قوله: (والعبادات أنواع، مالية محضة كالزكاة، وبدنية كالصلاة، ومركبة عنهما كالحج).
الحج عبارة بدنية، وقد جعل في «المبسوط» المال في الحج شرط الوجوب، فلم يكن الحج مركبًا من البدن والمال. قال السروجي: وهو أقرب إلى الصواب، ولهذا لا يشترط المال في حق المكي إذا قدر على المشي إلى عرفات. وفي «فتاوى قاضي خان»: الحج عبادة بدنية كالصوم والصلاة.
قوله: (ولا يجزي في النوع الثاني بحال).
يعني لا تجزي النيابة في العبادة البدنية كالصوم والصلاة في حال من الأحوال. وفيه نظر؛ فقد تقدم في كتاب الصوم حديث عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». أخرجاه
[ ٣ / ١١٦٥ ]
في «الصحيحين». وتقدم حديث ابن عباس وحديث بريدة في هذا المعنى، وتقدم ذكر ما في ذلك من الخلاف.
قوله: (لحديث الخثعمية فإنه -﵊- قال فيه: «حجي عن أبيك واعتمري»).
حديث الخثعمية رواه الجماعة، وليس فيه: «واعتمري»، وإنما ذكر الاعتمار في حديث أبي رزين العقيلي، ولفظه قال: يا رسول الله، إن أبي
[ ٣ / ١١٦٦ ]
شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، ولا الظعن، قال له: «حج عن أبيك، واعتمر» أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
قوله: (وقال -﵊-: «من مات في طريق الحج كتب له حجة مبررة في كل سنة»).
هذا الحديث لا أصل له. ويمكن أن يستدل لهما بحديث الذي وقصته راحلته وهو محرم، وقال النبي -ﷺ-: «لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» متفق عليه. ولمسلم: «ولا تخمروا وجهه ولا رأسه» إلى أخره. وقد قال ببقاء الإحرام بعد الموت، وأنه لا ينقطع: عثمان، وعلي،
[ ٣ / ١١٦٧ ]
وابن عباس وغيرهم، وهو مذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق. وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: ينقطع بالموت، ويصنع بمن مات محرمًا ما يصنع بالحلال، لقوله -﵇-: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث » الحديث قالوا: لا حجة في حديث الذي وقصته راحلته لأنه خاص به. وأجاب من خالفهم بأن دعوى الخصوص خلاف الأصل، وقد قال نظير هذا في شهداء أحد؛ فقال: «زملوهم في ثيابهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك». وهذا غير مختص بهم.
[ ٣ / ١١٦٨ ]
وأيضًا فقد روى النسائي عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اغسلوا المحرم في ثوبيه الذي أحرم فيهما، واغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة محرمًا» وهذا اللفظ يعم كل محرم، وأيضًا فإن هذا الحديث موافق لأصول الشرع، والحكم التي رتب عليها المعاد؛ فإن العبد يبعث على ما مات عليه، ومن مات على حالة بعث عليها، ولا ينافيه قوله -عليه الصلاة السلام-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء » الحديث. فإن المراد أنه امتنع عليه أن يحدث له عمل بعد موته، لا أن ما عمله يبطل بموته حملًا للمصدر على معناه الذي هو الحدث، لا أن يكون المراد به خلاف معناه وهو المفعول فإن المصدر وإن كان قد يطلق ويراد به المفعول كالخلق بمعنى المخلوق ونحوه، ولكن أصل معناه أنه اسم للحدث، فالمراد بالعمل في قوله: «انقطع عمله»: أن يعمل، لا معموله. فإنه إن كان على عمل أهل الجنة عند الموت دخل الجنة، وإن كان على عمل أهل النار عند الموت دخل النار، والأعمال بالخواتيم، كما قال -﵊-: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»، وقال في عكسه كذلك.
يؤيد هذا ما روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من خرج مجاهدًا فمات كتب له أجره إلى يوم القيامة، ومن خرج حاجًا فمات كتب الله له
[ ٣ / ١١٦٩ ]
أجره إلى يوم القيامة»، وقد -قال تعالى-: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾، وجاء في عكسه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال يا رسول الله -ﷺ-: «من تردى من جبل فقتل نفسه؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديديته في يده يتوجً بها في بطنه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا». أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي.
واستثناء الأشياء الثلاثة لوجودها بعد الموت؛ أم العلم المنتفع بع، والصدقة الجارية فظاهر، وأما الولد فلأنه من كسبه، وهو باق بعده؛ فلما كان هو الساعي في وجود الولد كان عمل الولد من كسبه بخلاف الأخ، والعم، والأب، ونحوهم؛ فإنه وإن كان تنتفع أيضًا بدعائهم بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله.
[ ٣ / ١١٧٠ ]