إذا كانت الخيل سائمة ذكورًا وإناثًا وحال عليها الحول فصاحبها بالخيار، إن شاء
ورواه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (^١).
قلت: قد صحّفوا في السند فاستغربوه، وفي المتن فنشأ لهم هذا الوجه، والصواب في السند: "علي بن الحكم" (^٢)، وفي المتن: "مما دون ذلك" (^٣)، يعني في السن لا العدد، [والله أعلم] (^٤).
باب زكاة الخيل
قوله: (الزكاة واجبة في الخيل إذا كانت الخيل سائمةً ذكورًا وإناثًا (^٥)
_________________
(١) = "والأوقاص ما بين الفريضتين". (نصب الراية ٢/ ٣٥١). وبهذا التفسير للوَقَص تتأيد رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة. ولكن قيل في تفسير الوقص غير ما مرّ، فقد قال صاحب الهداية ١/ ١٢١: "وقد قيل إن المراد منها هنا: الصغار"، وقال العلامة ظفر أحمد العثماني في إعلاء السنن ٩/ ٢٨: "وتفسير الوقص بالصغار قد وجدنا في اللغة ما يؤيده، فقد فسره في القاموس بالزعانف أيضًا، والزعنفة القصيرة، وطائفة من كل شيء، أو القبيلة القليلة تنضم إلى غيرها. وقال الشافعي: الوقص هو ما لم يبلغ الفريضة كما في الزيلعي [نصب الراية ٢/ ٣٤٩]، وقال سفيان بن عيينة: الأوقاص ما دون ثلاثين، رواه أحمد عنه في مسنده [٨/ ٢٣٦، رقم ٢٢٠٨٠] اهـ". قلت: ويشهد له أيضًا ما في تاج العروس ١٨/ ٢٠٦: ". . وقال أبو تراب: سمعت مُبْتكرًا يقول: الوَقَش والوَقَص: صغار الحطب الذي تشيع به النار". فبناء على ما سبق، لا يكون قوله: (إن الأوقاص لا فريضة فيها) دالًا على عدم وجوب الزكاة فيما بين السنِّين، قال المحقق الكمال بن الهمام: "فتعارض التفسيران فلا تسقط الزكاة بالشك بعد تحقق السبب". (فتح القدير ٢/ ١٣٤).
(٢) في باب صدتة البقر وما فيها من السنن ص ١٥٧، ١٥٨، رقم ١٠٢٠.
(٣) وهو ما جاء في سند الطبراني، انظر "المعجم الكبير" له ٢٠/ ١٢٤، رقم ٢٤٩.
(٤) واللفظ عند الطبراني: ". . وأمرني أن لا آخذهما دون ذلك حتى تبلغ مسنة وجذعة. .". وقال في نصب الراية ٢/ ٣٤٩: "قالوا: والصحيح ما رواه مالك ﵁ في الموطأ عن حميد بن قيس عن طاوس. . . وفيه: فأتي بما دون ذلك فأبى أن يأخذ منه شيئًا وقال: لم أسمع فيه من رسول الله ﷺ شيئًا. ."، وانظر "الموطأ برواية محمد بن الحسن" ٢/ ١٥٨ - ١٦٠ رقم ٣٣٩.
(٥) في نسخة (د): "في السن لا في الهدد". وما بين الحاصرتين زيادة من (جـ).
(٦) في (ب): "ذكورًا وإناثًا أو إناثًا". وفي (د): "ذكورًا أو إناثًا".
[ ١٩٤ ]
أعطى عن كل فرس دينارًا وإن شاء قومها وأعطى من كل مئتي درهم خمسة دراهم، وليس في ذكورها منفردة زكاة* عند أبي حنيفة، وقالا: لا زكاة في الخيل*. ولا
فصاحبها بالخيار، إن شاء أعطى في كل فرس دينارًا، وإن شاء قوَّمها فأعطى من كل مئتي درهمٍ خمسةَ دراهم، وليس في ذكورها منفردةً زكاة)، أما المختلطة فيجب فيها قولًا واحدًا عنده، قاله في "التحفة" (^١)، وأما الإناث المنفردة فعنه [فيها] روايتان، قال في "الاختيار" (^٢): "الصحيح الوجوب".
وأما الذكور المنفردة، قال قاضي خان (^٣): "في ظاهر الرواية لا تجب، وفي "النوادر" (^٤) تجب"، وفي "التحفة" (^٥): "وفي المشهور من الروايات أن لا زكاة فيها"، وفي "الاختيار" (^٦): "الأصح أنه لا يجب" (^٧).
قوله: (وصاحبها بالخِيار)، قالوا هذا في أفراس العرب لأنها لا تتفاوت فاحشًا، فأما في أفراسنا، تقوّم ويؤدى عن كل مئتي درهم خمسة دراهم، قاله في "المبسوط" (^٨) وقاضي خان (^٩).
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: لا زكاة في الخيل)، قال الطحاوي: "وهذا أحب القولين إلينا"، ورجحه القاضي أبو زيد في "الأسرار" (^١٠)، وقال في "الينابيع": "وعليه الفتوى"، وقال في "الجواهر": "والفتوى على قولهما"،
_________________
(١) "تحفة الفقهاء" ١/ ٢٩٠.
(٢) ١/ ١٠٩.
(٣) " الفتاوى" ١/ ٢٤٩.
(٤) المراد بالنوادر كتب غير ظاهر الرواية كالأمالي لأبي يوسف، والرَّقيات والكَيسانيات، والهارُونيات والجرجانيات لمحمد بن الحسن. وانظر ما مرّ ص ٢٧. (رسم المفتي ١/ ١٧، رد المحتار ١/ ٤٧).
(٥) ١/ ٢٩٠.
(٦) ١/ ١٠٩.
(٧) فعن أبي حنيفة في كل من الذكور المنفردة والإناث المنفردة روايتان، والراجح في الذكور عدم الوجوب وفي الإناث الوجوب، كما في "شرح الهداية" لابن الهمام ٢/ ١٣٩.
(٨) "مبسوط الإمام السرخسي" ٢/ ١٨٨.
(٩) "الفتاوى الخانية" ١/ ٢٤٩.
(١٠) القاضي أبو زيد هو عبيد الله بن عمر بن عيسى الدَّبوسي، أول من وضع علم الخلاف وأبرزه للوجود. كان من كبار الحنفية الفقهاء، ممن يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج. من مصنفاته: تقويم الأدلة، وكتاب الأسرار في الأصول والفروع، وهو أجل تصانيفه. توفي ببخارى سنة ٤٣٠ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٢/ ٤٩٩، ٥٠٠، رقم ٩٠١، تاج التراجم ص ١٩٢، ١٩٣، رقم ١٤٥، الفوائد البهية ص ١٨٤، رقم ٢٣١، كشف الظنون ١/ ٨٤).
[ ١٩٥ ]
شيء في البغال والحمير إلا أن تكون للتجارة، وليس في الفصلان* والحملان
وقال في "الكافي": "وهو المختار للفتوى"، وتبعه شارح الكنز (^١) والبزازي في "فتاواه" (^٢) تبعًا لصاحب "الخلاصة" (^٣)، وقال قاضي خان (^٤): "قالوا الفتوى على قولهما".
وقال الإمام أبو منصور في "التحفة" (^٥): "الصحيح قول أبي حنيفة"، ورجّحه الإمام السَّرْخَسي في "المبسوط" والقُدُوري في "التجريد" (^٦)، وأجاب عما عساه يورَد على دليله، وصاحب "البدائع" وصاحب "الهداية"، وهذا القول أقوى حجة على ما يشهد به "التجريد" للقدوري و"المبسوط" للسرخسي وشرح شيخنا (^٧) للهداية، والله أعلم.
[قال القاضي: وأجمعوا على أن الإمام لا يأخذ منهم صدقة الخيل] (^٨).
قوله: (وليس في الفُصْلان (^٩). . . الخ) (^١٠).
_________________
(١) هو عثمان بن علي بن مِحجَن، فخر الدين الزَّيْلعي، الإمام العلامة. قدم القاهرة سنة ٧٠٥ فدرَّس وأفتى، وكان مشهورًا بمعرفة الفقه والنحو والفرائض. شرح كتاب "كنز الدقائق" في عدة مجلدات وسماه: "تبيين الحقائق"، فأجاد وأفاد، وصحح ما اعتُمد. توفي في رمضان سنة ٧٤٣ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٢/ ٥١٩، ٥٢٠، رقم ٩٢٥، تاج التراجم ص ٢٠٤، رقم ١٦٠).
(٢) قال في كشف الظنون ١/ ٢٤٢: "البزازية في الفتاوى، للشيخ الإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الكردري الحنفي المتوفى سنة ٨٢٧، وهو كتاب جامع لخص فيه زبدة مسائل الفتاوى والواقعات من الكتب المختلفة ورجح ما ساعده الدليل، وذكر الأئمة أن عليه التعويل، وسماه الجامع الوجيز"، قلت: وقد طبعت "الفتاوى البزازية" على حاشية المجلد الرابع والخامس والسادس من "الفتاوى الهندية". (طبعة بولاق، مصر).
(٣) صاحب "الخلاصة" هو: الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، مولده سنة ٤٨٢ وتوفي بسَرْخس سنة ٥٤٢. (الجواهر المضية ٢/ ٢٧٦، ٢٧٧ رقم ٦٦٦، تاج التراجم ص ١٧٢، ١٧٣، رقم ١١٧).
(٤) "الفتاوى" ١/ ٢٤٩.
(٥) "تحفة الفقهاء" ١/ ٢٩١.
(٦) "تجريد القدوري"، في مجلد كبير، أفرد فيه ما خالف فيه الشافعي من المسائل بإيجاز الألفاظ، وأورد بالترجيح ليشترك المبتدئ والمتوسط في فهمه وشرع في إملائه سنة ٤٠٥. (كشف الظنون ١/ ٣٤٦).
(٧) هو المحقق العلامة الكمال بن الهمام. (وانظر فتح القدير له ١/ ١٣٧ - ١٣٩).
(٨) قوله قال القاضي. . . الخ، زيادة من نسخة (جـ).
(٩) "الفصلان جمع فصيل وهو ولد الناقة، [من: فصل الرضيع عن أمه]، والحُملان جمع حَمَل بالتحريك: وهو ولد الشاة في السنة الأولى، والعجاجيل: جمع عِجْل: وهو من أولاد البقر حين تضعه أمه إلى شهر" (انظر: فتح باب العناية ١/ ٤٩٥). ولأبي حنيفة في هذه المسألة ثلاث روايات: الأولى: لا يجب في المواشي الصغار زكاة إلا أن يكون معها كبار، وهذا آخر أقواله وهو قول محمد. الرواية الثانية - وهي قوله الأول -: يجب فيها ما يجب في المسان وهو قول زفر. الرواية الثالثة - وهي قوله الثاني -: فيها واحدة منها وهو قول أبي يوسف. (الهداية ١/ ١٢٣). "ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبي يوسف أنه قال: دخلت على أبي حنيفة فقلت: ما تقول فيمن ملك أربعين حملًا؟ فقال: فيها شاة مسنة، فقلت: ربما تأتي قيمة الشاة على أكثرها أو جميعها! فتأمل ساعة ثم قال: لا ولكن تؤخذ واحدة منها، فقلت: أيؤخذ الحمل في الزكاة؟ فتأمل ساعة ثم قال: لا، إذًا لا يجب فيها شيء. فأخذ بقوله الأول زفر، وبقوله الثاني أبو يوسف، وبقوله الثالث محمد". (العناية شرح الهداية ٢/ ١٣٩).
(١٠) انظر تعليق المصنف على المسألة التالية.
[ ١٩٦ ]
والعجاجيل صدقة عند أبي حنيفة ومحمد إلا أن يكون معها كبار، وقال أبو يوسف: يجوز فيها واحدة منها، ومن وجب عليه سن فلم يوجد أخذ المصدق أعلى منها ورد الفضل أو أخذ دونها وأخذ الفضل، ويجوز دفع القيم في الزكاة وليس في العوامل والعلوفة صدقة، ولا يأخذ المصدق خيار المال ولا رذالته ويأخذ الوسط، ومن كان له نصاب فاستفاد في أثناء الحول من جنسه ضمه إليه وزكاه به، والسائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر حولها، فإن علفها نصف الحول أو أكثر فلا زكاة فيها، والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب دون العفو*، وقال محمد: فيهما، وإذا هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت، وإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز.