قوله: (ويستحب الإسفار بالفجر لقوله ﵊: "أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر".
الحديث المذكور لو كان معارضًا لم يقاوم الأحاديث الواردة في التغليس في الصحة والشهرة والعمل؛ ف إنه هو فعله -ﷺ- حتى مات،
[ ١ / ٤٥٩ ]
وفعل الخلفاء الراشدين بعده.
ولهذا تأوله الطحاوي ﵀ وغيره على الإسفار بالخروج منها. أي أطيلوا صلاة الفجر حتى تخرجوا مسفرين.
وقيل المراد بالإسفار التبين، أي صلوها إذا تبين الفجر وانكشف ووضح؛ فإن في "الصحيحين" عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله -ﷺ- صلى صلاة لغير وقتها إلا صلاة الفجر بمزدلفة، وصلا ة المغرب بجمع".
[ ١ / ٤٦٠ ]
وصلاة الفجر إنما صلوها يومئذ بعد طلوع الفجر. هكذا في صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: "وصلى صلاة الفجر حين برق الفجر". وإنما مراد عبد الله بن مسعود أنه كان يؤخر عن أول طلوع الفجر حتى يتبين وينكشف ويظهر، وذلك اليوم عجلها قبل ذلك. وبهذا يتفق معاني أحاديث النبي -ﷺ-.
وأما إذا أخرها بسبب يقتضي التأخير مثل المتيمم يؤخرها ليصلي آخر الوقت بوضوء، والمنفرد حتى يصلي آخر الوقت في جماعة، والعاجز عن القيام حتى يصلي آخر الوقت قائمًا، ونحو ذلك مما فيه فضيلة تزيد على
[ ١ / ٤٦١ ]
فضيلة الصلاة في أول الوقت، فالتأخير لذلك أفضل. ولا ينبغي تأخيرها/ لتكثر الجماعة؛ لأنهم إذا علموا أنهم لا ينتظرون سارعوا إلى الحضور، وإذا علموا أنهم ينتظرون تهاونوا.
قوله: (وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس في الشتاء والصيف، لما فيه من تكثير النوافل لكراهتها بعده).
لا يعارض هذا المعنى اللطيف النصوص الواردة والمعاني التي هي أقوى منه. أما النصوص فحديث أنس قال: "كان رسول الله -ﷺ- يصلي العصر والشمس مرتفعة، فيذهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة" متفق عليه.
وفي رواية: "فيذهب الذاهب منا إلى قباء".
وفي أخرى: قال اسعد بن صهل بن حنيف: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر،
[ ١ / ٤٦٢ ]
فقلت: يا عم! ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله -ﷺ- التي كنا نصلي معه.
وفي أخرى لمسلم قال: "صلى لنا رسول الله -ﷺ- العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله! إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، وإنا نحب أن تحضرها. قال: "نعم". فانطلق معه فوجدنا الجزور لم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أنت تغيب الشمس".
وحديث عائشة ﵂: "أن رسول الله -ﷺ- صلى العصر والشمس في حجرتها".
[ ١ / ٤٦٣ ]
قال البخاري: وقال أبو أسامة، عن هشام: "في قعر حجرتها".
وحديث إمامة جبريل، فإنه صلى بالنبي -ﷺ- في اليوم الأول العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وفي اليوم الثاني مثليه، ثم قال بعد ذلك: "الوقت ما بين هذين".
وحديث أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فما تأمرني؟ قال: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل" رواه مسلم.
ومعناه يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، فهذا هو المنقول عن أولئك
[ ١ / ٤٦٤ ]
الأمراء، وهو التأخير عن أول الوقت لا عن الوقت كله. فمعنى صل الصلاة لوقتها. أي لأول وقتها. وهذا الحديث يشمل العصر وغيرها.
وفي مسند أبي حنيفة: عن يحيى، عن بريدة: [قال] قال رسول الله -ﷺ-: "بكروا لصلاة العصر".
وأما المعاني فالمبادرة إلى أداء العبادة وامتثال الأمر أفضل من التواني.
قال تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾، وقال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾.
وأيضًا ففي تأخيرها تعريضها للفوات، وعروض الآفات.
وأيضًا ففي التأخير احتمال خروج وقتها الاختياري بصيرورة ظل كل
[ ١ / ٤٦٥ ]
شيء مثليه، لحديث إمامة جبريل، كما ذهب إليه مالك، والشافعي، وغيرهما، وكمما وقع عليه الاتفاق في العشاء.
وأيضًا فإن جبريل لما صلى بالنبيﷺ- المغرب في اليومين في وقت واحد قلنا بكراهة تأخير المغرب. وكذلك لما صلى به العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل أو نصفه اتفقت الأمة على كراهة تأخيرها عن ذلك الوقت.
[ ١ / ٤٦٦ ]
فمقتضاه أن يقول هنا بكراهة تأخير العصر إلى ما بعد صيرورة ظل كل شيء مثليه، ولا فرق بينهما أصلًا.
فإن قلتم: المغرب يكره التنقل قبلها بخلاف العصر.
قلنا: بل هو غير مكروه. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ولم يرد في تأخير العصر ما يصلح لمعارضة هذه النصوص والمعاني.
فما رواه أبو داود: "أن النبيﷺ- كان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية"، وما رواه الدارقطني: "أنه ﵇ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، يعني العصر"، وما رواه الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: "كان رسول اللهﷺ- أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه"،
[ ١ / ٤٦٧ ]
ضعف أهل الحديث الأحاديث الثلاثة.
وحديث أم سلمة المذكور إنما يدل على زيادة التعجيل، وإذا ظهر الدليل فلا عذر لمن خالفه، ولا يمكن الاحتياط هنا بالخروج من الخلاف أصلًا، ولا يمكن أن يصلي العصر في وقت مجمع عليه؛ فإن أبا حنيفة رحمه الله تعالى يقول: يدخل وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه. وعند مالك والشافعي يخرج وقتها الاختياري./ فيتعين النظر في الدليل، ورد
تلك الرواية الشاذة عن أبي حنيفة، والأخذ برواية الحسن عند الموافقة لقول صاحبيه، وقول سائر العلماء.
قوله: (وقال ﵊: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء).
هذا الحديث منكر، لا عرف في كتب الحديث. والمحفوظ ما رواه
[ ١ / ٤٦٨ ]
عقبة بن عامر أن النبيﷺ- قال: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤدوا المغرب حتى تشتبك النجوم"، رواه أحمد وأبو داود. والأدلة على استحباب تعجيل المغرب وتأخير العشاء من السنة مذكورة في كتب الحديث، وليس هذا اللفظ فيها.
[ ١ / ٤٦٩ ]