لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع* أو في مصلى المصر، ولا تجوز في القرى، ولا يجوز إقامتها إلا للسلطان أو من أمَرَه السلطان، ومن شرائطها الوقت فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده، ومن شرائطها الخطبة قبل الصلاة، يخطب الإمام خطبتين يفصل
يومًا لم يتمّموا الصلاة)، وقال أبو يوسف: "إن كانوا نزلوا أبنية صحت نيتهم، وإن كانوا في الخيام لم تصح"، قال الإسبيجابي: "الأصح ما ذكر في "الكتاب""، [والله أعلم].
قوله: (مع بقاء الوقت)، الزاهدي: "أي قدر التحريمة، وهو الأصح" (^١).
قوله: (ثم أتمّ المقيمون صلاتهم)، قال الكرخي: "ولا يتابع المقتدي (^٢) الإمام في سجود السهو، فإذا سها لا سهو عليه، ولا يقرأ لأنَّه كاللاحق"، قال في "المحيط": وهو الأصح، يعني ومنهم من قال يقرأ. . الخ.
باب صلاة الجمعة
قوله: (لا تصح إلا في عصر جامع)، "الهداية" (^٣): "والمصر الجامع: كل موضع له أمير وقاضٍ ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، وهذا عند أبي يوسف، وعنه أنهم إذا اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم، والأول اختيار الكرخي
_________________
(١) قال الإمام الكاساني: "إن بقي من الوقت مقدار ما يسع لركعة واحدة لا غير، أو للتحريمة فقط، يصلي [المسافر] ركعتين عندنا، وعند زفر: يصلي أربعًا. . . وهذا بناء على أصل مختلف بين أصحابنا وهو مقدار ما يتعلق به الوجوب في آخر الوقت، قال الكرخي وأكثر المحققين من أصحابنا: إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت بمقدار التحريمة، وقال زفر: لا يجب إلا إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدي فيه الفرض، وهو اختيار القدوري". (بدائع الصنائع ١/ ٩٥، ٩٦).
(٢) في (جـ): "ولا يتابع المقيمون".
(٣) ١/ ٩٨.
[ ١٨٣ ]
بينهما بقعدة، ويخطب قائمًا على الطهارة، فإن اقتصر على ذكر الله تعالى جاز عند أبي حنيفة ﵀*، وقالا: لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة، وإن خطب قاعدًا أو على غير طهارة جاز ويكره، وقال أبو يوسف: لا يجوز على غير وضوء، ومن شرائطها الجماعة، وأقلهم عند أبي حنيفة ثلاثة سوى الإمام*، وقال أبو يوسف ومحمد: اثنان سوى الإمام، ويجهر الإمام بالقراءة في الركعتين، وليس فيهما قراءة سورة بعينها، ولا تجب الجمعة على مسافر ولا امرأة ولا مريض ولا عبد، فإن حضروا وصلوا مع الناس أجزأهم عن فرض الوقت، ويجوز للمسافر والعبد والمريض أن يؤم في الجمعة، ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك وجازت
وهو الظاهر، والثاني اختيار البلخي (^١) "، قلت: واعتمد هذا برهان الشريعة، والأولَ النسفيُّ.
قال قاضي خان (^٢): "ولا يكون الموضع مصرًا في ظاهر الرواية إلا أن يكون فيه مفتٍ وقاضٍ يقيم الحدود وينفذ الأحكام، وبلغت أبنيته أبنية منى".
قلت: وهذا معنى (^٣) الأول؛ لأنَّه يكتفى بالقاضي عن الأمير، والغالب أن تبلغ أبنية ما هذا شأنه أبنية منى، والله أعلم.
قوله: (وإن اقتصر على ذكر الله تعالى جاز عند أبي حنيفة)، رُجِّح في الشروح دليلُه، واعتمده برهان الشريعة والنسفي.
قوله: (وأقلهم عند أبي حنيفة ومحمد ثلاثة سوى الإمام)، رُجح في الشروح دليله (^٤)، واختاره المحبوبي والنسفي.
_________________
(١) كذا في النسخ المخطوطة (أ، ب، جـ، د)، وهو تصحيف صوابه: "الثَّلْجي". كما في الهداية وفتح القدير ٢/ ٢٤. والثلْجي هو محمد بن شجاع الثلجي، فقيه أهل العراق في وقته، والمقدم في الفقه والحديث وقراءة القرآن، مع ورع وعبادة. كان من أصحاب الحسن بن زياد، من مصنفاته: تصحيح الآثار، وكتاب المناسك، والرد على المشبهة وغير ذلك. مات سنة ٢٦٦ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٣/ ١٧٣ - ١٧٥، رقم ١٣٢٦، تاج التراجم ص ٢٤٢، ٢٤٣، رقم ٢٠٥).
(٢) ١/ ١٧٤.
(٣) في (جـ): "بمعنى".
(٤) أي دليل أبي حنيفة (ونقله عنه ابن عابدين في حاشيته ١/ ٥٤٥)، وهو موافق لما جاء في القدوري حيث جعل قول الإمام في جانب، والصاحبين في جانب، لكنه خلات المنصوص المثبت عند المصنف إذ قال: (وأقلهم عند أبي حنيفة ومحمد)، وقد جاء ذكر قول محمد موافقًا لقول الإمام أيضًا في هذه المسألة في "البدائع" ١/ ٢٦٨، و"فتح باب العناية" ١/ ٤٠٧، و"الهداية" ١/ ٩٩.
[ ١٨٤ ]
الصلاة، فإن بدا له أن يحضر الجمعة فتوجه [إليها] بطلت صلاة الظهر عند أبي حنيفة بالسعي *، وقالا: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام، ويكره أن يصلي المعذور الظهر بجماعة يوم الجمعة، وكذلك أهل السجن. ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدرك وبنى عليها الجمعة، وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو بنى عليها الجمعة عند أبي حنيفة* وأبي يوسف، وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة وإن أدرك أقلها بنى عليها الظهر، وإذا خرج الإمام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته، وإذا أذن المؤذن يوم الجمعة الأذان الأول* ترك الناس البيع وتوجهوا إلى الجمعة فإذا صعد الإمام المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، فإذا فرغ من خطبته أقاموا.