قوله: (وجه قوله في الخلافية قوله -﵊-: «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل»).
هذا الحديث رواه أهل السنن الخمسة ولفظه عن ابن عمر عن حفصة عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وعند النسائي: «من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا يصوم»، وفي أخرى: «من لم يبيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له». وفي أخرى: «من لم يبيت الصيام من الليل».
[ ٢ / ٨٩١ ]
وروى الدارقطني عن عائشة عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له». واللفظ الذي ذكره المصنف: «لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل» غير معروف فانتفى تأويله أن معناه أنه صوم من الليل حتى لو نوى بالنهار أنه صام من حين نوى لا من أوَّل اليوم لا يصير صائمًا عندنا. وانتفى تأويله بأنه محمول على نفي الفضيلة والكمال برواية النسائي أنه «من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا يصوم» مع أن الأصل عدم التأويل ولم يعارضه ما يوجب تأويله على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (ولنا قوله -﵊- بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: «ألا من أكل فلا يأكلن بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم»).
هذا الحديث لا يُعْرف، وإنما المروي عن عكرمة عن ابن عباس
[ ٢ / ٨٩٢ ]
-﵄- قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله -ﷺ- فقال: إني رأيت الهلال- يعني هلال رمضان- فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذِّن في الناس فليصوموا غدًا» رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
ولهذا عدل السروجي -﵀- إلى الاستدلال بحديث سلمة بن الأكوع «أن رسول الله -ﷺ-: أمر رجلًا من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء» متفق عليه. وكان صوم يوم عاشوراء فرضًا قبل أن يفرض صوم رمضان
[ ٢ / ٨٩٣ ]
لحديث عائشة -﵂- قالت: «كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكلن -عليه الساام- يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان، قال: من شاء صامه ومن شاء تركه» متفق عليه.
ولا يعارضه حديث معاوية -﵁- أنه قال على المنبر: «يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «هذا يوم عاشوراء لم يكتب عليكم صيامه، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر، وأنا صائم»؛ لأنا نقول: بعد النسخ لم يبق مكتوبًا علينا.
لكن بقي نظر آخر وهو أن صوم عاشوراء إنما أمروا به من النهار، لم يكن صومه واجبًا عليهم من الليل وعلموا بصومه ثم تركوا التبييت الواجب. وأيضًا فكان منهم من أكل، ومنهم من لم يأكل وكلا الفريقين أمروا بالامتثال دون القضاء، فتبين بذلك أن ذلك لم يكن لأن التبييت لا يجب لكن لأنهم نووا من حين ثبت الوجوب في حقهم، فينبغي أن من علم أن غدًا من رمضان فترك النية عمدًا ثم نوى من النهار لا يجزئه، لأنه عاصٍ تارك للواجب غير ممتثل لما أمره الله.
وأما من لم يعلم بالوجوب إلا أثناء النهار بأن شهد برؤية الهلال من
[ ٢ / ٨٩٤ ]
النهار، أو بالليل، ولم يبلغه إلا من النهار، فهذا يشبه الصبي إذا بلغ، والكافر إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، فإن هؤلاء لم يؤمروا بالصوم ذلك اليوم، إن أمروا به إلا من أثناء النهار.
ولا شك أن الله لم يفرض على العبد الصوم ولا الإمساك قبل العلم بالهلال، وكذا من استمر به النوم من النهار إلى النهار الآخر أو الإغماء، أو كان مسافرًا فقدم نهارًا، أو حائضًا فطهرت، أعني في الاكتفاء بالنية من النهار.
وقد اختلف العلماء في وجوب الإمساك على الصبي والمجنون والكافر، ووجوب القضاء، بخلاف/ الحائض والمسافر، إذا طهرت، أو قدم بعد الإفطار فإنهم اتفقوا على وجوب القضاء عليهما واختلفوا في وجوب الإمساك، واختلفوا فيمن نذر أن يصوم يوم يقدم زيد فقدم نهارًا، أو هو ممسك فنوى حين قدومه هل يجزيه أم لا؟ أو قدم وهو
[ ٢ / ٨٩٥ ]
مفطر، أو في يوم عيد أو في رمضان فقد تعذر عليه الصوم المنذور فهل عليه قضاء أم لا؟ وبقي نظر آخر، وهو أن حديث سلمة بن الأكوع المتقدم أن النبي -ﷺ-: «أمر أن يؤذن في الناس أم من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن فليصم». ليس فيه أن ذلك كان قبل الزوال ولا بعده،
[ ٢ / ٨٩٦ ]
فينبغي أن يكون الحكم فيه على الإطلاق ويكتفي بالنية بعد الزوال.
قوله: (ولنا أن نفرض متعين فيه، فيصاب بأصل النية كالمتوحد في الدار يصاب باسم جنسه إذا نوى النفل أو واجبًا آخر فقد نوى أصل الصوم وزيادة جهة، وقد لغت الجهة فبقي الأصل وهو كافٍ).
هذا المعنى ظاهر قوي في حق من لم يعلم أن غدًُا من رمضان فنوى صومًا مطلقًا أو عن واجب آخر، أما من علم أن غدًا من رمضان فنوى صوم تطوع أو صومًا آخر فهذا تارك لما وجب عليه من أن يقصد صوم رمضان، وقد قال -ﷺ-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) الحديث. فالقول بأن هذا مؤدٍّ للفرض يؤجر على صومه هذا أجر المؤدي للفرض مع كونه عاصٍ غير ممتثل للأمر فيه إشكال، بل قال بعض الأصحاب: إنه يخشى عليه الكفر إذا نوى صوم غير الفرض في غير اليوم الأول من رمضان.
قوله: «وقال الشافعي -﵀-: يجوز بنية بعد الزوال ويصير صائمًا
[ ٢ / ٨٩٧ ]
من حين نوى، إذ متجزئ عنده) يعني النفل.
قال السروجي: التجزي في النفل ليس قولًا للشافعي بل نسب ذلك إلى المروزي من أصحابه. قال النووي: اتفقوا على تضعيفه.
وقال الماوردي، وأبو الطيب في «المجرد»: هو غلط: لأن الصوم
[ ٢ / ٨٩٨ ]
لا يتبعض. انتهى. وهذا القول الذي نسبه المصنف إلى الشافعي هو قول احمد بن حنبل وهو الراجح لأن قوله -ﷺ: «إني إذًا صائم» يقتضي إنشاء الصوم من حين نوى، ولأن الإمساك عن المفطرات نهارًا إنما يؤجر عليه بالنية، والإمساك في أول النهار قبل النية لم يقع مأجورًا عليه فلا ينقلب مأجورًا عليه لأن النية إنما يؤثر فيما يستقبل، لا فيما مضى، والاستصحاب الذكور باطل.
قوله: (لقوله -﵊-: «لا يصام اليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان إلا تطوعًا»).
قال السروجي وغيره: هذا الحديث لا أصل له.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
قوله: (والثالث أن ينوي التطوع وهو غير مكروه لما روينا، وهو حجة على الشافعي في قوله: يكره على سبيل الابتداء).
تقدم أن الحديث لا أصل له فلا يكون حجة.
قوله: (والمراد بقوله -﵊-: «لا تتقدموا رمضان بصوم يوم ولا بصوم يومين» الحديث. التقدم بصوم رمضان لأنه يؤدى قبل أوانه).
قال السروجي: فيه بعد، فإن ابن عباس روى عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون صومًا يصومه أحدكم» رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي. فما كانوا يصومون في شعبان صوم رمضان. انتهى. والحديث المذكور في الصحيحين من رواية أبي هريرة.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
قوله: (وقيل: الصوم أفضل اقتداء بعلي وعائشة -﵄؛ فإنهما كانا يصومانه).
المنقول عن علي -﵁- عدم جواز صوم يوم الشك، ذكره عنه ابن المنذر في الإشراف خلاف ما ذكره عنه المصنف.
قوله: (والمختار أن يصوم المفتي بنفسه أخذًا بالاحتياط، ويفتي العامة بالتلوم إلى وقت الزوال ثم بالإفطار).
فيه نظر، فإنه ليس في الشريعة ما يختص به المفتي دون العامي. وأين شرع الله ما يختص به بعض المكلفين دون بعض مع استوائهم في التكليف وأسبابه؟ وإذا اختلف الأحكام باختلاف المكلفين فباختلاف أوصافها كوجوب الصوم على المقيم والمرأة الطاهرة، وإباحة الفطر للمسافر/ ووجوبه على الحائض، وتحريم دخول المسجد على الجنب، وإباحته للطاهر، ونحو
[ ٢ / ٩٠١ ]
ذلك. وما ذكر من التعليل لا يصلح لتخصيص المفتي بالصوم؛ لأن العامي يفهم الصوم بنية الفل المجرد كما يفهمه المفتي.
قوله: (دل عليه الحديث المعروف، وهو قوله -ﷺ-: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم»).
قال السروجي: وهكذا في المبسوط. وقال سبط ابن الجوزي: متفق عليه. قال: قلت: لا أصل لهذا الحديث عن رسول الله -ﷺ-، وإنما هو قول عمار -﵁-، هكذا رواه البخاري عنه ولم يرفعه أحد في
[ ٢ / ٩٠٢ ]
علمي. انتهى.
قوله: (لأنه في حقيقة اللغة هو الإمساك) ثم قال: (واختص بالنهار لما تلونا).
يعني أن الصوم في اللغة هو الإمساك فقط، وإنما اختص بالنهار بالشرع. وفي هذا نظر، بل لفظ الصوم كانوا يعرفونه قبل الإسلام ويستعملونه في هذا المعنى كما في الصحيحين عن عائشة -﵂- «أن يوم عاشوراء كان يومها يصومه قريش في الجاهلية». وقد ثبت من غير وجه
أنه قبل أن يفرض شهور رمضان أمر بصوم عاشوراء، وأرسل منديًا ينادي بصومه. فعلم أن مسمى هذا الاسم كان معروفًا عندهم.
* * *
[ ٢ / ٩٠٣ ]