تقدم الكلام على حديث أبي سعيد الخدري -﵁- أن النبي -ﷺ- قيل له: أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، وحسنه الترمذي، وصححه الإمام أحمد، وهو أحق ما بني عليه مسائل الآبار. ولم تثبت الآثار التي أشار إليها المصنف عند أهل الحديث.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قوله: (ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس). فيه نظر!.
لأنه إن كان مراده على خلاف القياس الفاسد، فالقياس الفاسد ساقط الاعتبار، لا يجوز العمل به، وكل الشرائع/ على خلافه. وإن أراد على خلاف القياس الصحيح، فالشريعة لا تأتي على خلافه قط. وما يظهر
[ ١ / ٣٤٨ ]
مخالفته للقياس فأحد الأمرين لازم ولابد؛ إما أن يكون القياس فاسدًا، أو يكون ذلك الحكم لم يثبت بالنص كونه من الشرع.
فالشريعة لا ترد إلا على وفق القياس الصحيح، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين. فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس. وهو الميزان الذي جاءت به الرسل كما قال تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾.
فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل
[ ١ / ٣٤٩ ]
موجودة في الفرع من غير معارض يمنع حكمها. ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافع قط. وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فهذا القياس أيضًا لا تأتي الشريعة بخلافه.
وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره، فلابد أن يختص ذلك الفرع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره. لكن الوصف الذي اختص به ذلك الفرع قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر. وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد.
ومن رأى شيئًا من الشريعة أنه على خلاف القياس؛ فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر.
[ ١ / ٣٥٠ ]
والأصحاب يقولون: إنه ثابت بالاستحسان، وهو القياس الخفي. والقياس الصحيح منه جلي، ومنه خفي. والقياس الفاسد منه جلي، ومنه خفي.
فهذه الأحكام موافقة للقياس الصحيح الخفي؛ فلا يضرها كونها مخالفة للقياس الفاسد الجلي. فإطلاق مخالفتها للقياس فيه نظر؛ لأن ظاهرها أنها مخالفة للقياس الصحيح.
فمما يطلقون أنه على خلاف القياس مسائل الآبار، والماء الدائم الذي لا يجري وإن كثر. حتى حكي عن بشر المريسي أنه أتبع ما ظنه قياسًا وقال:
[ ١ / ٣٥١ ]
تطم البئر إذا وقعت فيها نجاسة وإن قلت. وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسة ينجس، ثم ينجس به ما يليه، ثم ما يليه، وهلم جرًا. والنجس لا يزيل النجاسة.
قال بعض المخالفين: لم قلت: إن القياس يقتضي أن الماء ينجس إذا لاقى نجاسة؟ فإن قلت: الحكم في بعض الصور كذلك. قيل: هذا ممنوع عند من يقول إن الماء لا ينجس إلا بالتغير. فإن قلت: يقاس مالم يتغير على ما تغير بجامع وجود النجاسة فيه. قيل: هذا قياس فاسد. وليس جعل إزالة النجاسة به مخالفة للقياس بأولى من جعل تنجس الماء مخالفًا للقياس.
بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسة لا ينجس، كما أنه إذا لاقاها حال الإزالة لا ينجس. فهذا القياس أصح من ذلك القياس، ولهذا لم يقل أحد من المسلمين بطرده؛ فإن طرده يوجب تنجس البحر. وبهذا يظهر فساد هذا القياس.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ولأن النجاسة تزول بالماء حسًا وشرعًا. وأما تنجس الماء بالملاقاة فمورد نزاع بين العلماء، فكيف يجعل موارد النزاع حجة على مواقع الإجماع؟ والقياس يقتضي رد موارد النزاع إلى مواقع الإجماع. فإن قلت: القياس يقتضي أن الماء لا يزيل النجاسة لتنجسه بأول الملاقاة، والنجس لا يطهر غيره.
قلنا: النجاسة نجست المحل الذي أصابته باعتبار عينها، فيزول تنجيسها بزوال عينها. ولهذا كان الصحيح جواز إزالة النجاسة بسائر المائعات القالعة للنجاسة على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأيضًا فالذي يقتضيه العقل أن الماء إذا لم يتغير بالنجاسة لا يتنجس؛ فإنه باق على أصل خلقته، وهو طيب، فيدخل في قوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾. وهذا هو القياس في المائعات جميعها والدليل على أنه طيب الحس والشرع. أما الحس فلأن الخبث لم يظهر فيه له أثر، ولا لون ولا طعم ولا ريح. ومحال صدق المشتق بدون المشتق منه.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وأما الشرع فلأنه كان قبل الملاقاة طيبًا، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت رفعه. وهذا يتضمن أنواع الاستصحاب الثلاثة؛ استصحاب براءة الذمة من الإثم بتناوله شربًا، وأكلًا، وملابسة. واستصحاب الحكم الثابت له وهو الطهارة. واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وأيضًا
[ ١ / ٣٥٤ ]
فلو وقعت فيه قطرة من لبن امرأة، ولم ير لها أثر، فشرب منه صغير لم يتعلق به تحريم، فكذلك النجاسة.
ولأن الله تعالى قال: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، فكل ماء فالطهارة تجوز به إلا ما منع منه كتاب أو سنة أو إجماع. والذين قالوا: إن الأصل تنجس الماء بالملاقاة لم يمكنهم طرد أصلهم. فمنهم من استثنى مقدار القلتين على اختلافهم فيها، ومنهم من استثنى ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر على اختلافهم فيه أيضًا، ومنهم من فرق بين الوارد عليه النجاسة والوارد على النجاسة.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وما ذكره صاحب الهداية من الآثار في الاكتفاء بنزح دلاء فغير ثابتة. وإن كان ما هو ثابت فيحمل على الاستحباب لا على الوجوب كما قال مالك رحمه الله تعالى. ولعله أخذ من قوله -ﷺ- في الفأرة التي سئل عنها أنها وقعت في سمن: "ألقوها وما حولها". فإن الصحيح أن ذلك لا يختص بالجامد، فقالوا: نخرج النجاسة الواقعة في البئر وما حولها. ولهذا اختلف العدد بحسب كبر جسد الحيوان الذي يموت في البئر وصغره. هذا على تقدير صحة تلك الآثار.
[ ١ / ٣٥٦ ]
قوله: (وعند محمد يجوز شربه للتداوي وغيره؛ لطهارته عنده). يعني بول ما يؤكل لحمه. وقول محمد في طهارته يشهد له قصة العرنيين، ولا يجوز التداوي بشرب المحرم لقوله -ﷺ-: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
والأصل عدم الخصوص.
ولا يعارضه قوله ﵇: "استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه"، وقوله: "أما أحدهما فكان لا يستتر من
[ ١ / ٣٥٧ ]
البول".
فإن الأول ضعيف، والثاني الألف واللام للعهد لا للنجس فلا تعم، بدليل ما ورد في أكثر طرق الحديث: "فكان لا يستنزه من بوله". فيكون
[ ١ / ٣٥٨ ]
التعريف بالألف واللام بدل هذه الإضافة.
والأصل أن يكون التعريف للعهد إذا كان ثم معهود، ولا يصار إلى الجنس إلا عند فقد العهد. هذا هو الصحيح. وهنا يترجح العهد بأن عذاب القبر إنما هو من بول الآدمي نفسه الذي يصيبه كثيرًا، لا من بول البهائم الذي لا يصيبه إلا نادرًا.
ولأن النبي -ﷺ- كان يصلي في مرابض الغنم، وأذن بالصلاة فيها من غير اشتراط حائل.
[ ١ / ٣٥٩ ]
ولأنه لم يأمر العرنيين بغسل أفواههم وأوعيتهم منه مع حاجتهم إلى البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والقول بأنه منسوخ لا يثبت؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولابد من تأخر الناسخ، وعدم إمكان التوفيق بين النصين هذا على قول من يقول بالمعارضة بين العام والخاص.
وفي دعوى نسخ المثلة الواردة في قصة العرنيين كلام يأتي ذكره في السير والقصاص إن شاء الله تعالى. وقول من يقول: إن حديث العرنيين منسوخ كشطره فيه نظر على تقدير نسخ المثلة الواردة فيه.
فكيف ولم يثبت نسخها؟ فإن نسخ حكم من أحكام النص لا يوجب نسخ
[ ١ / ٣٦٠ ]
بقيتها، وإن كان دل تقدمه على ناسخ ذلك الحكم، فلا يلزم تقدمه على النص الآخر.
قوله: (وإن وجدوا فيها فأرة أو غيرها، ولم يدروا متى وقعت ولم تنتفخ، ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤوا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها).
أما إعادة الصلاة فالنبي -ﷺ- لما خلع نعليه وهو/ في الصلاة وقال لأصحابه: إن جبريل أخبره أن بهما أذى لم يعد الصلاة.
ولما ألقى كفار قريش السلا على ظهره وهو ساجد ثم طرحته عنه فاطمة
[ ١ / ٣٦١ ]
-﵂- لم يستقبل الصلاة. وهذا مذهب ابن عمر، وعطاء، وابن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والنخعي، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، هكذا حكاه عنهم ابن المنذر واختاره.
وقال النووي: وهو قوي في الدليل، وهو المختار، وكان قد حكى قبل ذلك أن من صلى بنجاسة نسيها أو جهلها، أن الأصح من مذهب الشافعي وجوب الإعادة. وهو القول الجديد من قولي الشافعي. والقول القديم لا تجب الإعادة. وإذا كان مع التحقيق، فكيف مع التوهم؟.
ومالك يرى الإعادة في الوقت لا بعده. وأما تنجيس الماء من غير أن يتغير بالنجاسة فقد تقدم الكلام فيه.
[ ١ / ٣٦٢ ]