فإن كانت المسألة في ظاهر الرواية، ولا خلاف، يعمل بها مطلقًا.
وإن كانت مختلفًا فيها:
- فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه، يعمل بقولهما.
- وإن خالف أبا حنيفة صاحباه، أو كان لكلّ منهم قول يأخذ بقول أبي حنيفة إلا في مسائل يسيرة اختاروا الفتوى فيها على قولهما أو قول أحدهما وإن كان الآخر مع الإمام، لتغير أحوال الناس واختلاف العصر والزمان.
وفي غير الروايات عن الأئمة، يقول في ذلك المصنف:
"نعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغيّر العُرف وأحوال الناس وما هو الأرفق
[ ٧٥ ]
بالناس، وما ظهر عليه التعامل، وما قوي وجهه، ولا يخلو الوجود ممّن يميز هذا حقيقة لا ظنًّا بنفسه، فيرجع من لم يميز لمن يميز لبراءة ذمته".
ونقل ﵀ عن الكاساني (-٥٨٧ هـ) فيما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد أو لم يحفظ أقاويل الأصحاب، قال: "عمل بقول أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد من أصحابنا يسعه أن يأخذ بقوله" (^١).
إذًا، على المقلد أن يأخذ بقول أبي حنيفة إذا وردت عنه رواية، إلا في مسائل قليلة اختاروا فيها قول غيره لتغير العرف. . وكذا يأخذ المقلد بقول المشايخ والمجتهدين في المذهب في النوازل والواقعات التي لم يرد فيها رواية عمّن سبقهم.
ومن تتبّع قواعد الترجيح في المذهب لا يجد خلافًا بين العلماء حول هذه القواعد، إلا في زيادة بعض التفاصيل، مثل أن يقدم قول أبي يوسف، ثم قول محمد ثم قول زفر ثم قول الحسن بن زياد. .
ولكن الملاحظ أن الاختلاف في مناهج الترجيح قد بدأ من المرحلة التي تلي ما ذُكر، أي إذا ما اختلف المشايخ والفقهاء المجتهدون حول المفتى به في المسائل المستجدة، هل يؤخذ فيها بقول الأكثر، أم يقدم قول الأعلم، أم العبرة بصيغ التصحيح وعبارات المصحّحين، فيقدم الذي وزنه على أفعل التفضيل، أم إنّ الذي يقابله هو الأولى بالترجيح؟. .
لقد ظهر لي أسلوبان في ذلك، أو منهجان أساسيان، ويمكن القول بأن الأول منهما هو "منهج السابقين"، والثاني "منهج المتأخرين". وكان أبرز من تكلم على الأول، هو العلامة الشيخ قاسم بن قطلوبغا في هذا الكتاب؛ وأما من عبّر عن منهج المتأخرين فهو العلامة المحقق محمد بن عابدين، في رسالته في رسم المفتي.
فمن يطالع كتاب "التصحيح والترجيح" هذا لن يجد فيه شيئًا من التمييز بين طبقات الفقهاء بعد عصر الإمام وصاحبيه، كما أن المصنف لم يلتفت إلى التدقيق بين عبارات التصحيح، فيقدم بعض الصيغ والألفاظ على البعض الآخر، بل جعل تصحيح مسألة ما، من قِبَل مجتهد في المذهب، كافيًا لأخذ المقلّد بها، سواء كان التصحيح بعبارة: هو الصحيح، أو: الأصح، أو كان ترجيحًا بألفاظ أخرى كـ: عليه
_________________
(١) انظر مقدمة المصنف ص ١٢٨، و"بدائع الصنائع" للكاساني ٧/ ٤، ٥ والعبارة فيه: "من أصحابنا من قال: يسعه أن يأخذ بقوله".
[ ٧٦ ]
الفتوى، أو: هو المختار.
ولكن الملاحظ أن ابن قطلوبغا توسع في الاعتداد بالمسائل المصرَّح بتصحيحها، فقدم بعضها على ما في المتون، معتبرًا أنها - أي المتون - وإن كانت صحيحة وقد وضعت لنقل المعتمد في المذهب، إلا أن ما فيها "تصحيح التزامي، والتصريح أقوى من الالتزام" (^١)، وتبعه في ذلك عدد من العلماء، كما ردّ عليه البعض. .
يقول الإمام اللكنوي في مقدمة "النافع الكبير" (^٢): "إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى، فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة ثم للفتاوى، إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك في الشروح والفتاوى ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذ يقدم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى"، وقال في التعليقات السنية (^٣): "قالوا ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، إلا إذا وجد ما يدل على الفتوى في الشروح والفتاوى، فحينئذ يقدم ما فيهما على ما في المتون؛ لأن التصحيح الصريح أولى من التصحيح الالتزامي"، وقال العلامة ابن عابدين (^٤): "صرحوا أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين، أو عدم التصريح أصلا، أما لو ذكرت مسألة في المتون ولم يصرحوا بتصحيحها بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني لأنَّه تصحيح صريح، وما في المتون تصحيح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي، أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح في المذهب".
هذا ما قالوه، ولم يسلَّم لهم. . فقد جاء في "الطراز المُذْهب في ترجيح الصحيح من المذهب" (^٥) ما نصه: "ما ذكره الشيخ قاسم في "التصحيح" في كتاب الحَجْر، حيث قال: (وقال القاضي في كتاب الحيطان: وعندهما يجوز الحجر على الحرّ، والفتوى على قولهما، قلت: هذا تصريح وهو أقوى من الالتزام)، لا
_________________
(١) كما يقول في ص ٢٤٢.
(٢) "النافع الكبير شرح الجامع الصغير"، ص ٢٥، ٢٦.
(٣) "التعليقات السنية على الفرائد البهية" للكنوي، ص ١٨٠.
(٤) "رد المحتار" ١/ ٤٩، وانظر "رسم المفتي" ١/ ٣٦.
(٥) رسالة مخطوطة، موجودة في آخر النسخة التركية (د)، انظر ص ٩٦، والمثيلات ص ١١٤.
[ ٧٧ ]
يجدي نفعًا، ولم يقع موقعه، حيث جعل العلة والمدرك في ذلك إنما هو التصريح دون الالتزام، ولا شك أن العمل والفتوى على كتب المذهب من المتون والشروح، كما صرح به هو وغيره، ألا ترى أنهم يقولون في أحكام كثيرة يقع فيها مصادمة من بعض الكتب لبعض: على رواية كتاب البيوع الحكم كذا، وعلى رواية كتاب الصلاة الحكم كذا، وكذا يقولون: على رواية شرح الطحاوي الحكم كذا وعلى رواية القدوري الحكم كذا إلى غير ذلك، فالمشايخ ﵏ إنما اعتمادهم على المتون وشروحها لأنها موضوعة لما هو المعتمد في المذهب، ولو عملنا بما ذهب إليه الشيخ قاسم من هذا البحث لزمنا إلغاء جميع روايات الكتب التي عليها العمل إذا وجدنا نقلًا عنها ونقلًا عن الفتاوى مصرَّحًا بالتصحيح فيه، وليس الأمر كذلك، إذ لم يقل به أحد من أئمتنا ولا هو المدرك في المسألة، بل المدرك فيها ما صرح هو به في صدر مقدمة "التصحيح" من أن ذلك اختلاف عصر وزمان، وفيه يفتى بقولهما، كما اختاره المشايخ المتأخرون وأجمعوا عليه، كما قد تقرر في موضعه "اهـ. وهو ملمح حسن.!
وبعد ذلك؛ أشير إلى منهج المتأخرين - كما اصطلحت تسميته - فقد كان أول ذلك عندما نشأت مقولة تقسيم الفقهاء على طبقات، وتقسيم المسائل على مراتب (^١)، حيث جُعل ذلك أساسًا في تقديم أحد القولين المتعارضين على مقابله. .
وبحث العلامة ابن عابدين في أصول الترجيح في المذهب، فحقق وأجاد، وأغنى الموضوع وأفاد، وكان من أبرز ما قاله وأضافه على كلام السابقين في موضوع: اختلاف الفقهاء المجتهدين في المسائل التي لم يرد فيها نص عن السابقين، أنه إن كان اجتهاد الأكثر في مقابل اجتهاد الأقل، فالأرجح هو اجتهاد الأكثر، ممّا يختاره الفقهاء الكبار، كأبي حفص، وأبي جعفر، وأبي الليث، والطحاوي، وغيرهم ممن يعتمد عليه في الاجتهاد، فإن تعذّر ذلك، ولم يوجد منهم جواب البتة، فالمفتي مخير بين الاجتهادين مطلقا (^٢).
وإذا كانت الروايات واردة في كتابين معتبرين، فإما أن تصحّح الروايتان معًا
_________________
(١) أي منذ القرن العاشر الهجري، وانظر المدخل ص ٢١ - ٣٠.
(٢) انظر "رسم المفتي" لابن عابدين ١/ ٣٣.
[ ٧٨ ]
بصيغة واحدة، ويكون المفتي مخيرًا بينهما مطلقًا، وإما أن تختلف صيغة التصحيح في إحداهما عن الأخرى، وهنا ينظر:
فإن كان في إحداهما فقط لفظ الفتوى، فالمفتي ملزم بهذه الرواية (^١).
وإذا كان لفظ الفتوى في كليهما معًا، فينظر؛ فإذا كان لفظ الفتوى في إحداهما يفيد الحصر مثل: "به يفتى"، أو: "عليه الفتوى"، أو: "عليه عمل الأمة"، فهو الأَولى. وإذا لم يكن لفظ الفتوى في إحداهما يفيد الحصر، فالمفتي مخير بينهما مطلقا.
أما إذا لم يكن لفظ الفتوى في إحداهما، فينظر أيضًا، فإذا اقترنت إحداهما بإحدى صيغ أفعل التفضيل، فهي التي يفتى بها، وهو المشهور، وقيل: بل يفتى بالرواية الأخرى وجوبًا. أما إذا لم تقترن إحداهما بإحدى صيغ أفعل التفضيل، فالمفتي مخير بينهما (^٢).
وقد ذكر ابن عابدين من الألفاظ التي تستعمل للدلالة على القول الصحيح المعتمد ما يلي: "عليه الفتوى، به يفتى، به نأخذ، عليه الاعتماد، عليه عمل اليوم، عليه عمل الأمة، هو الصحيح، هو الأصح، هو الأظهر، هو المختار في زماننا، فتوى مشايخنا، هو الأشبه، هو الأوجه، وغيرها. ."، ثم ذكر بعدها قواعد الترجيح بين هذه العبارات الموسومة بعلامات الإفتاء، فنقل عن الشيخ خير الدين الرملي في فتاويه: "وبعض الألفاظ آكد من بعض، فلفظ الفتوى، آكد من لفظ الصحيح والأصح والأشبه وغيرها، ولفظ به يفتى، آكد من لفظ الفتوى عليه، والأصح آكد من الصحيح، والأحوط آكد من الاحتياط" (^٣).
وأخيرًا؛ فإن قواعد الترجيح التي ذكرها قاضي خان وتبعه عليها المصنف، ثم
_________________
(١) قال ابن عابدين: "وإذا اختلف اللفظ، فإذا كان أحدهما لفظ الفتوى فهو أولى لأنَّه لا يفتى إلا بما هو صحيح، وليس كل صحيح يفتى به؛ لأن الصحيح في نفسه قد لا يفتى به لكون غيره أوفق لتغير الزمان وللضرورة ونحو ذلك، فما فيه لفظ الفتوى يتضمن شيئين: أحدهما الإذن بالفتوى به، والآخر صحته؛ لأن الإفتاء به تصحيح له، بخلاف ما فيه لفظ الصحيح أو الأصح مثلًا". (رسم المفتي ١/ ٣٨، ٣٩).
(٢) "رسم المفتي" ١/ ٣٩ - ٤٠.
(٣) انظر: "رسم المفتي" ١/ ٣٨، و"الدر المختار" للحصكفي، مع حاشية ابن عابدين ١/ ٧٢، ٧٣. (دار الفكر).
[ ٧٩ ]
تناقلها العلماء من بعد، والتي غالبًا ما أضاف فيها المتأخر على من تقدمه، حتى بلغت تلك الزيادات ذروتَها مع الفقيه ابن عابدين. . إنما كان يُنص على لزوم عمل المفتين بها - وقد التزموا بها فعلًا - لاعتبارات عدة، منها: الحفاظ على أقوال الأئمة المجتهدين من تقوّل أدعياء الاجتهاد، والحرص على هيبة المذهب ومكانته في نفوس أتباعه، كما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
ولكن الذي عليه العلماء أن الاجتهاد يبقى واجبًا مؤكدًا على الأمة في كل زمان، بل قد أدّى اجتهاد بعضهم إلى النظر في هذه القواعد المذكورة نفسها. . يقول إمام العصر محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى: "إن الروايات إذا اختلفت عن إمامنا [أبي حنيفة] في مسألة، فعامّة مشايخنا يسلكون فيها مسلك الترجيح، فيأخذون بظاهر الرواية، ويتركون نادرها، وليس بسديدٍ عندي، سيّما إذا كانت الرواية النادرة تتأيّد بالحديث، فإني أحمله على تلك الرواية، ولا أعبأ بكونها نادرة. ." (^١).
واليوم؛ تتجه أنظار أكثر الباحثين إلى ما يسمى بالاجتهاد الجماعي، ليمارسه فقهاء العصر الثقات، بطريق الشورى فيما بينهم وبين غيرهم من محدثين ولغويين وخبراء. . لأن حركة الحياة متجدّدة، والأعراف متغيرة، ولا بد لكل واقعة من فتوى .. ومن هنا نبتت فكرة إنشاء مجمع فقهي يضم نخبة من فقهاء العصر في مختلف البلاد الإسلامية، وكان من ثمرة هذه الدعوة انعقاد مؤتمرات دورية عديدة للفقه في غير ما مكان من العالم الإسلامي (^٢).
وإلى أن تتحقق الصفة الإلزامية لقرارات ونتائج هذه المؤتمرات، ربما كان الأصلح - فيما يتعلق بغير المسائل التي استجدت - أن نتمسك بتلك القواعد التي بها عُرف القول الراجح في المذهب من بين مختلف الأقوال والروايات، والتي أنارت لأهل العلم سبيلهم، وكانت ضمانة لوحدة الفتوى فيما بينهم، والحمد لله ربّ العالمين.
_________________
(١) انظر: "فيض الباري" كتاب الغسل، باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب خرج كما هو، ١/ ٣٥٧، (نقلته من كتاب: "تراجم ستة من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر، وآثارهم الفقهية" للشيخ عبد الفتاح أبي غدّة، هامش ص ٣٩).
(٢) انظر "المدخل الفقهي العام" للأستاذ مصطفى الزرقا، ١/ ٢٤٩، ٢٥٠.
[ ٨٠ ]