قوله: (وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي بالشك).
يعني أن وقت الظهر لا ينقضي إذا صار ظل كل شيء مثله. بل إذا صار ظل كل شيء مثليه عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وفيه نظر؛ فإنه لا يعارض قوله -ﷺ-: "أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم". حديث إمامة جبريل: "أنه ﵇ صلى بالنبي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر في
[ ١ / ٤٥١ ]
اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله إذ الإبراد يحصل قبل ذلك بكثير. ولم يكن النبي -ﷺ- يؤخر إلى ذلك الوقت.
فعن أبي ذر -﵁- قال: كنا مع النبي -ﷺ- فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال له رسول الله -ﷺ-: "أبرد"، ثم أراد أن يؤذن فقال له: "أبرد"، حتى رأينا فيء التلول. الحديث متفق عليه.
[ ١ / ٤٥٢ ]
ورؤية فيء التلول يكون قبل أن يصير ظل كل شيء مثله بكثير، ولا تثبت المعارضة إلا إذا كان الإبراد لا يكون إلا بعد أن يصير ظل كل شيء مثله، وليس الأمر كذلك.
وفي حديث إمامة جبريل: "أنه صلى بالنبي -ﷺ- العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه".
ولهذا قال مالك، والشافعي، والثوري، وأحمد في رواية: أنه يخرج وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه، ولا يجوز تأخيرها إلى ما بعد ذلك إلا لضرورة. فكيف يقال بدخول وقتها [في الوقت] الذي دل الحديث على خروجه فيه؟!.
وحديث المثل الذي ضربه النبي -ﷺ- وهو قوله: / "مثلكم ومثل الأمم قبلكم كمثل رجل استأجر أجيرًا " الحديث، إنما يدل على أن وقت العصر من وقت الظهر، وهذا لا ريب فيه.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، كقولهما. واختاره الطحاوي، وعليه عمل الناس. وذلك كله سوى فيء الزوال كما هو معروف في "الهداية" وغيرها.
قوله: (لقوله ﵊: "الشفق هو الحمرة"، وله قوله ﵊: "آخر وقت المغرب إذا اسودَّ الأفق").
أما الحديث الأول، وهو قوله: "الشفق الحمرة" فرواه الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا. قال البيهقي: الصحيح أنه موقوف، يعني أنه من كلام ابن عمر نفسه.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وأما الحديث الثاني، وهو قوله: "آخر وقت المغرب إذا اسود الأفق"، فلا يعرف. ولكن روى النسائي، وأبو داود عن أبي مسعود الأنصاري قال: " كان ﵇ يصلي هذه الصلاة- يعني العشاء- حين يسود الأفق". ولا يدل ذلك على أنه أول الوقت، لاحتمال أنه كان يؤخرها عن أول وقتها قليلًا لإحراز الفضيلة، فإنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل"،
[ ١ / ٤٥٥ ]
مع أن سواد الأفق يبدو من بعد أن يغيب الشفق الأحمر.
وفي حديث ابن عمر [و]: "ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" رواه مسلم، وأبو داود،
[ ١ / ٤٥٦ ]
ولفظ أبي داود: "فور الشفق". والثور والفور بمعنى الثوران والفوران.
وذلك بغيبوبة الحمرة. وقد نقل كثير من أهل اللغة أن الشفق عند العرب هو الحمرة.
قوله: (لقوله ﵊: "وآخر وقت العشاء حين يطلع الفجر".
قال السروجي: هذا الحديث لم يعرف أصلًا في كتب الحديث، ولا في كتب الفقه التي شرحها مني عرف الحديث. انتهى.
ودليل بقاء وقت العشاء إلى طلوع الفجر قوله -ﷺ- في حديث أبي قتادة:
[ ١ / ٤٥٧ ]
"التفريط أن تؤخروا صلاة حتى يدخل وقت الأخرى". رواه مسلم.
ولأن الصحابة والتابعين اتفقوا على أن الحائض لو طهرت قبل طلوع الفجر الثاني وجدبت عليها صلاة العشاء. واختلفوا في وجوب المغرب.
فلو لم يكن الوقت باقيًا لما وجبت العشاء.
[ ١ / ٤٥٨ ]