قوله: (إذا قال: لله علي صوم يوم النحر أفطر وقضى فهذا النذر صحيح عندنا خلافًا للشافعي وزفر رحمهما الله، هما يقولان: نذر بما هو معصية لورود النهي عن هذه الأيام. ولنا أنه صوم مشروع والنهي لغيره، وهو ترك إجابة دعوة الله فيصخ تذره لكنه يفطر احترازًا عن المعصية المجاورة ثم يقضي إسقاطًا للواجب، وإن صام فيه يخرج عن العهدة؛ لأنه أداه كما التزامـ[ـه]).
عدم صحة النذر بصوم يومي العيدين مذهب مالك وأحمد أيضًا، وهو رواية أبي يوسف وابن المبارك عن أبي حنيفة، وروى الحسن عن أبي حنيفة انه إن نذر صوم يوم النحر لا يصح، وإن نذر صوم غد وهو يوم النحر صح، ذكره في المبسوط). والمسألة مشهورة في كتب الفرع والأصول، وهي
[ ٢ / ٩٦٢ ]
مبنية على أن النهي لا ينافي المشروعية عند الحنفية. والفرق بين النهي عن الشيء لمعنى في عينه والنهي عنه في غيره. وهنا النهي عن صوم يوم العيد لمعنى في غيره، وهو ترك إجابة دعوة الله فإنه يوم ضيافة. وهذا مقرر في موضوعه. ولكن لم منع من صومه ومنع صحة نذر صومه ترجيح من وجوه زائدة على النهي عن صومه؛ منها: أنه ورد النهي بصبغة النفي في بعض الطرق كما في راوية البخاري، وأحمد: (لا صوم في يومين)، ولمسلم: (لا يصلح الصيام في يومين)، وهذا أكد في إخراج هذين اليومين عن
[ ٢ / ٩٦٣ ]
محلية الصيام؛ فهذان اليومان لا يصلحان للصوم كما أن الليل لا يصلح له. ومنها: ما رواه البخاري وأحمد وأهل السنن عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (من نذر أن يطيع الله فليف بنذره، ومن نذر أن يعصيه فلا يف به) وفي رواية: (فليطعه ولا يعصه). ولا خلاف في أن صوم يوم العيد معصية، وقد قال -ﷺ- (لا يف به).
والذي دل عليه النص: أن كل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر؛ كما أن كل ما جاز بذله بدون الاشتراط بلا كراهة لزم بالاشتراط، وكل
[ ٢ / ٩٦٤ ]
معصية لا يجوز فعلها قبل النذر لا يلزم بالنذر، وكذلك الشروط. والتفريق بين ما لله من جنس واجب وبين غيره، وبين ما هو معصية لمعنى في نفسه، وبين ما هو معصية لمعنى في غيره في نظر.
ومنها: أن الأكل والشرب والجماع وإن كان من باب قضاء الشهوة فقد يكون عبادة كما قال -ﷺ- لمن قال: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟.
(أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك لو وضعها في الحلال كان له أجر) أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، ولهذا كان النكاح واجبًا عند التوقان، سنة بدونه، وهو أفضل من التخلي لنوافل العبادات على
[ ٢ / ٩٦٥ ]
الصحيح.
والأكل مراتب؛ فرض وهو قدر ما يدفع به الهلاك، ومستحب وهو الزيادة للتقوى على العبادات. وقد قال -ﷺ- (لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). وقال ﵇ لعبد الله بن عمرو: (صم وأفطر، ونم، وقم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وأن لزوجك عليك حفًا)، وأخبره في هذا الحديث (أن أفضل الصيام صيام داود؛ كان يصوم يمًا ويفطر يومًا) قال عبد الله: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال -ﷺ- (لا أفضل من ذلك). وإذا عرف ذلك كان صوم يوم العيد كفطر يوم من رمضان.
فإن قيل: فقد توقف ابن عمر ﵄ في جواب من سأله عن صوم يوم النحر وقد نذره وقال/: (أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر) فلو كان صومه معصية لم يتوقف. قيل: إنما توقف لأن الناذر لم يعين
[ ٢ / ٩٦٦ ]
صوم يوم النحر، ولفظ الحديث (أنه سأله رجل فقال: نذرت أن أصوم كل ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فوافقت هذا اليوم يوم النحر. قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر. فأعاد عليه، فقال مثله لا يزيد عليه) متفق عليه. وهذه الصورة قد تقدم أن الحسن روى عن أبي حنيفة أنه فرق بين نظيرها وبين النذر بصوم النحر. والفرق ظاهر مع أنه قد خرج البخاري عنه ﵁: (أنه أجاب في رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صامه فوافق يوم الأضحى أو الفطر فقال:﴾ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴿لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا نرى صيامهما).
قوله: (وهو قوله ﵊: (لا تصوموا في هذه الأيام؛ فإنها أيام أكل وشرب وبعال).
[ ٢ / ٩٦٧ ]
أورد هذا الحديث مستدلًا به على النهي عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق، وفيه نظر من وجوه:
أحدها: أن هذا اللفظ لم يرد في كتب الحديث.
الثاني: أنه ورد في أيام التشويق (أنها أيام أكل وشرب وذكر الله) أخرجه مسلم. وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله -ﷺ- قال: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)، وليس فيه نهي، ولهذا ذكر
[ ٢ / ٩٦٨ ]
فيه يوم عرفة مع أن الحديث فيه كلام، ولم يرد هذا اللفظ في يوم الفطر.
الثالث: أن قوله: (وبعال) قال بن قدامة في المغني: إن ذكر البعال في راوية الواقدي وهو ضعيف. انتهى. والأحاديث الصحيحة إنما فيها أن أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله، والأحاديث الواردة في النهي عن صوم يومي العيدين تكاد تبلغ حد التواتر إلا أنه ليس فيها هذا اللفظ.
[ ٢ / ٩٦٩ ]