قوله: (ولنا قوله -﵊-: (وفي الركاز الخمس) وهو من الركز فأطلق على المعدن).
عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس) رواه الجماعة. العجماء: البهيمة، والجبار: الهدر، و(البئر جبار) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن من حفر بئرًا من غير تعد، إما في ملكة أو في فلاة السبيل فسقط فيها أحد فهو هدر.
الثاني: أن من استأجر رجلًا ليحفر له بئرًا فانهارت عليه فمات فهو هدر.
(والمعدن جبار) يحتمل وجهين أيضًا.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
أحدهما: أن من استأجر رجلًا ليحفر له معدنًا فانهار عليه فهو هدر.
الثاني: من استخرج معدنًا فهو له ولا يخمس.
وعلى الوجه الأول حمله أبو حنيفة ومن قال بقوله. وعلى الوجه الثاني حمله الشافعي وأحمد ومن قال بقولهما. ورجع الوجه الأول بقوله. وعلى الوجه الثاني حمله الشافعي وأحمد من قال بقولهما. ورجع الوجه الأول بقوله ﵇: (ما لم يكن في طريق مأتي ولا في قرية عامرة ففيه، وفي الركاز الخمس) رواه النسائي وغيره.
وبقوله ﵇: (الركاز هو الذهب الذي نبت مع الأرض) رواه البيهقي وغيره. [وفي حديث عن النبي -ﷺ- أنه قال: (وفي الركاز الخمس) قيل: يا رسول الله، ما الركاز. قال: (هو الذهب والفضة)
[ ٢ / ٨٥٦ ]
المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض) رواه البيهقي وغيره. وفي حديث عنه -ﷺ- أنه قال: (وفي السيوب الخمس). والسيوب: عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض ذكره في (الإمام). ولأنه كان في أيدي الكفار وحوته أيدينا غلبة فكان غنيمة، وفي الغنائم الخمس.
ورجع الوجه الثاني لحديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد (أن رسول الله -ﷺ- أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من
[ ٢ / ٨٥٧ ]
ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم" رواه أبو داود ومالك في الموطأ.
ولأنه مباح سبقت يده إليه كالصيد والكلأ والزمرد ونحوه، والقار ونحوه. أما الأحاديث من الجانبين فضعيفة تكلم كل فريق على تضعيف ما استدل به الفريق الآخر منها، فبقى النظر في كونه غنيمة فيخمس، أو ليس بغنيمة فلا يخمس.
فإن كان المعدن في أرض قد أسلم أهلها عليها، أو فتحت صلحًا وأقر أهلها عليها فلا ينبغي أن يخمس قولًا واحدًا؛ لأن هذه الأرض وما هو متصل بها اتصال قرار كالشجر ونحوه لا تخمس بالاتفاق، وكذلك ما فتحت عنوة
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وأقر أهلها عليها أيضًا لأنها لا تخمس عندنا. فلم يبق إلا ما فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين وفي تخميسها نطر على ما يأتي في كتاب السير إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فينبغي على ما قلت أنه لا يخمس الركاز الموجود في أرض أسلم أهلها عليها أو فتحت صلحًا وأقر أهلها عليها أيضًا لأنه ليس بغنيمة!
فالجواب: أن تخميسه بقوله -ﷺ-: (وفي الركاز الخمس) لا بالنظر في كونه من أجزاء الأرض المغنومة أو لا، ولا بالنظر في كونه غنيمة أو لا.
وترجيح آخر للوجه الثاني وهو أن اعتبار الوجه الأول يلزم منه التكرار؛ لأنه قد فهم من قوله: "والبئر جبار" أن من استأجر أجيرًا ليحفر له حفيرًا فإنهار عليه فهو هدر، فحمله على الوجه الثاني أحثث وأولى لأن التأسيس أولى من التأكيد.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
وأيضًا فإن من جعل اسم الركاز شاملًا للمعدن لم يطرده في كل معدن بل أخرجوا منه الزمرد ونحوه. والمعدن الذي يجده الإنسان في داره في قول أبي حنيفة ﵀، وفي أرضه في رواية عنه.
وأيضًا فقد اختلف أهل اللغة في شمول لفظ الركاز للمعدن فإن صاحب الصحاح وغيره جعله أسمًا لدفين الجاهلية فقط، ولا يلزم من اشتقاقه من الركاز الذي هو القرار والإثبات شموله للمعدن، وما كل مركوز يسمى ركازًا، فلا يسمى الرمح المركوز ونحوه ركازًا، وإنما الشأن في الاستعمال. قال ابن الأثير في النهاية: الركاز أهل الجاهلية المدفونة في الأرض، وهي المطالب في العرف عند أهل الحجاز، وهو المعادن عند أهل العراق، والقولان يحتملهما اللغة. انتهى.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
والنبي -ﷺ- خاطب أهل الحجاز بلغتهم لا بلغة أهل العراق، ولا ينبغي أن يحمل قول النبي -ﷺ- إلا على عرف أهل بلاده لا على عرف غيرهم بل هذا هو الواجب. وبمثل هذا المعنى ظهر رجحان قول أبي يوسف في الصاع على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (لقوله ﵊: "لا خمس في الحجر"). لا أصل له في كتب الحديث.
قوله: (والمروى عن عمر ﵁ فيما دسره البحر وبه نقول).
هذا سهو منه فإن أبا حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يقولان إنه يخمس العنبر إذا دسره البحر ولا إذا أخذ من البحر.
وقد حمله السغناقي على ما إذا دسره البحر إلى ساحله في بلاد الكفار ثم ظهرنا عليهم فوجدناه. وهذا فاسد فإنهم لو استخرجوه وظهرنا عليهم نخمسه فلم يكن العبرة لدسر البحر له بل لأخذنا له من أيدي الكفار، ونحن
[ ٢ / ٨٦١ ]
لو أخذنا من أيديهم لؤلؤًا أو حيوانًا أو غيره من الأموال قهرًا لخمسناه.
بل دسر البحر له يقتضى أن لا يخمس كما قال ابن عباس ﵁: "ليس العنبر بركاز إنما هو شيء دسره البحر" أخرجه البخاري في ترجمة باب. وأخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي ولفظهما أنه قال: "ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر"، ولم يثبت عن عمر ﵁ أنه أخذ الخمس من العنبر كما ذكره المصنف، ولو ثبت يحمل على أنه كان في الغنيمة قد أخذ من أيدي الكفار.
وإنما حكاه ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز.
***
[ ٢ / ٨٦٢ ]