الصوم ضربان *: واجب ونفل، فالواجب ضربان منه ما يتعلق بزمان بعينه كصوم رمضان والنذر المعين فيجوز صومه بنية من الليل فإن لم ينو حتى اْصبح أجزأته النية ما بينه وبين الزوال *، والضرب الثاني ما يثبت في الذمّة كقضاء رمضان والنذر المطلق، ولا يجوز إلا بنية من الليل، والنفل كله يجوز بنية من النهار قبل الزوال، وينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين من شعبان فإن رأوه صاموا وإن غم عليهم أكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم صاموا، ومن رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم يقبل الإمام شهادته، وإن كان بالسماء علة قَبِل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلًا كان أو امرأة حرًا كان أو عبدًا، وإن لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير * يقع العلم بخبرهم، ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثاني إلى غروب
كتاب الصَّوم
قوله: (الصوم ضربان .. الخ)، "الهداية" (^١): "صوم رمضان فريضة .. والمنذور واجب".
قوله: (أجزأته النية ما بينه وبين الزوال)، "الهداية" (^٢): "وفي "الجامع الصغير" قبل نصف النهار وهو الأصح؛ لأنَّه لابدّ من وجود النية في أكثر النهار، ونصفُه من وقت طلوع الفجر إلى وقت الضحوة الكبرى (^٣) .. فتشترط النية قبلها للتحقق في الأكثر، ولا فرق بين المسافر والمقيم، خلافًا لزفر (^٤)، لأنَّه لا تفصيل لما ذكرنا من الدليل (^٥) ".
قوله: (جمعٌ كثيرٌ)، لم يقدّر في ظاهر الرواية، واختلف فيه، قال
_________________
(١) ١/ ١٤٣.
(٢) ١/ ١٤٤.
(٣) لأن النهار الشرعي هو من طلوع الفجر إلى الغروب، بخلاف المراد من النهار اللغوي الذي هو طلوع الشمس إلى غروبها. (فتح باب العناية ١/ ٥٥٨).
(٤) قال المحقق الكمال بن الهمام: (قوله (خلافًا لزفر) فإنه يقول لا يجوز [صيام] رمضان من المسافر والمريض إلا بنية من الليل؛ لأنَّه في حقهما كالقضاء لعدم تعبنه عليهما"، (فتح القدير ٢/ ٢٣٩).
(٥) في الهداية: "لا تفصيل فيما ذكرنا .. "، ويعني بذلك حديث: "ألا من أكل فلا يأكلنّ بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم". (الهداية ١/ ١٤٣)، قال ابن الهمام: "وهو مستغرب، والله أعلم به"، (فتح القدير ٢/ ٢٣٧).
[ ٢٠٤ ]
الشمس، والصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهارًا مع النية، فإن أكل الصائم أو شرب أو جامع ناسيًا لم يفطر، وإن نام فاحتلم أو نظر إلى امرأة فأنزل أو ادهن أو احتجم أو اكتحل أو قبّل لم يفطر، فإن أنزل بقبلة أو لمس فعليه القضاء، ولا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه، ويكره إن لم يأمن. وإن ذرعه القيء لم يفطر * وإن استقاء عامدًا ملء فيه فعليه القضاء *، ومن ابتلع الحصاة أو الحديد أفطر، ومن جامع عامدًا في أحد السبيلين أو أكل أو شرب ما يتغذى به أو يتداوى به فعليه القضاء والكفارة مثل كفارة الظهار، ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وليس في إفساد الصوم في غير رمضان كفارة، ومن احتقن أو استعط أو أقطر في أذنيه أو داوى جائفة أو آمة بدواء فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر *، وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة،
بعضهم: ذلك مفوَّض إلى رأي القاضي والإمام، وفي "زاد الفقهاء" للإسبيجابي: "الصحيح أن يكونوا من نواح شتّى".
قوله: (وإن ذَرَعَه القيءُ لم يُفطِر)، اْطَلق فيه فيستوي ملء الفم ودونه.
قوله: (وإن استقاء عمدًا مِلْء فيه فعليه القضاء)، قيّد بملء الفم لأنَّه إن كان أقل لا يفطر عند أبي يوسف، واعتمده المحبوبي، وقال في "الاختيار" (^١): "وهو الصحيح، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة - وإن كان لم يفصل في ظاهر الرواية (^٢) - لأن ما دون ملء الفم تبع للريق كما لو تجشّأ" (^٣)، والله أعلم.
قوله: (فوصل إلى جوفه أو دماغه أفطر)، لا خلاف في هذه المسألة على هذه العبارة، أما لو داوى (^٤) بدواء رطب ولم يتيقن بالوصول، فقال أبو حنيفة: يفطر، وقالا: لا يفطر (^٥)، ورجح قوله في "التحفة" وغيرها.
قوله: (وإن أقطر في إحليله لم يفطر عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف
_________________
(١) ١/ ١٣٢.
(٢) أي جعل في ظاهر الرواية مطلق تعمد القيء مفسدًا، والله أعلم. وعبارة الاختيار: "والصحيح الفصل .. " بدل: (وهو الصحيح).
(٣) قال المحقق الكمال بن الهمام: "وإن استقاء عمدًا وخرج، إن كان ملء الفم فسد صومه بالإجماع، وإن كان أقل من ملء فيه أفطر عند محمد، ولا يفطر عند أبي يوسف، وهو المختار عند بعضهم، لكن ظاهر الرواية كقول محمد، ذكره في الكافي". (فتح القدير ٢/ ٢٦٠ باختصار).
(٤) في نسخة (د): "تداوى".
(٥) قال ابن الهمام رحمه الله تعالى: "لا خلاف في الإفطار على تقدير الوصول، إنما الخلاف فيما إذا كان الدواء رطبًا، فقال [أبو حنيفة]: يفطر للوصول عادة، وقالا: لا لعدم العلم به فلا يفطر بالشك". (فتح القدير ٢/ ٢٦٧).
[ ٢٠٥ ]
وقال أبو يوسف: يفطر*، ومن ذاق شيئًا بفمه لم يفطر ويكره له ذلك، ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيها الطعام إذا كان لها منه بد، ومضغ العلك لا يفطر الصائم ويكره، ومن كان مريضًا في رمضان فخاف إن صام ازداد مرضه أفطر وقضى، وإن كان مسافرًا لا يستضر بالصوم فصومه أفضل وإن أفطر وقضى جاز، وإن مات المريض أو المسافر وهما على حالهما لم يلزمهما القضاء، وإن صح المريض أو أقام المسافر ثم ماتا لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة، وقضاء رمضان إن شاء فرقه وإن شاء تابعه، وإن أخره حتى دخل رمضان آخر صام رمضان الثاني وقضى الأول بعده ولا فدية عليه، والحامل والمرضع إذا خافتا
ومحمد: يفطر)، قال في "الاختيار" (^١): "بناء على أنّ بينه وبين الجَوْف منفذًا (^٢) .. والأصح أن ليس بينهما منفذ"، قال في "التحفة" (^٣): "وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما وهو الصحيح"، لكن اعتمد [القولَ] (^٤) الأولَ المحبوبي والنسفي وصدرُ الشريعة وأبو الفضل المَوْصِلي وهو الأَولى، لأن القُدُوري قال في "التقريب": "قال الحبران لم يفطر، وروى الحسن (^٥) وابن المبارك عن الإمام يفطر، وهو قول يعقوب. وروى ابن سماعة (^٦) عن محمد أنه وقف، فيجوز أنه شك هل بينهما منفذ أم لا، أو شك هل المثانة كالدماغ أو لا، أو شك هل يصل إليها الدواء أم لا"، فلم يصح أن يكون محمد (^٧) مع أبي
_________________
(١) ١/ ١٣٣.
(٢) في (أ، ب، جـ): "منفذ".
(٣) ١/ ٣٥٦.
(٤) زيادة من نسخة (جـ).
(٥) الحسن؛ هو ابن زياد اللُّؤلؤي صاحب الإمام أبي حنيفة، كان يقظًا فطنًا فقيهًا نبيلًا، ولي القضاء ثم استعفى عنه، قال يحيى بن آدم: ما رأيت أفقه من الحسن بن زياد. وكان يختلف إلى أبي يوسف وإلى زفر، وقال محمد بن سماعة: سمعت الحسن بن زياد يقول: كتبت عن ابن جريج اثني عشر ألف حديث كلها يحتاج إليها الفقهاء. ولقد كان حسن الخلق محبًّا للسنَّة واتباعها. له كتاب: المجرّد - رواه عن أبي حنيفة - وكتاب أدب القاضي والخراج والخصال وغيرها. توفي سنة ٢٠٤، وقد عُد ممن جدّد لهذه الأمة دينها على رأس المئتين، رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٢/ ٥٦، ٥٧، رقم ٤٤٨، تاج التراجم ص ١٥٠، ١٥١، رقم ٨٦، الفوائد البهية ص ١٠٤ - ١٠٦، رقم ١١٦).
(٦) هو محمد بن سماعة بن عبيد الله التميمي، أبو عبد الله الفقيه الحافظ الإمام. حدث عن الليث بن سعد وأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن، وروى الكتب والأمالي، وكتب "النوادر" عن أبي يوسف ومحمد، ومن كتبه: المحاضر والسجلات. ولي القضاء للمأمون ببغداد، ولم يزل على القضاء إلى أن ضعف بصره فاستعفى. قال الخطيب: توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئتين وله مئة سنة وثلاث سنين. (الجواهر المضية ٣/ ١٦٨ - ١٧٠، رقم ١٣٢٢، تاج التراجم ص ٢٤٠، ٢٤١، رقم ٢٠٤، الفوائد البهية ص ٢٨٠، رقم ٣٥٦).
(٧) قال في "الهداية" ١/ ١٥١: "وقول محمد ﵀ مضطرب فيه".
[ ٢٠٦ ]
على ولديهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما، والشيخ الفاني الذي لا يقدر على الصيام يفطر ويطعم لكل يوم مسكينًا كما يطعم في الكفارات، ومن مات وعليه قضاء رمضان فأوصى به أطعم عنه وليه لكل يوم مسكينًا نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير، ومن دخل في صوم التطوع ثم أفسده قضاه، وإذا بلغ الصبي أو أسلم الكافر في رمضان أمسكا بقية يومهما وصاما ما بعده ولم يقضيا ما مضى، ومن أغمي عليه في رمضان لم يقض اليوم الذي حدث فيه الإغماء وقضى ما بعده، وإذا أفاق المجنون في بعض رمضان قضى ما مضى منه، وإذا حاضت المرأة أفطرت وقضت، وإذا قدم المسافر أو طهرت الحائض في بعض النهار أمسكا بقية يومهما، ومن تسحر وهو يظن أن الفجر لم يطلع أو أفطر وهو يرى أن الشمس قد غربت ثم تبين أن الفجر قد طلع أو أن الشمس لم تغرب قضى ذلك اليوم ولا كفارة عليه، ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر، وإذا كان بالسماء علة لم يقبل في هلال الفطر إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وإن لم تكن بالسماء علة لم تقبل إلا شهادة جماعة يقع العلم بخبرهم.