قوله: (ويخفيها الإمام في الظهر والعصر).
تخصيص الإمام بالذكر لا فائدة فيه، بل فيه إبهام أن المنفرد يجمهر فيهما، أو يخير بين الجهر والمخافتة، وليس كذلك، بل تخافت المنفرد كالإمام وأولى.
قوله: (لقوله ﵊: "صلاة النهار عجماء").
قال السروجي: وروى جماعة من أصحابنا ذلك عن النبي -ﷺ-، ولم أقف عليه. وذكر الحديث صاحب المذهب أيضًا. قال النووي: باطل غريب لا أصل له.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
قوله: (لأنه أمكن قضاؤها على الوجه المشروع).
يعني قضاء السورة بعد الفاتحة الآخرين من العشاء.
وفيه نظر؛ وهو أن القضاء على الصفة المذكورة وإن كان مشروعًا باعتبار ترتب السورة على الفاتحة، لكنه غير مشرع باعتبار أن الشفع الثاني لم يشرع فيه قراءة الفاتحة، ولم يشرع فيه الجهر. فاعتبار ترتب الفاتحة على السورة يعارضه مخالفة المشروع من الوجهين المذكورين.
قوله: (وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة عند أبي حنيفة آية). تقدم في تعيين الفاتحة.
قوله: (وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها لا يجوز غيرها؛ لإطلاق ما تلونا).
تقدم أن إطلاق النص يقيده الخبر المشهور بتعيين الفاتحة كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور أهل العلم.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
قوله: (ويكره أن يوقت بشيء من القرآن لشيء من الصلوات، مثل أن يقرأ "سورة السجدة" و"هل أتى على الإنسان" في الفجر كل جمعة، لما فيه من هجران الباقي وإيهام التفضيل).
قال السروجي: قال الإسبياجي والطحاوي: هذا إذا رآه ختمًا واجبًا لا يجزئ غيرها، أو رأى القراءة بغيرها مكروه [ـة]، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركًا بقراءة -رسول الله ﷺ- فيها، أو تأسيًا به، أو لأجل التيسير عليه، فلا كراهية في ذلك ومثله في "المحيط" لكن بشرط أن يقرأ ذلك أحيانًا لئلا يظن الجاهل الغبي أنه لا يجوز غير ذلك انتهى
وكان النبي -ﷺ- يراعي مناسبة الحال بالقراءة، ولهذا -والله أعلم-كان يقرأ في فجر يوم الجمعة بالسورتين المذكورتين، لما اشتملت عليه هاتان السورتان مما كان ويكون يوم الجمعة من المبدأ، والمعاد، وحشر الخلائق، وبعثهم من القبور إلى الجنة والنار. وكان يقرأ في العيدين بـ "قاف".
[ ٢ / ٥٨٤ ]
"واقتربت" لاشتمالهما على التوحيد، والمبدأ والمعاد، وقصص الأنبياء مع أمهم، وما عامل به من كذبهم من الهلاك، ومن آمن بهم من النجاة. وتارة ب "سبح" و"الغاشية" إذا قصد التخفيف.
وتارة يقرأ في الجمعة ب"الجمعة" و"المنافقون" لما في "سورة الجمعة" مما يتعلق بأحكام الجمعة، وما في "سورة المنافقون" من ذكر المنافقين تحذيرًا لأمته من النفاق المردي، وتحذيرًا لهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن صلاة الجمعة، وعن ذكر الله، وتحذيرًا لهم من هجوم الموت وهم على حالة يطلبون الإقالة ويتمنون الرجعة ولا يجابون إليها.
وكان يقرأ في سنة الفجر وسنة المغرب بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل
[ ٢ / ٥٨٥ ]
هو الله أحد﴾ لما تضمناه من الإخلاص. هذه لتوحيد العبادة، وهذه لتوحيد المعبود؛ فنجعل القراءة بهما أول عمل النهار وآخره. وتارة يقرأ في سنة الفجر بآيتي الإيمان والإسلام: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ الآية، و﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ الآية؛ لما اشتملتا عليه من معرفة الإيمان والإسلام.
فإذا قصد بقراءة مثل هذا اتباع السنة من غير هجر غيره كان حسنًا. وأما قوله: (وإيهام التفضيل) ففيه النظر؛ فإن الناس تنازعوا هل بعض كلام الله أفضل من بعض أم لا؟.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وهي مسألة كبرى! وأدلة التفضيل من الكتاب والسنة الكثيرة:
منها قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾، فدل على أن الآيات تارة تماثل، وتارة تتفاضل، وقال تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾، وقال تعالى: ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾.
والقول هنا المراد به القول المنزل من عند الله. يدل على ذلك ما قبل الآية وما بعدها، ولأنه ليس كل قول يجوز استعماله كالذب، والزور، والباطل، والكفر، ونحوه.
وقال تعالى: ﴿فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾. وقد أخرج أهل الصحيح في فضل "سورة الإخلاص" أنها تعدل ثلث القرآن، وفي فضل "الفاتحة" أنها أعظم سورة في القرآن، وأنها السبع المثاني والقرآن العظيم.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وأنه لم ينزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها.
وفي فضل آية الكرسي أنها أعظم آية في القرآن، وروى أنها سيدة آي القرآن، وفي "المعوذتين" قوله: "أنزلت على آيات لم ير مثلهن قط، المعوذتان".
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وأخرج أهل السنن في فضل "الزلزلة" أنها تعدل نصف القرآن، وفي فضل "قل يا أيها الكافرون" أنها تعدل ربع القرآن.
وأيضًا فالتوراة والإنجيل والقرآن كلام الله، مع علم المسلمين بأن القرآن أفضل الكتب المنزلة قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه﴾، وقال تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني﴾، فدل [على] أنه أحسن من سائر الأحاديث المنزلة من عند الله، وغير المنزلة
وأيضًا فلا يقوم غير الفاتحة مقامها في الصلاة باتفاق المسلمين، سواء قيل بأنها فرض تعاد الصلاة بتركها، أو قيل بأنها واجبة يأثم تاركها ولا إعادة عليه، أو قيل إنها سنة فلم يقل أحد أن قراءة غيرها مساوية لقراءتها من كل وجه
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وأيضًا فالقول بأن كلام الله بعضه أفضل من بعض هو القول المأثور عن السلف وأيضًا فكونه مستويًا في أنه كلام الله لا يمنع أن يكون بعضه أفضل من بعض. ألا ترى أن المخلوق يتكلم بكلام هو كله كلامه، لكن كلامه الذي يذكر ربه أعظم من كلامه الذي يذكر بعض المخلوقين، سواء أريد بالكلام المعاني فقط، أو الألفاظ فقط، أو كل منهما.
فلا ريب في تفاضل الألفاظ والمعاني من المتكلم الواحد، ولا يلزم من كونه كله عظيمًا أن لا يكون أعظم من بعض، ولا يلزم أن ما فضل عليه غيره يكون معيبًا منقوصًا، وهذا التوهم هو منشأ الغلط.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وكذلك الكلام في أسماء الله تعالى وصفاته، كما وردت السنة بذكر الاسم الأعظم.
وقال -ﷺ-: "إن الله كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
وفي رواية: "سبقت رحمتي غضبي"، فهذا دليل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها، وهما صفتان من صفاته.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: عن النبي -ﷺأنه كان يقول في سجوده: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من
[ ٢ / ٥٩١ ]
عقوبتك، وأعوذ بك منك". ففيه التعوذ ببعض صفاته من بعض، وختم الحديث بأن الأمر كله له، لا ملجأ منه إلا إليه، فاستعاذته به منه باعتبار جهتين؛ يستعيذ به باعتبار تلك الجهة، ومنه باعتبار الأخرى.
قوله: (ولنا قوله ﵊: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، وعليه إجماع الصحابة ﵃ أجمعين).
أما الحديث فأخرجه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني من طرق كلها ضعاف. وأما دعوى إجماع الصحابة فغير صحيحة، فقد روى عبد الرازق في مصنفه عن عبادى بن الصامت أنه قال: "لا أدعها إمامًا ولا
[ ٢ / ٥٩٢ ]
مأمومًا". يعني قراءة الفاتحة. هكذا رواه عنه ولم يقيده بجهر ولا مخافتة.
وروي أيضًا عن أبي بن كعب أنه يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر وكذا روى عن ابن عمر [و] أيضًا.
وروى أيضًا عن عمر ﵁ أمر بالقراءة خلف الإمام. ورورى أيضًا عن ابن عباس أنه قال: "لابد أن يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر". وكذلك [حكى] الخلاف في القراءة خلف الإمام عن جماعة من التابعين.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
قوله: (ويستحسن على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد ﵀، ويكره عندهما لما فيه من الوعيد).
أطلق استحسان القراءة فيما يروى عن محمد، وإنما قال محمد في حال المخافته. وهو اختيار أبي حفص الكبير، وهو قول مالك، والأوزاعي والليث، وأشهر الروايتين عن أحمد. وهو أعدل الأقوال، وهو الذي فهمه جمهور الصحابة.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
ففي حديث أبي هريرة: "أن رسول الله -ﷺ- انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: "هل قرأ معي منكم آنفًا"؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: "إني أقول: ما لي أنازع القرآن". فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله -ﷺ- فيما يجهر فيه رسول الله -ﷺ- من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله -ﷺ-". رواه مالك، وأبو داود، والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن.
وبه تنتظم الأدلة التي تذكر في القراءة خلف الإمام وعدمها، ويندفع التعارض؛ فإن قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، وقوله -ﷺ- "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فانصتوا" الحديث. إنما يكون الإنصات في حال الجهر، ومعلوم أن
[ ٢ / ٥٩٥ ]
الإمام يجهر لأجل المؤتم، ولهذا يؤمن على دعائه، فإذا لم يستمع ضاع جهره.
والاستماع والإنصات إنما يكون لما يسمع، فإذا لم يسمع فليقرأ لأنه لا يسمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة، فإذا قرأ لنفسه حصل له أجر القراءة فلا تفوته بلا فائدة، بل يكون إما مستمعًا وإما قارئًا. وإن كان الإمام متحملًا عنه فرض القراءة فقراءته خير له من السكوت الذي لا استماع معه؛ ليتدبر معاني القرآن، ولا تغلبه الوساوس، مع أن في تحمل الإمام فالقراءة عن المأموم خلافًا بين المشايخ.
قال السروجي: وذكر في "شرح الجامع" للشيخ ركن الإسلام علي السغدي عن بعض مشايخنًا: أن الإمام لا يتحمل القراءة عن المقتدي [في الصلاة المخافتة]. انتهى.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
والإنصات لا يكون إلا في حال الجهر، وأما المخافتة فليس فيها صوت مسموع حتى ينصت له.
وقول المصنف: (إقامة لفرض الإنصات) فيه نظر؛ فإنه ذكر في "المغرب" أنصت: سكت للاستماع، فعلم أن السكوت المجرد لا يقال له: "أنصت"؛ لأنه غير مرادف له. فإذا فات الاستماع فات الإنصات، والمأمور به الإنصات لا السكوت. والإنصات والسكوت والاستماع كل منها له معنى يخصه. فالإنصات سكوت للاستماع -كما قال في "المغرب"- فهو أخص من كل الاستماع والسكوت، فعطفه على الاستماع من باب عطف الخاص على العام، فلا يتصور الإنصات في حال المخافتة.
وقوله: (ويكره عندهما لما فيه من الوعيد).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
فيه نظر؛ لأنه لم يرد نهي ولا وعيد لمن قرأ في حال مخافته الإمام. وما ورد من النهي والوعيد المطلق لم يثبت منه شيء.
[ ٢ / ٥٩٨ ]