اعلم - وفَّقك الله تعالى وإيّانا - بأنَّ الواجب على العبد المكلَّف أوّلًا طلبُ علم (^١) معرفة الله تعالى؛ حتّى يصيرَ العبدُ به عالمًا علمَ التوحيدِ، سالمًا عن أمراضِ الجهلِ والتقليدِ، ومُسمَّىً (^٢) باسم المهتدي والسعيد، ويَعرِفَ الله تعالى بالدليلِ.
قال علماءُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة - نصَرَهُمُ الله تعالى -: إِنَّ إيمانَ المقلِّد وهو الذي لا دليلَ معهُ في إثباتِ الصّانعِ وتوحيدِهِ - صحيحٌ (^٣)؛ لوجودِ التَّصديقِ منه حقيقةً، وهو مؤمنٌ ومطيعٌ الله تعالى باعتقادِهِ وسائر طاعاتِه (^٤)، وإن كان عاصِيًا لتركِ الاستِدلالِ في معرفةِ صانِعِهِ، وهو كفُسّاق أهلِ الملَّةِ في جَوازِ مغفرتِهِ وتعذيبِهِ
_________________
(١) في (ص): (العلم).
(٢) في (ص): (سمّي).
(٣) هذا إذا كان إيمانُهُ عن اعتقادٍ ويقينٍ راسخٍ، فلا يضرّه بعد ذلك أن يكون مقلّدًا، ومقتضى الاتّصاف بالإيمان اليقين والتصديق، أمّا المقلّد تقليدًا دون وقر الإيمان في قلبه فهذا إيمانه متردّد، فلا يسلم له إيمان.
(٤) أي مطيعٌ الله تعالى في اعتقاده، ومطيعٌ له في الطاعات الأخرى إذ أنّه فعل ما أُمِر به من الإيمان وسائر الطاعات، ولكنّه عاصٍ في ترك الاستدلال فحسب.
[ ٦٥ ]
بقدْر ذنبهِ، وعاقبةُ أمره الجنّةُ لا محالةَ (^١)، وهو مذهب أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ ابن حنبل رحمهم الله تعالى.
وعند المعتزلةِ: ما لم يَعرِفْ صانِعَهُ وتوحيدَه بدِلالةِ (^٢) العقل على وجهٍ يُمكِّنُه دفعَ الشبهة: لا يكون مؤمنًا.
وطريقُ معرِفتِهِ على التَّحقيق: أنْ يعلم أنَّ (^٣):
- العالَم - هو ما سوى الله تعالى - مُحدَثٌ.
- والمحدَثُ ما كان جائزَ الوجودِ.
- وما كان جائزَ الوجودِ كان جائزَ العدمِ.
- وما جاز عليه الوجودُ والعدمُ لم يكن وجودُه من إيجاد ذاتِه؛ لأنَّه:
إنْ أحدثَ نفسَه بعد ما صارَ موجودًا فهو محالٌ؛ لأنَّه يلزم (^٤) إيجادُ الموجود وتحصيلُ الحاصل.
وإنْ أحدث نفسَه في حالةِ العدمِ فكذلك؛ لاستحالةِ وجودِ الفعل من المعدومِ.
فثبت أنَّ اختصاصَه بالوجودِ دونَ العدمِ لم يكن إلّا بتخصيص مُخصِّصٍ، ولهذا لا يثبتُ بناءٌ بدون الباني، فلا بدَّ من مُحدِثٍ أحدَثهُ وخصَّهُ بالوجودِ، وهو اللهُ الهادي، فإذا أثبتَ (^٥) وجودَه وجبَ عليه أن يوحِّده عن الشَّرِيكِ والنَّظيرِ.
_________________
(١) ثقةً بوعد الله سبحانه، لا إيجابًا عليه.
(٢) في الأصل: (بدلائل).
(٣) سقط من (ص) قوله: (يعلم أنّ).
(٤) سقط من (س) و(ص) لفظ (يلزم).
(٥) في (س) و(ص): (ثبت).
[ ٦٦ ]
فاعلم أنّ الصانعَ للعالمِ (^١) واحدٌ، ولو كان صانِعَينِ: لثبت بينهما تمانعُ قولِهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^٢) [الأنبياء: ٢٢]، والتمانعُ دليلُ حدوثِهما أو حدوث أحدهما، فإنَّ أحدَهما لو أرادَ أن يخلقَ في شخصٍ واحدٍ حياةً، والآخرُ موتًا في تلك الحالةِ، فإمّا أن:
- يحصلَ مرادُهما وهو محالٌ.
- أو تعطَّلت إرادتُهما وهو تعجيزُهما.
- أو نفذت إرادةُ أحدِهما دونَ الآخر، وفيه تعجيزُ من لم تنفذْ إرادتُهُ، والعاجزُ مُنحَطٌّ عن درجةِ الأُلوهيَّة؛ إذ العجزُ من أماراتِ الحدوث (^٣).
وإذا لم يُتصوَّر إثباتُ صانعين كان واحدًا ضرورةً.
وهو قديمٌ؛ إذ لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا؛ لعدمِ الواسطةِ (^٤) بينهما؛ إذ: القديمُ: ما لا ابتداءَ لوجودهِ.
- والحادثُ: ما لوجودهِ ابتداءٌ.
ولا واسطةَ بين السَّلبِ والإيجابِ، ولو كان حادثًا لافتقرَ إلى محدثٍ، وكذا الثاني والثالثُ، فيؤدِّي إلى التسلسلِ، فهو باطلٌ.
فثبت أن الله تعالى موجودٌ، واحدٌ، قديمٌ، حيٌّ بحياةٍ أزليَّة سرمديَّة، لا سبيلَ
_________________
(١) في (ص): (صانع العالم).
(٢) سقط من (ص) و(س) قوله: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
(٣) في (ص): (الحدث).
(٤) الواسطة: الطريقة والذريعة، وتأتي بمعنى العلة والوسيلة مجازًا، ولم يعرفه الأئمة "متن اللغة"، مادة (وس ط).
[ ٦٧ ]
للفناء عليه، عالمٌ بعلم أزليٍّ، قادرٌ بقدرةٍ أزليةٍ، مريدٌ بإرادةٍ أزليةٍ، سميعٌ بصيرٌ بغير آلةٍ جِسمانية.
متكلمٌ بكلام واحدٍ أزليٍّ قائمٍ بذاته، ليس من جِنسِ الحروفِ والأصواتِ، ليس بعَرَضٍ ولا جسمٍ ولا جَوهَرٍ، وهو قائمٌ بنفسه (^١).
منزَّهٌ عن صفاتِ النَّقصِ والحدوثِ، ولا يتَّصف بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، ولا بالتبعيضِ والتَّناهي، ولا بمشابهةِ المحدَثاتِ، ولا مُتمكِّنٌ (^٢) في مكان، ولا مستقرٌ على العرش.
خالقٌ، خلَقَ الجنَّ والإنسَ؛ ليعبدوه (^٣)، وكيفيَّةُ العبادة وكميّتُها لا تُدرك بالعقول، فأرسل إليهم رسلًا مبيِّنين ما (^٤) يجبُ عليهم، وكيف يجبُ، ومتى يجبُ، وعلى من يجبُ، مبشِّرين لمن أطاعَ بالجنَّة ونعيمها، منذرين لمن عصى بأنواعِ العذابِ وأليمِها.
وأنَّ نبيَّنا عليه أفضلُ الصلاة والسلام مُحمَّدَ بنَ عبدِ الله بن عبد المطلب بن
_________________
(١) سقط من (ص) قوله: (وهو قائم بنفسه).
(٢) في الأصل: (يتمكن).
(٣) هذا ممّا أطلعنا الله تعالى عليه من حكمة خلقه، فقد أخبر سبحانه أنه ما خلق الجنّ والإنس إلا ليعبدوه، وأعلمنا أنّه خلقنا من الأرض وطلب منّا عمارتها، وبلّغنا أنه خلقنا ليبلونا أيّنا أحسنُ عملًا، وأرشدنا إلى جعلنا في هذه الدنيا لينظر كيف نعمل! وليقيم الحجّة على أهل الجنّة وأهل النار، وغالبًا ما يركّز العلماء من هذه المعاني على معنى العبادة بمفهومها الشامل، فهي تتضمّن هذه المعاني جميعها.
(٤) في (ص) و(س): (بما).
[ ٦٨ ]
هاشم بن عبد مناف رسولُ الله تعالى؛ لقوله تعالى لنبيِّه محمدٍ ﵇: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة.
فكذَّبوه، فأظهر (^١) الله تعالى لصدق دعواه على يديه المعجزاتِ الباهرات: كانشقاقِ القمر، وانجذاب الشَّجر، وتسليمِ الحجرِ عليه، ونبعِ الماءِ من بين أصابِعه، وحنينِ الخشبِ، وشهادةِ الشاةِ المصْليَّةِ (^٢) المسمومةِ، وإشباعِ الخلقِ الكثيرِ بالزّادِ القليلِ، والإخبارِ من المغيَّبات … وغير ذلك.
وأظهرُها (^٣): القرآنُ الباقي على صفحاتِ الدَّهر، فهو من أعجب الآياتِ وأَبْيَنِ الدلالات، الذي عجز أهل الوبر والمدر، بل جميعُ الجنِّ والبشر عن الإتيان بما يوازي أقصرَ سورة منه أو يُداني، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وإذا ثبت نبوُّةُ رسولِنا ﵇ ثبت نبوّةُ سائرِ الأنبياء والمرسلين بإخبارِه؛ لأَنَّهُ صادقٌ في كلّ ما يقول.
والرسلُ والأنبياءُ ﵈ مع علوِّ درجاتِهم بعضُهم قد فُضِّل على بعض، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
_________________
(١) في (ص): (فأظهره).
(٢) صَلَيتُ اللحم شويتُهُ، كتاب العين للفراهيديّ، باب الصاد واللام ومعهما (وأ ي) (٧/ ١٥٥)، وغريب الحديث، للقاسم بن سلام (٢/ ٣٥).
(٣) في الأصل: (إظهارها).
[ ٦٩ ]
والرَّسولُ أفضلُ من النَّبيِّ؛ إذ الرَّسول صاحبُ الشَّريعة، والنبيُّ كالخليفةِ والمُعيدِ والمكرِّر له لنصرة شريعتِه.
وكلُّ رسولٍ نبيٌّ رفيعُ القدر مخبِرٌ من الله تعالى، من غير عكس.
ولا يجوز تفضيلُ بعضِ الأنبياء على البعضِ على التعيين، ولكن يُقال: الرَّسول (^١) أفضلُ من النبيّ، وأولو العزم - يعني: صاحب الكتاب - من غيرهم، ونبيُّنا محمد ﵇ أفضلُ من الكلِّ.
ولا يقال: إنَّ مُحمَّدًا ﵇ أفضلُ من يونسَ ﵇ وغيره على التعيين؛ إذ فيه إيهامُ نقصِ المفضَّلِ عليه.
وعددُ جميعِ الأنبياءِ والرسلِ ﵈ غيرُ معلومٍ للبشر، وأوّلُ الأنبياء آدمُ ﵇، وآخرُهم محمدٌ رسولُ الله (^٢) ﵇.
والإيمانُ بمحمَّدٍ ﵇ إيمانٌ بجميعِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وإيمانٌ بجميعِ الكتبِ السماويّةِ، وإيمانٌ بيومِ القيامة وما فيه.
والإيمانُ: هو الإقرارُ باللسانِ، والتصديقُ بالجَنان.
وقال الإمام أبو منصور الماتريديُّ (^٣): الإيمانُ عبارةٌ عن مجرَّد التصديقِ، والإقرارُ لإجراءِ الأحكامِ (^٤).
_________________
(١) في (ص): (الرسول).
(٢) سقط من (س) والأصل: (رسول الله).
(٣) محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي، إمام الهدى نسبته إلى ما تريد - محلة بسمرقند - توفي سنة (٣٣٣ هـ). تاج التراجم (ص: ٢٤٩)، الأعلام: (١٥/ ٣٦).
(٤) أي لإجراء الأحكام في الدنيا، أمّا أحكام الآخرة فإنّها تجري بمجرّد الإيمان القلبيّ.
[ ٧٠ ]
وقال الشافعيُّ: الإيمانُ هو الإقرارُ باللسان، والتصديقُ بالجنان، والعملُ بالأركان.
والإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقصُ باعتبار الحقيقةِ، وهو التصديق، ولكنّ صفاتِ الإيمان وأنوارَه تزيدُ وتنقص.
وإنَّ الإيمان إقرارٌ وهداية، فالإقرارُ صنعُ العبد، وهو مخلوقٌ، والهدايةُ صنعُ الربِّ، وهو غيرُ مخلوقٍ (^١).
وقال الشافعيُّ ﵀: يزيدُ وينقُص.
ثمَّ إِنَّ الإيمانَ والإسلامَ شيءٌ واحدٌ، والاسمانِ من قبيل الأسماءِ المترادفةِ، وكلُّ مؤمنٍ مسلمٌ، وكلُّ مسلمٍ مؤمنٌ، ووجودُ أحدِهما بدونِ الآخرِ مُحَالٌ؛ إذ هما جميعًا اسمٌ لشيءٍ واحدٍ كالقعودِ والجلوسِ، وهو الصحيحُ، خلافًا لأصحابِ الظواهرِ.
ومن لوازم الإيمان: الخوفُ والرجاءُ، والأمن واليأس يستلزمان الكفر، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] وقال الله تعالى: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
والإيمانُ فرضٌ بالملائكة، فإنَّهم (^٢) عبادُ الله الكرام.
وخواصُّ بني آدم - وهم المرسلون - أفضل من جملةِ الملائكة، وعوامُّ بني آدم
_________________
(١) سقط من (ص) و(س) قوله: (إقرارٌ وهداية، فالإقرار صنع العبد وهو مخلوق، والهداية صنع الربّ وهو غير مخلوق).
(٢) في (ص): (بأنّهم).
[ ٧١ ]
من الأتقياء أفضلُ من عوامِّ الملائكة، وخواصُّ الملائكة أفضلُ من عوامِّ بني آدم ﵇.
والإيمانُ فرضٌ بجميع الكتب السماويّة، ونقول: آمنّا بالله وبما أنزل إلينا وبما أنزل لجميع (^١) الأنبياء، ولا نفرِّق بين أحد منهم، وما ينقلُه أهلُ الكتابِ من التوراةِ والإنجيل والزبورِ أو (^٢) غيرِها من الصُّحفِ إن وافقَ كتابَنا أو سنّةَ نبيِّنا ﵇ نقبَلُهُ ونصدّقُهُ، وإلا فنردُّهُ، ولا يجوزُ لنا مطالعهُ كتبِهِم.
والقرآنُ كلام الله تعالى غيرُ مخلوقٍ، والحبرُ والكاغدُ والكتابةُ من أفعال العبادِ.
فلمّا (^٣) كان الفاعلُ مخلوقًا فكان فعلُه أَوْلَى أن يكون مخلوقًا، وكلامُ الله تعالى ليس من جنسِ الحروفِ والأصواتِ، قديمٌ قائمٌ بذاته، ومعناهُ مفهومُ هذه (^٤) الكلماتِ والآياتِ.
وكراماتُ الأولياء جائزةٌ لتكون معجزةً لنبيِّه (^٥)، حيث حصلَ هذا التشريفُ لمتابِعِهِ (^٦) ببركةِ متابعتِه.
ويجوزُ ذهابُ السيئاتِ بالحسناتِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
_________________
(١) في النسخ الثلاثة: (بجميع).
(٢) في الأصل: (و).
(٣) في (ص): (فما).
(٤) في (ص): (بهذه)، وفي الأصل: (هذا).
(٥) فحقيقةُ الكرامة أنّها لمّا كانت تأييدًا لمتَبعِ نبيٍّ فهي في حقيقتها تأييدٌ لذلك النَّبيِّ الذي سارَ هذا الوليُّ على طريقتِهِ.
(٦) سقطَ من الأصلِ ومن (س) قوله: (لمتابعه).
[ ٧٢ ]
ولا يجوزُ أن تَبطُلَ الحسناتُ بشؤمِ المعاصي إلّا بالكفرِ.
ومرتكب الكبيرة عمدًا (^١) غير مستحلٍّ لها ولا مستخفٍّ بمن نهى عنها لا يخرجُ من الإيمان؛ لبقاء التصديق.
ولا يخرجُ أحدٌ من الإيمان إلّا من الباب الذي دخل فيه (^٢).
وأفعال العباد مخلوقةٌ الله تعالى، لا خالق لها سواه.
والخير والشرُّ من الله تعالى.
والحرام رزقٌ، وإنما يعذَّبُ آكلُه لمخالفته نهي الله تعالى باختياره.
والمقتول ميِّت بأجله، والموتُ يوجد في المقتول بتخليق الله تعالى، وليس للقاتل فيه اختيارٌ، وإِنَّما يجب عليه القصاص أو الدية وكذا ضمان المتلفات؛ لمخالفته نهي الله تعالى اختيارًا بمباشرة السبب.
والله تعالى لا يُبدِّل سنّته الجارية، وقال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، وقد أجرى سُنَّته بخلق الموتِ والتلفِ عند مباشرة سببهما، والعبد منهيٌّ عنهما؛ فتُوجَّه عليه الدية (^٣) والغرامة في الدنيا والعقوبة في الآخرة؛ لمباشرته المنهيَّ (^٤).
والمعاصي توجد بقضاء الله تعالى وتكوينه، وتقديره ومشيئته، لا برضائه وإذنه، والخيرات توجد بقضاء الله تعالى وتكوينه وتقديره ومشيئته ورضائه وإذنه (^٥).
_________________
(١) سقط من الأصل: (عمدًا).
(٢) زاد في الأصل: (منه).
(٣) في (ص) و(س): (اللائمة).
(٤) في (ص): (النهي).
(٥) وهذا مذهب الماتريديّة، جاء في (حزّ الغلاصم في إفحام المخاصم) عند جريان النظر في أحكام =
[ ٧٣ ]
والموت مكتوبٌ على أهل الأرض والسماء، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] إلا سكانَ الجنان والنيران من الغلمان والحُور والرضوان والزبانية والحيات والعقارب … وغيرها، فإنَّها خلقت للبقاء.
وإذا مات ابنُ آدم ودُفِن يعيدُ الله تعالى الحياة فيه، بحيث يَعقِلُ السؤال ويقدِرُ على (^١) الجواب، وإذا (^٢) مات في البحر أو أكلَهُ السَّبُعُ (^٣)؛ فهو مسؤول.
والأصحُّ: أنَّ الأنبياء ﵈ لا يُسألون (^٤).
ويعذَّب في القبر الكفار وبعضُ العصاة من المؤمنين، من شاء الله تعذيبه.
ثمَّ يحشرُ الله تعالى الأجسادَ ويحييها يوم القيامة، ثم يقرأ كُتُبَ أعمالهم، وهي كُتبٌ كتبها الملائكةُ الحَفَظةُ ﵈ أيام حياتهم.
ويوضع الميزانُ، وهو عبارةٌ عما يُعرف به مقادير الأعمال، وتوزن أعمالهم خيرًا كان أو شرًا.
ويوضع الصراطُ؛ وهو جسرٌ ممدود على متن جهنم، أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، يمرُّ عليه الخلائق.
_________________
(١) = القدر، لابن الحاج القناوي،١٢٢: (لَا يكون إِلَّا الْمَقْدُور، فالحال في التكوين هَذَا، لَكِن لَا بُد من إِعْطَاء النَّهْي الشَّرْعِيّ حَقه والانكفاف عن المهلكات فِي الْعَادة).
(٢) سقط من (ص): (على).
(٣) في الأصل: (ابن آدم).
(٤) في (س): (سبُعٌ).
(٥) البناية للعيني ٣/ ٢٦٢، وحاشية ابن عابدين ٢/ ١٩٢.
[ ٧٤ ]
ثم يُدخِل الله تعالى أهلَ الجنَّةِ الجنَّةَ بفضله، ويُكرمهم بأن يُرِيَهُم ذاته تعالى وتقدّس من غير كيفٍ ولا تشبيهٍ.
ويَرون أهلُ الجنة ذات الله تعالى بعيون رؤوسهم، لا في مكانٍ ولا في جهةٍ ولا ثبوتِ (^١) مسافةٍ بين الرائي وبين الله تعالى (^٢).
ويُدخِلُ أهلَ النّارِ النّارَ بعدلِهِ، ويجوز أن يعفو بكرمه، أو بشفاعة النَّبيِّ ﵇، أو بشفاعة بعض الأخيار، عمَّن يستحقُّ النار بالذنب لا بالكفر، فإن العفو عن الكفر لا يجوز (^٣).
والجنَّةُ والنّارُ مخلوقتان اليوم، ولا فناءَ لأهليهما أبدًا.
وبهذا القدْر اكتفينا من مسائلِ أصول الدين؛ لضيق نطاق المختصَرِ.
* * *
وإذا عَرَفَ المكلَّفُ صانعَه ووحَّدهُ بالدليل كما ذكرنا: فقد نجا من مزلَّة (^٤) التقليد، وأحكم إيمانه بالتحقيق.
وبعدَه يُفترَضُ عليه طلبُ علمِ ما يجبُ عليه من الصلوات الخمس، وفي اسم الصلاة ما يدلُّ على أنها تاليةُ الإيمانِ؛ لأنَّ المُصلِّي هو التالي للسابق.
_________________
(١) في الأصل: (بثبوت).
(٢) مذهب أهل السنّة إثبات الرؤية مع نفي لوازمها المستلزمة للجسمية كلّها، وفي ذلك إعمالٌ للنصوصِ التي تُثبِتُ الرؤية مع محاكمتها إلى النصوص القطعية التي تُوجِبُ التنزيهَ.
(٣) لأنّ الله تعالى أخبر يقينًا بعدم حصوله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨: ١١٦].
(٤) في هامش الأصل: (منزلة).
[ ٧٥ ]
ولا يتيسر أداؤها للعاقل البالغ القادر إلا بعد الطهارة، فيجب له (^١) علم (^٢) أحكام الطهارة؛ لأنَّ ما لا يُتوصَّل (^٣) إلى الواجب إلا به يجبُ كوجوبه، فبيَّنتُ فيه أحكام الطهارة وأنواعها، وفرائضَ الصلاة وواجباتها وسنَنَها وآدابها؛ ليكونَ عَونًا على طاعة خالقه ورازقه، وتقرُّبا (^٤) إلى رضاه ورحمته.
وألتمسُ ممن رأى غير ما استخرجه خاطري (^٥) السقيم -فإنَّ في الكلام وجوها، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ - أنْ يُصلِحَ الزلل، ويستبدل (^٦) الخلل؛ لأني شرعتُ مع قلة البضاعة والعُدّةِ في هذا الأمر الصعب المنيع السُّدة (^٧)، مستعينا بالله الميسِّر لكلّ عسير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
وأسألُ الله تعالى أن يجعل ما قصدته ونويته خالصا لوجهه، ومقرِّبًا من رحمته، وأن يغفر لي ولوالدي ولأستاذي إنه هو الغفور الرحيم.
* * *
_________________
(١) في الأصل: (عليه).
(٢) سقط من (ص) قوله: (له علم).
(٣) في هامش الأصل: (يتصل).
(٤) في (ص): (مقربًا).
(٥) في الأصل: (خاطر).
(٦) في (ص) و(س): (يسدّ).
(٧) في الأصل: (الشدّة).
[ ٧٦ ]