قوله: (قال ﵊: "الحناء طيب) ".
أخرجه البيهقي من حديث خولة بنت حكيم عن أمها وضعفه. قال: وروينا عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن خضاب الحناء فقالت: "كان خليليﷺ- لا يحب ريحه". وقد ثبت أن النبيﷺ-: "كان يحب الطيب"؛ فيشبه أن يكون الحناء ليس بطيب. وفي مسند الإمام أحمد عن
[ ٣ / ١١٠٥ ]
عائشة ﵂ أنها قالت: كان حبيبيﷺ- يعجبه لونه، ويكره ريحه" يعني الحناء.
وأخرجه أبو داود والنسائي بتغيير بعض ألفاظه، وقال ابن المنذر: وروينا عن عكرمة: أن عائشة وأزواج النبيﷺ- ورضي عنهن "كن يختضبن بالحناء، وهن حرم"، وذلك بعد النبيﷺ-. قال السروجي: وروى النسائي أن النبيﷺ-: "نهى المعتدة عن الكحل، والدهن، والخضاب بالحناء"، وقال: "الحناء طيب". وقد وهم السروجي في ذلك، والذي رواه النسائي عن أم سلمة ﵂، قالت: "دخل علي رسول اللهﷺ- حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرًا فقال: ما هذا؛ يا أم سلمة!
[ ٣ / ١١٠٦ ]
فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا باليل، وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء فإنه خضاب الحديث". فكأن السروجي توهم أن الخضاب طيب، أو اشتبه عليه اللفظ، والله أعلم.
قوله: (ولأبي حنيفة أنه أصل الطيب ولا تخلو عن نوع الطيب).
يعني الزيت والشيرج، وفي نظر؛ فإن كونه من أصل الطيب- معنى أنه إذا ألقي فيه شيء صار طيبًا- لا يلزم منه إلحاقه بالطيب، وقد نظر السغناقي الزيت ببيض الصيد، وهو تنظير فاسد؛ فإن البيض بفرضية أن يخرج منه الصيد، فهو أصل الصيد حقيقة، وأما الزيت فلا يصير طيبًا بنفسه.
[ ٣ / ١١٠٧ ]
وقوله: (ولا يخلو عن نوع طيب) ممنوع، وقوله هذا مجرد دعوى لم يقم عليها دليلًا، فيكفي في مقابلتها المنع، وكونه يقتل الهوام ويلين الشعر، ويزيل التفث أمر ورواء التطيب.
قوله: (وقال مالك: لا يجب إلا بحلق الكل).
ليس هذا مذهب مالك ﵀، وإنما مذهبه أن من حلق رأسه ما أماط به عنه الذى، وجب الدم ولم يقدره، كذا نقله عنه ابن المنذر، وابن قدامة، والنواوي.
قوله: (ولنا أن حلق ربع الرأس ارتفاق كامل؛ لأنه معتاد) ثم قال: (وكذا حلق بعض اللحية معتاد بالعراق وأرض العرب).
[ ٣ / ١١٠٨ ]
الارتفاق المعتاد الحلق بعض الرأس واللحية غير مقدر بالربع، وإن كان بعض الناس قد يفعله، فذلك على سبيل الاتفاق لا على سبيل التحديد والتقدير، وقد ذكر بعض الأصحاب أنه مقيس على مسح الرأس في الوضوء، وقد تقدم ما فيه من الكلام، وأنه لا يصح أن يكون الربع فيه قائمًا مقام الكل.
قوله: (فإن أخذ من شاربه فعليه طعام؛ حكومة عدل، ومعناه أن ينظر أن هذا المأخوذ كم يكون من ربع اللحية، فيجب عليه الطعام بحسب ذلك، حتى لو كان مثلًا: مثل ربع ربع اللحية يلزمه قيمة ربع الشاة).
في اعتبار تقدير الصدقة بالتقدير من قيمة الشاة نظر؛ فإنه لم يرد به نص، وليس له نظير في الحج يلحق به، ويلزم منه اعتبار ذلك في تقليم الأظافر، وفي التطيب، وفي اللبس، والتغطية، وفي حلق بقية مواضع الشعر من البدن، لم يقل به أحد، وفي اعتباره من الحرج ما لا يخفى، والحرج مدفوع شرعًا.
[ ٣ / ١١٠٩ ]
قوله: (وعلى هذا الخلاف إذا حلق المحرم رأس حلال).
يعني أنه لا شيء على الحالق عند الشافعي ﵀، وعليه صدقة عند أبي حنيفة، ثم علل لذلك فقال: (ولنا أن إزالة ما ينمو من بدن الإنسان من محظورات الإحرام، لاستحقاقه الأمان بمنزلة نبات الحرم فلا يفترق الحال بين شعره وشعر غيره إلا أن كمال الجناية في شعره).
فيه نظر؛ فإن اعتبار شعر الحلال بنبات الحرم في استحقاق الأمن لا يصح بخلاف المحرم فإن شعره في حالة الإحرام محترم بمنزلة نبات الحرم. أما الحلال فلا، ولا يقال: إن المحرم ممنوع من التعرض له؛ لأنه إذا لم يكن محترمًا كان تعرض المحرم إليه كتعرض الحلال، بمنزلة نبات الحل. والمخاطبون بالنهي في قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ هم المحرمون، والضمير في قوله: ﴿رؤوسكم﴾ عائد إليهم، أي لا يحلق بعضكم رؤوس بعض. كما في قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أنفسكم ﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾.
[ ٣ / ١١١٠ ]
وفي قوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾. هذا هو الظاهر في الآيات كلها، وإن كانت تحتمل أن المحرم لا يحلق رأس نفسه، أو لا يمكن من يحلقه، وأن أحدًا منكم لا يقتل نفسه، وأن من تمام توبتكم يا بني إسرائل أن كل إنسان منكم يقتل نفسه، لكنه خلاف الظاهر، والقول بشمول كل من الآيات للمعنيين أحسن، فالحاصل أن المحرم ليس بمنهي عن حلق رأس الحلال.
قوله: (فإن أخذ من شارب حلال، أو قلم أظافيره أطعم ما شاء، والوجه فيه ما بينا، ولا يعرى عن نوع ارتفاق؛ لأنه يتأذى بتفث غيره، وإن كان أقل من التأذي بتفث نفسه فيلزم الطعام).
هذه المسألة من جنس ما قبلها، وزاد فيها تعليلًا آخر، وفيه نظر؛ فإن المحرم غير ممنوع من النظر إلى حلال غير به تفث، ولا إلى حلال يزيل تفث نفسه، أو تفث حلال آخر. وإزالته التفث عن الحلال بمنزلة إلباسه المخيط، وتغطية رأسه وليس هو بمنزلة إعانته على قتل الصيد؛ لأن في الإعانة على قتل الصيد تعرض إلى الصيد، وقد وجب على المحرم أن يأمن الصيد من جهته؛ فإذا أعان على قتله لم يكن قد أمن الصيد منه بخلاف تفث الحلال.
قوله: (وإن قص تحج اأور رجلًا فعليه دم إقامة للربع مقام الكل كما في الحلف).
تقدم ما في إقامة الربع مقام الكل من النظر والإشكال.
[ ٣ / ١١١١ ]