إذا تعذر على المريض القيام صلى قاعدًا يركع ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماء وجعل السجود أخفض من الركوع ولا يرفع إلى وجهه شيئًا يسجد
ويستوي فيه القعدة الأولى والثانية وعليه الاعتماد، وإن رفع ألْيتيه عن الأرض، وركبتاه على الأرض، لم يرفعهما فلا سجود عليه، هكذا روي عن أبي يوسف".
قوله: (وذلك أول ما عرض له)، قال القاضي (^١): "اختلفوا في تفسير ذلك، قال بعضهم: أول ما سها في هذه الصلاة، وقال بعضهم: أول ما سها في غيرها (^٢)، وعليه أكثر المشايخ" (^٣).
[قوله: (بنى على غالب ظنه)، وقال أبو نصر الأقطع: وهذا هو المشهور من قولهم، وروى الحسن عن أبي حنيفة: بنى على اليقين] (^٤).
_________________
(١) = وقال ملا علي القاري: "وفي شرح الكنز: والأصح أنه يقعد ما لم يستتم قائمًا، قلت: وهو ظاهر الرواية، ويؤيده قوله ﵊: "إذا استتم أحدكم قائمًا فليصلِّ وليسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه"، رواه الطحاوي، وهو اختيار محمد بن الفضل". (فتح باب العناية ١/ ٣٦٧، ٣٦٨ بتصرف يسير).
(٢) "فتاوى قاضي خان" ١/ ١٢٠.
(٣) واللفظ في "الفتاوى": "أول ما سها في عمره".
(٤) "قال صاحب الأجناس: معناه أول ما سها في عمره، وقال شمس الأئمة السرخسي: معناه أن السهو ليس بعادة له، لا أنه لم يسْهَ قط، وقال فخر الإسلام: يعني في هذه الصلاة". (العناية ١/ ٤٥٢).
(٥) ما بين الحاصرتين زيادة من نسخة (د).
[ ١٧٦ ]
عليه، فإن لم يستطع القعود واستلقى* على ظهره وجعل رجليه إلى القبلة أومأ بالركوع والسجود، فإن استلقى على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة*، ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه،
باب صلاة المريض
قوله: (فإن لم يستطع القعود استلقي)، قال في "البدائع" (^١): "ما ذكرنا من الصلاة مستلقيًا جواب المشهور من الروايات".
قوله: (أخّر الصلاة (^٢»، [الهداية] (^٣): "إشارة إلى أنه لا تسقط الصلاة، وإن كان العجز أكثر من يوم وليلة إذا كان مفيقًا، هو الصحيح؛ لأنَّه يفهم مضمون الخطاب، بخلاف المغمى عليه".
قلت: قد صرح المصنف ﵀ بتصحيح خلاف هذا الصحيح في "مختارات النوازل" (^٤) فقال: "فإن لم يستطع الإيماء برأسه أُخرت الصلاة عنه، حتى لو مات لم تجب الكفارة عليه ولا يؤاخذ به ولا تسقط ما دام مفيقًا وإن طال العجز حتى لو صح يقضيها بخلاف المغمى عليه، وقيل: تسقط؛ لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب، فإن المقصود من الخطاب الامتثال بأوامره أداءَ وهو لا يقدر عليه، وقيل: إن كان أقل من يوم وليلة لا يسقط، وإن كان أكثر من يوم وليلة يسقط، وهو الصحيح، كما في (^٥) المغمى عليه". انتهى.
وهذا وفق ما في "البدائع" (^٦) حيث قال: "ثم إذا سقطت عنه الصلاة بحكم العجز، فإن مات من ذلك المرض لقي الله تعالى ولا شيء عليه؛ لأنَّه لم يدرك وقت القضاء، وأما إذا برأ وصحّ، فإن كان المتروك صلاة يوم وليلة أو أقل فعليه القضاء بالإجماع، وإن كان أكثر من ذلك، فقال بعض مشايخنا
_________________
(١) ١/ ١٠٦.
(٢) في نسخة (د): "قوله آخر الصلاة بنى على صلاته قائمًا قال أبو نصر: هذا هو المشهور من رواية الأصل، وروى بئر عن أبي حنيفة أنه يستقبل".
(٣) ١/ ٩٣، وكلمة: "الهداية" مثبتة من (جـ ود)، ساقطة من الأصل.
(٤) كتاب "مختارات النوازل" للإمام علي بن أبي بكر المرغيناني صاحب الهداية، وتصانيفه كلها مقبولة معتمدة كما يقول الإمام اللكنوي في الفوائد البهية ص ٢٣٢. وقد يذكر المصنف كتاب المختارات بلفظ: مجموع النوازل كما في ص ٣٥٩، وفي تاج التراجم ص ٢٠٧ قال: "وله كتاب مختار مجموع النوازل".
(٥) في (د): "كما هو المغمى عليه".
(٦) فصل في أركان الصلاة ١/ ١٠٧، ١٠٨.
[ ١٧٧ ]
يلزمه القضاء أيضًا لأن ذلك لا يعجزه عن فهم الخطاب، فيمنعَ الوجوب (^١)، والصحيح أنه لا يلزمه القضاء لأن الفوائت دخلت في حدّ التكرار، وقد فأتت لا بتضييعه للقدرة (^٢) بقصده، فلو وجب عليه قضاؤها لوقع في الحرج. . ولهذا سقطت عن الحائض وإن لم يكن الحيض معجزها (^٣) عن فهم الخطاب"، وما قال القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان في "فتاواه" (^٤): "إذا عجز المريض عن الإيماء بالرأس في ظاهر الرواية يسقط عنه فرض الصلاة، ولا يعتبر الإيماء بالعينين والحاجبين، ثم إذا خفّ مرضه هل تلزمه الإعادة؟ اختلفوا فيه، قال بعضهم إن زاد عجزه على يوم وليلة لا يلزمه القضاء، وإن كان دون ذلك يلزمه كما في الإغماء، وقال بعضهم: إن كان يعقل لا يسقط عنه الفرض، والأول أصح؛ لأن مجرد العقل لا يكفي لتوجه الخطاب"، وما قال في "المحيط": "عَجْزُ المريض عن الإيماء يُسْقِط عنه الصلاةَ، وإن برأ وصح، قيل يلزمه القضاء وإن كثر كما في النوم (^٥)، والصحيح أنه إن ترك صلاة يوم وليلة يقضي، وإن كان أكثر لا يقضي"، وما قال في "الينابيع": "فإذا زال العذر يجب عليه أن يقضي ما فاته في مرضه، هكذا ذكر [هـ] الكرخي في "مختصره" (^٦)، وقال بعضهم: إن كانت الفوائت أكثر من يوم وليلة لا يجب القضاء، وإن كانت أقل من ذلك فعليه القضاء، وهو الصحيح"، وما قال في "الاختيار" (^٧): "فإن عجز عن الإيماء برأسه أخّر الصلاة. . فإن مات على تلك الحالة فلا شيء عليه، وإن برَأ فالصحيح أنه يلزمه قضاء يوم وليلة لا غير، نفيًا للحرج"، وما قال في "البدائع" في
_________________
(١) وفي البدائع: "لأن ذلك لا يعجزه عن فهم الخطاب فوجبت عليه الصلاة فيؤاخذ بقضائها بخلاف الإغماء لأنَّه يعجزه عن فهم الخطاب فيمنع الوجوب عليه لا، فقد سقط سطر من النُّسخ (أ، ب، جـ، د)، أو أسقطه المصنف اختصارًا. .
(٢) في البدائع: "لا بتضييعه القدرة بقصده".
(٣) في البدائع: "يعجزها".
(٤) ١/ ١٧٢.
(٥) في (د): "وإن كان أكثر كما في اليوم".
(٦) "مختصر الكرخي" في فروع الحنفية، للإمام عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي المتوفى سنة ٣٤٠. شرحه صاحباه: أبو الحسين أحمد بن محمد القدوري، صاحب الكتاب، والإمام أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص (- ٣٧٠ هـ). (انظر كشف الظنون ٢/ ١٦٣٤، ١٦٣٥).
(٧) ١/ ٧٧.
[ ١٧٨ ]
موضع آخر (^١): "وإن كان وجه المريض إلى غير القبلة وهو لا يجد من يحوّل وجهه إلى القبلة ولا يقدر على ذلك بنفسه، يصلي كذلك لأنَّه ليس في وسعه إلا ذلك، وهل يعيدها إذا برأ؟ روي عن محمد بن مقاتل الرازي (^٢) أنه يعيدها، وأما في ظاهر الجواب فلا إعادة عليه؛ لأن العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل الأركان، وثمة لا تجب الإعادة، فههنا أولى". وما قال في "الصغرى" (^٣): "إذا أغمي عليه أو جن أو عجز عن الإيماء بالرأس، إن دام حتى كان أكثر من يوم وليلة تسقط الصلاة وإن كان أقل لا، والصحيح أن العبرة بعدد الصلوات". وما قال في "التتّمة" (^٤): "قال في فتاوى الفقيه أبي الليث: المريض إذا صار بحال لا يستطيع أن يصلي لا بالإيماء ولا بغير الإيماء ومات لا يجب عليه من كفارة الصلوات شيء (^٥) ولا يكون مأخوذًا، وإن برأ وصح إن كان أقل من يوم وليلة قضى تلك الصلوات، وإن كان أكثر لا يقضي دفعًا للحرج، كما في المغمى عليه" (^٦)، وذكر هذا اللفظ في "الكبرى"، وفي "الخلاصة" (^٧): "إذا عجز المريض عن الإيماء برأسه هل
_________________
(١) ١/ ١٠٧.
(٢) محمد بن مقاتل الرازي، قاضي الرَّي، من أصحاب محمد بن الحسن، قال الذهبي: وحدّث عن وكيع وطبقته. (الجواهر المضية ٣/ ٣٧٢، رقم ١٥٤٦، الفوائد البهية ص ٣٢٩، رقم ٤٢٥).
(٣) "الفتاوى الصغرى" للشيخ الإمام عمر بن عبد العزيز المعروف بحسام الدين التمهيد، ذكر فيها أنه لم يبالغ في ترتيبها كما بالغ في ترتيب واقعاته. وقد بوّبها - أو رتبها - نجم الدين يوسف بن أحمد الخاصي". (كذا في كشف الظنون ٢/ ١٢٢٤، ١٢٢٥، وانظر ٢/ ١٢٢٢).
(٤) "تتمة الفتاوى" للإمام برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز صاحب المحيط، قال فيه: "هذا كتاب جمع فيه الصدر الشهيد حسام الدين ما وقع إليه من الحوادث والواقعات. . . ثم إن العبد الراجي محمود بن أحمد بن عبد العزيز زاد على كل جنس ما يجانسه وذيل على كل نوع ما يضاهيه". (كشف الظنون ١/ ٣٤٣، ٣٤٤).
(٥) قال في "الدر المختار شرح تنوير الأبصار": "ولو مات وعليه صلوات فائتة وأوصى بالكفارة، يعطى لكل صلاة نصف صاع من برّ كالفطرة، قال ابن عابدين: قوله (وعليه صلوات فائتة الخ) أي بان كان يقدر على أدائها ولو بالإيماء. . (رد المحتار ١/ ٤٩١، ٤٩٢).
(٦) وجدت في "فتاوى النوازل" للفقيه أبي الليث السمرقندي (المطبوع)، خلاف المنقول عنه هنا - كما في التتمة - حيث قال في باب صلاة المريض ص ٧٢ من النوازل المذكور: "فإن لم يستطع الإيماء إلا برأسه أخر الصلاة عنه ولا يسقط عنه ما دام مفيقًا، وإن العجز بخلاف المغمى عليه، وقيل يسقط [لأن] مجرد الفعل [لعله مجرد العقل] لا يكفي لتوجه الخطاب، فإن المقصد من الخطاب الامتثال بأوامره أداء وهو لا يقدر عليه"، انتهى بحروفه، وبزيادة ما جاء بين حاصرتين.
(٧) "خلاصة الفتاوى" ١/ ١٩٥.
[ ١٧٩ ]
فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام وجاز أن يصلي قاعدًا* يومئ إيماء، فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائمًا ثم حدث به مرض تمّمها
تسقط الصلاة عنه؟ اختلف المشايخ فيه، والمختار ما ذكره الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي أنه تسقط" (^١).
قوله: (جاز أن يصلي قاعدًا)، قال في "البدائع" (^٢): "ثم إذا صلى المريض قاعدًا بركوع وسجود أو بإيماء (^٣) كيف يقعد؟ أما في حال التشهد فإنه يجلس كما يجلس للتشهد بالإجماع، وأما في حال القراءة وفي حال الركوع، روي عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء من غير كراهة، إن شاء محتبيًا، وإن شاء متربّعًا، وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد، وروي عن أبي يوسف أنه إذا افتتح تربع وإذا أراد أن يركع فرش رجله اليسرى وجلس عليها، وروي عنه أنه يتربع على حاله وإنما ينقض ذلك إذا أراد السجود، وقال زفر: يفرش رجله اليسرى في جميع صلاته، والصحيح ما روي عن أبي حنيفة؛ لأن عذرًا أسقط عنه الركن فلأن يسقط عنه سنة أولى" (^٤).
وقال صاحب الهداية في "مختارات النوازل": "إن الفتوى على قول زفر"، قلت (^٥): هو تبعٌ لأبي الليث، فقد قال في "الذخيرة": "قال الفقيه أبو الليث: الفتوى على قول زفر".
قلت: وليس هو قول زفر وحده، بل أشار إليه أبو حنيفة ومحمد على ما
_________________
(١) وخلاصة القول، أن هذه من المسائل التي رجح فيها المصنف خلاف ما في ظاهر المتون، وإن لم يصرح بذلك - كعادته في الترجيح -، فقد أكثر من النقول في تصحيح القول بأن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس تسقط الصلاة عنه إن دام ذلك أكثر من يوم وليلة، وذلك بعد أن ذكر القول المقابل والمصحَّح أيضًا مرة واحدة في بداية المسألة. وقلتُ (خلاف ظاهر المتون)؛ لأن فيها ما يدل على أن الصلاة تؤخر فتقضى لا أنها تسقط عنه، ففي مختصر القدوري: "فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخّر الصلاة"، وقال صاحب النُّقاية ١/ ٣٨٦: "والإيماء بالرأس فإن تعذر أخر"، وقال النسفي في الكنز (١/ ٢٠١ مع تبيين الحقائق): "وإن تعذر القعود أومأ مستلقيًا أو على جنبه وإلا أُخرت"، وفي المختار ١/ ٧٧: "فإن عجز عن الإيماء برأسه أخر الصلاة. . ".
(٢) ١/ ١٠٦.
(٣) في نسخة (د): "بركوع وسجود أو نائمًا" تصحيف.
(٤) انتهى كلام الكاساني، ولفظ البدائع في الجملة الأخيرة "لأن عذر المرض أسقط عنه الأركان فلأن يسقط عنه الهيآت أولى".
(٥) في (جـ): "قوله".
[ ١٨٠ ]
قاعدًا يركع ويسجد أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود أو مستلقيًا إن لم يستطع القعود، ومن صلى قاعدًا يركع ويسجد لمرض به ثم صح بنى على صلائه قائمًا*، فإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة، ومن أغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صح، فإن فاتته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض.