الحج واجب* على الأحرار البالغين العقلاء الأصحاء إذا قدروا على الزاد والراحلة* فاضلًا عن المسكن وما لا بد منه وعن نفقة عياله إلى حين عوده وكان الطريق آمنًا، ويعتبر في المرأة أن يكون لها محرم يحج بها أو زوج ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام. والمواقيت التي لا يجوز أن يتجاوزها الإنسان إلا محرما: لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل النجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، فإن قدم الإحرام على هذه المواقيت جاز، ومن كان بعد المواقيت فوقته الحل، ومن كان بمكة فميقاته في الحج الحرم وفي العمرة الحل، وإذا أراد الإحرام اغتسل أو توضأ والغسل أفضل ولبس ثوبين جديدين أو غسيلين إزارًا ورداء ومسّ طيبًا إن كان له * وصلى ركعتين وقال: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، ثم يلبي عقيب صلاته فإن كان مفردًا بالحج نوى بتلبيته الحج، والتلبية أن يقول: لبيك اللهم [لبيك، لبيك] لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ولا
كتاب الحَج
قوله: (الحج واجبٌ)، قال في "الهداية" (^١): "وصَفَه بالوجوب وهو فريضة محكمة".
قوله: (إذا قدروا على الزاد والراحلة)، فيه إشارة إلى أنه على الفور، قال في "الهداية": "هذا عند أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه (^٢)، وعند محمد على التراخي" (^٣)، ورَجَّح دليلَ الفور، وقال القُدُوري: "وكان مشايخنا يقولون: هو قولهم"، واعتمده المحبوبي والنسفي.
قوله: (ومسَّ طِيبًا إن كان له)، وعن محمد أنه يكره بما تبقى عينه (^٤)، وما في "الكتاب" هو المشهور، نص عليه في "الهداية".
_________________
(١) ١/ ١٦١.
(٢) أي على الفور، وهو ما ذكره ابن شجاع عن أبي حنيفة ﵀ أنه سئل عمن له مال، يحج به أم يتزوج؟ فقال: بل يحج به. (الكفاية على الهداية ٢/ ٣٢٣).
(٣) انظر "الهداية" ١/ ١٦١، وفيها: "وعند محمد والشافعي .. ".
(٤) أي بعد الإحرام، كما في "الهداية" ١/ ١٦٤.
[ ٢٠٨ ]
ينبغي أن يخل بشيء من هذه الكلمات فإن زاد فيها جاز، فإذا لبى فقد أحرم * فليتق ما نهى الله عنه من الرفث والفسوق والجدال، ولا يقتل صيدًا ولا يشير إليه ولا يدل عليه ولا يلبس قميصًا ولا سراويلًا ولا عمامة ولا قلنسوة ولا قباء ولا خفين إلا أن لا يجد النعلين فيقطعهما أسفل الكعبين، ولا يغطي رأسه ولا وجهه ولا يمس طيبًا، ولا يحلق رأسه ولا شعر بدنه ولا يقصّ من لحيته ولا من ظفره، ولا يلبس ثوبًا مصبوغًا بورس ولا زعفران ولا عصفر إلا أن يكون غسيلًا لا ينفض، ولا بأس أن يغتسل ويدخل الحمام ويستظل بالبيت والمحمل ويشد في وسطه الهميان، ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي، ويكثر من التلبية عقيب الصلوات وكلما علا شرفًا أو هبط واديًا أو لقي راكبًا وبالأسحار، فإذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام، فإذا عاين البيت كبّر وهلّل ثم ابتدأ بالحجر الأسود فاستقبله وكبر ورفع يديه واستلمه وقبله إن استطاع من غير أن يؤذي مسلمًا، ثم أخذ عن يمينه مما يلي الباب وقد اضطبع رداءه قبل ذلك، فيطوف بالبيت سبعة أشواط ويجعل طوافه من وراء الحطيم ويرمل في الأشواط الثلاث الأول ويمشي فيما بقي على هينته ويستلم الحجر كلما مر به إن استطاع، ويختم بالاستلام الطواف، ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين أو حيث تيسّر من المسجد، وهذا الطواف طواف القدوم وهو سنة وليس بواجب، وليس على أهل مكة طواف القدوم، ثم يخرج إلى الصفا* فيصعد عليه ويستقبل البيت ويكبر ويهلل ويصلي على النبي ﵇ ويدعو الله تعالى لحاجته وينحط نحو المروة ويمشي على هينته، فإذا بلغ إلى بطن الوادي سعى بين الميلين الأخضرين سعيًا حتى يأتي المروة فيصعد عليها ويفعل كما فعل على الصفا وهذا شوط، فيطوف سبعة أشواط يبتدئ بالصفا ويختم بالمروة، ثم يقيم بمكة حرامًا يطوف بالبيت كلما بدا له، فإذا كان قبل يوم التروية بيوم خطب الإمام خطبة يعلم الناس فيها الخروج إلى منى والصلاة بعرفات والوقوف والإفاضة، فإذا صلى الفجر يوم التروية بمكة خرج إلى منى فأقام بها حتى يصلي الفجر يوم عرفة، ثم يتوجه إلى عرفات فيقيم بها فإذا زالت الشمس من يوم عرفة صلى الإمام بالناس الظهر والعصر يبتدئ فيخطب الإمام قبل الصلاة خطبته يعلم
قوله: (فإذا لبي فقد أحرم)، قال في "الهداية" (^١): "يعني إذا نوى .. إلا أنه لم يذكرها لتقدم الإشارة إليها في قوله: اللهم إني أريد الحج، ولا يصير شارعًا في الإحرام بمجرد النية ما لم يأت بالتلبية"، قال الإسبيجابي: "خلافًا للشافعي وهو رواية عن أبي يوسف، والصحيح ظاهر الرواية".
قوله: (ثم يخرج إلى الصفا، .. الخ.)، السعي بين الصفا والمروة واجب باتفاقهم.
_________________
(١) ١/ ١٦٦.
[ ٢٠٩ ]
الناس فيها الصلاة والوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار والنحر وطواف الزيارة، ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين*، ومن صلى في رحله وحده صلى كل واحدة منهما في وقتها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما المنفرد*، ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته ويدعو ويعلم الناس المناسك، ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفة، ويجتهد في الدعاء، فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هينتهم حتى يأتوا المزدلفة فينزلوا بها، ومستحب أن ينزل بقرب الجبل الذي عليه الميقدة يقال له قزح، ويصلي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة، ومن صلى المغرب في الطريق لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد*، فإذا طلع الفجر صلى الإمام بالناس الفجر بغلس، ثم وقف ووقف الناس معه فدعا، والمزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر ثم أفاض الإمام والناس قبل طلوع الشمس * حتى يأتوا منى، فيبتدئ بجمرة العقبة فيرميها من بطن الوادي بسبع حصيات مثل حصى الخذف يكبر مع كل حصاة ولا يقف عندها ويقطع التلبية مع أول حصاة، ثم يذبح إن أحب، ثم يحلق أو يقصر والحلق أفضل، وقد حل له كل شيء إلا النساء، ثم يأتي مكة من يومه ذلك أو من الغد أو من بعد الغد فيطوف بالبيت
قوله: (بأذان وإقامتين)، "الهداية" (^١): "وفي ظاهر المذهب: إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذن كما في الجمعة، وعن أبي يوسف أنه يؤذن قبل خروج الإمام، وعنه أنه يؤذن بعد الخطبة، والصحيح ما ذكرناه".
قوله: (ومن صلى الظهر في رَحْله وحدَه صلّى كلَّ واحدةٍ منهما في وقتها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما المنفرد)، قال الإسبيجابي: "الصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده برهان الشريعة والنسفي.
قوله: (لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد) وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر، وقال أبو يوسف: يجزيه وقد أساء، ورجح في "الهداية" وغيرها (^٢) دليلهما، واعتمد قولهما المحبوبي والنسفي.
قوله: (وإذا طلعت الشمس أفاض الأمام والناس حتى يأتوا منى)، قال في "الهداية" (^٣): "هكذا وقع في نسخ "المختصر" وهذا غلط، والصحيح أنه إذا أسفر أفاض الإمام والناس؛ لأن النبي ﷺ (^٤) دفع قبل طلوع
_________________
(١) ١/ ١٧٣.
(٢) كذا في (جـ وب ود)، وفي الأصل: "وغيرهما" تحريف.
(٣) ١/ ١٧٧.
(٤) روى البخاري في "صحيحه"، كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية ٤/ ٢٨٤، رقم ٣٨٣٨ عن =
[ ٢١٠ ]
طواف الزيارة سبعة أشواط، فإن كان سعى بين الصفا والمروة عقيب طواف القدوم لم يرمل في هذا الطواف ولا سعي عليه، فإن لم يكن قدم السعي رمل في هذا الطواف وسعى بعده على ما قدمناه، وقد حل له النساء، وهذا الطواف هو المفروض في الحج، ويكره تأخيره عن هذه الأيام فإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة*، ثم يعود إلى منى فيقيم بها فإذا زالت الشمس من اليوم الثاني من النحر رمى الجمار الثلاث يبتدئ بالتي تلي المسجد فيرميها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عندها ويدعو، ثم يرمي التي تليها مثل ذلك ويقف عندها ثم يرمي جمرة العقبة كذلك ولا يقف عندها، فإذا كان من الغد رمى الجمار الثلاث بعد زوال الشمس كذلك، فإذا أراد أن يتعجل النفر نفر إلى مكة، وإن أراد أن يقيم رمى الجمار الثلاث يوم الرابع بعد الزوال فإن قدم الرمي في هذا اليوم قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة*، ويكره أن يقدم الإنسان ثقله إلى مكة ويقيم [بها] حتى يرمي، فإذا نفر إلى مكة نزل بالمحصّب* ثم طاف بالبيت سبعة أشواط لا يرمل فيها
الشمس" (^١).
قوله: (فإن أخره عنها لزمه دم عند أبي حنيفة)، وهو المعوّل عليه عند النسفي والمحبوبي.
قوله: (جاز عند أبي حنيفة)، قال في "الهداية" (^٢): "وهذا استحسان"، واختاره برهان الشريعة والنسفي وصدر الشريعة.
قوله: (نزل بالمحصَّب) هذا سنة، قال في "الهداية": "هو الأصح" (^٣).
_________________
(١) = عمرو بن ميمون قال: "قال عمر ﵁: إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تشرق الشمس على ثبير، فخالفهم النبي ﷺ فأفاض قبل أن تطلع الشمس".
(٢) يلاحظ من هذه المسألة كيف يَعْرض العلماء مسائل الفقه التي يتدارسونها على الأدلة دائمًا، فما كان موافقًا لها أخذوا به وسلموا لقائله، وإلا توقّفوا .. ففي بعض نسخ المختصر لم يُقتصر فيها على التنبيه على الخطأ (المذكور) بل صُوب مباشرة بعد أن كشط الأصل من كلام المصنف، ولا يشك بهذا الفعل في أمانة المصوِّبين - الأمانة المطلوبة في النقل - لأن أمانتهم مع الحكم الشرعي - والمتفق عليه - كانت أسبق وأعظم. وبهذا غدت نسخ القدوري اليوم كلها مصحّحة ومعدلة في هذه المسألة، ففي المطبوعة العثمانية: "ثم أفاض الإمام والناس معه قبل طلوع الشمس حتى يأتوا منى" وكذا في نسخة اللباب ١/ ١٩٠ وهو الموافق للمخطوطة (أي مخطوطة القدوري) المعتمدة هنا، خلافًا للمخطوطة التي اعتمد عليها المؤلف (الشيخ قاسم) ﵀. هذا وقد ذكر بعضهم أن معنى قول القُدوري: "وإذا طلعت الشمس أفاض الإمام … " أي إذا قربت إلى الطلوع، معتبرًا أن المصنف فعل ذلك اعتمادًا على ظهور المسألة .. (انظر العناية شرح الهداية ٢/ ٣٨١).
(٣) ١/ ١٨١، وفيه: "وقالا: لا يجوز"، وأخّر دليل الإمام.
(٤) انظر "الهداية" ١/ ١٨٢، وقال في "الكفاية" ٢/ ٣٩٦، ٣٩٧: "وهذا احتراز عن قول ابن عباس =
[ ٢١١ ]
وهذا طواف الصدر وهو واجب إلا على أهل مكة، ثم يعود إلى أهله، فإن لم يدخل المحرم مكة وتوجه إلى عرفات ووقف بها* على ما قدمناه سقط عنه طواف القدوم ولا شيء عليه لتركه، ومن أدرك الوقوف بعرفة ما بين زوال الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج، ومن اجتاز بعرفة وهو نائم أو مغمى عليه أو لم يعلم أنها عرفة أجزأه ذلك عن الوقوف، والمرأة في جميع ذلك كالرجل غير أنها لا تكشف رأسها وتكشف وجهها ولا ترفع صوتها بالتلبية ولا ترمل في الطواف ولا تسعى بين الميلين ولا تحلق ولكن تقصر.