٢٦٦٨٠ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قتل الواحد جماعة فحضروا وطلبوا القصاص، قتل لجماعتهم، ولا دية عليه، وإن حضر واحدًا (وطلب) القصاص؛ قتل وسقط حق الباقين.
٢٦٦٨١ - وقال الشافعي [﵀]: إذا حضروا قتل للأول إن عرف، وكان لكل واحدًا من الباقين دية، وإن لم يعلم الأول، أقرع (بينهم الإمام) فقتله (لمن) خرجت قرعته، ووجب لكل واحدًا من الآخرين دية.
[ ١١ / ٥٥٧٢ ]
٢٦٦٨٢ - وهذه مبنية على أصلنا (أن) موجب قتل العمد القصاص خاصة. (فإذا قتل) تعذر استيفاء الحق فسقط، وعندهم موجب المال أو القصاص، فإذا قتل سقط القصاص فبقي البدل الآخر، ومبنية على أصل آخر وهو: أن من وجب عليه القصاص [إذا مات سقط القصاص بغير عوض] وعنده تجب الدية، فقلته قصاصا (كموته)، وهذه المسألة ستجيء فيما بعد.
٢٦٦٨٣ - والدليل على أنهم إذا حضروا يقتل لجماعتهم ولم يقتل للأول: أن حقوقهم تعلقت بالعين بأسباب متساوية، (فوجب أن يتساووا في الاستيفاء أصله الشفعة.
٢٦٦٨٤ - ومعنى قولنا: بأسباب متساوية) قتل وقتل، كما أن في الشفعة اجتمعت شركة وشركة.
٢٦٦٨٥ - ولأن الجماعة إذا قتلوا واحدًا (قتلوا) به، فلما كان الجماعة مع زيادة عددهم مثلًا للواحد، كان الواحد أيضًا مماثلًا لهم، (لأن) ما (قابل) الشيء فلا بد أن يكون الشيء مماثلًا له أيضًا.
٢٦٦٨٦ - فإن قيل: الابن يقتل بأبيه، والعبد بمولاه، والأب لا يقتل بابنه، ولا يقتل المولى (بعبده).
٢٦٦٨٧ - قلنا: هذا توكيد. لأن الأدنى يماثل الأعلى، والأعلى يماثل الأدنى، (فإذا) كان في مسألتنا الأعلى يستوفى [بالأدنى]، فلا بد أن يستوفى
[ ١١ / ٥٥٧٣ ]
الأدنى بالأعلى.
٢٦٦٨٨ - فإن قيل: (قتلنا) الجماعة بالواحد، لأن خروج الروح لا يتبعض (فكل) واحدًا منهم في حكم القاتل، فأما الواحد إذا قتل جماعة، فقد انفرد فعله في كل واحدًا منهم عن فعله في الآخر. فلذلك وجب بكل (فعل) معنى منفرد.
٢٦٦٨٩ - قلنا: فكذلك نقول في مسألتنا إن خروج الروح لا يتبعض، فإذا حضروا (وطالبوا) (فكأن) النفس بكمالها [استوفيت] لكل واحدًا منهم.
٢٦٦٩٠ - قالوا: إنما قتل الجماعة بالواحد صيانة للدماء، لو لم يفعل ذلك سقط القصاص.
٢٦٦٩١ - لأن كل من (أراد) قتل غيره يشارك غيره فيه. وفي تغليظ ما يجب في مسألتنا حتى تؤخذ النفس والدية صيانة النفس أيضًا.
٢٦٦٩٢ - قلنا: صيانة النفس يكون بقتل القاتل، وقد فعلنا ذلك. فأما الدية فلم توضع للزجر عن القتل. وإنما هي قيمة المتلف، ولهذا يستوفيها في شبه العمد، (ويعزر) القاتل (لنزجره) عن القتل.
٢٦٦٩٣ - ولأن من جاز أن يقتل (بالواحد جاز أن يقتل) الواحد به كالواحد.
٢٦٦٩٤ - ولأن القصاص لم يجب معنى آخر أصله إذا كان القاتل عبدا.
[ ١١ / ٥٥٧٤ ]
٢٦٦٩٥ - فإن قيل: العبد إذا قتل سقط القصاص، ولم يبق محل الدية؛ لأنه لا مال للعبد. فوزانه في مسألتنا: إذا كان القاتل فقيرا يقتل.
٢٦٦٩٦ - قلنا: إذا كان عندنا لا حق في العمد إلا القود، فلا معنى للتفريق بوجود محل المال في أحد الموضعين وتعذره في الآخر حتى (يثبت لهم) أن هناك حقا يطلب له محل. وقولهم: إن حق الباقين لم يسقط لكن فقد محله، غلط. لأنه إذا لم يطلب به أولًا لا يجوز أن يطالب به في الثاني، فهذا معنى السقوط.
٢٦٦٩٧ - فإن قيل: جنايات العبد وجنايات الحر إذا كانت خطأ لم تتداخل، كذلك العمد.
٢٦٦٩٨ - قلنا: لم نسلم ذلك، لأن جنايات العبد الخطأ إذا اختار المولى الفداء وجب عليه لكل واحدًا من أولياء القتلى دية كما يجب في الحر.
٢٦٦٩٩ - ولأن قتل الواحد إذا وجب (بقتل) جماعة لم يجب (بقتله) (مال). أصله: قاطع الطريق إذا وجب بقتله جماعة لم يجب بقتله (مال).
٢٦٧٠٠ - فإن قيل: ابن سريج يقول:
[ ١١ / ٥٥٧٥ ]
فيه وجهان.
٢٦٧٠١ - دللنا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أن يقتلوا﴾ ولم يوجب غير القتل.
٢٦٧٠٢ - ولأنه قتل لا يصح العفو عنه، فلم يجب معه مال كقتل المرتد والزاني المحصن.
٢٦٧٠٣ - فإن قيل: قتل قاطع الطريق (المغلب) على قتله حق الله تعالى ولهذا [تحتم]، فتداخل الحدود، وأما القصاص فيثبت لحق الآدمي، فلا يتداخل.
٢٦٧٠٤ - قلنا: (حد) القذف عندهم لحق الآدمي ويتداخل إذا كرر قذف واحدًا، وكذلك القصاص يتداخل إذا قطع يد رجل فمات.
٢٦٧٠٥ - احتجوا: بقوله (- ﷺ -): (من قتل فأهله بين خيرتين، إن
[ ١١ / ٥٥٧٦ ]
أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية).
٢٦٧٠٦ - قلنا: إن استدللتم بهذا في ثبوت التخير فهو كلام في مسألة أخرى، وقد سبق الجواب عنه. وإن استدللتم به فيما بعد قتله لم يتناوله (الخبر).
٢٦٧٠٧ - لأنه لا يقال: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبو أخذوا الدية (إلا) مع بقاء الحياة.
٢٦٧٠٨ - فإن قيل: الخبر يقتضي ثبوت الخيار بين الأمرين، فإذا قتله أخذ الأول، فقد فات أحد الأمرين، فتعين عليه الآخر.
٢٦٧٠٩ - قلنا: قد بينا أن الدية هو المال المودى، وذلك يكون ببذل القاتل، فكأنه قال: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا ما (بذل) لهم، وذلك لا يكون إلا مع بقاء القاتل الباذل.
٢٦٧١٠ - قالوا: إذا قتله أحد الأولياء فقد سقط حق الباقين من القصاص بغير اختيارهم، فوجب أن ينتقل الحق إلى الدية، أصله إذا عفا أحد الشريكين.
٢٦٧١١ - قلنا: لا يصح اعتبار تعذر القصاص بفوات النفس بتعذره (بالعفو)، بدلالة أن العبد القاتل إذا عفا عنه أحد الوليين، انتقل نصيب الآخر مالًا، ولو قتله أحد الأولياء سقط حق الباقين، ولأن أحدهما إذا عفا فحق الآخر سلم
[ ١١ / ٥٥٧٧ ]
للقاتل، فجاز أن (يتقوم) عليه، وفي مسألتنا لم يسلم له حق الباقين، وإن أتلف أحد [الشريكين] حقهم (والمقتص منه) ليس من أهل الضمان فلم يثبت المال في تركته، وإن شئت قلت: إن حق الولي لم يكن إلا القصاص عندنا، والسبب إذا حصل غير موجب لضمان مال (لم) يجز أن ينقلب بعد الموت، فيجب المال على الورثة ابتداء، ألا ترى أن المدعى عليه يلزمه اليمين، فإذا امتنع منها صار ناكلًا عندنا، ولم يقم يمينه (ويلزمه) المال، فإن مات قبل أن يحلف (تعزر) اليمين (و) لم يقض على ورثته بالمال؟ كذلك هذا.
٢٦٧١٢ - قالوا: جناية لو كانت على الطرف لم تتداخل، (فإذا) كانت على النفس لم تتداخل كالخطأ. ولأنها جناية إذا كانت خطا لم تتداخل، فإذا كانت عمدًا وجب أن لا تتداخل (كالطرف).
٢٦٧١٣ - قلنا: خرجت هذه العلة أن الجناية على النفس لا تتداخل وإن قتلوه جميعًا، فخروج الروح لا يتبعض، (فكل) واحدًا كالمستوفي بجميع النفس، وإن قتله واحدًا سقط حق الآخر لفوات محله (لا) يقيد القاتل فيها بإيجاب (الديون).
٢٦٧١٤ - ولأن أصل العلة إن كانت الجانية على الطرف، فلأن المماثلة معتبرة في الأطراف، فلم تقم اليد الواحدة مقام اليدين، ولهذا لم تقطع يدان عندنا بيد واحدة، وأما النفس (فالمماثلة) غير معتبرة فيها، فكما جاز أن يقتل الجماعة بالواحد
[ ١١ / ٥٥٧٨ ]
فتماثل الأنفس نفسه، كذلك يقتل [بهم] ويماثل نفسه أنفسهم.
٢٦٧١٥ - ولأن الطرف يتبعض في الاستيفاء، فإذا اجتمع على قطع اليد فكأن استوفى بعضها، فلا يقوم مقام يده. وخروج الروح لا يتبعض، فإذا اجتمعوا على القتل فكأن كل واحدًا استوفاه على الانفراد، بدلالة (المشترك) في الأضحية.
٢٦٧١٦ - ولأن الطرف تعلق به حق كل واحدًا بكماله، بدلالة أن أحدهم إذا عفا استوفاه الآخر، فإن اجتمعوا على القطع فقد قضى بعض حق كل واحدًا منهما فيما تعلق به حق الآخر. وهو خيار [القصاص] من الضمان، فصار ذلك مضمونا عليه ببدله.
٢٦٧١٧ - وإن انفرد (واحدًا منهم) بالاستيفاء فقد قضى حقه فيما تعلق به حق غيره، وهو خيار القصاص من أهل وجوب الضمان، فلزمه ضمان البدل، فأما النفس فإذا استوفاها واحدًا فقد صار مقضيا لذمته في حال لا يجوز أن يلزم القاتل ابتداء ضمان لم يكن، فلذلك لم يضمن للباقين.
٢٦٧١٨ - فإن قيل: الميت يجوز أن يلزمه الضمان فيما وجد سببه حال حياته، كمن حفر بئرا فوقع فيها بعد موته إنسان، وكمن باع شيئا فرده المشتري بعد موته بالعيب.
٢٦٧١٩ - قلنا: هناك (لم) يبتدئ إيجاب ضمان المال، وإنما يستند إلى السبب (السابق وتعلقه به، فذاك السبب يجوز أن يتعلق المال به، وفي مسألتنا لا يجوز أن يبتدئ الضمان، فإن أسندناه إلى السبب السابق)، وهو قتل العمد لم يصح، لأنه غير موجب للمال عندنا، وإن كان أصل العلة الخطأ، فمحله الواجب به الدية، وهي متسعة، (فثبت) حق جماعتهم فيها، ومحل (القصاص) الرقبة، وهي متضايقة (عن الحقوق، فجاز أن يتداخل، بيان ذلك: أن جناية الخطأ إذا تعلقت بمحل لا يتسع لها وهي جناية العبد) تداخلت.
[ ١١ / ٥٥٧٩ ]
٢٦٧٢٠ - قال مخالفنا: للنفس بدلان: القصاص والدية، فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر، كمن أتلف على كل واحدًا من رجلين [قفيز] حنطة (ووجد) له قفيز واحدًا، فإنه يقسم بينهما ويقوم لكل واحدًا قيمة نصف قفيز، وإنما كان كذلك، لأن، (للمال) بدلين: المثل والقيمة، لا بدل له إلا القصاص.
٢٦٧٢١ - قلنا: المال ثبت (بدلًا) عن القصاص، ولهذا يجوز أن يصالح على أضعاف الدية وعلى غير جنس الدية مؤجلًا، وما ليس بمال إنما ينقلب مالًا بالتراضي كالطلاق، أو بتعذر الاستيفاء مع قيام المحل وعدم رضا المستحق، كعفو أحد الشريكين، وهذا لا يوجد في مسألتنا. ولهذا يجب الضمان في الطرف إذا استوفاه بعضهم؛ لأنه قضى به حقا عليه، فقام ذلك مقام الرضا، فإذا طلب صاحب الطرف الآخر فكأنهما تراضيا.
٢٦٧٢٢ - قالوا: حقان مقصوران لآدميين، فوجب أن لا يتداخل كالديون.
٢٦٧٢٣ - قلنا: الوصف غير مؤثر؛ لأن الديون لا تتداخل، وإن كانت لواحد نقول بموجبه، لأن القصاص (يتداخل) كما بينا، ولأن محل الديون (الذمة) وهي متسعة، ومحل القصاص الرقبة وهي (تضيق)، فجاز أن يتداخل ما تعلق بها.
[ ١١ / ٥٥٨٠ ]
مسألة ١٣١٤