قوله: (وفي كل ركعة ركوع واحد، وقال الشافعي: ركوعان، له رواية عائشة -﵂-، ولنا رواية ابن عمر -﵄-، والحال أكشف على الرجال لقربهم فكان الترجيح لروايته).
هكذا وجدته فيما أطلعت عليه من نسخ الهداية، ابن عمر بغير واو، وصوابه ابن عمر.
والحديث قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ- فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، وفعل في الركعة الثانية مثل ذلك) الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
وعنه أيضًا أن النبي -ﷺ- صلى ركعتين، في كل ركعة ركوع) أخرجه أحمد والنسائي، وفي لفظ عنده (فصلى ركعتين كما تصلون).
وأما حديث عائشة ﵂ فهو أنها قالت: (كسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ- فقام النبي -ﷺ- فصلى بالناس فأطال القراءة ثم ركع فأطال الركوع، ثم رفع رأسه فأطال القراءة، وهي دون قراءته الأولى ثم ركع فأطال الركوع دون الركوع الأول، ثم رفع رأسه فسجد سجدتين، ثم قام فصنع في الركعة الثانية مثل ذلك) الحديث أخرجه الجماعة.
ومثل هذا الوصف لا يترجح فيه القريب من الإمام على البعيد منه، وإنما يأتي ذلك فيما يظهر للقريب منه أكثر مما يظهر للبعيد. أما إذا وصف البعيد مثل هذا الوصف ونقص القريب منه كان مع البعيد زيادة إثبات
[ ٢ / ٧٦٨ ]
وترجيح الأئمة الثلاثة والبخاري وغيرهم من أهل الحديث بالنظر في الأسانيد، وألفاظ الرواة أقوى. فكيف وأن الرواية عن الرجال قد اضطربت؛ فمنهم من روى ركوعين في كل ركعة مثل رواية عائشة كعبد الله بن عباس وحديثه في الصحيحين، أيضًا وغيرهما، ومنهم من روى ست ركعات في ركعتين كجابر وابن عباس أيضًا وحديثهما في صحيح مسلم لكن البخاري لم يخرجهما، ومنهم من روى ثمان ركعات في ركعتين كعلي وابن عباس أيضًا وحديثهما في (صحيح مسلم) ولم يخرجهما البخاري أيضًا.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وفي غير (الصحيحين) عن حذيفة ﵁ مرفوعًا "أربع ركعات في كل ركعة"، وعن أبي بن كعب (خمس ركعات في كل ركعة).
وعن النعمان بن بشير يرفعه (فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها).
وعنه أيضًا أنه ﵇: (جعل يصلي ركعتين ركعتين وسأل عنها حتى انجلت). فلا يقوى ترجيحه بأن الحال على الرجال أكشف والحالة هذه!.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
وفي صحيح البخاري: عن الزهري أنه قال: قلت لعروة بن الزبير: (إن أخاك يوم كسفت الشمس بالدمينة لم يزد على ركعتين مثل الصبح! قال: أجل؛ لأنه أخطأ السنة) مع أن ابن عمر وثبت عنه في الصحيحين، وغيرهما أنه قال: (كسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ- فنودي: إن الصلاة جامعة، فركع النبي -ﷺ- ركعتين في سجدة ثم قام فركع ركتين في سجدة ثم جلس حتى جلى عن الشمس) فهذا أصح من حديث: "كل ركعة بركوع/"
قوله: (ويخفى عند أبي حنيفة، وقالا: يجهر) إلى أن قال: (ولأبي حنيفة رواية ابن عباس وسمرة ﵃، والترجيح قد
[ ٢ / ٧٧١ ]
مر من قبل، كيف وأنها صلاة النهار وهي عجماء).
أما الترجيح بأن الحال على الرجال أكشف فقد تقدم الكلام معه فيه، مع أنه يحتمل أنه ﵇ جهر ولم يسمعه ابن عباس وسمرة، وسمعه غيرهما، مع أن قول ابن عباس ﵄: (فقرأ نحوًا من سورة البقرة) يحتمل أنه قرأ مقدار سورة البقرة من مكان آخر لم يكن يحفظه هو ذلك الوقت. إنه إنما جمع القرآن بعد وفاة رسول الله -ﷺ.
وإن كان المراد ما روي عن ابن عباس أنه قال: (فلم يسمع صوتًا) فهذا أخرجه البيهقي عنه وفيه كلام، وحديث سمرة أنه قال: (صلى بنا رسول الله -ﷺ- في كسوف ركعتين لا نسمع له صوتًا) أخرجه أحمد النسائي وأبو داود والترمذي.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
وحديث عائشة في الجهر أخرجه الجماعة. وقال البخاري:] حديث [عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة، وأما قوله: (كيف وأنها صلاة النهار وهي عجماء؟) فإنه يشير به إلى ما رواه في باب صفة الصلاة، وقد تقدم حكاية قول النووي أنه لا أصله له واعتبار صلاة الكسوف في الجهر بصلاة الجمعة والعيدين أقوى وأولى من اعتبارها بالظهر والعصر؛ فإنها ورد فيها خطبة وهي أقل حضورًا من صلاة الظهر والعصر، وهي أولى بالجهر من الجمعة والعيدين فإنها أقل دورانًا منهما.
والحكمة في الإخفاء في الظهر والعصر كثرة حضورهما وكثرة اشتغال الناس في وقتهما فلا تتفرغ قلوبهم لاستماع القرآن وتدبره، وثمرة الجهر الاستماع والتدبر. ولهذا كان الأفضل أن تؤدى صلاة الكسوف في المسجد الجامع الذي يصلى فيه الجمعة. وقد رجح الطحاوي أيضًا قول أبي يوسف
[ ٢ / ٧٧٣ ]
ومحمد هنا.
قوله: (وليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل).
في تعليله نظر؛ فإنه (نقل) أنه خطب في كسوف الشمس في حديث عائشة والمغيرة، رواة أهل الصحيح والسنن والمساند، لكن يبقى أن يقال: هل خطب للكسوف أو أنه -ﷺ- لما مات ابنه إبراهيم وقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم خطب الناس ليعلمهم أن الشمس والقمر لا ينكسفان
[ ٢ / ٧٧٤ ]
لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده؟.
ويرجع أنها لم تكن للكسوف قوله في بعض الروايات في الصحيح:
(فإذا ررأيتموها فافزعوا إلى الصلاة). أمر بالصلاة ولم يذكر الخطبة
***
[ ٢ / ٧٧٥ ]