عندما ابتدأت نسخ مخطوطة الأصل، كنت متفائلًا في الحصول على مزيد من النسخ للبدء بالتحقيق، ولكن لما سعيت لذلك، لم ألقَ تجاوبًا من بعض المكتبات، فالمعاملات الإدارية فيها كانت معقدة في الغالب، بل إنها حالت دون حصولي على مزيد من النسخ المخطوطة (^١).
وقد حدّدت خطّتي في التحقيق - قبل البدء - بشكل ينسجم مع موضوع الكتاب، وقصْدِ الكاتب من التصنيف، فلم أحشد الأدلة على المسائل في الهامش، ولم أذكر أقوالًا أخرى مخالفة لمذهب أبي حنيفة، ولم أستطرد بذكر مسائل متعلقة بالموضوع إلا نادرًا، إذ كان استطراد المصنف أحيانًا استثنائيًّا، وخروجًا على عادته ومنهجه في الكتاب، كما مر عند الكلام على منهج المؤلف.
ثم وجدتُ نفسي مدعوًّا لإثبات مختصر القُدُوري مع كتاب التصحيح (^٢)؛ لأن المؤلف ﵀ يذكر المسائل من القدوري مجتزأة ومن غير يُعرف سياقها ثم يعلق عليها، مقتصرًا على ذكر اسم كل باب من أبوابه، فالمحتمل أنه عندما صنف التصحيح جعل كتاب القدوري أمامه مكشوف الصفحات، فيقرأُ كل باب منه ثم يعلق على ما فيه من مسائل الخلاف، إلا إذا اعتبرت أنه كان يستظهر مختصر القدوري ويحفظه عن ظهر قلب، وهو الاحتمال الأولى.
ولكن مَن يحفظ "القدوري" اليوم قليل، وقراءة "التصحيح" بدونه يجعله قليل الفائدة متعذر الفهم أحيانًا، إلا أن يُقرأ الكتابان معًا، ولذلك جعلت مختصر القدوري (^٢) في أعلى الصفحات، ووضعت علامة في آخر كل مسألة اختارها
_________________
(١) حصلت على النسخة الأخيرة بعد سنتين أو يزيد، من وقت حصولي على أول نسخة وبدء التحقيق!
(٢) ولقد ظفرت بحمد الله تعالى على نسخة قديمة لمختصر القدوري، اعتمدتها في هذا المطبوع، وهي صورة نسخة مخطوطة في المكتبة الوطنية بدمشق، تحمل رقم ١٥١٨٤، وتاريخ انتهاء النسخ هو سنة ٨٢٨، وهي منسوخة بخط نسخي جيد، ولكن فيها بعض الصفحات التي نسخت فيما بعد، ويبدو أنها كتبت بعد تلفِ أصاب بعض أوراق المخطوط، كما يظهر من شكل أو فساد الصفحات القريبة من تلك المضافة، وأرقام هذه الصفحات الجديدة هي: ٢ أ، ١ ب، ٣ أ، ١٠ ب، ١١ أ، ١١ ب. . . إلى ٢٣ أ.
[ ١٠٠ ]
المصنف للتعليق عليها، ثم أثبت في وسط الصفحة كتاب التصحيح - وهو المقصود بالتحقيق - وأبرزته بخط واضح كبير الحجم، وفي القسم الثالث من الصفحة تأتي التعليقات والإحالات.
ولقد قمت - في خدمتي الكتاب - بالخطوات التالية:
- نسخت كتاب التصحيح والترجيح معتمدًا على نسخة الأصل، المنسوخة في حياة المؤلف، والمقروءة عليه.
- قابلت الكتاب على سائر النسخ المخطوطة التي توفرت لدي، وذكرت في الهامش الفروق ومواضع الخلاف مع الأصل، إلا ما تيقنت تحريفه أو تصحيفه في تلك النسخ فلم أشر إليه في الغالب .. لِما أراه في ذلك من تشتيت فكر القارئ وذهنه، وإيقافه عندما لا نفع في ذكره.
- أمّا إن كان الخطأ في الأصل - وذلك في مواضع قليلة من الكتاب - فإني أثبت ما أراه صوابًا إذا كان موجودًا في أحد النسخ، وأشير إلى ما في نسخة الأصل في الهامش.
- إذا وجدت زيادة على الأصل من إحدى النسخ، فإني أثبتها بين حاصرتين، ثم أبين في الهامش مصدر تلك الزيادة.
- وإذا كانت الزيادة في إحدى النسخ قليلة، أو لا تغير المعنى، كزيادة حرف العطف، أو كلمة: "﵀"، أو "والله أعلم" مثلًا، فإني أضعها بين علامتي الزيادة، دون الإشارة إلى مصدرها، وهي غالبًا من نسخة (جـ)، وبعضها من (د).
- ولم أضف من رأيي شيئًا أبدًا إلى كلام المصنف؛ ولم أغير في صلب الكتاب، إلا ما يعِين على كشفه وإيضاحه كالاعتناء بعلامات الترقيم، التي حرصت على إحكامها وإتقانها.
- كما التزمت: ضبط الآيات القرآنية، وعزوها إلى مواضعها من المصحف.
- ضبط الأحاديث النبوية وتوثيقها من صحيحَي البخاري ومسلم، وإن لم يوجد فيهما، فمن غيرهما من باقي الكتب الستّة.
- إعجام ما أهمل من الكلمات، دون الإشارة في الهامش إلى ما أهمله النساخ من نقط.
[ ١٠١ ]
- رسم الكتابة وفق القواعد الإملائية المتعارف عليها اليوم، من غير إشارة إلى ذلك (^١).
- التعريف بالفقهاء المذكورين في متن الكتاب، باستثناء أئمة المذهب والمذاهب لشهرتهم، وأثبت في نهاية كل ترجمة المصادر التي رجعت إليها في تلك الترجمة، مع ذكر رقم الجزء والصفحة.
- التعريف بالكتب التي أوردها المصنف.
- مقابلة النص على المصادر التي اعتمد عليها المصنف قدر الإمكان. وإن وجدت بين النص والمصادر فروقًا قد تزيد النص المقتبس توضيحًا، فإني أنقله في الهامش.
- العزو إلى المصادر بذكر الجزء والصفحة، دون بيان تفاصيل معلومات النشر خلال التحقيق، وأورد ذلك في قائمة المصادر والمراجع، ضمن فهارس الكتاب (^٢).
- تحديد كل قول مقتبس برسم علامة دالة على التنصيص أو الاقتباس، في بداية النقل وآخره، وقد اجتهدت في تعيين نهاية كثير من تلك النقول، إذا كان الكتاب المقتبس منه غير مطبوع، وأرجو أن أكون قد وفِّقت، والله المستعان.
وأخيرًا: فهارس الكتاب، وتشمل:
١ - فهرس المصادر والمراجع المعتمدة في التحقيق.
٢ - فهرس موضوعات قسم الدراسة.
٣ - فهرس التصحيح والترجيح.
_________________
(١) مثال ذلك ما رُسم في النسخ على النحو التالي: "ثلثون، مائتا، ملاء الفم .. "، فأثبتها هكذا: "ثلاثون، مِئتا، ملء الفم".
(٢) واعتمدت في ذلك أسلوب الدكتور رمضان عبد التواب، وما شرحه بإسهاب في كتابه: "مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين"، وممّا قاله في ص ١٦٥: "ومن البدع .. ما ينادي به بعض الباحثين ويحاول غرسه في عقول طلاب الدراسات العليا، وهو ضرورة أن توضح بيانات هذا المصدر أو ذاك كاملة عند ذكره لأول مرة في الكتاب المحقق أو الرسالة العلمية .. وقد يصنع هذا في المقالات العلمية أو البحوث القصيرة، التي تُقرأ عادة من أولها إلى آخرها ولا يوضع في نهايتها ثبت كامل بالمصادر مستوفية لبياناتها … ومن البدع كذلك ذكر اسم المؤلف أولًا وبعده اسم كتابه .. وهذا تقليد أعمى للغرب، ولا بأس من استخدامه مع المصادر غير العربية إذا ذكرت بلغاتها، أما في المصادر العربية فإننا نراها غريبة عنا لا تلائم ما توارثناه من طريق مغاير لذلك في مؤلفات أسلافنا".
[ ١٠٢ ]