بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد؛ فإن الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ قاسم الحنفي يقول:
إنّي قد رأيتُ مَن عمل في مذهب أئمّتنا - ﵃ - بالتشهّي، حتّى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثَمَّ حَجْر؟ فقلتُ: نَعم، اتّباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العَدَم، والترجيح بغير مرجِّح في المتقابلات ممنوع.
وقد قال في كتاب "أصول الأقضية" لليعمري (^١) [﵀]: "من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها (^٢) من غير نظر في الترجيح" (^٣).
وقال الإمام أبو عمرو (^٤) في كتاب "أدب المفتي" (^٥): "أعلم أن من يكتفي
_________________
(١) كتاب أصول الأقضية هو: "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام"، تأليف الإمام برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي، مغربي الأصل، ولد ونشأ في المدينة المنورة، وبها تولى القضاء، توفي سنة ٧٩٩ هـ عن نحو ٧٠ عامًا، له: "الديباج المُذهب في تراجم أعيان المذهب"، وغيره. (الأعلام ١/ ٥٢).
(٢) كذا في الأصل، وفي (ب): "منهما"، وفي "التبصرة": " فليس له التشهي والحكم بما شاء منهما"، وفي (جـ): "فليس له التشهي والحكم بما يشاء منهما".
(٣) انظر "تبصرة الحكام" ١/ ٥١، وفيه أيضًا: "قال ابن الصلاح: وقد قال مالك - رضي الله تعالى عنه - في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم: مخطئ ومصيب فعليك بالاجتهاد، وقال: ليس كما قال ناس فيه توسعة لنا، قال ابن الصلاح: قلت لا توسعة فيه بمعنى أنه يتخير بين أقوالهم من غير توقف على ظهور الراجح، وفيه توسعة بمعنى أن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد مجالًا فيما بين أقوالهم".
(٤) هو تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المعروف بـ "ابن الصلاح"، ولد سنة ٥٧٧ هـ، كان أحد الفضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، له عدة كتب، منها: "معرفة أنواع علم الحديث"، و"أدب المفتي والمستفتي"، توفي في دمشق سنة ٦٤٣ هـ. (الأعلام ٤/ ٢٠٧، ٢٠٨).
(٥) انظر: "أدب المفتي والمستفتي" لابن الصلاح، المسألة الخامسة عشرة، فصل أحكام المفتين، ص ١٢٥.
[ ١٢١ ]
بأن يكون فتياه أو عمله موافقًا لقولٍ أو وجهٍ في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه (^١) من غير نظر في الترجيح (^٢) فقد جهل وخرق الإجماع .. ".
وحكى الباجي (^٣) أنه وقعت [له] (^٤) واقعة فأفتي فيها بما يضره، فلما سألهم قالوا: ما علمنا بأنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافق قصده (^٥)، قال الباجي: "وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممّن يُعتدّ به في الإجماع أنه لا يجوز".
قال في "أصول الأقضية": "ولا فرق بين المفتي والحاكم، إلا أن المفتي مخبر بالحكم، والحاكم ملزِم به" (^٦).
وقال الأصوليون أجمع: لا يصح الرجوع عن التقليد بعد العمل بالاتفاق (^٧)، وهو المختار في المذهب.
_________________
(١) في نسخة (جـ): "ويعمل بما يشاء من الأقوال أو الوجوه".
(٢) وفي "أدب المفتي" هنا زيادة: "ولا تقيّد به".
(٣) هو سليمان بن خلف بن سعد القرطبي، أبو الوليد الباجي، فقيه مالكي، من رجال الحديث. ولد في باجه بالأندلس سنة ٤٠٣ هـ، رحل إلى عدة بلاد في المشرق ثم عاد إلى الأندلس فولي القضاء في بعض أنحائها، وله مؤلفات عديدة، توفي سنة ٤٧٤ هـ رحمه الله تعالى. (الأعلام ٣/ ١٢٥).
(٤) زيادة من (جـ).
(٥) نقل المصنف - رحمه الله تعالى - حكاية الباجي هذه من "أدب المفتي" باختصار، وهي عند ابن الصلاح مبهمة أيضًا، ووجدت الإمام الشاطبي قد ذكر هذه القصة مفصلة في "موافقاته" ينقلها من كتاب: "التبيين لسنن المهتدين" للباجي، أنه قال فيه: " … ولقد حدّثني من أوثقه أنه اكترى جزءًا من أرض على الإشاعة، ثم إن رجلًا آخر اكترى باقي الأرض، فأراد المكتري الأول أن يأخذ بالشفعة وغاب عن البلد، فأفتي المكتري الثاني بإحدى الروايتين عن مالك أن لا شفعة في الإجارات، قال لي: فوردت من سفري، فسألت أولئك الفقهاء. وهم أهل حفظ في المسائل وصلاح في الدين. عن مسألتي فقالوا: ما علمنا أنها لك، إذ كانت لك المسألة أخذنا لك برواية أشهب عن مالك بالشفعة فيها، فأفتاني جميعهم بالشفعة، فقضي لي بها … قال الباجي: وكثيرًا ما يسألني من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها: لعل فيها رواية، أو لعل فيها رخصة! وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتدّ به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه". ("الموافقات" للشاطبي، كتاب الاجتهاد، المسألة الثالثة، ٤/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٦) انظر: "تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام" ١/ ٥٢، ونصه فيه: "واعلم أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يُستفتى وكذلك الحاكم، ولا فرق بين المفتي والحاكم، إلّا أن المفتي مخبِر، والحاكم ملزِم"، وفي (جـ): "والقاضي ملزم به".
(٧) ذكر الاتفاق العلامة الآمدي ["الإحكام" ٤/ ٢٣٨]، وابن الحاجب. (انظر "التقرير والخبير" ٣/ ٣٥٠).=
[ ١٢٢ ]
وقال الإمام أبو الحسن الخطيب (^١) في كتاب "الفتاوى" (^٢): "المفتي على مذهب إذا أفتى بكون الشيء كذا (^٣) على مذهب إمام، ليس له أن يقلّد غيره ويفتي بخلافه لأنَّه محض تشهِّ"، وقال أيضًا (^٤): "إنه بالتزامه مذهب إمام مكلف به ما لم يظهر له غيره، والمقلِّد (^٥) لا يظهر له، بخلاف المجتهد حيث ينتقل من أمارة إلى أمارة"، ووجّه بهذا مسألة الأصول التي حكي فيها الاتفاق (^٦) وقال (^٧): "لا يصح التقليد في شيء مركب من اجتهادين مختلفين بالإجماع"، ومثّلوا له بما إذا توضّأ ومسح بعض شعره ثم صلَّى بنجاسة الكلب (^٨)، قال في كتاب "توقيف الحكّام على غوامض الأحكام" (^٩):
_________________
(١) = ولكن في دعوى اجتماع الأصوليين على ذلك نظر، فقد ذكر ابن نظام الدين وأمير بادشاه وبدر الدين الزركشي عدم صحة ما قاله ابن الحاجب والآمدي من الاتفاق على عدم جواز رجوع المقلد فيما قلد به، وبيَّنَوا أن في كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضًا، كما في "فواتح الرحموت" ٢/ ٤٠٥، و"تيسير التحرير" ٣/ ٢٥٣ و"البحر المحيط في أصول الفقه" ٦/ ٣٢٤. يقول ابن عبد العظيم المكي (- ١٠٦١ هـ) في كتابه "القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد" ص ١٢٢، ١٢٣: "إن مرادهم من قولهم: لا تقليد بعد العمل، أنه إذا عمل مرة في مسألة بمذهب في طلاق أو عتاق أو غيرهما واعتقده وأمضاه، ففارق الزوجة مثلًا واجتنبها وعاملها معاملة من حرّمت عليه، واعتقد البينونة بينه وبينها بما جرى منه من اللفظ مثلًا، فليس له أن يرجع عن ذلك ويبطل ما أمضاه ويعود إليها بتقليده ثانيًا إمامًا غير الإمام الأول الذي قلده فيها، حيث كان الثاني يرى خلاف ما رآه الإمام الأول".
(٢) هو علي بن عبد الكافي السُّبكي، الملقب بـ"تقي الدين" كان شيخ الإسلام في عصره وأحدَ الحفاظ المفسرين، ولد في مصر وارتحل إلى الشام فولي فيها القضاء، ثم عاد إلى القاهرة وتوفي فيها سنة ٧٥٦ رحمه الله تعالى، وله تصانيف كثيرة. (الأعلام ٤/ ٣٠٢).
(٣) "فتاوى السبكي" ١/ ١٤٨.
(٤) أي: واجبًا أو مباحًا أو حرامًا، كما قاله السبكي في "الفتاوى" بدل كلمة (كذا).
(٥) المرجع السابق، الصفحة نفسها. وانظر "البحر المحيط" للزركشي ٦/ ٣٢٤.
(٦) في "الفتاوى": " .. يكلف به ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له … ".
(٧) أي وجّه الإمام السبكي بقوله: (إنه بالتزامه مذهب … الخ) المسألةَ الأصولية التي حكى فيها الآمدي وابن الحاجب الاتفاق، وهي جواز الرجوع عن التقليد قبل العمل لا بعده، فقال السبكي بعدما نقل ذلك عنهما: "هذا وجه ما قالاه ولا بأس به" إلا أنه كان قد توقف عند دعوى الاتفاق وقال: "فيها نظر". انظر "فتاوى السبكي" ١/ ١٤٨.
(٨) "فتاوى السبكي"، المسألة الخامسة، الحالة السادسة، ١/ ١٤٧، والنقل عند المصنف بالمعنى. وفي (ج): " وقالوا … "، تحريف.
(٩) "قال ابن حجر: ولا يجوز العمل بالضعيف في المذهب، ويمتنع التلفيق في مسألة، كأن قلد مالكًا في طهارة الكلب، والشافعي في مسح بعض الرأس في صلاة واحدة"، كذا في: "حاشية البجيرمي على الخطيب" ١/ ٥١.
(١٠) كتاب "توقيف الحكام على غوامض الأحكام" لشهاب الدين أحمد بن عماد الأقفهسي المصري=
[ ١٢٣ ]
"بطلت بالإجماع"، وقال فيه: "والحكم الملفق باطل بإجماع المسلمين (١)، فلو أثبت الخطَّ مالكي فحكم شافعي لم ينفذ" (^٢)، وذكر مثالًا آخر وقال: "وكثير من جهلة القضاة يفعلون ذلك"، يعني الحكم الملفّق (^٣).
فقال بعض من لا يدري مراد العلماء: قد قالوا: إن الإمام متى كان في جانب وهما في جانب (^٤) فالمفتي والقاضي بالخيار، فقلت: ليس كما تزعّم (^٥)؛ قال الإمام العلامة الحسن بن منصور بن محمود الأُوْزْجَنْدي المعروف بـ" قاضي خان" (^٦) في كتاب "الفتاوى" (^٧) له: "رسم المفتي في
_________________
(١) = الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٨ هـ ﵀. (كشف الظنون ١/ ٥٠٨، وهدية العارفين ١/ ١١٨). (١) انظر "التقرير والتحبير" لابن أمير الحاج ٣/ ٣٥١ وفيه: أن ابن عبد البر نص على عدم جواز تتبع العامي للرخص إجماعًا. وممّن حكى الإجماع أيضًا: الشرنبلالي وصاحب الدر، لكن تبعًا للعلامة قاسم عن "توقيف الحكام"، ونقله الشيخ محمد سعيد الباني في "عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق" ص ٢٠٦، ٢٠٧، وفيه: "إن حكاية الإجماع على فرض استيفائها شروط النقل لم يثبت لدينا بلوغها حدّ الشهرة أو التواتر، مع أنّا وجدنا حكاية الثقات الخلافَ. وفي كتاب "الوسم في الوشم" لشهاب الدين أحمد بن إسماعيل الحلواني المصري الشافعي (١٣٠٨ هـ) ما نصه: اشتراط عدم التلفيق هو المعتمد عندنا وعند الحنفية والحنابلة، فلا يجوز في عبادة ولا غيرها، والقول بجوازه ضعيف جدًا، حتى قال العلامة ابن حجر وغيره: إنه خلاف الإجماع، كأنهم لم يعتدوا بالخلاف لشدة ضعفه، أو أرادوا بالإجماع اتفاق الأكثر من أهل المذهب، لما عرفت ممّا مرّ أن في كل مذهب قولًا بجوازه". (عمدة التحقيق ص ٢٠٩). فالإجماع المدعى غير قطعي، وهو باعتبار الأكثر والغالب، أو باعتبار اتفاق أهل المذهب …
(٢) وفي نسخة (جـ): "فلو أثبت مالكي فحكم، لم ينفذ".
(٣) ما مرّ من كلام المصنف - رحمه الله تعالى - نقلًا عن كُتُب القضاء والفتاوى والأصول، أي من قوله: "وقد قال في كتاب أصول الأقضية … الخ " ص ١٢١ إلى هنا، وهو زيادة على أصل الكتاب عندما أُلف، بمعنى أن المؤلف وضع هذه الزيادة وأضافها إلى نسخته بعد مدّة من إنهاء التصنيف. يدل على ذلك ما في نسخة الأصل، حيث كان ناسخها - وهو تلميذ ابن قطلوبغا - قد قرأ الكتاب على المؤلف، ثم ألْحَق بعد ذلك ورقة بالكتاب وفيها الإضافة المشار إليها، وكتب في آخرها: "زاده المصنف في كتابه"، انظر المثيلات ص ١٠٨، وهذه الزيادة مثبتة في سائر النسخ، كذلك. وبهذه الملاحظة يظهر للمتأمل كيف توسّع المؤلف في إيراد أقوال المذاهب الأخرى لتأييد وجهة نظره، بعد أن كان قد اقتصر في جُلِّ كلامه على المذهب الحنفي.
(٤) الإمام؛ عند الإطلاق في كتب الحنفية هو الإمام أبو حنيفة النعمان ﵁، وقد يطلقون عليه لفظ الإمام الأعظم تمييزًا له عن سواه من الأئمة المجتهدين في المذهب، وضمير المثنى بعد ذكر الإمام يقصد به الصاحبان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن رحمهما الله.
(٥) وفي "الطرز المذهب" - مخطوط ملحق بنسخة (د) وقد نقل فيه مؤلفه من مقدمة التصحيح: "فقلت ليس الأمر كما يزعم".
(٦) هو الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز الأُوْزْجَنْدي الفَرْغاني، الملقب بـ "فخر الدين"، المعروف بـ"قاضي خان" الإمام الكبير المجتهد. شَرَح "الجامع الصّغير والكبير" للشيباني، و"أدبَ القاضي" للخصاف، وله "الفتاوى" و"الواقعات" وغير ذلك. توفي سنة ٥٩٢ هـ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٢/ ٩٣، ٩٤، رقم ٤٨٥، تاج التراجم ص ١٥١، رقم ٨٧، والفوائد البهية ص ١١١، رقم ١٢٣، الأعلام ٢/ ٢٢٤).
(٧) وصف صاحب "الكشف" "فتاوى قاضي خان" بقوله: "هي فتاوى مقبولة معمول بها، متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هي نصب عين من تصدر للحكم والإفتاء. ذكر في هذا الكتاب جملة من المسائل التي يغلب وقوعها وتمسّ الحاجة إليها وتدور عليها واقعات الأمة". ("كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧).
[ ١٢٤ ]
زماننا من أصحابنا إذا استفتي عن مسألة:
إن كانت مروية عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنه يميل إليهم ويفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه، وإن كان مجتهدًا متقنًا (^١)؛ لأن الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا يَنظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجته؛ لأنهم عرفوا الأدلّة وميّزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده.
وإنْ كانت المسألة مختلفًا (^٢) فيها بين أصحابنا، فإن كان مع أبي حنيفة أحدُ صاحبيه، يأخذ بقولهما، لوفور الشرائط واستجماع أدلة الصواب فيها، وإن خالف أبا حنيفة صاحباه في ذلك؛ فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان، كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقول صاحبيه لتغير أحوال الناس (^٣)،
_________________
(١) قال الإمام علاء الدين الكاساني رحمه الله تعالى: "لو أفضى راْي المجتهد إلى شيء، وهناك مجتهد آخر أفقه منه له رأي آخر فأراد أن يعمل برأيه من غير النظر فيه، وترجح رأيه بكونه أفقه منه، هل يسعه ذلك؟ ذكر في كتاب "الحدود" أن عند أبي حنيفة يسعه ذلك، وعندهما لا يسعه إلا أن يعمل برأي نفسه. وذكر في بعض الروايات هذا الاختلاف على العكس … وهذا يرجع إلى كون أحد المجتهدين أفقه، من غير النظر في رأيه، هل يصلح مرجِّحًا؟ من قال يصلح مرجحًا قال يسعه، ومن قال لا يصلح قال [لا] يسعه". (بدائع الصنائع ٧/ ٤، ٥، مع زيادة "لا" - بين الحاصرتين - ليستقيم المعنى). وهذا خلافٌ في المسألة كما ترى، وجلّ ما ذكر ابن قطلوبغا في مقدمته هذه تبعًا لقاضي خان، يرتكز على أساس أحد القولين، وهو أخذ المجتهد بقول من هو أفقه منه، واعتبار ذلك من جنس الدليل وصلاحيته للترجيح .. وأحسب أن أنصار هذا الرأي وجدوه أجدر للتطبيق عندما عزّ التسليم للمجتهد بالاجتهاد خوفًا من تسلسل الأدعياء، واعتماد ذلك في الفتوى والقضاء يسهّل أو يساعد على ضبط كثير من المسائل. ولكنْ قد يكون هذا التوجّه أيضًا هو من جملة ما ساعد على جمود الفقه الإسلامي في حقبٍ طويلة! والله تعالى أعلم.
(٢) في مخطوطة الأصل: "مختلف" خطأ.
(٣) قال العلامة المحقق ابن عابدين رحمه الله تعالى: "كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولًا=
[ ١٢٥ ]
وفي المزارعة والمعاملة ونحوها (^١) يختار قولهما لاجتماع المتأخرين على ذلك، وفيما سوى ذلك يخيّر المفتي المجتهد (^٢) ويعمل بما أفضى إليه رأيه، وقال عبد الله بن المبارك (^٣): يأخذ بقول أبي حنيفة (^٤).
وإن كانت المسألة في غير ظاهر الرواية، إن كانت توافق أصول أصحابنا يعمل بها، وإن لم يجد لها رواية عن أصحابنا واتفق فيها المتأخرون على شيء يعمل به، وإن اختلفوا يجتهد ويفتي بما هو الصواب عنده.
وإن كان المفتي مقلدًا (^٥) غير مجتهد، يأخذ بقول من هو أفقه الناس عنده (^٦) ويضيف الجواب إليه، فإن كان أفقه الناس عنده في مصر آخر يرجع
_________________
(١) = للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذًا من قواعد مذهبه". (رسالة العرف، ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ٢/ ١٢٣).
(٢) في (ب): "ونحوهما"، وهو الموافق لما في "الفتاوى".
(٣) قال صاحب المحيط بعد أن ذكر مثل هذا القول: "وإن كان أبو حنيفة ﵀، أعلى رتبة، لأنه قد يُرزق الرجل الصواب وإن كان غيره أعلى رتبة، فإنّ إدراك الصواب فضيلة يرزقه الله تعالى من عباده من يشاء. وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يأخذ بقول أبي حنيفة، ولا يترك مذهبه لأنَّه أفقه عنده من غيره". (المحيط البرهاني ٤/ ١٣٠ - مخطوط -).
(٤) هو عبد الله بن المبارك بن واضح، أبو عبد الرحمن المَرْوَزي الحَنْظَلي، الإمام الرباني الزاهد الفقيه المحدث، المولود سنة ١١٨ هـ. مات بِهِيت (على الفرات) منصرفًا من غزو الروم، سنة ١٨١ رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٦ رقم ٧٢٠، الفوائد البهية ص ١٧٥ - ١٧٧، رقم ٢٢٣، الأعلام ٤/ ١١٥).
(٥) فقد علم مما تقرر أنه لا يخيّر المفتي بإطلاق عندما يكون الإمام في جانب والصاحبان في جانب، بل إن ذلك بالنسبة إلى المجتهد خاصة، وعلى قول ابن المبارك لا تخيير بحال. ويقول العلامة ابن عابدين في رسالته "رسم المفتي" ١/ ٢٦، ٢٧: "والحاصل أنه إذا اتفق أبو حنيفة وصاحباه على جواب لم يجز العدول عنه إلا لضرورة، وكذا إذا وافقه أحدهما. وأما إذا انفرد عنهما بجواب وخالفاه فيه، فإن انفرد كل منهما بجواب أيضًا بأن لم يتفقا على شيء واحد، فالظاهر ترجيح قوله أيضًا. وأما إذا خالفاه واتفقا على جواب واحد، حتى صار هو في جانب وهما في جانب، فقيل: يرجح قوله أيضًا، وهذا قول الإمام عبد الله بن المبارك، وقيل: يخير المفتي مطلقًا، والأصح: التفصيل بين المجتهد وغيره". وانظر "موجبات الأحكام ووقعات الأيام" لابن قطلوبغا ص ١٩٤، ١٩٥.
(٦) قال العلامة ابن عابدين: "وقول قاضي خان (وإن كان المفتي مقلدًا غير مجتهد … الخ) يفيد أن المقلد المحض ليس له أن يفتي فيما لم يجد فيه نصًا عن أحد … وفي الظهيرية: وإن لم يكن من أهل الاجتهاد لا يحل له أن يفتي إلا بطريق الحكاية فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء". (رسالة رسم المفتي ١/ ٣٣، ٣٤).
(٧) "تيسير التحرير" ٤/ ٢٥١، و"المستصفى" ٢/ ٣٩١.
[ ١٢٦ ]
إليه بالكتاب ويتثبّت في الجواب، ولا يجازف خوفًا من الافتراء على الله تعالى لتحريم الحلال وضدّه (^١) ".
وذكر في "المحيط" نحوه في القاضي (^٢).
وقال الإمام العلامة أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني (^٣) في كتاب "البدائع" (^٤) له: "إن القاضي إن كان من أهل الاجتهاد، وأفضى رأيه إلى شيء
_________________
(١) انتهى ما نقله المصنف من "فتاوى قاضي خان" ١/ ٢، ٣. وجاءت الجملة الأخيرة في "الطراز المذهب" نقلًا عن "التصحيح" كما يلي: "ولا يجازف خوفًا من الاجتراء على الله بتحريم حلال وضده".
(٢) انظر "المحيط البرهاني"، كتاب القضاء، الفصل الثالث في ترتيب الدلائل للعمل بها ٤/ ١٢٩ - مخطوط. تأليف الإمام برهان الدين محمود بن الصدر الكبير تاج الدين أحمد بن برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن مازه البخاري (- ٦١٦ هـ)، وكثيرًا ما يغلط فيه الطلبة - كما يقول الإمام اللكنوي - فيظنون أن صاحب "المحيط البرهاني" هو رضي الدين محمد بن محمد السرخسي مصنف "المحيط" أيضًا، وقد صرح ابن أمير الحاج في "حلية المحلى شرح منية المصلي" أن المراد بالمحيط حيث أطلق في الكتب المتداولة: "المحيط البرهاني". انظر (كشف الظنون ٢/ ١٦١٩، والفوائد البهية ص ٣١٤، في الترجمة رقم ٤٠٨). واقتصر ابن قطلوبغا في "تاج التراجم" ص ٢٤٨ على ذكر "محيط السرخسي"، وذكر مصنِّفَه بقوله: "رضيّ الدين برهان الإسلام .. "، وقد تبع في ذلك الشيخَ عبد القادر القرشي في كتابه "الجواهر المضية"، ويرجّح محقق "الجواهر" د. عبد الفتاح الحلو، أن يكون صاحب "الجواهر" قد خلط بين صاحب "المحيط البرهاني" ومؤلف "المحيط السرخسي" (أو الرضوي نسبة لرضي الدين، لقبه)، الأمر الذي جعله يذكر لمحمد بن محمد السرخسي لقبين، وكان الصواب الفصل بينهما؛ فقوله في ترجمته (رضي الدين) صحيح، وقوله بعده (برهان الإسلام) إنما هو لقب صاحب "المحيط البرهاني". انظر (الجواهر المضية مع الهامش ١/ ١٣٠، ١٣١ و٤/ ٣٦٤). وقد يكون أحد أسباب نشوء هذا الإشكال أن مؤلفَي المحيطين - البرهاني والرضوي - كانا تلميذين للصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري ويرِد ذكر اسمه في الكتابين. ففي "المحيط البرهاني" ١/ ٣١ - مخطوط -: " … وقد وصل إلينا أن هذه المسألة صارت واقعة، فاختلف فيها فتوى الصدر الشهيد حسام الدين - عمّي - وفتوى القاضي الإمام جمال الدين الريغذموني - خالي - رحمهما الله … الخ". وفي "الجواهر المضية" ٣/ ٣٥٨، ٣٥٩: "ذكر الإمام رضي الدين في "المحيط" في باب الوصية بمثل النصيب، قال: حكى أستاذنا الإمام الأجل حسام الدين عمر بن عبد العزيز بن مازه عن والده برهان الدين - ﵀ - أن طريق حساب الخطأين عُرفت بالوحي". وانظر الجواهر ٢/ ٤٣٧.
(٣) هو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني علاء الدين ملك العلماء، مصنف "البدائع" الكتاب الجليل، تفقه على علاء الدين السمرقندي وقرأ عليه معظم تصانيفه، وكان له وجاهة وخدمة وشجاعة وكرم. توفي سنة ٥٨٧، ودفن داخل مقام إبراهيم الخليل بحلَب، رحمه الله تعالى. (الجواهر المضية ٤/ ٢٨٢٥، رقم ١٩٠٠، تاج التراجم ص ٣٢٧، ٣٢٩، رقم ٣٢٧، الفوائد البهيّة ص ٩١، ٩٢، رقم ٩٣، الأعلام ٢/ ٧٠).
(٤) هو كتاب "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" شرح به مصنفه - الكاساني - كتابَ شيخه الإمام علاء=
[ ١٢٧ ]
يجب عليه العمل به .. أما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الإحكام والإتقان (^١) عمل بقول من يعتقد قوله حقًّا على التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بقول أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد من أصحابنا (^٢) يسعه أن يأخذ بقوله".
وقال أيضًا في صفة القضاء: "وأن يكون القضاء لله تعالى خالصًا؛ لأن القضاء عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى" (^٣).
وقال برهان الأئمة (^٤) في "شرح أدب القضاء" للخصاف (^٥): "وينظر القاضي في فصلين أحدهما المتفق عليه فيقضي به؛ لأن الحق لا يعدو قول أصحابنا، والثاني: المختلف فيه، فقال عبد الله بن المبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة؛ لأنَّه رأى الصحابة (^٦) وزاحم التابعين في الفتوى، فقوله أسدّ وأقوى،
_________________
(١) = الدين السمرقندي "تحفة الفقهاء" شرحًا عظيمًا - كما يقول صاحب "كشف الظنون" ١/ ٣٧١ - وقال: "وهذا الشرح تأليف يطابق اسمه معناه". والكلام المنقول عنه هنا هو في الجزء السابع منه ص ٤، ٥.
(٢) في "البدائع": "وحَفِظها على الاختلاف والاتفاق"، والمثبت من النسخ المخطوطة (أ، ب، جـ).
(٣) كذا في النسخ المخطوطة، وفي "البدائع": "وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد، من أصحابنا مَن قال: يسعه أن يأخذ بقوله، ونرجو أن لا يكون عليه شيء .. "، وهذه العبارة أصح.
(٤) لم أجد هذا النقل في "البدائع" باللفظ المذكور، وفيه ٧/ ٤ ما نصه: "إن القضاء بالحق إذا أراد به وجه الله ﷾ يكون عبادة خالصة، بل هو من أفضل العبادات".
(٥) هو عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، برهان الأئمة، حسام الدين المعروف بـ" الصدر الشهيد" الإمام ابن الإمام، والبحر ابن البحر، كان مبرزًا في المعقول والمنقول، وأقر بفضله الموافق والمخالف، كانت ولادته سنة ٤٨٣، وعاش مدة محترمًا إلى أن رزق الشهادة سنة ٥٣٦ رحمه الله تعالى. صنف "الفتاوى الصغرى" و"الكبرى" و"الواقعات" وغيرها. (الجواهر المضية ٢/ ٦٤٩، ٦٥٠، رقم ١٠٥٣، تاج التراجم ص ٢١٧، ٢١٨، رقم ١٨١، الفوائد البهية ص ٢٤٢، رقم ٢٩١، الأعلام ٥/ ٥١).
(٦) كتاب "أدب القاضي": للإمام أبي بكر أحمد بن عمرو الخصاف (- ٢٦١ هـ)، رُتب على مئة وعشرين بابًا، وهو كتاب جامع، غاية ما في الباب، ونهاية مآرب الطلاب، ولذلك تلقَّوه بالقبول، وشرحه فحول أئمة الفروع والأصول، منهم: الإمام برهان الأئمة المعروف بالحسام الشهيد، وهو المشهور المتداول اليوم من بين الشروح. (كشف الظنون ١/ ٤٦، وانظر ترجمة الخصاف في الجواهر المضية ١/ ٢٣٠، ٢٣٢، رقم ١٦٠، وتاج التراجم ص ٩٧، ٩٨، رقم ١٨، والفوائد البهية ص ٥٦، رقم ٤٣).
(٧) قال الشيخ عبد الله القرشي (- ٧٧٥ هـ) في "الجواهر المضية" ١/ ٥٤، في ترجمة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: "ادعى بعضهم أنه - أي أبا حنيفة - سمع ثمانية من الصحابة، وقد جمعهم غير واحد في جزء، وروينا هذا الجزء عن بعض شيوخنا، وقد جمعت أنا جزءًا في بيان استحالة ذلك من بعضهم، وهذا طريق الإنصاف، وذكرت في هذا الجزء من سمعه من الصحابة ومن رآه،=
[ ١٢٨ ]
ما لم يكن اختلاف عصر وزمان، وقال المتأخرون يستفتي" (^١).
وقال في "شرح الهداية" (^٢) بعدما نقل الخلاف في قضاء المجتهد بخلاف رأيه، أن الفتوى على عدم النفاذ في الوجهين، يعني النسيان والعمد (^٣)، ثم قال: "والوجه في هذا الزمان أن يفتى بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدًا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلّا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد.
فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة مثلًا، فلا يملك المخالفة، فيكون معزولًا بالنسبة إلى ذلك الحكم" (^٤).
وقال في القنية (^٥) عن "المحيط" وغيره: "اختلاف الروايات في قاضٍ
_________________
(١) = وذكرت عن الخطيب أنه رأى أنس بن مالك، ورددت قول من قال إنه ما رآه، وبيّنت ذلك بيانًا شافيًا، والحمد لله". وانظر مقدمة "جامع مسانيد الإمام" لأبي المؤيد الخوارزمي، النوع الثالث في أنه روى عن أصحاب رسول الله ﷺ ١/ ٤ - ٣٨.
(٢) انظر: "شرح أدب القاضي" للخصاف، تأليف عمر بن عبد العزيز بن مازه، ١/ ١٩٠ - ١٩٢.
(٣) هو الشرح المسمى بـ"فتح القدير" للعلامة المحقق الكمال بن الهمام (- ٨٦١ هـ) وهو الشرح المقصود من بين شروح "الهداية"، عند الإطلاق في هذا الكتاب، حتى إن المؤلف قد يعنيه بقوله: (قال في الشرح …). وهو شرح جليل على "الهداية" - الكتاب المشهور في فروع الحنفية -، وصل فيه مؤلفه إلى كتاب الوكالة، ثم أكمله المولى شمس الدين أحمد المعروف بـ"قاضي زاده" (- ٩٨٨ هـ) وسماه "نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار". (كشف الظنون ٢/ ٢٠٣٤).
(٤) قال في "فتح القدير" لابن الهمام ٧/ ٣٠٤ - ٣٠٦ (طبعة دار الفكر): "لو قضى في المجتهد فيه مخالفًا لرأيه ناسيًا لمذهبه نفذ عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان عامدًا ففيه روايتان، ووجه النفاذ: أنه ليس بخطأ بيقين. وعندهما: لا ينفذ في الوجهين لأنَّه قضى بما هو خطأ عنده، وعليه الفتوى. قال الشارح: .. ذَكَر المصنف كصاحب المحيط، الفتوى على قولهما، وذكر في "الفتاوى الصغرى" أن الفتوى على قول أبي حنيفة، فقد اختلف الفتوى. والوجه في هذا الزمان .. " إلى آخر ما نقل المصنف هنا. وقال الإمام السرخسي (- ٤٩٠ هـ) رحمه الله تعالى: "على أصل أبي حنيفة: إذا كان عند مجتهد أن من يخالفه في الرأي أعلم بطريق الاجتهاد، وأنَّه مقدم عليه في العلم فإنه يدع رأيه لرأي من عرف زيادة قوة في اجتهاده، كما أن العامي يدع رأيه لرأي المفتي المجتهد لعلمه بأنه متقدم عليه … وعلى قول أبي يوسف ومحمد: لا يدع المجتهد في زماننا رأيه لرأي من هو مقدم عليه في الاجتهاد من أهل عصره لوجود المساواة بينهما في الحال وفي معرفة طريق الاجتهاد". (أصول السرخسي ٢/ ١٠٨).
(٥) قارن بما ذكره ابن قطلوبغا في كتابه "موجبات الأحكام وواقعات الأيام" ص ١٩٤.
(٦) قال في "كشف الظنون" ٢/ ١٣٥٧: "قنية المنية" على مذهب أبي حنيفة، للشيخ الإمام أبي الرجاء نجم الدين مختار بن محمود الزاهدي الحنفي، انظر ترجمته ص ١٣٧، ت ٢.=
[ ١٢٩ ]
مجتهد إذا قضى على خلاف رأيه (^١)، والقاضي المقلد إذا قضى على خلاف مذهبه لا ينفذ".
وقال أبو العباس أحمد بن إدريس (^٢): "هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده، كما يجب على المفتي أن لا يفتي إلا بالراجح عنده، أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحًا عنده؟
جوابه: أن الحاكم إن كان مجتهدًا فلا يجوز له أن يحكم ويفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدًا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحًا عنده، مقلدًا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتوى، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفُتْيا فحرام إجماعًا، وأما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع" (^٣). [انتهى]
_________________
(١) = ذكر في أولها أنه استصفاها من "منية الفقهاء" لأستاذه بديع بن أبي منصور العراقي، وسماها: "قنية المنية لتتميم الغنية".
(٢) قال في "المحيط" في كتاب القضاء، الفصل التاسع عشر في القضاء في المجتهدات ٤/ ١٥٦ - مخطوط: "قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: .. ذكر الخلاف في بعض المواضع في نفاذ القضاء، وفي بعض المواضع ذكر الخلاف في حل الإقدام على القضاء ..، فوجه من قال بعدم النفاذ أنه زعم فساد قضائه فيعامل في حقه بزعمه، وجه من قال بالنفاذ أنه قضى في محل الاجتهاد فينفذ قضاؤه كما لو قضى برأي نفسه .. ".
(٣) هو الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القَرَافي المصري المالكي، المولود سنة ٦٢٦، والمتوفى سنة ٦٨٤ هـ ﵀، له تواليف ممتعة، منها: "الفروق والإحكام والذخيرة في الفقه المالكي". (الأعلام ١/ ٩٥).
(٤) انظر: "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام" للإمام القرافي، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، السؤال الثاني والعشرون، ص ٩٢، ٩٣. وذكر المحقق في الهامش أن العلامة الشيخ عليش - رحمه الله تعالى - نقل هذا السؤال وجوابه في فتاواه "فتح العلي المالك" ١/ ٥٨، ٥٩ ثم أتبعه بقوله: "فانظر وتأمل قول القرافي - رحمه الله تعالى - كيف منع المجتهد من الحكم والفتيا إلّا بالراجح عنده، وأجاز للمقلد أن يفتي أو يحكم بالمشهور وإن لم يكن راجحًا عنده ولا صحيحًا في نظره، مع كونه أهلًا للنظر وعارفًا بطرق الترجيح وأدلة التشهير والتصحيح، فإذا نظر ورجَحَ عنده غير المشهور جاز له أن يفتي بغير الراجح عنده إن كان مشهورًا عند إمامه، وإن كان شاذًّا مرجوحًا في نظره، لكونه يقلد في ترجيح المشهور إمامه الذي قلده في الفتوى … إلى أن يقول - الشيخ عليش -: فإن قلتَ: قوله (أما الحكم والفتوى بما هو مرجوح فخلاف الإجماع)، يناقض قولَه (فإن كان مقلدًا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحًا عنده) ومدافعٌ له؛ قلتُ: الذي حكي الإجماع على تحريمه ومنعه إنما هو أن لا يفتي بالراجح في نظره ولا في نظر مقلَّده وإمامه معًا، والذي جُوّز فيه الحكم والفتوى بالمرجوح إنما هو إذا كان راجحًا في نظر متبوعه، مرجوحًا في نظره هو، فلم يخرج في محل الجواز عن الراجح جملة، وفي محل الإجماع قد خرج عنه جملة، والله أعلم".
[ ١٣٠ ]
فقال من لا يدري مراد العلماء: قد فُقد المجتهد والأفقَه!
قلت: ففيما فيه الروايات نعمل بقول ابن المبارك (^١)، على أن المجتهدين لم يُفقدوا حتى نظروا (^٢) في المختلف ورجّحوا وصحّحوا، فشهدت مصنفاتهم بترجيح دليل أبي حنيفة والأخذ بقوله، إلا في مسائل يسيرة اختاروا الفتوى فيها على قولهما أو قول أحدهما وإن كان الآخر مع الإمام، كما اختاروا قول أحدهما فيما لا نص فيه للإمام للمعاني التي أشار إليها القاضي (^٣) - ﵀ - بل اختاروا قول زُفَر في مقابلة قول الكل لنحو ذلك (^٤). وترجيحاتهم وتصحيحاتهم باقية، فعلينا اتباع الراجح والعمل به كما لو أفتونا به في حياتهم.
قيل: ففي غير الروايات عن الأئمة قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح، وقد
_________________
(١) انظر قول عبد الله بن المبارك ص ١٢٦ وص ١٢٨، وفي "ردّ المحتار" ١/ ٦٠ (طبعة دار الفكر): "قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى.: ليس أحد أحق أن يقتدى به من أبي حنيفة؛ لأنَّه كان إمامًا تقيًا ورعًا عالمَا فقيهًا، كشف العلم كشفًا لم يكشفه أحد، ببصر وفهم وفطنة وتُقى".
(٢) لا يُعد ذلك إقرارًا من المؤلف بعدم وجود المجتهد، بل إنه على فرض صحة كلام الذين قصدهم بقوله (قال من لا يدري مراد العلماء: قد فُقد المجتهد ..)، وسيشير - ﵀ - إلى أنه لا يخلو الوجود عن نوع اجتهاد حقيقة .. (انظر ص ١٣٢). بل إن العلامة ابن عابدين جعل الشيخ قاسمًا نفسَه من أهل تلك الكتيبة! وذلك لما أورده في رسالته المسماة "رفع الاشتباه عن مسألة المياه" حيث يقول فيها المصنف: "لما منع علماؤنا - رضي الله تعالى عنهم - مَن كان له أهلية النظر مِن محض تقليدهم … تتبعت مآخذهم وحصلت منها - بحمد الله تعالى - على الكثير، ولم أقنع بتقليد ما في صحف كثير من المصنفين .. الخ"، وقال في رسالة أخرى: "وإني - ولله الحمد - لأقول كما قال الطحاوي لابن حربويه: لا يقلد إلا عصبي أو غبي". انظر "رسم المفتي" ١/ ٣٢.
(٣) انظر ما مرّ عن قاضي خان ص ١٢٥، ١٢٦. ونقل صاحب "رسم المفتي" عن رسالة "رفع الغشاء في وقت العصر والعشاء" أنه لا يرجَّح قول صاحبيه أو أحدهما على قوله [أي أبي حنيفة] إلّا لموجب وهو إما ضعف دليل الإمام، وإما للضرورة والتعامل، كترجيح قولهما في المزارعة والمعاملة، وإما لأن خلافهما له بسبب اختلاف العصر والزمان، وأنَّه لو شاهد ما وقع في عصرهما لوافقهما كعدم القضاء بظاهر العدالة. (رسائل ابن عابدين ١/ ٢٧).
(٤) قال العلامة ابن عابدين في "حاشيته" ١/ ٧١ (دار الفكر): "وفي شرح البيري: إن الفتوى على قول زفر في سبع عشرة مسألة حررتها في رسالة". قلت: هي رسالة "القول الأزهر فيما يفتى به بقول الإمام زفر" لإبراهيم بن حسين بن أحمد البيري المكي (١٠٩٩ هـ) كما في "هدية العارفين" ١/ ٣٤. ولابن عابدين منظومة فريدة من اثنين وعشرين بيتًا في المسائل التي يفتى بها بقول زفر، ذكَرها في "رد المحتار" في باب النفقة ٣/ ٦٠٨، ٦٠٩ (طبعة دار الفكر)، فانظرها هناك إن شئت.
[ ١٣١ ]
يختلفون في التصحيح، قلت: نعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس (^١) وما هو الأرفق بالناس وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه، ولا يخلو الوجود ممّن يميّز هذا حقيقة لا ظنًا بنفسه (^٢)، فيرجع من لم يميّز لمن يميز، لبراءة ذمته (^٣).
ولمّا تمّ لي هذا النظر، أحببت أن أضع على المختصرات التي تحفظ في هذا الزمان تصحيحات معزوّة إلى قائلها أو ناقلها، كما فعله الأئمة من الشافعية لمختصراتهم، وإن كان ذلك موجودًا في الشروح والمطولات إلا أنهم أسعفوا بذلك من لم يصل إلى تلك (^٤).
_________________
(١) قال العلامة ابن عابدين: "إن جمود المفتي أو القاضي على ظاهر المنقول مع ترك العرف والقرائن الواضحة، والجهل بأحوال الناس، يلزم منه تضييع حقوق كثيرة، وظلمُ خلق كثيرين". (رسالة رسم المفتي ١/ ٤٧).
(٢) كذا في النسخ المخطوطة (أ، ب، جـ)، وفي "الطراز المذهب" - نقلًا عن "التصحيح" - قال: "لا ظنًّا بتبعيّة"، وهو أولى ..
(٣) كلام المصنف في رسم المفتي هنا، قريب مما نقله عن قاضي خان من مقدمة "فتاواه" أنه إذا اختلف المتأخرون ولم توجد رواية عن أئمة المذهب، فلا يبقى إلا الاجتهاد، أو سؤال الأفْقَه .. وقد نقل ابن عابدين عن "الحاوي القدسي" أنه إذا تكلم المشايخ المتأخرون في مسألة قولًا واحدًا يؤخذ به، فإن اختلفوا: يؤخذ بقول الأكثرين مما اعتمد عليه الكبار المعروفون كأبي حفص وأبي جعفر وأبي الليث والطحاوي وغيرهم فيعتمد عليه، وإن لم يوجد منهم جواب البتة نصًا، ينظر المفتي فيها نظر تأمل وتدبر واجتهاد .. وعن "التاترخانية": وإن اختلف المتأخرون أخذ بقول واحد، فلو لم يجد من المتأخرين، يجتهد برأيه إذا كان يعرف وجوه الفقه ويشاور أهله. اهـ من "رسم المفتي" لابن عابدين ١/ ٣٣.
(٤) وهذه بعض المختصرات في الفقه الشافعي، وما أُلّف عليها من كتب التصحيح: كتاب "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (- ٤٧٦ هـ) وهو أحد الكتب الخمس المشهورة المتداولة بين الشافعية، صنف عليه الإمام محيي الدين يحيى بن شرف النووي (- ٦٧٦ هـ) "تصحيح التنبيه"، وللإمام جمال الدين محمد بن الحسين الأسنوي (- ٧٧٧ هـ) "تصحيح التنبيه" أيضًا، وهو مختصر سماه: "تذكرة النبيه" وهذه الثلاثة مطبوعة. وصنف الإمام سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن الملقن (- ٨٠٤ هـ) كتاب "إرشاد النبيه إلى تصحيح التنبيه". انظر (كشف الظنون ١/ ٤٨٩ - ٤٩٢). وكتاب "الحاوي" - الصغير - في فروع الفقه الشافعي، للشيخ نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني (- ٦٦٥ هـ) وهو من الكتب المعتبرة بين الشافعية. عليه "تصحيحٌ" لشهاب الدين أحمد بن محمد بن الصاحب (- ٧٨٨ هـ) وآخَر لسراج الدين عمر بن الملقن، ولشهاب الدين أحمد بن حسين بن أرسلان الرملي القدسي (- ٨٤٤ هـ) تصحيح الحاوي أيضًا. انظر (كشف الظنون ١/ ٦٢٥، ٢٦٢). وكتاب "التعجيز في مختصر الوجيز" لتاج الدين أبي القاسم عبد الرحيم بن محمد، المعروف بابن يونس الموصلي (- ٦٧١ هـ) وهو مختصر عجيب مشهور بين الشافعية … وعليه: "تصحيح التعجيز"=
[ ١٣٢ ]
وقد قال الإمام برهان الشريعة المحبوبي في أول كتابه (^١): "إنه حاوٍ لما هو أصح الأقاويل والاختيارات (^٢).
_________________
(١) = لقطب الدين محمد بن عبد الصمد السنباطي (- ٧٢٢ هـ). ومثله لعثمان بن علي الحلبي، المعروف بابن خطيب جبرين (- ٧٣٩ هـ)، وآخر لمحمد بن حسن الأطروش (- ٧٨٤ هـ)، انظر (كشف الظنون ١/ ٤١٧، ٤١٨). وكتاب "منهاج الطالبين" في فروع الشافعية للإمام محيي الدين النووي، شرحه سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (- ٨٠٥ هـ) وسماه "تصحيح المنهاج"، ولكل من سراج الدين عمر بن الملقن، ونجم الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله بن قاضي عجلون (- ٨٧٦ هـ) كتاب "تصحيح المنهاج". انظر (كشف الظنون ٢/ ١٨٧٣ - ١٨٧٥). ولأحمد بن لؤلؤ، المعروف بابن النقيب (- ٧٦٩ هـ) كتاب "ترشيح المذهب في تصحيح المهذب". انظر "هدية العارفين" ١/ ١١٢. و"المهذب" للشيرازي كتاب في فروع الفقه الشافعي، جليل القدر. (كشف الظنون ٢/ ١٩١٢، ١٩١٣).
(٢) أما الكتاب فهو "وقاية الرواية في مسائل الهداية"، مختصرٌ مفيد معتمد في المذهب الحنفي. وأما مؤلفه، فقد ذكر المصنف اسمه هنا: (برهان الشريعة المحبوبي)، وعلى هذا مشى في سائر الكتاب، وربما أطلق عليه لقب "الإمام البرهاني". وقال المصنف: في تاج التراجم: "محمود بن عبيد الله بن محمود، تاج الشريعة المحبوبي، عالم فاضل، حبْر كامل، له شرح الهداية المسمى بـ "الكفاية"، ومختصر الهداية المسمى بـ"الوقاية" اهـ من ص ٢٩١، رقم ٢٧٩، فذكر اسمه محمودًا، وأن لقبه تاج الشريعة. وإذا رجعنا إلى ما قاله بعض العلماء - ومع اتفاقهم على أن صاحب الوقاية هو جد صدر الشريعة الأصغر، صاحب النقاية - لتبين أنهم اختلفوا في اسم ولقب صاحب الوقاية، واختلفوا هل هو جد صدر الشريعة الأصغر من جهة أمه أو من جهة أبيه؟ ذكر حاجي خليفة أن "الوقاية" للإمام برهان الشريعة محمود بن صدر الشريعة الأول عبيد الله المحبوبي .. صنّفه لابن بنته صدر الشريعة الثاني. (كشف الظنون ٢/ ٢٠٢٠. ولم يذكر سنة وفاته). وقال البغدادي في هدية العارفين ٢/ ٤٠٦: "برهان الشريعة: محمود بن صدر الشريعة الأول عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي .. المتوفى في حدود سنة ٦٧٣، له "وقاية الرواية في مسائل الهداية"، - وكان قد قال قبل ذلك ١/ ٧٨٧ -: تاج الشريعة عمر بن صدر الشريعة الأول أحمد بن جمال الدين عبيد الله المحبوبي، المتوفى سنة ٦٧٣"! وحقق الإمام اللكنوي - رحمه الله تعالى - نسب صدر الشريعة الأصغر أنه: عبيد الله بن مسعود بن تاج الشريعة محمود بن صدر الشريعة أحمد … وقال إن تاج الشريعة هو الذي صنف الوقاية صنفها لأجل ابن ابنه صدر الشريعة - عبيد الله.، وذكر أن أب والدته هو برهان الدين .. ثم قال في نهاية تحقيقه الطويل: "وبالجملة، فهذا المقام مما زلت فيه أقدام الأعلام، واختلفت فيه أقلام الكرام، ولعل القدر الذي فصلته في ترجمته مما لم يطلع عليه أكثر العظام". انظر (الفوائد البهية ص ١٨٥ - ١٨٨ رقم ٢٣٢، ورقم ٢٢٩ و٤٤٢).
(٣) ومما جاء في مقدمة كتاب "الوقاية" للمحبوبي: " … فألّفت في رواية كتاب "الهداية" - وهو كتاب فاخر، وبحر موّاج زاخر، كتاب جليل القدر عظيم الشأن .. - مختصرًا جامعًا لجميع مسائله، خاليًا عن دلائله، حاويًا لما هو أصح الأقاويل والاختيارات وزوائد الفتاوى والواقعات وما يُحتاج إليه من نظم الخلافيات .. موسومًا بـ"وقاية الرواية في مسائل الهداية"، واللهَ تعالى المسؤول أن ينفع به=
[ ١٣٣ ]
وقال الإمام أبو البركات النسفي (^١) في صدر كتابه: "وأُورد في هذا الكتاب ما هو المعوّل عليه في الباب" (^٢)، فأذكر في المسائل المعروفة أنهما قد اعتمدا ذلك، وربما ذكرت من وافقهما على ذلك.
وهذا ما تيسّر على مختصر القُدوري [﵀]، مع زيادات نصّ على تصحيحها القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان في "فتاواه"، فإنه من أحق مَن يُعتمد على تصحيحه (^٣).
والله وليّ الإعانة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
_________________
(١) = حافظيه والراغبين فيه عامة، والولدَ الأعز: عبيد الله خاصة، إنه خير مأمول وأكرمُ مسؤول". (نقلته من نسخة مخطوطة للكتاب في مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، رقم ٦٦٧).
(٢) هو عبد الله بن أحمد بن محمود، أبو البركات، حافظ الدين النسفي، - نسبة إلى نَسَف من بلاد السغد فيما وراء النهر -. كان إمامًا كاملًا، زاهدًا، عديم النظير في زمانه، من تصانيفه: "كنز الدقائق" و"كشف الأسرار" و"مدارك التنزيل" المعروف بتفسير النسفي. توفي سنة ٧١٠ هـ، وقيل ٧٠١ ﵀. (الجواهر المضية ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥، رقم ٦٩٢، وتاج التراجم ص ١٧٤، ١٧٥، رقم ١٢٢، والفوائد البهية ص ١٧٢ - ١٧٤ رقم ٢١٨، وانظر التعليقات السنية على الفوائد البهية ص ١٧٢، والأعلام ٤/ ٦٧، ٦٨).
(٣) لم أجد هذه الكلمة في مقدمة مختصره المشهور "كنز الدقائق". وقد كثر اعتماد المصنف على الإمام النسفي في غالب المسائل وفي جميع الأبواب .. لكن دون أن يشير إلى أيِّ من كتبه، وربما كان قول النسفي: (وأورد في هذا الكتاب .. الخ) أي كتاب "الوافي" الذي صنفه أولًا ثم لخص منه "الكنز"، كما في مقدمة "كنز الدقائق"، وانظر (كشف الظنون ٢/ ١٥١٥). وللنسفي شرح على منظومة الإمام أبي حفص النسفي في الخلاف سماه "المستصفى" ثم اختصره وسماه "المصفى". (كشف الظنون ٢/ ١٨٦٧)، ومن كتبه في الفروع أيضًا: "المستوفى"، كما في "الكشف" ٢/ ١٦٧٥.
(٤) قال الإمام اللكنوي في "الفوائد البهية" ص ١١١: "قال قاسم بن قطلوبغا في "تصحيح القدوري": ما يصححه قاضي خان مقدم على تصحيح غيره لأنَّه فقيه النفس" اهـ. ولم أجد في "التصحيح" غير ما ذكر هنا، فقد يكون النقل بالمعنى، وزيادة التعليل من أحد النساخ، والله تعالى أعلم.
[ ١٣٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ