الحمد لله، وفّق للفِقه في الدّين من أراد به خيرًا من عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ورضي اللّه عن الخلفاء الأربعة الراشدين، ورَحِمَ الأئمة الأربعة المجتهدين، وكل من سار على نهجهم إلى يوم الدين.
وبعد؛ فلقد اتفقت الأمة في عصورها المتعاقبة، على الرجوع إلى أحد المذاهب الفقهية الأربعة المتّبَعة، إذ إنّ هذه المذاهب ورغم اختلافها في كثير من المسائل العمليّة، لم تخرج على ما كان عليه الصحابة الكرام، ولم تحِد عن مناهجهم في استنباط الأحكام، وقد اعتبر العلماء الخلافَ الفقهي خَصِيصةً لهذه الأمة، وتوسعة في شريعتها السَّمْحة.
وإنه لمن حكمة الله ورحمته أن أودع في أصول هذه الشريعة قواعد كلية ومبادئ عامة، كفيلة بتنظيم حياة الناس في الأزمنة والأمكنة كافة، "ولو التزمنا ألّا نحكم [بحكم] إلّا حتى نجد فيه نصًّا، لتعطّلت الشريعة، فإن النّصوص فيها قليلة. . وإنما هي الظواهر والعمُومات والأقيسة" (^١). ولمّا تعدّدت الاجتهادات (^٢) في القواعد والمسائل الأصولية المستنبطة، كان لا بدّ من تعدد الأقوال في تعيين الأحكام. . فتنوّعت المذاهب الفقهية، فاجتهد علماء المسلمين من بعد، في دراسة تلك المذاهب وتنقيحها وبيان أصولها وفروعها. .
ولقد حظي مذهب الإمام أبي حنيفة - ﵀ - بعناية خاصة منذ مراحل
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن"، للإمام القرطبي، ٦/ ٢٨٩، وما بين الحاصرتين زيادة من المحقِّق.
(٢) إن النصوص الشرعية ليست على مرتبة واحدة من حيث الثبوتُ والدلالة، إذ منها ما هو قطعىٌّ الثبوت؛ قطعي أو ظنيّ الدلالة، ومنها ما هو ظني الثبوت؛ قطعي أو ظني الدلالة، والاختلاف في تفسير الظنَيّات لا بُدَّ واقع فطرةً وخِلقةً، لاختلاف طبيعة العقول ..
[ ١١ ]
تدوينه الأولى، حيث أيّد الله تعالى الإمام بأصحابِ أئمة مجتهدين، بحثوا معه المسائل ودوّنوا معه الكتب، إذ "كان أصحاب أبي حنيفة الذين دوّنوا معه الكتب أربعين رجلًا كبراء الكبراء" (^١).
ثم صنَّف الإمام محمد بن الحسن الشيباني كتبًا تلقّاها علماء الأمصار من بعده بالرضا والقَبول، وكانت عمدة المذهب الحنفي، ومرجعًا لمن ألّف في الفقه من بعده، وهي الكتب التي سمّيت بظاهر الرواية، وقد قيل في شأنها: "إن القاضي المقلِّد لا يجوز له أن يحكم إلا بما هو ظاهر الرواية، لا بالرواية الشاذة، إلّا أن ينصّوا على أن الفتوى عليها" (^٢). وكتب ظاهر الرواية ستة: "المبسوط، والزيادات، والجامع الصغير، والسِّيَر الصغير، والجامع الكبير، والسير الكبير"؛ وقد يسمونها مسائل الأصول، وهي مروية عن الإمام محمد بالأسانيد الصحيحة الثابتة، وهي إمّا متواترة أو مشهورة عنه (^٣).
ثم جمع الحاكم الشهيد (- ٣٣٤ هـ) كتب محمّد الستة في كتاب "الكافي" ولقي كتابُه هذا الكثير من التقدير تبعًا لأصوله، قال العلامة إبراهيم البيري (- ١٥٩٩ هـ) في "شرح الأشباه" (^٤): "أعلم أن كتب مسائل الأصول: كتاب الكافي للحاكم الشهيد، وهو كتاب معتمد في نقل المذهب". وقد شرحه جماعة من العلماء منهم شمس الأئمة السرخسي (- ٤٨٣ هـ) وهو الشرح الذي اشتهر بـ: "مبسوط السرخسي"، وقد نال كذلك الثّقة والاعتماد في المذهب، حيث "لا يُعمل بما يخالفه، ولا يُركَن إلّا إليه، ولا يفتى ولا يعوّل إلا عليه" (^٥).
ولقد حرص الأئمة الفقهاء قديمًا كالإمام أبي جعفر الطّحَاوي (- ٣٢١ هـ)، والإمام أبي الحسن الكَرْخي (- ٣٤٠ هـ)، والإمام أبي الحسين القُدُوْرِي (- ٤٢٨ هـ)، على وضع مختصرات تجمع مسائل الفقه المعتمدة، وتضبط أقوال الفقهاء المعتبرة في المذهب، مع الدقّة في العبارة والتمحيص في الصياغة، فجاءت كتبهم موجزة
_________________
(١) "حُسْن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" للكوثري ص ١٢، وفيه أن الخبر المذكور رواه الإمام الطّحاوي بسنده إلى المغيرة بن حمزة.
(٢) رسالة "رسم المفتي" - ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين - ١/ ١٦.
(٣) انظر: "رد المحتار على الدر المختار"، للعلامة ابن عابدين ١/ ٤٧، و"رسم المفتي" له ١/ ١٦.
(٤) ونقله في: "رد المحتار" ١/ ٤٧، ٤٨، و"رسم المفتي" ١/ ٢٠.
(٥) "حاشية ابن عابدين" ١/ ٤٧، ٤٨.
[ ١٢ ]
العبارة جامعة الإشارة، حتى يسهل على طالب العلم أن يستظهرها بأيسر طريق، وفي أقل زمن.
ولما كان مصنفو هذه المختصرات من كبار الفقهاء وحذّاق الأئمة، وقد التزموا فيها إيراد الراجح والمقبول في المذهب، صارت متونهم "موضوعة لنقل المذهب مما هو ظاهر الرواية" (^١)، فمسائلها ملحقة بمسائل الأصول في صحتها وعدالة رواتها، "وقد تواترت عن مصنفيها كما لا يخفى. ." (^٢).
واهتمّ عامّة علماء المسلمين قديمًا وحديثًا بتلقين النشء وتحفيظهم تلك المتون المختصرة الجامعة، لتكون نواةً صالحة، أو رُكنًا ثابتًا لما يمكن أن يبنى عليها من فقه وعلم. يقول الإمام فخر الإسلام قاضي خان (- ٥٩٢ هـ): "ينبغي للمتفقه أن يحفظ كتابًا واحدًا من كتب الفقه دائمًا، ليَتيسّر له بعد ذلك حفظ ما يسمع من الفقه" (^٣).
ثم اتسع اهتمام العلماء بالمختصرات، وصنفوا لها شروحًا كثيرة، بل إن أسلوب كتابة "الشروح" و"الحواشي" في التصنيف الفقهي، كان هو الأسلوب المعتمد الغالب عبر قرون عديدة.
ومع انتشار حركة الشروح هذه، ومع جهود العلماء الكبيرة في تنظيم الأبواب الفقهية وجمع شتات المسائل وتعليلها وتخريج الحوادث والنوازل على الأصول، يتبيّن للناظر مدى اختلاف الروايات وأقوال الأئمة في أغلب المسائل، وتشعّبِ آراء المجتهدين في المذهب، والمخرّجين عليه حول ما استجدّ من الوقائع.
لهذا، دعت الحاجة إلى ظهور أسلوب جديد في التأليف والكتابة، ونمط غير مسبوق في التعليق على المختصرات، من شأنه تقريب تلك المسائل - المختلف فيها - للطلاب، ببيان القول الصحيح المعتمد في المذهب سواء إذا تعدّدت أقوال الإمام في مسألة، أو عند اختلاف الأئمة - أبي حنيفة وأصحابه -، أو عند اختلاف الرواية عنهم في مسألة من المسائل، وإظهار الرأي الراجح من بين الآراء الاجتهادية المختلفة، فيكون ذلك المصنَّف ضابطًا لفتاوى المفتين، وموحِّدًا لأقضية القضاة
_________________
(١) "رسم المفتي" ١/ ٣٧.
(٢) "حاشية ابن عابدين" ١/ ٤٩.
(٣) "تعليم المتعلم طريق التعلم"، للزّرْنُوجي، ص ٨٣.
[ ١٣ ]
الحاكمين، فلا يُعمل بالمرجوح في مقابلة الراجح اتباعًا لرأي قد يقوده الهوى.
وكان على من استشرف في نفسه الملكة الفقهية، والقدرة على الاجتهاد أو استحضار أقوال المجتهدين وأصحاب الترجيح، أن يفرد كتابًا بالتصنيف يبرز فيه هذا النوع من المسائل تيسيرًا للطلاب المبتدئين، وتقريبًا للعلماء المتفقّهين "وإنْ كان ذلك موجودًا في الشروح والمطوْلات، إلا أنهم أسعفوا بذلك من لم يصل إلى تلك" (^١).
وبالفعل؛ كان أوّل من سبق إلى هذا النوع من الدراسة المتخصّصة في المذهب الحنفي (^٢) هو العلامة الفقيه المحدّث الشيخ قاسم بن قُطْلُوبُغا رحمه الله تعالى، حيث ألّف كتابه هذا: "التصحيح والترجيح"، وجمع فيه مختلف الأبواب الفقهية تبعًا لمسائل "مختصر القدوري"، مصحّحًا القولَ المعتمد، وذلك وَفْق منهج ذكره في تقدمته للكتاب، مع زيادات وتعليقات وتحقيقات. .
ولقد رأيت من واجبي - وأنا أخدم كتابًا في الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة، - ﵁ - - أن أصدِّره بدراسة أذكر فيها بعض مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان، وكيف دُوّن مذهبه. . وطبقاتِ الفقهاء في المذهب الحنفي، وأنواع المسائل فيه، ثم الكلام على مختصر القدوري إذ هو الأصل الذي اعتمد عليه مصنف "التصحيح والترجيح" للتعليق على مسائله الخلافية، وهو ما شكّل المدخل للكتاب.
ثم أتبعت هذا المدخل بدراسة حول الكتاب وقسمتها إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول؛ ترجمت فيه للشيخ قاسم بن قطلوبغا ترجمة موسعة، وذكرت مكانته بين العلماء، كما فصّلت القول في بيان كتبه ورسائله.
ثم الفصل الثاني، وهو دراسة علميّة لكتاب "التصحيح والترجيح"، وفيه ثلاثة مباحث؛ المبحث الأول: أهمية كتاب التصحيح، والمبحث الثاني: حول مسألة الترجيح في المذهب الحنفي، والمبحث الثالث: منهج المؤلف في كتابه.
_________________
(١) من مقدّمة المؤلف، ص ١٣٢.
(٢) يشير المصنف رحمه الله تعالى في أواخر مقدمته ص ١٣٢، إلى أنه وضع هذه التصحيحات، تأسّيًا بما فعله الأئمة من الشافعية لمختصراتهم، وقد ذكرت أمثلة على ذلك عند التعليق على الموضع المذكور من المقدمة.
[ ١٤ ]
أما الفصل الثالث فهو دراسة وصفيّة لكتاب "التصحيح والترجيح"، وقد بحثت فيه الأمور التالية: تسمية الكتاب، تاريخ تأليفه، وصف النسخ المخطوطة المعتمدة في التحقيق، وأخيرًا، عملي في التحقيق. .
أسأل الله ﵎ القَبول والتوفيق والسّداد، والحمد لله أوّلًا وآخرًا.
وكتبه:
ضياء يونس يونس
لالا - البقاع - لبنان
dyyb@maktoob.com
١٤٢٢ هـ / ٢٠٠١ م
[ ١٥ ]