بعد أن استقر عند الحنفية أن المعتمد في المذهب هو ما أورده الإمام محمد بن الحسن في الروايات الظاهرة، رأى بعض حذّاق الأئمة المعروفين بالفقاهة والزهد والثقة في الرواية، كأبي جعفر الطَّحاوي وأبي الحسن الكَرْخي والحاكم الشهيد المَرْوَزي وأبي الحسين القُدُوري، أن يصنفوا كتبًا مختصرة (^٤) تجمع أهم المسائل
_________________
(١) في "النافع الكبير" ص ٢٣، وانظر "الفوائد البهية" ترجمة رقم ٢٢٦، ص ١٨٠.
(٢) انظر ص ٢٤٢.
(٣) انظر "رسم المفتي" ١/ ٣٦، ٣٧.
(٤) ينتقد البعض أسلوب الاختصار في التأليف قائلًا: إن المقصود من التأليف في كل فمن هو تيسير الوصول إلى المطلوب في ذلك الفن ولا يلتئم هذا المرام بالاختصار الذي يجعل من بعض المسائل ملحقة بالألغاز. . ولكن يرى آخرون أن هذا الغرض المذكور نفسه هو الذي دفع إلى كتابة المختصرات؛ لأن بها يتيسّر على الطالب استيعاب واستظهار أهم المسائل بأقل زمن. ويرى الشيخ عبد الحكيم الأفغاني في كتابه: "كشف الحقائق شرح كنز الدقائق" ١/ ٤، حكمةً في إيراد بعض المسائل المغلقة نتيجة اختصارها فيقول: "إن الحكيم لا يجعل كتابه خاليًا عن العويصات والمعضلات، لئلّا يستبدّ التلميذ بإدراك جميعه! بل يراجع في مجملاته إليه مستفيدًا من فيوضاته دائمًا، انظر إلى كتاب الله تعالى، كم فيه من المجملات لا تُدرك إلا بالمراجعة إلى نبيه - ﷺ -. والحاصل أن المختصر وإن فاتته حكمة الانطواء على المشكلات فقد أدركته حكمة تكثير الانتفاع به" اهـ.
[ ٣٠ ]
الفقهية الملحّة، مع الدّقّة في صوغ العبارة، والتمحيص لكل قول يرى أنه الأصح المعتمد، حتى صارت تلك المتون موضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية (^١)، إذْ "ميزّ مصنفوها بين الراجح والمرجوح، والمقبول والمردود، والقوي والضعيف، فلا يوردون في متونهم إلا الراجح المقبول القوي" (^٢).
وكان من أبرز تلك المختصرات المعتمدة والتي كُتب لها القبول بإذن الله، مختصرُ الإمام القدوري، وهو الذي يطلق عليه اسم "الكتاب" عند الحنفية، وذلك لاستفاضة ذكره عندهم، ولكثرة من تفقّه واعتمد عليه.
قال في "كشف الظنون" (^٣): "وهو متن متين معتبر متداول بين الأئمة الأعيان، وشهرته تغني عن البيان. قال صاحب مصباح أنوار الأدعية: إن الحنفية يتبرّكون بقراءته في أيام الوباء، وهو كتاب مبارك، من حفظه يكون أمينًا من الفقر، حتى قيل إن من قرأه على أستاذ صالح ودعا له عند ختم الكتاب بالبركة فإنه يكون مالكًا لدراهم على عدد مسائله. وفي بعض شروح المجمع أنه مشتمل على اثني عشر ألف مسألة اهـ، وشروحه كثيرة جدًّا. . ." اهـ من "الكشف". "وفي مختصر ربيع الأبرار: أنه لمّا صنّف [الإمام القدوري] هذا الكتاب، حمله مع نفسه إلى بيت الله الحرام وعلّقه من أستاره، وسأل الله تعالى أن يبارك له فيه، فاستجيب له، وجعله مباركًا لذلك" (^٤).
ويُثني الإمام علاء الدين السمرقندي على مختصر القدوري بقوله: "أعلم أن المختصر المنسوب إلى الشيخ أبي الحسين القدوري ﵀، جامع جملًا من الفقه مستعملة بحيث لا تراها مدى الدهر مهملة، يهدي بها الرائض في أكثر الحوادث والنوازل، ويرتقي بها المرتضى إلى أعلى المراقي والمنازل" (^٥)، أما صاحب الهداية فيقول: "وجدت المختصر المنسوب إلى القدوري أجمل كتاب في أحسن إيجاز وإعجاب" (^٦).
_________________
(١) "رسم المفتي" - ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين - ١/ ٣٧.
(٢) "التعليقات السنية" للكنوي، ص ١٨٠.
(٣) ٢/ ١٦٣١.
(٤) انظر التقدمة على مختصر القدوري، الطبعة العثمانية، (در سعادت)، سنة ١٣٠٩ هـ.
(٥) "تحفة الفقهاء"، للسمرقندي ١/ ٥.
(٦) نقله الإمام اللكنوي في ترجمة الإمام المرغيناني في "الفوائد البهية"، ص ٢٣١، رقم ٢٧٨.
[ ٣١ ]
وأخيرًا، يقول صاحب "الجواهر المضية" رحمه الله تعالى (^١): "صنّف [أي الإمام القدوري] من الكتب: المختصر المشهور، فنفع الله به خلقًا (^٢) لا يُحصَون". . (^٣).