اشتهر العلامة قاسم بتواضعه وزهده وورعه، وقُصد بالفتاوى في النوازل والمهمات فبلغوا باعتنائه بهم مقاصدهم غالبًا. واشتغل بالتدريس، فدرّس الحديث بقبة البيبرسية عقب ابن حسان، ثم رغب عنه بعد ذلك، وقرّره جانبك الجداوي في مشيخة مدرسته التي أنشأها بباب القرافة، ولم يدم ذلك كثيرًا.
عُيّن لمشيخة الشيخونية عند توعك الكافيجي بسفارة المنصور، حين كان
_________________
(١) هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي الشافعي، علّامة كثير التصانيف، ومن أشهرها: "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع"، توفي سنة ٩٠٢ رحمه الله تعالى. (شذرات الذهب ٨/ ١٥).
(٢) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط المولود سنة ٨٠٩، والمتوفى سنة ٨٨٥ رحمه الله تعالى. (الأعلام ١/ ٥٦)
(٣) هو يحيى بن محمد أبو زكريا شرف الدين الحدادي المناوي الشافعي، ولي قضاء مصر، توفي سنة ٨٧١ رحمه الله تعالى. (الضوء اللامع ١٠/ ٢٥٤)
(٤) "شذرات الذهب" ٧/ ٣٢٦.
[ ٤٥ ]
بالقاهرة عند الأشرف قايِتْباي (^١)، وكذا بسفارة الأتابك أيبك فقدرت وفاته قبله.
ولما استقر رفيقه السيف الحنفي في مشيخة المؤيدية عرض عليه السكنى بقاعها لعلمه بضيق منزله وكثرة عياله، مع تكلفه بالصعود إليه لكونه بالدور الأعلى، فما وافق. .
ولما استقر الشمس الأمشاطي في قضاء الحنفية رتب له من معاليمه في كل شهر ثمان مئة درهم، لمزيد اختصاصه به، وتقدم صحبته معه.
ومع أنه لم ينل من المناصب ما يستحقه ويناسب حاله، حتى التدريس في الأمكنة التي صار يدرس فيها من هو دونه في جميع الأوصاف (^٢)، إلا أنه كان عالي الهمة، عظيم النفس، لم يتأثر بظروفٍ (^٣) شخصية أو غيرها فيعتزل الناس، بل دأب على العكس، حيث كان يألف مجالس المناظرة ومذاكرة العلماء بتواضع، وأخلاق رفيعة. .
يقول السخاوي (^٤): "هو إمام علامة قوي المشاركة في فنون، ذاكر لكثير من الأدب ومتعلقاته، واسع الباع في استحضار مذهبه وكثير من زواياه وخباياه، متقدم في هذا الفن، طلق اللسان، قادر على المناظرة وإفحام الخصم، لكن حافظته أحسن من تحقيقه، مغرم بالانتقاد ولو لمشايخه حتى بالأشياء الواضحة. . ولقد سمعته يقول: إنه أفرد زوائد متون الدارقطني أو رجاله على الستة من غير مراجعتها!. كثير الطرح لأمور مشكلة يمتحن بها، وقد لا يكون عنده جوابها (^٥)، ولهذا كان بعضهم يقول: إن كلامه أوسع من علمه، وأما أنا [الإمام السخاوي] فأزيد على ذلك بأن كلامه أحسن من قلمه، مع كونه غاية في التواضع وطرح التكلف وصفاء الخاطر جدًّا، وحسن المحاضرة لا سيما في الأشياء التي يتحفظها، وعدم اليبس والصلابة،
_________________
(١) الأشرف قايتباي، من أبرز سلاطين دولة المماليك، حكم مدة طويلة؛ من سنة ٨٧٢، حتى سنة ٩٠١. (الأعلام ٥/ ١٨٨).
(٢) كما قال صاحب "البدر الطالع" ٢/ ٤٧.
(٣) انظر ما سيأتي ذكره من ضيق عيشه وبلائه.
(٤) في "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٧، ١٨٨.
(٥) كذا في مطبوعة "الضوء اللامع"، وقد وجدت في "طبقات الحنفية" للسخاوي هذه العبارة بلفظ: "وقد يكون عنده جوابها" ومعنى ما أثبتّ أولى، والله أعلم. وكتاب طبقات الحنفية المذكور، مخطوط في المكتبة الوطنية بدمشق، برقم ١٣٨١٨.
[ ٤٦ ]
والرغبة في المذاكرة للعلم وإثارة الفائدة، والاقتباس ممن دونه مما لعله لم يكن أتقنه".
ولقد عانى الشيخ قاسم ﵀ الفقر والفاقة، ولكنه تغلب على ذلك بصبره واحتسابه، على عادة العلماء الصلحاء. . فعاش كريمًا مبتعدًا عن حياة الذل ودناءة التزلّف، رافضًا الاعتماد على الهبات والصدقات، وربما تفقده الأعيان من الملوك والأمراء ونحوهم، فلا يدبّر نفسه في الارتفاق بذلك بل يسارع إلى إنفاقه ثم يعود لحالته، وهكذا مع كثرة عياله وتكرر تزويجه. كل ذلك، مع همّة نادرة في طلب العلم ومدارسة أهله، والاشتغال بالتصنيف والتأليف.
ولقد اشتهر الشيخ ﵀ بالمناضلة عن ابن عربي ونحوه مع حسن عقيدته، كما يقول السخاوي، وكان قد حدث في أواخر سني حياته انشقاقٌ بين العلماء بسبب ابن الفارض الشاعر المتصوف المشهور، وذلك لاختلافهم في فهم بعض الأبيات الشعرية من قصيدته التائية، وكثرت بينهم المحاجة والمناظرة، فمنهم من أخذ بظاهر قوله ونسبه إلى الحلول والاتحاد، وحكم بفسقه وكفره، ومنهم من لم يأخذ بظاهر القول وتأول كلام الشيخ ولم ينسبه إلى فسق أو قول بالحلول، بل حكم بإيمانه الثابت الراسخ (^١).
وقد اشتد الأمر بين الشيخ قاسم ومخالفيه ممن يرون كفر ابن الفارض، حتى تعرّض برهان الدين البقاعي لشيخه - ابن قطلوبغا - بالإساءة، وبالغ في أذيّته،
_________________
(١) جاء في كتاب: "عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي" تأليف: محمود رزق سليم، تحت عنوان: (إنشقاق بين العلماء بسبب ابن الفارض سنة ٨٧٥ هـ)، المجلد الثاني ص ٤١٣ ما يلي: "ولما طال الأمر وبلغ مسامع السلطان قايِتْباي، أمر كاتب السر - ابن مزهر - أن يكتب سؤالا في الموضوع يوجّهه إلى الشيخ زكريا الأنصاري، فأجاب شيخ الإسلام على الاستفتاء بعد تمنّع شديد بما يلي: "يحمل كلام هذا العارف - رحمة الله عليه ونفع ببركاته - على اصطلاح أهل طريقته، بل هو ظاهر فيه عندهم، إذ اللفظ المصطلح عليه حقيقة في معناه الاصطلاحي، مجاز في غيره كما هو مقرر في محله، ولا ينظر إلى ما يوهمه تعبيره في أبيات في التائية من القول بالحلول والاتحاد، فإنه ليس من ذلك في شيء بقرينتَي: حاله ومقاله. ." إلى آخر كلامه الذي كان سببًا في ركود ريح الخلاف وسكون الفتنة والحمد لله رب العالمين. ولكن الغريب جدًا؛ أن مؤلف "عصر سلاطين المماليك" في المجلد السادس ص ٤٧، نسب ابن قطلوبغا إلى القول بالاتحاد! محيلًا في الهامش على ترجمته في "الضوء اللامع"؛ مع أن الإمام السخاوي لم يزد فيه على أن قال: "واشتهر بالمناضلة عن ابن عربي ونحوه مع حسن عقيدته" كما مر. (انظر الضوء اللامع ٦/ ١٨٨).
[ ٤٧ ]
واتهمه بالكذب، وتكلم عليه بما لا يليق (^١)، كما أن المحبّ بن الشحنة بعد أن كان من أخصّ أصحاب الشيخ قاسم الذي أذن لابنه الصغير في الإفتاء، إلا أنه لامس الشيخ منهم غاية المكروه، بحيث شافهوه بمجلس السلطان بما لا يليق، وانتصر له العز قاضي الحنابلة وهجرهم بسببه مدة حتى توسط بينهم العضد الصيرامي.
وبالجملة فقد توقف الكثير منهم في شأنه - ﵀ - ولم ينزلوه منزلته، وهكذا حال أكثرهم جريا على عادة العصريين (^٢).