في تراثنا الإسلاميّ كنوزٌ من المعارف والعلوم؛ فلا يخلو كتابٌ مخطوطٌ من فوائدَ وفرائدَ تفرّدَ بها عن غيره، فكان لمؤلّفه حجّةٌ في الشروع في تأليفه، وحقّق له غاية ومقصدًا كان يراه مناسبًا وواجبًا، إذ لولا تميّزه عن غيره لكان تكرارًا ونسخًا، ولأدّى ذلك إلى نفرة العقلاء منه، إذ المكرّرُ ممجوجٌ، والمعادُ مهجورٌ، وما كانَ نسخًا لغيرِه أو مثالًا لسواهُ فلن يجدَ في سوق العلم مشتريًا، ولا من الطلابِ والناظرين مهتمًّا، فيكسَدَ سوقُه، ولا ينسخُهُ النُّسَّاخُ، ولا ينتشرُ بينَ الناس، فيذوب كما يذوب الملح في الماء، ولن يُجهد عاقلٌ نفسَهُ في تصنيف مثل هذا السفر، فضلًا عن أن يضيِّعَ عالمٌ واعٍ وقتَهُ في مثل هذا.
وفي تراثنا الإسلاميّ كثيرٌ من الكتب التي لا تستغني عن التحقيق مع وفرة غيرها؛ لما تفرّدت به وحوَتْهُ من العلم النافع.
وقد هيّأ الله تعالى في هذا الزمان عددًا من دور النشر والطباعة لتهتمّ بهذه الأمور، وتحيي في الأمة انتسابها إلى حضارة عظيمة ضربت جذورها في أعماق التاريخ، فتتّصل كبوة حاضرها بنهضة ماضيها؛ ليستشعر المنتمي إليها انتماءَهُ إلى أمّة حضارتها الفكريّة العلميّة الثقافيّة الفلسفيّة أكبرُ من زِيفِ حضارةِ الغربِ الماديّةِ القائمة على المنفعة الماديّة الحياتيّة دون نظر في واقع تكوّن الإنسان من الجسم
[ ١٢ ]
والروح، وأنّ الروح أقوى في العقلاء من الجسد، والمادية الجسديّة باب للحيوانية أو هم أضلّ!
وكان مِنَ الدورِ التي اهتمّت بإخراج دُرَرِ التراثِ (دارُ السمَّانِ) التي يُشرِفُ على إدارَتِها تلميذُنا الأريب الأديب أحمد السمّان حفظه الله ونفع به، وكتب أجره في الدارين، فانتدَبَ إلى إخراج (سلسلة نوادر علوم الفقه) لينتفعَ بها المنتسبونَ إلى المذهبِ، ولتغطّيَ جانبًا مُهمًّا في النظرةِ إليهِ، وفهمِ تسلسلِ التأليفِ فيه، وطبيعةِ استنباطِ الأحكامِ مِن أهلِ الاستنباطِ المنتسبينَ إليه؛ فاقترحَ عليّ جملةً من الكتب رأيتُ بعد المطالعة والاستخارة أنّ هذا من أفضل ما يُبدَأ به منها، وفي كثير منها علمٌ وافرٌ وخيرٌ كبير.