٧٤ - ولأنه متلف [لمثل]، فلم يجب بإتلافه المثل وغير المثل كالمكيلات والموزونات.
٢٦٥٧٥ - وأما الدليل على إبطال القول الآخر: فلأنه قادر على استيفاء حقه من جنسه بكماله، فلا يجوز الانتقال (إلى غير) جنس الحق من غير تراض أصله الديون.
٢٦٥٧٦ - ولا يلزم إذا قطع يمين رجل ويد القاطع شلاء أو ناقصة الأصابع، أو شجه فاستغرق قرنيه و(جبين) (الشاج [أضيق] كان ضامنا، لما لم يقدر على استيفاء جنس حقه بكماله، وجاز له العدول إلى) بدل يستدرك فيه كمال
[ ١١ / ٥٥٤٣ ]
حقه. بين ذلك: أن القصاص مماثلة، فهو كوجوب الحنطة بإتلاف الحنطة.
٢٦٥٧٧ - فإن قيل: المعنى في المكيل (أنه) لو وجد بعض حقه وجب أخذه والانتقال في [بعضه] إلى البدل، كذلك إذا وجد جميع حقه لم يجز الانتقال. وفي مسألتنا إذا كان القاطع ناقص الأصابع فليس له أن يأخذ اليد وأرش الإصبع الفائتة. بل يعدل إلى البدل، كذلك إذا وجد جميع حقه جاز أن يعدل إلى البدل.
٢٦٥٧٨ - قلنا: حق صاحب الطعام في جملة حقه وفي (كل) جزء منه، فإذا وجد البعض فقد وجد حقه.
٢٦٥٧٩ - وفي مسألتنا (القطع) لم يتعلق حقه بكل جزء من اليد، بدلالة أنه لو أراد قطع الأصابع أو بعضها لم يجز. وإنما حقه في القطع من الزند. وفقد الأصابع نقص في ذلك. فقدر على حقه ناقصا. وأما أن يقال: قدر على بعض حقه بكماله (فلا) نسلم ذلك.
٢٦٥٨٠ - ولأن القتل لا يجوز الانتقال عن موجبه إلى غيره إلا بالتراضي أصله الخطأ.
٢٦٥٨١ - فإن قيل: في الخطأ (يثبت) له (البدل الأدنى) ولا يجوز له الانتقال إلى الأعلى، (يثبت) له الأعلى فجاز أن ينتقل إلى الأدنى بغير تراض.
٢٦٥٨٢ - قلنا: هذا يبطل إذا ثبت له القصاص فقال: أنا أقتصر على قطع الطرف لأبقى [النفس] لم يجز، وإن كان الفعل انتقل من الأعلى إلى الأدنى، (وكذلك في الدية لا يجوز أن ينتقل إلى عبد قيمته بعض الدية إلا بالتراضي، وإن كان انتقل من الأعلى
[ ١١ / ٥٥٤٤ ]
إلى الأدنى) (إلا) أنه من غير جنس حقه، فلم يجز أخذه إلا بالرضا.
٢٦٥٨٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ وهذا خطاب للقاتلين. ثم قال: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾ فالمعفو هو القاتل، والعافي (هو) ولي المقتول. ثم قال تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ فالظاهر أن الاتباع يقع بمجرد العفو عنه، فمن قال لا يثبت إلا برضاه فقد ترك الآية.
٢٦٥٨٤ - وقال الشافعي [﵀]: حقيقة العفو هو الترك (بغير) تراض. يقال: عفوت عن حقي بمعنى تركته. ويحمل على البذل [مجازا] فلا يترك الحقيقة إلى المجاز.
[ ١١ / ٥٥٤٥ ]
٢٦٥٨٥ - قلنا: إن الشافعي [﵀] عادل في تأويل هذه الآية عن الآثار وحقيقة اللغة، فأما الأثر فقد روي عن مجاهد عن ابن عباس [- ﵁ -]: إن بني إسرائيل كان فيهم القصاص لا يجوز قبول الدية، (فأباح الله تعالى للولي قبول الدية) ونسخ ما كان تخفيفا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ وقال الشعبي: نزلت في حيين كان لأحدهما طول على الآخر، فكانوا يتزوجون نساءهم بغير مهور، فقتل الحي المفضول قتيلًا من الحي الفاضل، فحلف الحي الأفضل أن يقتل الرجل بالمرأة، والحر بالعبد، وأن يضاعفوا الجراح.
٢٦٥٨٦ - فاختصموا إلى النبي - ﷺ - فقال: (القتل سواء) فاصطلحوا على الديات بفضل لأحد الحين فضل على الآخر، فقال الله تعالى: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ يعني: فمن فضل له شيء من الديات التي وقع [الاصطلاح عليها] فأتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. هذا قول السلف في الآية، ولم ينقل عن أحد منهم ما قاله مخالفونا، فوجب المصير إلى الأثر في التأويل.
٢٦٥٨٧ - وأما اللغة، فقوله: ﴿فمن عفى له﴾ لا يجوز أن يكون من عفا
[ ١١ / ٥٥٤٦ ]
(الأثر) إذا درس، (ولا) من عفا أي صفا، كما يقال لك: عفو هذا الشيء أي صفوه. [ولا] من عفا (البنت أو البنين)، (ولا من) عفا الله عنكم، لأنه في جميع هذه الوجوه لا يتعدى فيبني للمفعول به، المرتفع به مفعول به وهو ﴿شيء﴾، فبقي أن يكون من قولهم: قد عفا فلان فلانا يعفو عفوًا، أو (اعتفاه) بقتله إذا (احتداه) وطلب بماله.
[ ١١ / ٥٥٤٧ ]
٢٦٥٨٨ - قال الأعشى:
[تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصارى ببيت الوثن]
٢٦٥٨٩ - أراد بالعفاة المحتدين الطالبين، وأحدهم عاف. قال ابن الأنباري: يقال: [أعفيت الشعر] وعفوته: إذا زدت فيه وكثرته.
٢٦٥٩٠ - وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من أحيا أرضا ميتة فهي له، [وما أكلت العافية فهو له صدقة])
[ ١١ / ٥٥٤٨ ]
٢٦٥٩١ - من احتدي له شيء من (أجل) قتل أخيه، فعليه إتباع بالمعروف وله أداء إليه بإحسان. (رفع) بالابتداء وخبره محذوف، و[أداء] جملة أخرى من مبتدأ وخبر فقد حذف الخبر منهما، وهما جميعا [جزاء] الشرط. وقد جاء حذف الخبر من الجزاء في القرآن، قال الله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام﴾ تقديره: فعليه فدية من صيام، وكذلك قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾ (تقديره): فعليه ما استيسر، فأفادت الآية أن الولي إذا بذل له المال فهو مندوب إلى (قبوله).
٢٦٥٩٢ - ونظيره قوله تعالى في المائدة بعد ذكر القصاص: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ ثم قال: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ بمعني أن الباذل للمال يجب عليه إذا قبل
[ ١١ / ٥٥٤٩ ]
منه أن يؤديه بإحسان. وهذا تأويل موافق (للأثر) ومقتضي اللغة.
٢٦٥٩٣ - وما ذكره الشافعي [﵀] من حقيقة اللغة غلط، لأن العفو الذي هو البراءة والإسقاط، لا يتعدى، فكيف قال تعالى: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ فيرتفع به.
٢٦٥٩٤ - فإن قيل: (نحن رددنا) الكناية في قوله: ﴿فمن عفى له من أخيه شيء فأتباع﴾ إلى مذكور متقدم وهو القاتل، وأنتم رددتم الكناية إلى الولي، (ولم) يجر له ذكر.
٢٦٥٩٥ - قلنا: نحن رددنا الكناية إلى مذكور (لأن تقديره): فمن احتدى له. فالكناية ترجع إلى الولي. (وهو قوله: ﴿فمن﴾، ورد الكناية إلى أقرب المذكورين أولى).
٢٦٥٩٦ - قالوا: حملتم قوله: ﴿فاتباع﴾ على الندب، ونحن نحمله على الوجوب.
٢٦٥٩٧ - قلنا: خبر المبتدأ محذوف على قولكم وقولنا. لأن تقديرها عندكم: فعليه اتباع، وعندنا: فله اتباع، فتساوينا في ذلك. وأنتم تركتم حقيقة عفا، لأنكم حملتموه على العفو الذي هو الإسقاط. وذلك لا يتعدى من المذكور في القرآن، فتعدى إلى مفعول ارتفع به، وهو قوله: ﴿شيء﴾ ذلك لا يصح إلا في العفو الذي هو الطلب والاحتداء.
[ ١١ / ٥٥٥٠ ]
٢٦٥٩٨ - قالوا: روي أبو شريح الكعبي [- ﵁ -] أن النبي - ﷺ - قال: (ثم) أنتم يا [خزاعة] (قد) قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين: إن أحبوا (قتلوا)، وإن أحبوا أخذوا العقل). وروي (إن أحبوا أخذوا الدية).
٢٦٥٩٩ - قلنا: قد روي في هذا الخبر: (وإن أحبوا فادوا)،
[ ١١ / ٥٥٥١ ]
(والمفاداة) لا تكون إلا بالتراضي؛ لأنها مفاعلة.
٢٦٦٠٠ - فإن قيل: نقول باللفظين.
٢٦٦٠١ - قلنا: الخبر واحد؛ فأصل اللفظ إن كان المفاداة فلا حجة لهم فيه، فلم يصبح إثبات اللفظين عن رسول الله - ﷺ - حتى يحتج بأحدهما، ولأن قوله: (وإن أحبوا أخذوا العقل) فالعقل عبارة عما (تؤديه) العاقلة، لا يكون في العمد إلا بالتراضي. وإنما يجب عندهم المال على القاتل، وإن كان اللفظ: (وإن أحبوا أخذوا الدية) فحقيقة الدية ما يؤدي، وذلك لا يكون إلا فيما بذله القاتل وأداه. فأما ما
[ ١١ / ٥٥٥٢ ]
(يؤخذ) بغير رضاه في العمد، فهو غصب عندنا فلا نسلم أنه يسمى دية.
٢٦٦٠٢ - قالوا: كل جناية تسقط إلى غير جنس الحق بالتراضي صح أن تسقط إلى جنسها بغير تراضي، أصله: إذا كانت يد القاطع ناقصة الأصابع، وإذا كانت بين قرني (المشجوج) [أوسع] مما بين (قرني) الشاج. وقد احتذوا عن مسألة. وهي: العبد إذا قطع يد مولاه أن يقتص، وليس له أن يعفو على مال؛ لأن هناك لا تسقط الجناية إلى غير جنس الدية بالتراضي، إلا أن العلة تدخل عليها مسألة. وهي من قطع يدي رجل ثم قتله. فجاء الولي فقطع يديه. فقد ثبت له أن يضرب عنقه بعد القطع. فإن تصالحا على مال بالتراضي جاز. ولو عفا الولي بالدية لم يصح.
٢٦٦٠٣ - فإن قالوا: هذه الجناية كان له أن يعفو عنها على مال. وإنما سقط ذلك باستيفائه اليدين.
٢٦٦٠٤ - قلنا: هما جنايتان مختلفتان عندكم، فإذا استوفى أحدهما لم يتعين حكم الأخرى، والمعنى في الأصل أن صاحب الحق (تعذر) عليه استيفاء حقه من جنسه بكماله، فلم يجز له العدول عنه بغير تراض.
٢٦٦٠٥ - (قالوا): (لم) يتعذر استيفاء كل حقه. وإنما تعذر بعضه.
[ ١١ / ٥٥٥٣ ]
فيجب أن يأخذ الموجود وعوض المعدوم يقدر، كمن وجد بعض طعامه.
٢٦٦٠٦ - قلنا: قد بينا أن الأصابع ليست حقه، وإنما حقه قطع الزند، والأصابع صفة لليد فلم [يتعذر] شيء من حقه بتمامه: وأما الحنطة، فكل جزء منها حقه. وأما (المشجوج). فقد (ثبت) (له) مقدار من الشجة يستوفي مثله يجاوز ما بين قرني الشاج. (وفي ذلك من) الشين أكثر مما لحقه. وإن اقتصر على ما بين (قرنيه) لم يجز أن يأخذ معه أرشا للفضل، لأن صغر العضو (وكبره) لا يتقوم في الأرش، فإن هذه في القصاص (في الشجاج).
٢٦٦٠٧ - قالوا: قادر على إحياء نفسه ببذل بدل الحق، فصار كالمضطر (إذا) بذل له الطعام بثمن مثله.
٢٦٦٠٨ - قلنا: يبطل بمن قطع اليدين ثم عفا (على) مال، لم يلزم القاتل بذله. وإن كان يقدر على إحياء نفسه. وكذلك يبطل إذا عفا على (غير) جنس الدية. وإن (عفا) على أكثر من الدية.
٢٦٦٠٩ - فإن قيل: هذا طلب أكثر من بدل (حقه).
[ ١١ / ٥٥٥٤ ]
٢٦٦١٠ - قلنا: الدية ليست ببدل عن القصاص. وإنما هي بدل النفس. ولأن الطعام طرد مسألتنا.
٢٦٦١١ - لأن صاحب الطعام لو بذله لم يجب له (بذله) شاء المضطر أو أبي. كذلك في مسألتنا أداء الدية لم يجب بذلها شاء أم أبي. ولأن الطعام يجب على صاحبه بذله لإحياء نفس المضطر. ولا يجب في مسألتنا العفو لإحياء نفس القاتل. فدل على الفرق بين الأمرين.
٢٦٦١٢ - قالوا: القصاص عقوبة، فلو ثبت المال فيه (بغير) رضا لم يثبت (بالرضا) [كحد] القذف.
٢٦٦١٣ - قلنا: هذا قياس عكس لا يصح عندكم. ولأن القذف (يوجب) العقوبة ولا (يوجب) المال بوجه، فلم يجز التراضي بالمال، والقتل تارة يوجب المال وتارة القود، وإذا وجب (القود) ثم دخلته شبهة مثل أن يرث الابن قصاصًا على الأب سقط القصاص ووجب المال، (فلذلك) جاز التراضي على المال.
٢٦٦١٤ - قالوا: إذا عفا أحد الشريكين من الدم؛ (وجب) للآخر المال.
[ ١١ / ٥٥٥٥ ]
ولا يجوز أن يكون وجوبه (لعفو) شريكه، فعلم (أنه) كان واجبا بنفس القتل.
٢٦٦١٥ - قلنا: بل لتعذر استيفاء حقه من غير إسقاطه، والقاتل من أهل الغرامة، فانتقل الحق إلى المال كما دخلت فيه شبهة.
[ ١١ / ٥٥٥٦ ]
مسألة ١٣١١