قوله: (ون كانت العصر أو المغرب أو الفجر خرج، وإن أخذ في الإقامة لكراهة التنفل بعدها.
فيه نظر؛ لحديث جابر بن زيد [بن] الأسود عن أبيه، قال: شهدت مع رسول الله -ﷺ- حجته، فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف وأنا غلام شاب، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: "علي بهما"، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا
[ ٢ / ٦٨٩ ]
معنا"؟ فقالا: يا رسول الله قد صلينا في رحالنا. فقال: "لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة". رواه أبو داود، والترمذي.
وحديث أبي ذر -﵁- قال: "إن خليلي -يعني النبي -ﷺ- - أوصاني أن أصلي الصلاة لوقتها؛ فإذا أدركتها معهم فصل معهم، فإنها لك نافلة" رواه مسلم.
فالحديث الثاني عام، والأول في الفجر، والعصر مثلها. ولكن ينبغي لمن صلى الفجر أو العصر ثم أتى إلى مسجد وهم في الصلاة أن لا يدخل إليهم. ولكن إذا أتى اتفاقا فأقيمت الصلاة وهو في المسجد صلى معهم.
وعموم النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب قد خص منه قضاء الفوائت، وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، فتخص المعادة مع الجماعة بالنص.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
قوله: (وإن انتهى إلى الإمام في صلاة الفجر وهو لم يصل ركعتي الفجر إن خشي أن تفوته ركعة ويدرك الأخرى يصلي ركعتي الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل).
في "الصحيحين": عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة". وفي رواية: "فلا صلاة إلا التي أقيمت".
وفي "الصحيحين" أيضًا، عن عبد الله بن مالك بن بحينة قال: "مر رسول الله -ﷺ-"، وفي رواية: "أنه رأى رجلًا قد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين، فلما انصرف لاث به الناس، فقال له رسول الله -ﷺ-: آلصبح أربعًا، الصبح أربعًا!! ".
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن سرجس قال: "دخل رجل المسجد
[ ٢ / ٦٩١ ]
ورسول الله -ﷺ-] في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع رسول الله -ﷺ-. فلما سلم رسول الله -ﷺ- قال: "يا فلان! بأي الصلاتين اعتددت؟ [أ] بصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟ ".
وما ورد من السنة في فضل ركعتي الفجر لا يدل على جواز صلاتها بعد الإقامة.
قوله: (وإذا فاتته ركعتا الفجر لا يقضيهما قبل طلوع الشمس).
إلى أن قال: (وأما سائر السنن سواها فلا تقضى بعد الوقت وحدها).
عن قيس بن قهد قال: "رآني رسول الله -ﷺ- وأنا أصلي ركعتي الفجر بعد صلاة الفجر، فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس؟ " قلت: يا رسول الله، لم أكن صليت ركعتي الفجر، فهما هاتان. فسكت رسول الله -ﷺ-" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وفي رواية للترمذي: "فلا إذن".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [من] لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس" رواه الترمذي.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
وثبت في "الصحيحين" وغيرهما: "أن النبي -ﷺ- قضى الركعتين اللتين بعد الظهر بعد العصر لما شغل عنهما، ثم إنه داوم عليهما".
فأما مداومته عليها فلأنه كان إذا فعل شيئًا داوم عليه. وأما قضاؤه إياهما بعد العصر، ففيه دليل على أن السنن الرواتب تقضى، وأن قضاءها جائز بعد العصر، وبعد الفجر مثله، لا فرق بينهما.
قوله: (ومن أدرك من الظهر ركعة ولم يدرك الثلاث فإنه لم يصل الظهر في جماعة، وقال محمد: قد أدرك فضل الجماعة).
في تخصيص محمد وحده بالذكر نظر؛ فإنه يوهم أن أبا حنيفة وأبا يوسف يخالفانه، وليس كذلك.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
وقد أجيب عن هذا بأنه لا شبهة في قولهما. وأما الشبهة في قول محمد، فإن من أدرك الإمام في الجمعة، في التشهد، كان مدركًا للجمعة حتى يصليها ركعتين عندهما، وعن محمد يصليها أربعًا احتياطًا. ولكن الإيهام موجود، فلو قال: اتفاقًا، أو عند الكل، أو نحو ذلك، لكان أولى.
قوله: (قال ﵊: "ومن ترك الأربع قبل الظهر لم تنله شفاعتي".
صرح أهل السنن في فضل الأربع قبل الظهر أحاديث، وهذا اللفظ
[ ٢ / ٦٩٥ ]
الذي ذكره المصنف لم يذكره أهل الحديث. وفي ثبوته نظر؛ فإنه ثبت عنه ﵊ أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته؛ فكيف لا ينال شفاعته من ترك سنة غايتها أن تكون مؤكدة يثاب على فعلها ثوابًا جزيلًا، ولكنه لا يعاقب على تركها!.
* * *
[ ٢ / ٦٩٦ ]