ابتدأ العلامة قاسم بن قُطْلوبغا بالقرآن الكريم فحفظه وهو صغير، ثم أقبل على الاشتغال بالعلم، ودرس الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة حتى صار مبرزًا فيه.
عُرف بالذكاء وقوة الحافظة، وأشير إليه بالعلم (^١)، تصدّر للتدريس والإفتاء مبكرًا، وأخذ عنه الفضلاء، وصار المشار إليه من الحنفية، ولم يخلف بعده مثله (^٢). برع ﵀ في الحديث والفقه وغيرهما (^٣)، وكتبه دالّة على أكثر من ذلك.
وإن مقام الأئمة الحفاظ: الزيلعي والعراقي وابن حجر، في الحفظ وسعة الاطلاع معلوم مشهور، ومع ذلك نجد الشيخ قاسمًا يستدرك عليهم ما يعسر عليهم الوقوف عليه، فقد استدرك على الزيلعي ما فاته من تخريج "الهداية" في: "منية الألمعي"، واستدرك على العراقي ما فاته من تخريج "الإحياء" في: "إتحاف الأحياء بما فات من تخريج أحاديث الإحياء"، واستدرك على ابن حجر في "الدراية" التي
_________________
(١) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٥.
(٢) "البدر الطالع" ٢/ ٤٥، ٤٦.
(٣) فقد عرف أيضا بحسن النظم والفصاحة، يقول السخاوي (في ترجمته في الضوء اللامع ٦/ ١٨٩): "وقد صحبته قديما. . وكتبت عنه من نظمه وفوائده أشياء. . ويقول: وخطه عندي شاهد بأعلى من ذلك حسبما أثبته في موضع آخر مع كثير من نظمه وفوائده" اهـ، وللسخاوي كتاب في من أثنى عليه من الشيوخ والأقران ممن دونهم، وما علمه مما صدر عنه من السجع (الضوء اللامع ٨/ ١٧) ولربما وجد فيه الكثير من ذخائر العلامة قاسم، والله أعلم. ومن نظم ابن قطلوبغا ردًّا لقول القائل: إن كنت كاذبة التي حدثتني … فعليك إثم أبي حنيفة أو زفر الواثبين على القياس تمردا … والراغبين عن التمسك بالأثر فقال: كذب الذي نسب المآثم للذي … قاس المسائل بالكتاب وبالأثر إن الكتاب وسنة المختار قد … دلا عليه فدع مقالة من فشر
[ ٤٩ ]
لخص فيها "نصب الراية" في الحواشي التي كتبها على "الدراية" (^١).
ومقام الإمام المحقق ابن الهمام في علم الفقه مشهور، وقد وقع اختياره ﵀ أن يكون العلامة قاسم خليفة عنه بعد وفاته، قال العلامة الكشميري في "فيض الباري": "لما دنا وفاة ابن الهمام سأله الناس عمن يجلس مجلسه بعده؟ فقال: العلامة قاسم بن قطلوبغا." (^٢)!
وإذا كان الشيخ قاسم قد دعا إلى التزام الراجح في المذهب وعدم قبول التلفيق والخروج على المذهب المتبع، إلا أنه لم يقبل مقولة أن المجتهد قد فُقد أو أن باب الاجتهاد قد أغلق، بل إن ابن عابدين ﵀ لا يستبعد أن يكون ابن قطلوبغا نفسه ممن بلغ تلك المرتبة، حيث قال - بعدما نقل عن شيخ الإسلام "علي المقدسي" أن ابن الهمام بلغ رتبة الاجتهاد -: "وكذلك نفس العلامة قاسم من أهل تلك الكتيبة" (^٣).
ولبلوغه تلك المكانة في العلم فقد استفاد منه كثير من علماء عصره، ومن جاء بعدهم من الأئمة، وكان من أبرز هؤلاء: العالم الجليل مفتي مكة العلامة إبراهيم البيري، الذي شَرَح "التصحيح والترجيح" (^٤). . وخاتمة المحققين العلامة ابن عابدين، وقد ظهر انتفاعه به في غير ما تصنيف له. . وكذلك تلميذه الشيخ عبد الغني الميداني الذي جعل كتاب "التصحيح" مرجعًا مهمًّا، لكتابه النافع المشهور: "اللباب شرح الكتاب". . (^٥).
ومما يدل على منزلة المؤلف الرفيعة بين العلماء، ما وجدناه من عباراتهم الكثيرة في مدحه والثناء عليه، والإشادة بعظيم علمه وفضله.
فقد وصفه الحافظ ابن حجر العسقلاني بـ "الإمام العلامة المحدث الفقيه الحافظ". ولما قرأ عليه الشيخ قاسم كتابه "الإيثار بمعرفة رواة الآثار" وصفه بـ "الشيخ الفاضل المحدّث الكامل الأوحد"، وقال: "قراءة عليّ وتحريرًا، فأفاد ونبّه
_________________
(١) انظر: "دراسة حديثية مقارنة لنصب الراية وفتح القدير ومنية الألمعي"، تأليف محمد عوامة، ص ٣٠٠.
(٢) "دراسة حديثية مقارنة لنصب الراية وفتح القدير ومنية الألمعي"، لمحمد عوامة، ص ٣٠٢، ٣٠٣.
(٣) "رسم المفتي" ١/ ٣٢.
(٤) انظر "هدية العارفين" ١/ ٣٤.
(٥) وانظر ذلك بمزيد من التفصيل في مبحث: "أهمية الكتاب"، ص ٧١، ٧٢.
[ ٥٠ ]
على مواضع ألحقت في هذا الأصل فزادته نورًا"، وهو المعني بقوله في خطبة الكتاب: "إن بعض الإخوان التمس مني، فأجبته إلى ذلك مسارعًا ووفقت عند ما اقترح طائعًا" (^١).
وقال العلامة المقريزي: "وبرع في فنون من فقه وعربية وحديث وغير ذلك، وكتب مصنفات عديدة" (^٢).
ووصفه ابن الدَّيْري بـ "الشيخ العالم الذكيّ" (^٣).
وقال السخاوي: "هو إمام علامة قوي المشاركة في فنون. . واسع الباع في استحضار مذهبه وكثير من زواياه وخباياه، متقدم في هذا الفن طلق اللسان، قادر على المناظرة وإفحام الخصم، لكن حافظته أوسع من تحقيقه .. وكلامه أحسن من قلمه، مع كونه غاية في التواضع وطرح التكلف وصفاء الخاطر جدًّا وحسن المحاضرة، ولا سيما في الأشياء التي يتحفظها، وعدم اليبس والصلابة، والرغبة في المذاكرة للعلم وإثارة الفائدة، والاقتباس ممن دونه مما لعلّه لم يكن أتقنه، وقد انفرد عن علماء مذهبه الذين أدركناهم بالتقدم في هذا الفن، وصار بينهم من أجلة شأنه" (^٤).
وترجمه الزين رضوان (^٥) في بعض مجاميعه بقوله: "من حذّاق الحنفية، كتب الفوائد واستفاد وأفاد" (^٦).
وقال برهان الدين البقاعي: "شاع ذكره وانتشر صيته وأثنى عليه مشايخه، وصنف التصانيف المفيدة. ." (^٧).
وقال ابن إياس (^٨): "كان عالمًا فاضلًا فقيها محدّثا كثير النوادر، مفتيًا من أعيان
_________________
(١) الضوء اللامع ٦/ ١٨٥، وانظر مقدمة "الإيثار بمعرفة الآثار" للحافظ ابن حجر ص ٣٥.
(٢) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٩.
(٣) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٥.
(٤) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٥.
(٥) هو رضوان بن محمد بن يوسف، الزين الشافعي الحافظ القاهري، توفي سنة ٨٥٢ ﵀. (شذرات الذهب ٧/ ٢٧٤، البدر الطالع ١/ ٢٤٦)
(٦) "الضوء اللامع" ٦/ ١٨٥.
(٧) انظر "شذرات الذهب" لابن العماد ٧/ ٣٢٦، نقلًا عن "عنوان الزمان بتراجم الأقران" للبقاعي.
(٨) في: "بدائع الزهور في وقائع الدهور" ٣/ ٩٧.
[ ٥١ ]
الحنفية .. وقال: وكان نادرة عصره".
ويقول ابن الحمصي (^١): "الشيخ الإمام العلامة المفنن المحقق زين الدين قاسم بن قطلوبغا .. لم يخلف بعده حنفيًّا مثله رحمه الله تعالى".
وقال عنه الشوكاني (^٢): "أخذ عنه الفضلاء في فنون كثيرة، وصار المشار إليه في الحنفية، ولم يخلف بعده مثله".
وقال الإمام اللكنوي (^٣): ". . وقد طالعت من تصانيفه: فتاواه، وشرح مختصر المنار ورسائل كثيرة، كلها مفيدة شاهدة على تبحره في فمن الفقه والحديث وغيرهما".
وأختتمُ مع كلمة العلامة ابن عابدين حيث ذكره في مقدمة حاشيته (^٤) بقوله: "الحافظ الذي انتهت إليه رآسة مذهب أبي حنيفة في زمنه، الشيخ قاسم الحنفي".