" نَعَم؛ اتباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العدم، والترجيح بغير مرجح في المتقابلات ممنوع" (^١). . هذا ما عبر به المصنف، في مستهل كلامه على الترجيح وضرورته في المذهب (^٢)، ووافقه على ذلك من بعده كثير من العلماء.
وإذا تساءلنا عن هذه الأهمية الكبيرة لموضوع الترجيح، (^٣) مع أنه لم يكن ذا بال عند الفقهاء الأولين، ولا رأيناهم بحثوا فيه أو اعتنوا به كل هذا الاعتناء؟ فنشير في الجواب إلى كلام الإمام الفقيه تاج الدين السبكي الشافعي (- ٧٧١ هـ)، في معرض حديثه عن ذلك فيقول: "أعلم أن المتقدمين لم يكن شوقهم إلى الترجيح في الخلاف، ولا اعتنوا ببيان الصحيح، وسبب ذلك أن العلم كان كثيرا، وكان كلٌّ عند الفتيا يفتي بما يؤدّي إليه نظره، وقد يؤدي نظره اليوم إلى خلاف ما أدى إليه أمس، فما كان الأمر عنده مستقرًّا على شيء لتضلعهم بالعلم، فمن ثم ما كان المصنفون يلتفتون إلى تصحيحاتهم، بل يشتغلون عن الترجيح بذكر المآخذ، وفتح أبواب الاستنباط والمباحث، من غير اعتناء بما هو الأرجح، إنما كلٌّ ينظر لنفسه.
_________________
(١) انظر مقدمة المؤلف، ص ١٢١.
(٢) قال في الفتاوى الخيرية (كما في رسم المفتي ١/ ١٣): "ولا شك أن معرفة راجح المختلف فيه من مرجوحه، ومراتبه قوة وضعفًا، هو نهاية آمال المشمرين في تحصيل العلم، فالمفروض على المفتي والقاضي التثبت في الجواب وعدم المجازفة فيها خوفًا من الافتراء على الله تعال بتحريم حلال وضده، ويحرم اتباع الهوى والتشهي والميل إلى المال الذي هو الداهية الكبرى والمصيبة العظمى، فإن ذلك أمر عظيم لا يتجاسر عليه إلا كل جاهل شقي".
(٣) المقصود بالترجيح هنا، هو بيان الراجح من الأقوال المختلفة لأئمة المذهب أو الروايات المختلفة عنهم، أي ليس محل الترجيح في هذا الكتاب الأدلة الشرعية الظنية المتعارضة كخبر الواحد والقياس وغيرهما من الظنيات، أو الأدلة القطعية المتفاوتة الدلالة في خفائها وجلائها والنظر إلى الراجح منها. . فللبحث في ذلك مصنفات أخرى مستقلة، ككتاب مشكل الآثار للطحاوي، أو تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، أو غيرهما من كتب الأدلة الفقهية والفقه المقارن.
[ ٧٣ ]
فلما قلّ العلم، وأشرف على التبدّد، واحتيج إلى ضرب من التقليد، وأن الفقيه يتبع من هو أفقه منه، وإن تشاركا في أصل النظر، اعتني بالراجح" (^١).
وقد تصدى العلماء قديمًا لبيان الراجح وعلامات الترجيح ووضعوا ضوابط يعرف بها القول المعتمد للفتوى من بين أقوال الأئمة، وهو ما سمي برسم المفتي، أي العلامة التي تدل المفتي على ما يفتي به (^٢).
وكان من أوائل من كتب في ذلك: العلامة الحسن بن منصور الأُوزْجَنْدي المعروف بقاضي خان (-٥٩٢ هـ)، في مقدمة فتاواه المشهورة. وأتى من بعده العلامة ابن قطلوبغا ليزيد الموضوع توضيحًا وتنقيحًا في مقدمة كتابه "التصحيح" هذا.
أما الذي توسّع في الموضوع وحقّقه، وأبرزه بمؤلف خاص، فهو العلامة المحقق محمد أمين بن عابدين في منظومته: "عقود رسم المفتي" وشرْحها، فقد جمع في هذه الرسالة ما يعتبر من علامات الفتوى وقواعد الترجيح والإفتاء بالأقوى، وغير ذلك. . مستفيدًا ممّن سبقه من الفقهاء، حتى كانت رسالته هي الغاية في الموضوع، وصار عليها اعتماد كل من جاء بعده.
وسأتبع فيما يلي القواعد الأساسية المتبعة في الترجيح معتمدًا فيها على ما جاء في مقدمة "التصحيح"، تاركًا التفصيل لمظانّه، إلا أني سأبرز مواضع الخلاف، عند اختلاف مناهج الترجيح بين المصنِّف وغيره، وذلك في حِينِه، إن شاء الله تعالى.
يقول المصنف في مقدمة كتابه: "قال بعض من لا يدري مراد العلماء: قد قالوا إن الإمام متى كان في جانب وهما في جانب فالمفتي والقاضي بالخيار، فقلت: ليس كما توهّم. ."، ثم أثبت ﵀ المعاني الآتية:
- المفتي في المذهب إما أن يكون مجتهدًا أو لا.
- والمسألة؛ إما أن ترِد في ظاهر الرواية أو لا.
_________________
(١) "تصحيح التنبيه" للنووي، مقدمة المحقق ١/ ٤٥، ٤٦، نقلا عن "ترشيح التوشيح" للسبكي، (وهو كتاب مخطوط في المكتبة الظاهرية، بدمشق، رقم ٣٧٨، فقه شافعي).
(٢) "رد المحتار" ١/ ٤٧.
[ ٧٤ ]