٢٦١٩٧ - قال أصحابنا ﵏: يقتل المسلم بالذمي.
٢٦١٩٨ - وقال الشافعي ﵀: لا يجب القصاص على المسلم بقتل كافر
[ ١١ / ٥٤٣٨ ]
فإن جرحه وهو كافر ثم أسلم أقتص منه.
[ ١١ / ٥٤٣٩ ]
٢٦١٩٩ - لنا: قوله تعالى:﴾ يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ﴿ولم يشترط في المقتول صفة.
٢٦٢٠٠ - ولا يقال: إنه خطاب للمؤمنين، لأنه خاطب المؤمنين الذين عليهم القصاص ولم يشترط الإيمان فيمن له القصاص.
٢٦٢٠١ - فإن قيل: القصاص المماثلة وليس الذمي مماثلًا للمسلم.
٢٦٢٠٢ - قلنا: القصاص هو المماثلة في الفعل دون المماثلة في المفعول ومنه قولهم أقتص أثر فلان.
[ ١١ / ٥٤٤٠ ]
٢٦٢٠٣ - قالوا: قال الله تعالى:﴾ فمن عفي له من أخيه شيء ﴿والمسلم أخو المسلم، والكافر ليس بأخ.
٢٦٢٠٤ - قلنا: يجوز أن يكون المراد بالأخ من النسب والقبيلة وذلك لا يقتضي الأخوة من الدين.
٢٦٢٠٥ - يدل عليه قوله تعالى:﴾ ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطنًا ﴿
[ ١١ / ٥٤٤١ ]
وهذا عام في جميع كل قتيل مظلوم.
٢٦٢٠٦ - فإن قيل: لما قال﴾ فلا يسرف في القتل ﴿لم يتناول مسألتنا لأن قتل المسلم بالكافر سرف.
٢٦٢٠٧ - قلنا: السرف في القتل هو التجاوز [في الفعل] وذلك لا يتناول اختلاف الأديان.
٢٦٢٠٨ - يدل عليه ما روى ربيعة بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي - ﷺ - أتى برجل من المسلمين قد قتل معاهدًا من أهل الذمة فضرب عنقه، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته».
[ ١١ / ٥٤٤٢ ]
٢٦٢٠٩ - وقولهم: إن الشافعي قال: هو ضعيف غلط، لأن ربيعة وعبد الرحمن كلاهما في الصحيح، وإرساله لا يمنع الاحتجاج به، لأنه المرسل والمتصل عندنا حجة.
٢٦٢١٠ - وقد روى هذا الحديث مسندًا محمد بن المنكدر الضميري.
[ ١١ / ٥٤٤٣ ]
وقوله: وقد عاش إلى [زمن معاوية - ﵁ - غلط، لأن القاتل لم يذكر في الحديث].
٢٦٢١١ - ولأن النبي - ﷺ - اقتدى عمرو بن أمية.
٢٦٢١٢ - فإن قيل: يحتمل أن يكون قتله وهما كافران ثم أسلم القاتل.
٢٦٢١٣ - قلنا: تعليله يقتضي وجوب القصاص للوفاء بذمته، وهذا يفيد العموم.
[ ١١ / ٥٤٤٤ ]
٢٦٢١٤ - ويدل عليه قوله [- ﷺ -]: «كتاب الله القصاص» وقال: «من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن شاءوا أفادوا، [وإن شاءوا أقادوا] ولم يفصل.
[ ١١ / ٥٤٤٥ ]
٢٦٢١٥ - وقال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: قتل نفس بغير نفس».
٢٦٢١٦ - ولأن كل من وجب عليه القصاص على قاتله الكافر، جاز أن يجب القصاص على المسلم. وإن جرحه في حال السلامة، وأصله المسلم. فلا يمكن القول بوجوب العلة إذا قتل الكافر كافر ثم أسم القاتل.
٢٦٢١٧ - لأن قلنا: جاز أن يجب القصاص على قاتله المسلم.
٢٦٢١٨ - ولا يقال بوجوب العلة في الكافر بجرح الكافر ثم يموت المجروح بعد إسلامه.
٢٦٢١٩ - فإن قيل: المسلم حقن دمه بذمته، والذمي حقن دمه بعقده.
٢٦٢٢٠ - قلنا: هذا لا يمنع التساوي كما لا يمنع التساوي في وجوب القطع بسرقة المال، وإن أحد المالين حقن بالدين ولآخر بالعقد.
[ ١١ / ٥٤٤٦ ]
٢٦٢٢١ - قالوا: حقن الدم بالإسلام أكد، بدلالة أنه لا يزول إلا بالردة، وحقن العقد يزول بنقض العهد من الذمي كالردة من المسلم.
٢٦٢٢٢ - قلنا: الامتناع من أداء الجزية فإن حصل من واحد لم يؤثر في نقض العهد، وإن حصل من جماعة ممتنعة، فهم كالجماعة من المسلمين إذا امتنعوا من أداء الزكاة، وخروج أهل الذمة وإن حصل من جماعة علينا كخروج المسلمين علينا فلا فرق بينهما.
٢٦٢٢٣ - فإن قيل: إذا قتل الأب ابنه والمولى عبده فهو محقون الدم على التأييد، ولا قصاص على القاتل.
٢٦٢٢٤ - قلنا: المعتبر في جهة المقتول حقن دم على التأييد، ويعتبر في جهة القاتل أن [يعرى] العلة عن أبيه، والأب له شبة في نفس الابن وماله، والمولى له شبهة في رقبة عبده.
٢٦٢٢٥ - ولأن كل من وجب على المسلم القطع بسرقة ماله، جاز أن يجب
[ ١١ / ٥٤٤٧ ]
القصاص على قاتله ابتدأ بقتله أصله المسلم.
٢٦٢٢٦ - ولا يلزم المكاتب لأنه لا مال له، فلا مدخل على العلة، ولأنه يجب القصاص على قاتله إذا مات عن وفاء وارثه المولى، ولا يلزم المرتدة، لأنا لا نعرف الرواية في وجوب القطع بسرقة مالها.
٢٦٢٢٧ - ولا يلزم المرجوم، لأن القطع يجب بسرقة ماله، ويجوز أن يجب القصاص بقتله إذا دخلت شبة بعد القضاء عليه بالرجم.
٢٦٢٢٨ - فإن قيل: حرمة النفس أعظم من حرمة المال.
٢٦٢٢٩ - قلنا: هذا هو الدليل عليكم، لأن حرمه المال الضعيفة إذا لم يمنع من قطع يد المسلم، فحرمة النفس القوية أولى أن لا يمنع وجوب القصاص على المسلم.
٢٦٢٣٠ - قالوا: الرجل إذا سرق من المرأة قطع، ولو قطع يدها لم يقطع، واعتبار قطع الطرف بالطرف أولى.
[ ١١ / ٥٤٤٨ ]
٢٦٢٣١ - قلنا: سارق مالها يقطع، فإن قتلها قتل. [وأما قطع يدها]، فلان القصاص في الطرف يؤثر فيه اختلاف الأرش ولا يؤثر ذلك في القصاص في النفس.
٢٦٢٣٢ - ولأنه فعل لو وجد من المسلم والمسلم أوجب القتل، فإذا وجد منه في الكافر أوجب القتل كالزنا مع الإحصان.
٢٦٢٣٣ - ولأن المسلم والذمي إذا اشتركا في قتل الذمي وجب القصاص على الذمي وكل المشركين في القتل إذا وجب به القصاص على أحدهما، جاز أن يجب على لآخر، كالذميين إذا قتلا ذميًا، والمسلمين إذا قتلا مسلمًا.
٢٦٢٣٤ - ولأنه محقون الدم على التأييد، فجاز أن يجب القصاص ابتداء على قاتله المسلم كالمسلم. بيان ذلك: أن المسلم محقون الدم لا إلى مدة، والذمي كذلك، ولا يشبه المستأمن، ألا ترى أن قتل الكافر الحربي لحربه، والذمي تارك للحرب على التأييد، فحقن دمه على التأييد. والمستأمن تارك للحرب إلى مدة فحقن دمه إلى مدة.
٢٦٢٣٥ - ولا يلزم صبيان المشركين ونساءهم، لأن صبيانهم حظ
[ ١١ / ٥٤٤٩ ]
البلوغ، والنساء لم يحظر قتلهن على التأييد. لأنهم إذا ملكوا امرأة قتلناها، وإن كان لها رأي في الحرب قتلناها.
٢٦٢٣٦ - وهذه المعاني ليست من فعلها. وإذا اختلط النساء بالرجال حتى لا يتميزون قتلوا [المرأة].
٢٦٢٣٧ - لأن قتلها يستباح لغير قتلها إذا حكم الحاكم بقتلها.
٢٦٢٣٨ - والذي يدل على صحة هذه العلة: أن عقد الذمة يقوم مقام الإسلام. ألا ترى أنا ندعوهم إلى الإسلام.
٢٦٢٣٩ - فإن امتنعوا دعوناهم إلى الجزية. وإن بذلوا دفع الجزية وجب علينا قبولها كما يجب علينا أن نقبل الإسلام إن بذلوه، وما قام مقام الشيء سد مسده في المقصود، كالتيمم لما قام مقام الوضوء سد مسده في جواز الصلاة، وكذلك العدة بالشهور، والإطعام في الكفارات، والمقصود من العقد حقن الدم، فقام مقام الإسلام في ذلك.
[ ١١ / ٥٤٥٠ ]
٢٦٢٤٠ - ولأنه بالعهد حقن ماله، فسوى مال المسلم حتى تعلق به ما يجتمع مع السنة وهو الضمان، وما لا يجتمع معه مغرمًا وهو القطع، كذلك ساوى المسلم في وجوب ضمان الملك بالقتل الذي يجتمع مع السنة، ساوى في القصاص الذي لا يجتمع مع السنة وهذا اعتبار دلت عليه السنة كقوله [- ﷺ -]: «حرمة مال المسلم حرمة دمه» فيستحيل أن يساوي بغير الأعداد بدلالة أن من أستهل ولدهما لم يلزمه أكثر منه ولا أزيد من صفته.
٢٦٢٤١ - ثم كان الأعداد في الأنفس غير معتبر إذا حصل التساوي في حقن الدم. [لأن الجماعة يقتلون بالواحد، وكذلك الاختلاف فيما صفته لا يؤثر إذا حصل التساوي في حقن الدم].
٢٦٢٤٢ - ولأن إسلام القاتل لو منع وجوب القصاص عليه بقتل الذمي، لكان
[ ١١ / ٥٤٥١ ]
طريانه بعد وجوب القصاص يمنع الاستيفاء. لأن كل معنى إذا وجد في الابتداء منع وجوب القصاص، وإذا طرأ بعد الوجوب منع الاستيفاء، كالولد قتل الأب لم يقتص منه.
٢٦٢٤٣ - لو ورث الابن قصاصًا على أبيه لسقط، ولا يلزم العاقل إذا قتل ثم جن، لأنه ذكر في المنتقى: لأنه إن جن قبل تسليمه إلى الولي سقط القصاص، وإن جن بعد تسليمه ليقتل لم يمنع القصاص.
٢٦٢٤٤ - لأنه يختلط في تلك الحال من الخوف، فعلى هذا هو طرؤ علينا، ونحمل ما ذكر في الكتاب على المجنون بعد التسليم. ولو جعلناها في الأصل رواية أخرى لم يلزمنا.
٢٦٢٤٥ - لأن المجنون إذا قتل لم يجب عليه القصاص، لأن فعله ليس بعمل،
[ ١١ / ٥٤٥٢ ]
فإذا قتل وهو عاقل صح العمل منه، فإذا جن بعد الوجوب لم يؤثر جنونه من إخراج الفعل المتقدم من حكم العمل.
٢٦٢٤٦ - فإذا المعنى المسقط للقصاص إذا قارب لا يصح إن يطرأ. وهذا كما قلنا إن طلاقه لا يقع.
٢٦٢٤٧ - لأن قوله ليس بصحيح، فإذا قال وهو عاقل: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم جن ودخلت وقع الطلاق، لأنه الجنون الطارئ لا يخرج قوله المتقدم من حكم الصحة.
٢٦٢٤٨ - ولا يلزم إذا أذن لرجل في قتل عيد فشاركه من لم يأذن له لم يلزمه القصاص. ولو قتلاه من غير إذن فعفا عن أحدهما لم يسقط القصاص عن الآخر.
٢٦٢٤٩ - لأن المانع أن فعل أحدهما إذا لم يتمحض عمدًا من لا قودا عليه، فإذا لم يتمحض فعلهما ثم طرأ العفو لم يتغير بالطريان ذلك التمحض، فالمعنى المقارب الذي أثر لا يتصور طريانه.
٢٦٢٥٠ - ولأن من جاز استيفاء القصاص من بقتل الكافر، جاز إيجاب القصاص عليه ابتدأ بقتل الكافر أصله الكافر.
٢٦٢٥١ - احتجوا بقوله تعالى:﴾ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الحنة ﴿.
[ ١١ / ٥٤٥٣ ]
٢٦٢٥٢ - قلنا: المراد به أحكام الآخرة، بدليل قوله:﴾ أصحاب الجنة هم الفائزون ﴿.
٢٦٢٥٣ - احتجوا بقوله تعالى:﴾ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا ﴿.
٢٦٢٥٤ - قالوا: وهذا خبر يراد به الأمر، وإلا وقع مخبره بخلاف الخبر.
٢٦٢٥٥ - قلنا: نعلم أن الله تعالى قد جعل للكافرين على المؤمنين السبيل في ضمان الأموال وفي كثير من الأحكام. وإنما المراد بالآية سبيل الحجة، فإذا حمل على ذلك بقي اللفظ على ظاهر الخبر ولم نحتج إلى تعديله إلى الأمر ونترك الظاهر.
[ ١١ / ٥٤٥٤ ]
ونحمله على العموم ولا يحتاج إلى التخصيص، فإن هذا مستفاد بالعقل.
٢٦٢٥٦ - قلنا: قد يرد الشرع مؤكدا لما في العقل كقوله تعالى:﴾ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴿وقوله:﴾ ولا تقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴿.
٢٦٢٥٧ - احتجوا بقوله [- ﷺ -]: «المسلمون تتكافأ دماؤهم».
٢٦٢٥٨ - دليله أن غيرهم لا يكافئ المسلم.
٢٦٢٥٩ - قلنا: الخبر يقتضي [أن دماء المسلمين تتكافأ مع اختلاف أحوالهم وصفاتهم. ودم غير المسلم هل يكافئ] دم المسلم موقوف على الدليل، وفائدة تخصيص المسلم بالذكر عطف عليه أحكامها تخصيص المسلمين، وفي قوله: «[ويسعى بذمتهم] أدناهم، وهم يد على من سواهم، ويعقد عليهم أولهم، ويرد عليهم أقصاهم». وهذه [أحكام كلها تختص] بالمسلمين، فلذلك خص المسلمين بالذكر أول الخبر.
[ ١١ / ٥٤٥٥ ]
٢٦٢٦٠ - احتجوا: بقوله [- ﷺ -]: «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده».
٢٦٢٦١ - الجواب: أن حرف العطف إذا عطف مفردًا على مفرد بمنزلة حرف التثنية، بدلالة قوله: كأن بين فكها والفك [فأرة مسك ذبحت في سك]
٢٦٢٦٢ - يقتضي: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر. وفصل
[ ١١ / ٥٤٥٦ ]
بالمفعول به بين ما استند إليه الفعل وما عطف عليه. وهذا سائغ.
٢٦٢٦٣ - ومنه [قوله تعالى]:﴾ أمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴿وقوله تعالى:﴾ وإن ربك يعلم أنك تقوم ﴿الآية. فالتقدير: إن ربك يعلم أنك تقوم أنت وطائفة من الذين معك أدنى من ثلثي الليل، وآمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إلى الرسول من ربه.
٢٦٢٦٤ - وقد قرأ أبو جعفر والحسن وابن عامر وأبو عمر وغيرهم:﴾ عليهم ثياب من سندس خضر وإستبرق ﴿جرا. تقدير: ثياب سندس وإستبرق خضر فعطف صفة المضاف بين المضاف إليه وما عطف عليه. قال أبو
[ ١١ / ٥٤٥٧ ]
على: وهذه القراءة أقوى، كقوله تعالى:﴾ ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق ﴿فكذلك جواز الفصل في الخبر بين ما استند إليه الفعل وما عطف عليه.
٢٦٢٦٥ - ولا يجوز أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المعاهد إلا من لا عهد له، وذلك لا يقتل به المسلم عندنا. وهذا وجه تأويل لا يحتاج فيه إلى تقدير حذف. ومخالفنا لا بد أن يقدر في الحديث حذفًا، وهو قوله: لا يقتل مؤمن بكافر لا يقتل ذو عهد في عهده. ولو تساوى التأويلات وقف دليلهم. وكيف إذا قدرنا تقديرًا لا حذف فيه وقدروا تقديرًا حذفوا منه الفعل.
٢٦٢٦٦ - وجواب آخر: وهو أن الجملة من المبتدأ والخبر تكون حالًا. قال الله تعالى:﴾ يغشى طائفًة منكم وطائفٌة قد أهمتهم أنفسهم ﴿قال سيبويه:
[ ١١ / ٥٤٥٨ ]
فلما وجهوه على طائفة يغشى منكم في هذه الحال، كأنه قال: طائفة قد أهمتهم. وإنما فعلها وقتًا ولم يرد أن يجعلها واو عطف، وإنما هي واو الابتداء.
٢٦٢٦٧ - وهذا القول: [خرجت وزيد قائم. فقولهم: وزيد قائم، جملة مبتدأ وخبر وهي حال، كأنه قال]: خرجت [الآن] زيد قائم؟ فعلى هذا تقدير الخبر: لا يقتل مؤمن بكافر، وليس ذو عهد في عهده. ولقد قدرنا ارتفاع العهد عن جميع المعاهدين لم يقتل مؤمن بكافر.
٢٦٢٦٧ - ومثله في المعنى إنشاد أبي زيد الأنصاري بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ولم تكثر القتلى بها حين سُلتْ.
٢٦٢٦٩ - وهذا التأويل أيضًا لا يدخل الكلام [حذفًا]، وما سوى ذلك من تأويلهم لا بد من دخول الحذف. وقد حذفوا في هذا الكلام فقال: قدروي
[ ١١ / ٥٤٥٩ ]
الخبر من غير عطف وهو قوله: [لا يقتل مؤمن بكافر] وهذا كلام ضعيف.
٢٦٢٧٠ - لأن هذا الخبر واحد روي بعض الرواة بعضه وروي بعضهم تمامه.
٢٦٢٧١ - وقد عاب أصحاب مالك والشافعي بهذا فقالوا: لم يرو من غير عطف. ما لا مقطوع يعدل هذا الخبر المتصل إلى غير مقطوع.
[ ١١ / ٥٤٦٠ ]
٢٦٢٧٢ - قالوا: روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود [﵃] مثل قولنا ولا مخالف لهم.
٢٦٢٧٣ - قلنا: هذا كلام من لم يعرف الحديث. لأن الخبر المشهور أن مسلمًا قتل عباديًا من أهل الحيرة، فذهب أخوه إلى عمر [- ﵁ -]، وكتب عمر أن يقتل، فجعل يقول: أقتل، فيقول: حتى يجئ (الغيظ). وكتب عمر أن يودى ولا يقتل.
٢٦٢٧٤ - وقد قيل: إن عمر قيل له: إن القاتل فرسان المسلمين، ويجوز أن
[ ١١ / ٥٤٦١ ]
يكون أسقط القصاص لأن الأخ أخبر أنه يقتله غيظًا لا قصاصًا.
٢٦٢٧٥ - ولما قتل [عبيد الله] ابنه الهرمزان و(جفينه)، وكان نصرانيًا من أهل الحيرة، فلما استخلف عثمان [- ﵁ -]، دعا المجاهرين والأنصار فقال: أشيروا علي في هذا الرجل الذي قد فتق من الدين ما فتق. فاجتمع (المهاجرون) فيه على كلمة واحدة يأمرونه بالشدة عليه ويحثون عثمان على قتله، فكان فوج الناس أعظم مع عبيد الله، يقولون لجفينة والهرمزان: (أبعدهما الله).
[ ١١ / ٥٤٦٢ ]
٢٦٢٧٦ - فهذا يدل من قول المهاجرين أن المسلم يقتل بالنصراني.
٢٦٢٧٧ - وروي (أبو الجنوب) الأسدي قال: جاء رجل من أهل الحيرة إلى علي [- ﵁ -] فقال: يا أمير المؤمنين، رجل من المسلمين قتل ابني ولى البينة، فجاء الشهود فشهدوا، وسأل عنهم فزكوا، وأمر بالمسلم فأقعد، وأعطى الحيري سيفا وقال: اخرجوا معه إلى الجبانة فليقته، فتباطأ الحيري، فقال له بعض القوم: هل لك في الدية تعيش بها وتصنع عندنا يدًا، فقال: نعم. وغمد السيف وأقبل إلى علي، فقال له علي: لعلهم منعوك أو هددوك.
٢٦٢٧٨ - قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن الدية. قال: أنت أعلم. ثم أقبل على القوم فقال: إنما أعطيناهم الذي أعطيناهم ليكون دماؤنا كدمائهم.
[ ١١ / ٥٤٦٣ ]
٢٦٢٧٩ - احتجوا: بأنه منقوص بالكفر، وإذا قتله مسلم لم يجب عليه القود كالمستأمن. أو لأنه محقون الدم بعهد، فإذا قتله من حقن دمه بدينه لم يقتل به.
٢٦٢٨٠ - وربما قالوا: محقون الدم بعهد بأمان فلم بكن مكافئًا بمحقون الدم بإيمان.
٢٦٢٨١ - قلنا: الكفر نوع نقص وأنواع النقص كلها غير مؤثرة في القصاص في النفس. كذلك هذا النوع يلحق بها، لأن النقص كالكفر لو كان شبة في سقوط القصاص عن المسلم، كان تأثير هذه الشبة في الاستيفاء الذي هو العقوبة أولى من تأثيرهما في الوجوب، لأن الاستيفاء هو (العقوبة) فالتأثير فيه أولى.
٢٦٢٨٢ - والمعنى في المستأمن أن دمه لم يحقن على التأييد، وإنما هو موقوف بدلالة إباحة دمه من غير فعل تحدد في جهته، وإذا انقضت المدة فامتنع من الخروج أخرجناه إلى مأمنه ثم حل دمه.
٢٦٢٨٣ - وليس كذلك الذمي، لأن حقن دمه مؤبد، بدلالة أنه لا يحل إلا لمعنى يوجد منه، كما لا يباح دم المسلم إلا بحدوث معنى منه.
[ ١١ / ٥٤٦٤ ]
٢٦٢٨٤ - وهذه علة متعدية إلى فرع وهو الذمي إذا قتل المستأمن لم يقتل عندنا به لهذه العلة. وعلى هذا الفرق إذا قتل المستأمن مستأمنًا يجب عليه القصاص. لأنه تساوى في حقن دمه.
٢٦٢٨٥ - فإنه قيل: هذا الاختلاف لا يمنع التساوي في وجوب الفدية، لأن الزنا بالأجنبية كالزنا بذات محرم في وجوب الحد وإن اختلفا من أن حظر المحرم على التأييد وحظر الأجنبية مؤقت.
٢٦٢٨٦ - قلنا: حظر الأجنبية متأبد، بدلالة أنه لا تحل إلا بمعنى يوجد منها كما أن حظر دم الذمي لا يزول إلا بمعنى يوجد منه، ووزان المستأمن وطأ زوجته الحائض لأن الحيض يزول بغير فعلها، وكذلك لا يجب بوطئها حد. فأما ذات الرحم فلا تحل بمعنى يوجد منها.
٢٦٢٨٧ - وهذا لا يمنع من أن تساوي الأجنبية مع وجوب الحد. ونظيره من
[ ١١ / ٥٤٦٥ ]
القصاص أن قتل العاقل البالغ يوجب القود وإن كان قتله يستباح بفعله، وقتل الصبي والمجنون يوجب القصاص وإن كان لا يباح قتله بفعله.
٢٦٢٨٨ - وفرق آخر: وهو أن معنى الإباحة موجود في دم الحربي لأن قتله مباح، ثم تأجلت الإباحة بالعهد، ودخول التأجيل في الحق لا يمنع من ثبوته. وهذا المعنى لا يوجد من الذمي. وهذه المعارضة تقتضي أن المستأمن إذا قتل المستأمن لا يقتل به.
٢٦٢٨٩ - فإن قيل: هذا الاختلاف لا يمنع أن يتساوى الذمي والمستأمن في بدل النفس كذلك (لا يمنع) أن يتساويا في القصاص.
٢٦٢٩٠ - قلنا: معنى الإباحة يجوز أن يؤثر فيما سقط بالشبة، وإن كان لا يؤثر في الضمان، بدلالة أن وطأ الأب جارية ابنه لا يتعلق به حد لوجود معنى الإباحة. وكذلك إذا سرق الابن من أبيه والأب من ابنه لم يقطع، وإن صار كالأجنبي في وجوب الضمان.
٢٦٢٩١ - وفرق ثالث: وهو أن قبول استئمان الحربي ليس بواجب علينا، بل نحن بالخيار في قبوله أو رده، وبعد قبوله لنا أن ننقض أمانه ونرده، (فذلك) لم يجب بقتله علينا قصاص. واستئمان الذمي يجب علينا قبوله كما يجب قبول الإسلام، ولا يجوز لنا أن ننقضه بعد العهد، (فذلك) (أوجب علينا القصاص بقتله.
[ ١١ / ٥٤٦٦ ]
٢٦٢٩٢ - قالوا: حد القذف يجب بهتك حرمة العرض، والقود يجب بهتك حرمة) النفس. ثم ثبت أن المسلم لا يحد بقذف الذمي كذلك لا يقتل بقتله. وتجيزه كل شخصين فضل أحدهما للآخر في حد القذف بهتك عرضه بفضله بسقوط القود بقتله كالوالد مع الولد.
٢٦٢٩٣ - وربما قالوا: كل شخصين لا يجب لأحدهما على لآخر حد القذف مع (عفته) ويجب للآخر عليه ولم يجب عليه القصاص بقتله أصله الوالد مع الولد.
٢٦٢٩٤ - قلنا: حد القطع إصابة الأموال. وأجمعنا أن المسلم يقطع في مال الذمي ولا يحد بقذفه، واختلفنا في القصاص بقتله. فلم وجب اعتباره بالحد ولم يجب اعتباره كالقطع؟ ثم حد القذف أضيق ووجوب القصاص أوسع، بدليل الذمي لا يحد بقذف الذمي ويقتل بقتله. ومن قذف موطوءة بشبهة يجب القصاص بقتلها ولا يجب الحد بقذفها. ولأن الأب لا يحد بقذف ابنه بفضله بدلالة أنه لا يحد مع إحصان الابن، ولو قذفه غيره حد. فلما منعت الفضيلة الحد منعت القصاص في المسلم. إذا قذف الذمي لم يحدا لا للفضيلة، ولكن يعدم حد القذف لفقد إحصان المقذوف.
٢٦٢٩٥ - وهذا لا يمنع وجوب القصاص بقتله. بدلالة من قذف صغيرًا أو
[ ١١ / ٥٤٦٧ ]
مجنونًا لم يحد، ولو قتلهما قتل.
٢٦٢٩٦ - قالوا: كل من (ثبت) ضمانه دمه بالتزام المال لغيره لم يجب القصاص (على) من التزام المال [له] بقتله قياسًا على المكاتب مع (المولى).
٢٦٢٩٧ - قلنا: المولى لا يقطع بسرقة مال (مكاتبه) (لما) له من شبهة الملك في (ماله).
٢٦٢٩٨ - وأما الذمي فيجب القطع على المسلم (بسرقة) ماله لأنه لا شبهة له فيه، كذلك يجب القصاص بقتله.
٢٦٢٩٩ - لأنه لا شبهة له في رقبته أعني لشبهة ملكه.
* * *
[ ١١ / ٥٤٦٨ ]
مسألة ١٣٠٠