قوله: (ولنا قوله -﵊-: "ليس في العوامل والحوامل والعلوفة ولا في البقرة المثيرة صدقة").
لم يوجد هذا الحديث هكذا في كتب الحديث، ولكن قال السروجي: وعن علي -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: "ليس في العوامل صدقة".
قال أبو الحسن [ابن] القطان: إسناده صحيح. ذكره في
[ ٢ / ٨٣٦ ]
الإمام.
وعن طاوس عن ابن عباس عن رسول الله -ﷺ-: "ليس في البقر العوامل صدقة ولكن في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة" رواه الدارقطني، وعن جابر -رصي الله عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: "ليس في المثيرة صدقة" رواه الدارقطني.
قوله: (ولهما قوله -﵊-: "في خمس من الإبل شاة، وليس في الزيادة شيء حتى تبلغ عشرًا" وهكذا قال في كل نصاب نفى الوجوب عن العفو؛ ولأن العفو تبع للنصاب، فيصرف الهلاك أولًا
[ ٢ / ٨٣٧ ]
إلى التبع كالربح في مال المضاربة) إلى آخر المسألة.
ليس في حديث زكاة الإبل هذا اللفظ الذي ذكره المصنف وإنما هو في زكاة الغنم إذا زاد الغنم على ثلاثمائة "ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ مائة الحديث". وتقدم في حديث معاذ أنه لا فريضة في أوقاص البقر. وذلك كله لا يمنع مما قاله محمد وزفر من أن الزكاة تتعلق بالنصاب والعفو؛ فإن في كتاب أبي بكر الصديق -﵁- الذي ذكره البخاري وغيره عن أنس -﵁-: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها ابنة مخاض". انتهى الحديث.
وفي حديث سالم عن أبيه "في الإبل إذا بلغت خمسًا وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض، فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين بنت لبون، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة" نص على الوجوب في أربع وعشرين فما دونها في أول الحديث
[ ٢ / ٨٣٨ ]
الأول، ثم الوجوب إلى ما ذكر بعد ذلك فدل على أنه غير خال عنه.
ولن الزكاة تتعلق بالمال النامي شكرًا لنعمة المال، والكل مال نام فيجب شكرًا للنعمة فيه. وقوله: "ففي كل مائة شاة شاة ثم ليس فيها شيء زائد على المقدار المعين فيحمل عليه ليتفق معناه ومعنى الغاية المذكورة في المقادير التي تقدم ذكرها في ذلك الحديث وفي غيره، وكذلك النفي المذكور في الأوقاص.
وتنظير تبعية العفو للنصاب بالربح في مال المضاربة فيه نظر لثبوت المغايرة بين رأس المال والربح، وعدم ثبوتها بين النصاب والعفو، بل هذا نظير نصاب الشهادة، والسرقة، والقراءة في الصلاة، وجنايات العبد، والمدبر، وأم الولد، وأمثال ذلك، لكن ينبغي على قول محمد وزفر إذا هلك العفو وبقي النصاب، وقلنا بأنه يسقط من الواجب بقدر الهالك أن يقيد بأن ذلك إذا كان الهلاك قبل التمكن من الأداء لا بعده لما يأتي في مسألة الهلاك بعد التمكن من الأداء -إن شاء الله تعالى-.
قوله: (وإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت الزكاة، وقال الشافعي -﵀-: يضمن إذا هلك بعد التمكن من الأداء؛ لأن الواجب في الذمة فصار كصدقة [الفطر] ولأنه منعه بعد الطلب فصار كالاستهلاك. ولنا أن
[ ٢ / ٨٣٩ ]
الواجب جزء من النصاب تحققًا للتيسير فيسقط بهلاك محله كدفع العبد بالجناية يسقط بهلاكه. والمستحق فقير يعينه المالك ولم يتحقق منه الطلب.
فيه إشكال وهو أن أبا حنيفة -﵀- أحق أن يقول بما قاله الشافعي -رحمه الله تعالى- من الضمان بعد التمكن من الأداء؛ لأن تعلق الزكاة عنده بالذمة أقوى من تعلقها بالمال؛ ولهذا لم يقل بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. وقال: يجوز دفع القيمة.
ولأن إخراج الزكاة إن قلنا إنه على الفور- كما هو أحد القولين في المذهب. اختاره كثير من الأصحاب منهم أبو منصور الماتريدي وغيره وقيل: هو قول أبي يوسف ومحمد ذكره الحاكم في "المنتقى"- فالأمر فيه
[ ٢ / ٨٤٠ ]
ظاهر.
وإن قلنا إنه على التراخي بمعنى إنه مطلق عن الفور وأنه يباح التأخير لكن لا على وجه يؤدي إلى التفويت، ولهذا لو مات ولم يزك بعد التمكن أثم بلا خلاف.
قال في "البدائع": يتضيق عليه الوجوب إذا لم يبق من عمره إلا مقدار ما يؤديها فيه حتى لو مات من غير أداء أثم. انتهى. وعن محمد لو أخرها من غير عذر لا يقبل شهادته، بخلاف الحج فإن بتأخيره لا يأثم لأن الأمر به مطلق، وفي الزكاة إنما يأثم بالتأخير لأن في تأخير حق الفقير ضررًا به؛ لأنها شرعت لدفع حاجة الفقير.
وقوله: (فيسقط بهلاك محله كدفع العبد بالجناية فيسقط بهلاكه) فيه نظر؛ فإن جناية العبد لا تتعلق بذمته إلا أن في أخذه بالجناية تعرضًا إلى المالية التي هي حق المولى فيتخير بين الدفع والفداء بخلاف الزكاة، خصوصًا على قول أبي حنيفة -﵀- أن الواجب في الزكاة أحد أمرين إما العين أو القيمة وباختيار المالك يتعين كالكفارة.
وقوله: (والمستحق فقير يعينه المالك، ولم يتحقق منه الطالب) فيه
[ ٢ / ٨٤١ ]
نظر؛ فإن الشافعي لم يرد الطلب الصوري وإنما أراد المعنوي؛ فإنه لما حال الحول على النصاب صار المالك مطلوبًا بأداء الزكاة إلى مستحقها. وهذا معنى اشتغال ذمته بأداء الزكاة.
وأيضًا فمن أخرج ظبية من الحرم فهلكت بعد التمكن من إرسالها ضمنها. وكذا لو كانت قد ولدت أولادًا ثم هلكت الأولاد بعد التمكن من الإرسال ضمن الكل لوجود المنع بعد طلب صاحب الحق وهو الشارع. وسيأتي في كتاب الغصب في كلام المصنف هذا التعليل في الفرق بين زوائد المغصوب وولد الظبية المخرجة من الحرم.
قوله: (ويجوز لنصب إذا كان في ملكه نصاب واحد خلافًا لزفر؛ لأن النصاب الأول هو الأصل في السببية والزائد عليه تابع له).
فيه نظر، بل كل نصاب سبب لوجوب زكاته. وقوله: والزائد عليه تابع له، إنما يتبعه في الحول للتيسير. فأما في الإيجاب فإن الوجوب ثبت بالزيادة لا بالأصل، فظهر قوة قول زفر، وهو قول جمهور العلماء.
* * *
[ ٢ / ٨٤٢ ]