قوله: (لقوله ﵊: "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء").
أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث جابر ﵁ وفيه: "ولا مهر دون عشرة دراهم" قال أبو عمر بن عبد البر: هذا الحديث ضعيف لا أصل له. ولا يحتج بمثله. والصحيح أنها ليست بشرط، بل هي معتبرة في الجملة. وقال البيهقي: ضعيف بمرة. وقال ابن التركماني: وفي اعتبار الكفاءة أحاديث آخر لا تقوم بأكثرها الحجة، وأمثلها حديث على قال ﵇ له: "يا علي، ثلاثة لا تؤخرها: الصلاة إذا أذنت، والجنازة إذا أحضرت، والأيم إذا وجدت كفؤًا" انتهى. وأجمعت الأمة على اعتبار
[ ٣ / ١٢١٩ ]
الكفاءة في الدين فلا يتزوج الكافر مسلمة. واختلفوا فيما عدا ذلك، وظاهر مذهب مالك أنه لا تشترط الكفاءة في النكاح في غير الدين، وهو اختيار الكرخي. قال في المبسوط: قال الكرخي: الأصح عندي أنه لا اعتبار بالكفاءة في النكاح انتهى. وحكاه ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان، وعبيد بن عمير، وابن سيرين، وابن عون انتهى.
واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وقال تعالى:
[ ٣ / ١٢٢٠ ]
﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ وقال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ وقال تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض﴾ وقال ﵊: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا أبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب" وقال ﵊: " إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إن أوليائي إلا المتقون حيث كانوا ومن كانوا".
وفي الترمذي عنه ﵊: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوا إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" قالوا: يا رسول الله وإن كان فيه! فقال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه ثلاث مرات".
[ ٣ / ١٢٢١ ]
وقال لبني بياضة: "انكحوا أبا هند وانكحوا إليه، وكان حجامًا. وزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه، (وزوج)
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة ابنه. وتزوج بلال بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال تعالى: ﴿والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾ وقال تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالًا، فلا تزوج مسلمة بكافر، ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن والسنة أمرًا وراء ذلك. وقال تعالى: ﴿وانكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾.
وعن عائشة ﵂: "أن أبا حذيفة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان
[ ٣ / ١٢٢٣ ]
ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ تبنى سالمًا، وانكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة وهو مولى لامرأة من الأنصار" رواه البخاري والنسائي وأبو داود، وما ورد في اعتبار الكفاءة إن صح إنما يدل على الكمال والأولوية، لا على أنه شرط لصحة العقد.
وقد اختلف العلماء في اشتراط الكفاءة، والشهادة، والولي والأمر فلي ذلك كما قال ابن رشد المالكي في "القواعد" في اشتراط الولي: وسبب اختلافهم أنه لم يأت آية ولا سنة ظاهرة في اشتراط الولي في
[ ٣ / ١٢٢٤ ]
النكاح، فضلًا عن أن يكون في ذلك نص.
هذا وما ورد في اشتراط الولي أقوى وأمثل، مما ورد في اشتراط الكفاءة، والشهادة، ولكن الأبضاع أمرها خطر؛ فلذلك لا ينبغي التساهل في هذه الأمور المختلف فيها، بل يجب الاحتياط فيها، والاهتمام بأمرها، ومهما أمكن أن يكون العقد متفقًا عليه فلا ينبغي أن يعدل عنه إلى ما فيه خلاف، وإن كان مرجوحًا إلا لمعارض راجح، خصوصًا وكثير من العقاد الغالب عليهم الجهل، والركون إلى التقليد المحض، هذا حكم الدين منهم، وأما القليل الديانة منهم فالأمر فيه أشد، وإنما أردت هنا التنبيه على مأخ من اشترط هذه الأمور الثلاثة كالشافعي، وأحمد، أو بعضها كغيرهما فإن أبا حنيفة يشترط الشهادة والكفاءة دون الولي، ومالكًا لا يشترط الكفاءة في غير الدين، ويشترط الإعلان دون الإشهاد.
وعنه في اشتراط الولي روايتان، إحداهما: أن الدنية كالسوداء والتي أسلمت والفقيرة، والنبطية، والمولاة، إن زوجها الجار أو غيره ممن ليس
[ ٣ / ١٢٢٥ ]
بولي فهو جائز. وأما التي لها موضع فإن زوجها غير وليها فرق بينهما، فإن أجازه الولي أو السلطان جاز. والثانية الابن رشد المالكي: ويخرج على رواية ابن القاسم/ عن مالك قول آخر وهو أن اشتراط الولي سنة، وليس بفرض كقول أبي حنيفة، وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي، فكأنه عنده شروط الكمال لا الصحة. هكذا نقل السروجي في "شرحه".
قوله: (والأصل فيه قوله ﵊: "قريش بعضهم أكفاء لبعض، بطن ببطن، والعرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، راجل لرجل").
قال السروجي: لم أجد هذا في كتب الحديث، وإنما هو مذكور في كتب الفقه انتهى. وللبيهقي من حديث ابن عمر: "إن العرب بعضها أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضها أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة، ورجل برجل إلا حائك أو حجام" وهو منقطع
[ ٣ / ١٢٢٦ ]
وضعفه ابن عبد البر.
قوله: (وهذا الوضع إنما يصح على قول محمد على اعتبار قوله المرجوع إليه في النكاح بغير الولي، وقد صح ذلك، وهذه شهادة صادقة عليه).
يعني فيما إذا تزوجت المرأة ونقصت من مهرها، وفيه نظر؛ لأنه لا يمكن تصور هذا الفرع على القول بالتوقف أيضًا، وذلك فيما إذا أذن لها الولي في التزوج فزوجت نفسها ونقصت من مهرها.
[ ٣ / ١٢٢٧ ]