تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه، وتجوز إزالة النجاسة بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد والماء المستعمل، فإذا أصاب الخفّ نجاسة لها جرم فجفت فدلكه بالأرض جاز، والمني نجس يجب غسله رطبًا، ولو جف على الثوب أجزأ فيه الفرك، والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما، وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس* وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها ولا يجوز التيمم منها، ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والغائط والبول والخمر مقدار الدرهم* فما دونه جازت الصلاة معه وإن زاد لم يجز، وإن أصابته نجاسة مخففة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع الثوب*،
الإسبيجابي: "الصحيح هو القول الأول"، واعتمده الأئمة المصحّحون، [والله أعلم].
باب الأنجاس
قوله: (فجفّت بالشمس)، قال في "الجواهر": "قَيْدُ الشمس وقع شرطًا اتفاقًا بحسب العادة، والشرط الجفاف وذهاب الأثر"، وقال الزاهدي: "الصحيح أنه لا فرق في الجواب بين أن تقع عليه الشمس أو لا تقع، وبين أن يكون فيه حشيش أو لا".
قوله: (مقدار الدرهم)، قال في "الهداية" (^١): "هو قدر عرض الكف في الصحيح"، وقال أبو جعفر الهِنْدُواني (^٢): "قدر عرض الكفّ في الرقيق، ووزن الدرهم المثقال في الكثيف". قال في "الينابيع": "وهذا القول أصح"، وفي الزاهدي: "قيل هو الأصح، واختاره جماعة، وهو أولى لما فيه من إعمال الروايتين (^٣) مع مناسبة التوزيع، والله أعلم".
قوله: (ما لم يبلغ ربع الثوب)، قال في "المحيط" وشرح نجم الأئمة:
_________________
(١) ١/ ٤٤.
(٢) هو محمد بن عبد الله بن محمد أبو جعفر الهِندُواني، إمام كبير من أهل بلْخ. كان شيخًا جليل القدر على جانب عظيم من الفقه والذكاء والزهد والورع، ويقال له من كماله في الفقه: أبو حنيفة الصغير. توفي ببخارى سنة ٣٦٢ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٣/ ١٩٢، ١٩٣، رقم ١٣٤٥، وفيه أنه توفي سنة ٣٩٢، تاج التراجم ص ٢٦٤، ٢٦٥، رقم ٢٤٠، الفوائد البهية ص ٢٩٥، رقم ٣٧٨).
(٣) ذكر الروايتين محمد بن الحسن فقال في "النوادر": الدرهم الكبير هو ما يكون مثل عرض الكف، وفي كتاب الصلاة ذكره من حيث الوزن فقال: الذي قدره مثقال. (العناية على الهداية ١/ ١٨٧).
[ ١٥٠ ]
وتطهير النجاسة * التي تجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عين مرئية فطهارتها زوال عينها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته وما ليس له عين مرئية فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظنّ الغاسل أنه قد طهر.
والاستنجاء سنة يجزئ فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه وليس فيه عدد مسنون وغسله بالماء أفضل، فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا المائع*، ولا
" وهو الأصح"، وقال في "الفوائد" (^١): "وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو الصحيح"، أقال أبو نصر الأقطع: "أصحّ ما روي فيه: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالميزر (^٢) "] (^٣)، قال في "المحيط": "قيل هو ربع جميع الثوب، وقيل ربع طرف إصابته كربع الذيل والكُمّ، وهو الأصح"، وقال في "الجامع البرهاني" (^٤): "وعليه الفتوى"، وقال الزاهدي: "وهو الأصح".
قوله: (وتطهير النجاسة. . إلخ)، قال القاضي: في ظرف الخمر، وقال بعض المشايخ على قول أبي يوسف، إن لم يجفف في كل مرة لكن ملأه بالماء مرة بعد أخرى، فما دام الماء يخرج منه متغير اللون لا يطهر، وإذا خرج الماء صافيًا غير متغير اللون يحكم بطهارته، وعليه الفتوى، ولو بقي الخمر خلًا يطهر الظرف كله، وبه أخذ الفقيه أبو الليث (^٥)، واختاره الشهيد (^٦)، وعليه الفتوى؛ لأن بخار الخل يرتفع إلى أعلى الظرف فيطهر كله.
قوله: (فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا المائع)، قال
_________________
(١) ذكر صاحب "الكشف" كتبًا فقهية كثيرة تسمى بـ "الفوائد" مثل فوائد شمس الأئمة السرخسي وشمس الأئمة الحلواني وبرهان الدين المرغيناني وقاضي خان وغيرها، انظر كشف الظنون ٢/ ١٢٩٤ - ١٣٠٠، واللافت أن الإمام المصنف لم يتطرق إلى ذكر "الفوائد" غير هذه المرة في جميع الكتاب، مع أهمية موضوعه. . وأظن أن كلمة (الفوائد) هنا، قد حُرفت عن (الجواهر)، كما حرفت (الجواهر) إلى (الفوائد) في كتاب "اللباب شرح الكتاب" ٣/ ١٥٠ للشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني وهو ينقل الكلمة - أي كلمة الجواهر - عن "التصحيح" انظر ص ٣٨٦.
(٢) أو "كالإزار" كما في حاشية ابن عابدين، وهو يذكر قول الأقطع هذا. (الحاشية ١/ ٢١٤).
(٣) الزيادة من نسخة (جـ).
(٤) "الجامع البرهاني" هو جامع الصدر الشهيد برهان الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه، كما مر ذكره.
(٥) هو نصر بن محمد بن أحمد السَّمرقندي، الفقيه أبو الليث، المعروف بإمام الهدى، الإمام الكبير، صاحب الأقوال المفيدة والتصانيف المشهورة. تفقه على الفقيه أبي جعفر الهندواني. له من المصنفات تفسير القرآن، النوازل، عيون المسائل، خزانة الفقه، الفتاوى وغيرها. توفي سنة ٣٧٣ وقيل ٣٩٣ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٣/ ٥٤٤، ٥٤٥، رقم ١٧٣٤، تاج التراجم ص ٣١٠، رقم ٣٠٥، الفوائد البهية ص ٣٦٢، رقم ٤٨٥).
(٦) هو الصدر الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه.
[ ١٥١ ]
يستنجي بعظم ولا بروث ولا بطعام ولا بيمينه.
الإسبيجابي: "هذا إذا كان وراء موضع الاستنجاء من النجاسة أكثر من قدر الدرهم، أما إذا كان أقل لكن مع موضع الاستنجاء يكون أكثر من قدر الدرهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يكفيه الاستنجاء بالأحجار، وقال محمد: لا بدّ من غسله (^١)، والصحيح قولهما".
_________________
(١) "بناء على أن المخرج كالظاهر عنده، وكالباطن عندهما". (فتح باب العناية ١/ ١٧٠، وحاشية ابن عابدين ١/ ٢٢٦).
[ ١٥٢ ]