لا بد للمفتي المقلِّد أن يعلم حال من يفتي بقوله، حتى يكون على بصيرة وافية تمكنه من التمييز بين القائلَين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين، "ولحاجته إلى معرفة من اعتبر قوله في انعقاد الإجماع في محل الاتفاق والاجتماع، ويعتد به في الخلاف في محل الافتراق والاختلاف، وافتقاره إليه في الترجيح والإعمال عند تعارض الأقوال بقول أعلَمِهم وأورعهم في
_________________
(١) المرجع السابق.
(٢) في كتابه: "أبو حنيفة النعمان إمام الأئمة الفقهاء" ص ٦٤، (بتصرف).
(٣) وفي فتاوى العلامة قاسم بن قطلوبغا: أن ما لم يحكِ محمد فيه خلافًا فهو قولهم جميعًا، كما ذكر المحقق الكمال بن الهمام. (انظر "رسم المفتي" لابن عابدين ١/ ١٩).
[ ٢١ ]
الأحوال" (^١)، إلا أنه لم يُنقل عن المتقدمين تقسيم الفقهاء إلى مراتب وطبقات، وإن كان البعض قد وُصف بالاجتهاد في المذهب، أو بأن له تخريجات أو ترجيحات. .
والتقسيم الذي شاع وتداولته كتب الحنفية هو الذي وضعه أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (^٢) في القرن العاشر الهجري، وتبعه الحَنّائي علي بن أمر الله (^٣) في كتابه "طبقات الحنفية" وقال فيه (^٤): "كذا حقّقه بعض الفضلاء من المتأخرين"، ثم اعتمده غير واحد من بعد، من أبرزهم العلامة ابن عابدين (^٥) ﵀ في رسالته في رسم المفتي (^٦). .
إلا أن هذا التقسيم لم يسلم من النقد فقد اعتُرض عليه من وجوه، وسنذكر أولًا كلام ابن كمال باشا بحروفه، ثم نورد بعض ما تُعقِّب به عليه.
قال ﵀: (^٧) "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. أعلم أن الفقهاء على سبع طبقات:
الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع من الأدلة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس، على حسب تلك القواعد من غير تقليد أحد في الفروع والأصول.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف ومحمد وسائر أصحاب أبي حنيفة - ﵏ - القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلة المذكورة على حسب القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة رحمة الله عليه وعيَّنها، فإنهم وإن خالفوه في بعض الأحكام الفرعية لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون
_________________
(١) من: "طبقات الحنفية" لعلي بن أمر الله الحنائي، مخطوط في المكتبة الوطنية بدمشق رقم ٨٩٥٠، الورقة رقم ٩.
(٢) توفي سنة ٩٤٠ هـ كما في الأعلام ١/ ١٣٣، وفيه أنه صنف طبقات الفقهاء (مخطوط)، وطبقات المجتهدين (مخطوط).
(٣) المتوفى سنة ٩٧٩ هـ، كما في الأعلام ٤/ ٢٦٤، ٢٦٥، وفيه: الحَنّالي.
(٤) الورقة رقم ١١.
(٥) هو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد سنة ١١٩٨، وتوفي سنة ١٢٥٢ هـ رحمه الله تعالى. (الأعلام ٦/ ٤٢).
(٦) ١/ ١١، ١٢ (ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين).
(٧) نقل نصَّ رسالة ابن كمال باشا هذه، الإمام الكوثري في هامش: "حسن التقاضي" ص ٢٥ - ٢٧.
[ ٢٢ ]
عن المعارضين في المذهب ويفارقونهم كالشافعي ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة رحمة الله عليه في الأحكام غير المقلدين له في الأصول.
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف وأبي جعفر الطحاوي وأبي الحسن الكرخي وشمس الأئمة الحلوائي وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوي وفخر الدين قاضي خان وغيرهم، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ لا في الفروع ولا في الأصول، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عنه، على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرازي وأصحابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المآخذ يقدرون على تفصيل مجمل ذي وجهين وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو واحد من أصحابه المجتهدين، برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، وما وقع في بعض المواضع من الهداية من قوله: كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي، من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلِّدين، كأبي الحسين القُدُوري وصاحب الهداية وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر بقولهم: هذا أولى، وهذا أصح دراية، وهذا أصح رواية، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق للناس.
السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب وظاهر الرواية، والروايات النادرة كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين كصاحب "الكنز" وصاحب "المختار" وصاحب "الوقاية" وصاحب "المجمع"، وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر، ولا يفرقون بين العجاف والسمين والشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون، وهم كحاطب ليل فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل. والحمد لله أوّلًا وآخرًا" اهـ.
قال الإمام الكوثري ﵀ (^١): ولم يصب ابن الكمال الوزير في ترتيب
_________________
(١) في حسن التقاضي ص ٢٤، ٢٥.
[ ٢٣ ]
الطبقات ولا في توزيع الفقهاء عليها، وإن لقي استحسانًا من المقلِّدة بعده، وقد تعقبه الناقد العصامي الشهاب المَرْجاني (^١) في كتابه: "ناظورة الحق"، بهدم الأمرين - الترتيب والتوزيع معًا - فعاد الأمر إلى نصابه بتحقيقه، فجزاه الله عن العلم خيرًا".
ومما قاله الشيخ شهاب الدين المرجاني في رده - ﵀ -: ". . ومهما تسامحنا معهم - ابن كمال ومن تبعه - في عدّ الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السبع - وهو غير مسلم لهم - فلا يتخلصون من فحش الغلط والوقوع في الخطأ المفرط في تعيين رجال الطبقات وترتيبهم على هذه الدرجات" (^٢). ثم أخذ يبيّن درجة العلماء الثلاثة أبي يوسف ومحمد وزفر في الاجتهاد وأنهم قد يخالفون أبا حنيفة في قواعد الأصول، وأن حالهم في الفقه إن لم يكن أرفع من مالك والشافعي وأمثالهما فليسوا بدونهما، وقال: غير أنهم لحسن تعظيمهم للأستاذ وفرط إجلالهم لمحله ورعايتهم لحقه، تشمروا على تنويه شأنه، وتوغلوا في انتصاره والاحتجاج لأقواله وروايتها للناس. . لاعتقادهم أنه أعلم وأورع وأحق للاقتداء به والأخذ بقوله، وأوثق للمفتي وأرفق للمستفتي. . ومن ذلك الوجه امتازوا عن المخالفين كالأئمة الثلاثة والأوزاعي وسفيان وأمثالهم، لا لأنهم لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في الشرع، ولو أنهم أولعوا بنشر آرائهم بين الخلق وبثها في الناس والاحتجاج لها بالنص والقياس لكان كل ذلك مذهبا منفردا عن مذهب الإمام أبي حنيفة، مخالفًا له" (^٣).
ثم انتقل المرجاني لمناقشة ابن كمال في تعيين رجال الطبقات على هذه الدرجات فقال: ثم إن قوله في الخصاف والطحاوي والكرخي إنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة لا في الأصول ولا في الفروع ليس بشيء، فإن ما خالفوه فيه من المسائل لا يعد ولا يحصى، ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة بالقياس والمسموع، واحتجاجات بالمنقول والمعقول، على ما لا يخفى على من تتبّع كتب الفقه والخلافيات والأصول. .
ثم إنه عدّ أبا بكر الرازي الجصّاص من المقلدين الذين لا يقدرون على
_________________
(١) هو شهاب الدين بن بهاء الدين المَرْجاني القرْاني، دراسته في بخارى وسمرقند، وتخرج على يديه كثير من العلماء، توفي سنة ١٣٠٦ هـ رحمه الله تعالى، (الأعلام ٣/ ١٧٨).
(٢) "حسن التقاضي"، ص ٨٥.
(٣) "حسن التقاضي" ص ٨٨.
[ ٢٤ ]
الاجتهاد أصلًا، وهو ظلم عظيم في حقه وتنزيل له عن رفيع محله وغض منه وجهل بيّن بجلالة شأنه في العلم. . ومن تتبع تصانيفه والأقوال المنقولة عنه عَلِم أن الذين عدهم من المجتهدين من شمس الأئمة ومن بعده كلهم عيال لأبي بكر الرازي. .
ثم إنه جعل القُدُوري وصاحب الهداية من أصحاب الترجيح، وقاضي خان من المجتهدين، مع تقدم القدوري على شمس الأئمة زمانًا وكونه أعلى منه كعبًا وأطول باعا. . وأما صاحب الهداية فكيف ينزل شأنه عن قاضي خان بمراتب؟ بل هو أحق منه بالاجتهاد وأثبت في أسبابه وألزم لأبوابه.
هذا ولم يحصل من بيانه فرق بين أهل الطبقة الخامسة والسادسة، وليت شعري بأي قياس قاسهم ووجد هذا التفاوت بينهم؟.
والحال أن العلم بهذه الكلية كالمتعذر بالنسبة إلى أجلّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنهم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها" (^١).
ونقل الإمام اللكنوي في مقدمة شرحه على الجامع الصغير تقسيم ابن كمال باشا وأعقبه بقوله: "وكذا ذكره ابن عمر الأزهري المصري المتوفى سنة تسع وسبعين وألف، في آخر كتابه: "الجواهر النفيسة شرح الدرة المنيفة في مذهب أبي حنيفة"، وكذا ذكره من جاء بعده مقلدًا له، إلا أن فيه أنظارًا شتّى من جهة إدخال من في الطبقة الأعلى والأدنى"، ثم نقل بعض كلام المرجاني في الرّدّ عليه (^٢).
وناقش الشيخ محمد أبو زهرة ﵀ تقسيم ابن كمال لفقهاء الحنفية واعترض عليه في عدد من النقاط، وقرر ما يلي:
"إن أبا يوسف ومحمدًا والأصحاب من طبقة المجتهد المطلق، وعليه فليس لهذه الطبقة التي مثّلت بهم من وجود في المذهب الحنفي.
إن الفرق بين الطبقتين الثالثة والرابعة فرق دقيق لا يكاد يستبين، ومن عدهما طبقة واحدة لا يعدو الحقيقة.
إن التفرقة بين الطبقة الخامسة (طبقة المرجّحين) وسابقتها، ليست واضحة، وإنه لكي تكون الأقسام متميزة غير متداخلة يجب حذف طبقة من هذه الطبقات
_________________
(١) انتهى كلام المرجاني باختصار، انظر: "حسن التقاضي" ص ٨٩ - ٩٢.
(٢) "النافع الكبير شرح الجامع الصغير"، للكنوي، ص ١١، ١٢.
[ ٢٥ ]
الثلاث: الثالثة والرابعة والخامسة، واعتبارهما طبقتين اثنتين: إحداهما طبقة المخرجين الذين يستخرجون أحكامًا لمسائل لم تؤثر أحكام لها عن أصحاب المذهب الأولين بالبناء على قواعد المذهب. والثانية: طبقة المرجحين الذين يرجحون بين الروايات المختلفة والأقوال المختلفة.
إن عمل الطبقة السادسة ليس الترجيح، ولكن معرفة ما رُجِّح، وترتيب درجات الترجيح، وقد يؤدي ذلك إلى الحكم بين المرجحين فيختار من أقوالهم أقواها ترجيحًا، وأكثرها اعتمادًا في الترجيح على أصول المذهب، أو ما يكون أكثر عددًا وأعزّ ناصرًا. . ."
ويتساءل أبو زهرة أخيرًا: "أما الطبقة السابعة، فكيف يُعدون من الفقهاء؟ إنهم نَقَلة، إن أردنا أن نرفق بهم في الاسم" (^١).
إن التقسيم الذي اشتهر عن ابن كمال باشا رحمه الله تعالى في جعل فقهاء المذهب الحنفي على سبع طبقات، وإن لقي رواجًا وقبولًا عند بعض العلماء، إذ قد يكون هو أوّل من حاول وضع قاعدة في هذا الشأن، إلا أنه انتقد عليه بإجابات مقنعة، سواء في أصل القسمة وجعلها سبع طبقات، أو في توزيع الفقهاء على هذه الطبقات، كما يتبين من كلام المرجاني واللكنوي والكوثري وأبي زهرة عليهم رحمة الله تعالى.