ذُكِرَ في كتابِ "المُضمراتِ" في شرحِ "القُدوريِّ": أنَّ رسولَ الله ﵇ سُئِلَ عن (^١): متَى يَعلَمُ الرَّجُلُ أَنَّهُ مِنْ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، قالَ (^٢) النبيُّ ﵇: "إذا وَجَدَ في نفسِه عَشَرةَ أشياءَ: فهُوَ على السنّةِ والجماعةِ: يُصلِّي الصلواتِ الخمسَ بالجماعةِ (^٣)، ولا يَذكُرُ أحدًا (^٤) مِنهم بمَنقَصةٍ، ولا يَخْرُجُ على السلطانِ بالسيفِ، ولا يَشُكُّ في إيمانِه، ويُؤْمِنُ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّهِ مِنَ اللهِ تعالى، ولا يُجَادِلُ في دينِ اللهِ، ولا يُكفِّرُ أحدًا من أهلِ التوحيدِ بذنبٍ، ولا يَدَعُ الصَلاةَ على مَن ماتَ مِن أهلِ القِبلةِ، ويرى المسح على الخُفَّين جائزًا في السفرِ والحَضَرِ، ويُصلِّي خلفَ كُلِّ بَرٍّ وفاجرٍ" (^٥).
ونقلَ صاحِبُ المُضمراتِ" هذا الحديثَ من كتابِ "مفاتيحِ المسائلِ ومصابيحِ الدلائلِ" لحُجَّةِ الدينِ البلخيِّ (^٦).
_________________
(١) سقط من الأصل (سئل)، وسقط منه ومن (س): (عن).
(٢) في (س) و(ص): (فقال).
(٣) زيد في (ص): (ولا يذكر أحدًا من الصَّحابة بسوء).
(٤) في (ص): (واحدًا).
(٥) اللالكائي "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" رقم: (٣٢٤).
(٦) نقل هذا الأثر عن عبد الله بن عمر ﵄ عدد من الفقهاء، ولم أجده فيما بين يديّ من مصادر حديثيّة، ومعناه صحيح، وتفرّق ألفاظه في الأحاديث ثابتٌ، إلّا أنَّها لم تكن بمجموعها =
[ ٥٧٣ ]
وينبغي ألّا يُعتَقَدَ أنَّ أصحابَنا مُصيبونَ قطعًا، ومخالِفوهم مُخطئونَ جَزْمًا، بل المُجتهِدُ يُخطِئُ ويُصيبُ، والحقُّ عندَ اللهِ واحدٌ، كذا مذكورٌ في "المُصفَّى" و"شرحِ البَزدويِّ.
ولا يتمكَّن المُجتهِدُ من إصابةِ الحقِّ قطعًا، بل على غلبةِ الظنِّ، حتَّى إذا سُئلنا عن مذهبِنَا ومذهبِ مخالِفينا في الفُروعِ لا في أصولِ الدينِ: يجبُ علينا أن نُجيبَ بأنَّ مذهَبنا صوابٌ يَحْتَمِلُ الخطأ، ومَذهبَ مخالِفينا خطأٌ يَحتَمِلُ الصوابَ، هكذا نُقِلَ عن المشايخِ، كذا ذُكِرَ في آخرِ "المُصفَّى".
وذُكِرَ في تُحفةِ الفُقهاءِ": أنَّ الصلاةَ على النبيِّ ﵇ فَرضٌ عندَ أبي الحسنِ الكَرخيِّ على كلِّ بالغٍ عاقِلٍ في العُمرِ مَرَّةً، كذا في "المحيطِ" و"خلاصةِ الفتاوى" و"شرحِ تاجِ الشريعةِ".
إلا أنَّ تاج الشريعةِ ذَكَرَ في "شرحِهِ": أَنَّه يُستحَبُّ الصلاةُ على النبيِّ ﵇ كُلَّما ذُكِرَ، وهو قولُ الكَرخيِّ: وإليهِ مالَ شمسُ الأئمّةِ السرخسيُّ.
وذُكِرَ في "القُنيةِ" نقلًا عن "المُحيطِ": أنَّ الصلاةَ على النبيِّ ﵇ عندَ ذِكرِه تَجِبُ (^١) في كلِّ مرّةٍ، كذا ذكرَهُ في تحفةِ الفقهاءِ" وقال: وهوَ الصحيحُ
وقيلَ: يكفي في المجلسِ مرّةً، وبه يُفتَى، كذا في "القُنيةِ".
وإن لم يُصلِّ: تبقَى الصلاةُ دَيْنًا في ذمَّتِهِ (^٢) فيَقضِي (^٣)، كذا أيضًا في "القُنيةِ".
_________________
(١) = شعارًا لأهل السنّة إلا بعد عصر النبوّة، ينظر: البحر الرائق (٨/ ٢٠٧).
(٢) في الأصل وفي (س): (تجب).
(٣) في (ص): (الذِّمّة).
(٤) في (ص): (فتقضى).
[ ٥٧٤ ]
وذُكِرَ في (^١) "الكفايةِ في درايةِ النهايةِ (^٢) " أنَّ جماعةً من المشايخِ المفسِّرينَ والفقهاء منهم الطحاويُّ قالوا: يجب الصلاة على النبيِّ ﵇ (^٣): "مَن ذُكِرتُ عِندَهُ ولَم (^٤) يُصلِّ عليّ: فقدْ جَفَاني" (^٥)، وجفاؤُهُ واجبُ التَّوقِّي، وهذا القولُ اختيارُ شيخِ (^٦) الإسلامِ المَعروفِ بخواهر (^٧) زاده (^٨) في "شرح الجامعِ (^٩) الكبيرِ"، واختيارُ شمسِ الأئمّة السرخسيِّ.
وكذا أيضًا ذَكَرَ في "خُلاصة الفتاوى"، نقلًا عن بعضِ شُروحِ "الجامعِ (^١٠) الصغيرِ": أَنَّه يَجِبُ عليهِ عندَ كُلِّ سَماعٍ.
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى": أنَّ الصلاة على النبيِّ ﵇ إذا ذَكَرَهُ، أو سَمِعَ ذِكرَهُ في مجلسٍ مِرارًا، قال المتقدِّمُونَ: إِنِ اتَّحدَ المَجلسُ: يجبُ مرّةً واحدةً، وقال: المُتأخرونَ يَتكرَّرُ.
_________________
(١) زيد في (ص): (نهاية).
(٢) في (ص): (الهداية).
(٣) زيد في (س) و(ص): (كَما ذكر، ويؤيد ذلك قوله ﵇.
(٤) في (س) و(ص): (فلم).
(٥) لم أجده مجموعًا، وجدت نصفه في: الترمذي "السنن" رقم: (٣٥٤٦)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، والباقي من حديث: "من حج ولم يزرني فقد جفاني" "البدر المنير" (٦/ ٢٩٩).
(٦) في الأصل: (الشيخ).
(٧) في (ص): (بخوهر).
(٨) محمَّد بن الحسين بن محمَّد، أبو بكر البخاري، المعروف ببكر خواهر زاده، أو خواهر زاده: فقيه. كان شيخ الأحناف فيما وراء النهر مولده ووفاته في بخارى. له "المبسوط" و"المختصر" و"التجنيس" "الأعلام" (٦/ ١٠٠).
(٩) في (ص): (جامع).
(١٠) في الأصل: (جامع).
[ ٥٧٥ ]
ثمَّ السلامُ سُنَةٌ، ورده فرضُ كفايةٍ، وثوابُ المسلِّمِ أكثرُ، وقيل: ثوابُ (^١) ردِّ السلامِ أكثرُ، كذا ذَكَرَ (^٢) في "فتاوى التمرتاشيِّ".
ولا ينبغي أنْ يُسلَّم على مَن يقرأُ القرآنَ، كذا في "خلاصةِ الفتاوى" و"مشكلاتِ القدوريِّ" و"تحفة الملوك" … وغيره، وإن سلَّم عليه وهو يقرأُ القُرآنَ: يجبُ عليهِ ردُّه، كذا في "خلاصة الفتاوى" و"منيةِ المفتي" و"مشكلات القدوريِّ"، وبه أخذ أبو الليث ﵀.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ": يُكرَهُ التسليمُ على القارِئِ، وعلى مَنْ يَكونُ في مُذاكرةِ العِلمِ، ولو سَلَّمَ: أَثِمَ.
واختلفوا في الجوابِ.
ويُسلِّمُ على واحدٍ (^٣) بلفظِ الجماعةِ.
إذا ردَّ الجوابَ، ولم يسمعْهُ: لم يَسقُطِ الفرضُ، كذا في "مُشكلاتِ القُدوريِّ" وغيرِه.
وفي الحمّامِ، إذا كانوا مُتَزِرِينَ يُسلِّم عليهم بالاتِّفاقِ، كذا في "فتاوى التمرتاشيِّ" و"الفتاوى الظهيريّةِ" و"خلاصةِ الفتاوى"، ولا بأسَ بالسلام على العُراةِ، وإنْ تَرَكَ ليؤدِّبَهُم: فلا بأسَ.
وكذا السلام على المُشْتَغِلينَ باللَّعبِ والشطْرَنْجِ: على هذينِ الوجهينِ، ولا يُسلِّمُ على العُراةِ عندَ أبي يوسفَ ومُحَمَّدٍ ﵏، كذا في "خُلاصة الفتاوى" و"فتاوى الظهيريّةِ".
_________________
(١) في (س) و(ص): (أجر).
(٢) قوله: (ذكر) سقط من (س).
(٣) زيد في (س): (من الجماعة).
[ ٥٧٦ ]
إنْ (^١) كانَ البعضُ عُراةً، والبعضُ متَّزِرينَ من أهل الحمّامِ، يُسلّمُ ويَنوي بالسلامِ على المتَّزرينَ، كذا في "الفتاوى الظهيريّةِ".
واختُلِفَ في السلامِ على الصبيانِ، كذا في "فتاوى التمرتاشيِّ".
وما يفعلهَ الجُهَالُ من تقبيلِ يدِ نفسِه عندَ السلامِ: مكروهٌ بالإجماعِ، وقيلَ: هِيَ (^٢) تحيَّةُ المَجوسِ، كذا في "الفتاوى الظهيريّةِ".
وتشميتُ العاطسِ الحامِدَ: فرضُ كفايةٍ، كذا في "تحفةِ الملوكِ".
وذُكِرَ في "القُنيةِ": أَنَّ تَشْمِيتَ العاطسِ الحامِدَ: فرضٌ (^٣) مُستحبٌّ، ولو عَطَسَ مِرارًا، الأصحُّ: أنَّه إذا زاد على الثلاثِ: لا يُشَمِّتُهُ، كذا ذُكِرَ أَيضًا في "خلاصةِ الفتاوى".
عن (^٤) الحسنِ بنِ زيادٍ: ينبغي إذا عطسَ (^٥) أنْ يحمَدَ الله (^٦)، ويقولَ: الحمدُ اللهِ، ويقولُ مَنْ حَضَرَه: يَرْحَمُكَ اللهُ، فيقولُ له العاطِسُ: يغفر الله لنا ولكم، أو يهديكُمُ اللهُ ويُصلِحُ بالَكُم، كذا ذَكَرَ في "مشكلاتِ القدوريِّ" وغيرِه.
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى": أَنَّ الكسب على مراتب:
فَمِقدارُ ما لا بُدَّ لكلّ واحدٍ مِنهُم: ما يُقَوِّمُ به صلبه، يُفترَضُ على كلِّ أحدٍ اكتسابُهُ، كذا ذُكِرَ أيضًا في "منيةِ المفتي".
_________________
(١) في (ص): (وإن).
(٢) في (ص): (هو).
(٣) قوله: (فرض) سقط من (ص).
(٤) في (ص): (وعن).
(٥) قوله: (إذا عطس) سقط من (ص).
(٦) الاسم الجليل هو في (ص): (العاطس).
[ ٥٧٧ ]
- وكذا لو كان له عيالٌ من زوجته وأولاده: يُفترَضُ عليه الكسبُ بقدرِ كفايَتِهِم.
- وكذا إنْ كانَ لَهُ أبوانِ مُعسِرانِ، يُفتَرَضُ عليه الكسبُ بقدرِ كفايَتِهِما.
فما زاد على قدْرِ كفايتهِ، وكفايةِ عيالِهِ مباحٌ، إذا لم يُرِدِ الفخرَ والرِّياءَ.
واتَّفَقَ أهل السنَّةِ والجماعةِ على (^١) أَنَّ كسبَ (^٢) الحلالِ المشروعِ سُنّةُ الأنبياءِ والصالحينَ ﵈؛ فإنَّهُ (^٣) لا يُبْطِلُ التوكَّلَ إذا رَأَى الرِّزْقَ مِنَ اللهِ تعالى، ولا يَعتمدُ على كسبِهِ.
وقالَ المشايخُ: كمالُ التوحيدِ تلاشي الأسبابِ في عينِ الأسبابِ.
وقالَ النبيُّ ﵇ لواحدٍ مِنَ الأعرابِ: "اعْقِلْها وتوكَّلْ على اللهِ" (^٤)، كذا ذُكَرَ في "أصولِ الركنيّةِ".
وسُئِلَ الإمامُ أبو بكرٍ عَنِ الذي يأخذُ ويُعطي هو أفضلُ، أمِ الذي (^٥) يأخذُ ولا يُعطِي؟ قالَ: إن كانَ لا يَدخُلُه عُجبٌ فيما يُعطِي: الأخذُ والإعطاءُ أفضلُ.
وقال الإمامُ عصامُ بنُ يوسفَ (^٦): التركُ أفضلُ.
وذُكِرَ في "تحفةِ الملوكِ": أنَّ من اشتدَّ جوعُه وعَجِزَ عَن كَسْبِ قوتِهِ: يجبُ
_________________
(١) قوله: (على) سقط من (ص).
(٢) في (س): (الكسب).
(٣) في الأصل: (فإنَّهم).
(٤) الترمذي "السنن" رقم: (٢٥١٧)، وقال: (وَهَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْه).
(٥) زيد في (س) و(ص): (لا).
(٦) الإمام الفقيه أبو عصمة عصام بن يوسف بن ميمون بن قدامة البلخي الحنفي، المتوفى سنة عشر ومئتين). روى عن ابن المبارك والشافعي "الوصول إلى طبقات الفحول" (٢/ ٣٣٨).
[ ٥٧٨ ]
على كلِّ مَن عَلِمَ بحالِهِ إطعامُه، وإن لم يَعلَمْ بهِ أحدٌ: يجبُ عليه أنْ يسألَ، فإنْ لم يفْعَلْ حتَّى ماتَ: كانَ آثِمًا، كذا ذُكِرَ في "خُلاصة الفتاوى".
وذُكِرَ أيضًا في ذلكَ "التحفةِ" وغيره: أَنَّ مَنْ لَهُ قوتُ يومٍ: لا يَحِلُّ لَهُ السؤال، ويُباحُ له الأخذُ.
وذَكَرَ الإمامُ الفاضِلُ المَعروفُ بالنواويِّ في كتابهِ المُسمَّى بـ"رياضِ
الصالحينَ" نقلًا عَنْ صحيحَيّ "المُسلمِ" و"البُخاريِّ": أنَّ ابنَ عُمَرَ ﵄ روَى عنِ النبيِّ ﵇ أنَّه قالَ: "لا تزالُ (^١) المَسأَلةُ بأحدِكُم حَتَّى يَلقَى اللهَ تعالى، وليسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةٌ لحمٍ" (^٢)، المُزْعَةُ؛ بضمِ الميمِ، وإسكانِ الزاءِ، وبالعينِ المُهْمَلَةِ: القِطْعَةُ.
وذُكِرَ في "مشكلاتِ القدوريِّ": أنَّ ما جَمَعَهُ (^٣) السائلُ مِنَ المالِ: فهو خبيثٌ.
وذُكِرَ في "خُلاصة الفتاوى": أنَّ المُتصدِّقَ على المساكينِ، وهُمْ يأكلونَ إسرافًا، ويسألونَ الحافًا، هو (^٤) مأجورٌ؛ ما لم يعلَمْ واحدًا بعينِهِ أنَّه بهذِهِ الصفةِ.
وذُكِرَ في "خلاصةِ الفتاوى": رجلٌ لَهُ دراهمُ أرادَ أنْ يُنفِقَها: فالإنفاقُ على نفسِهِ أفضلُ إنْ كانَ بحالٍ لو أنفَقَ على الفُقراءِ: يصيرُ في الشدّةِ، أمّا إنْ كانَ بحالٍ لا يَصيرُ في الشدَّةِ: فالتصدُّقُ على الفقراءِ أفضلُ.
_________________
(١) في (ص): (يزال).
(٢) البخاري "الصحيح" باب: (من سأل الناس تكثّرًا)، رقم: (١٤٧٤)، مسلم "الصحيح" باب: (كراهة المسألة للناس)، رقم: (١٠٣/ ١٠٤٠).
(٣) في (س) و(ص): (جمع).
(٤) في الأصل: (وهو).
[ ٥٧٩ ]
ثمَّ اتَّفَقَ المَشايخُ على أنَّ الفقيرَ الصابِرَ أولى من الغنيِّ الشاكِرِ.
رجلٌ لهُ كُتُبُ العلمِ ما يُساوِي مئتي درهم: إنْ كانَتْ فيما يُحتاجُ إليها في الحِفظِ، والدراسةِ، والتصحيحِ (^١): لا يكونُ نِصابًا، وحلَّ لَهُ أخذُ الصدقةِ فقهًا كانَ أو حديثًا أو آدابًا (^٢)، والمُصحفُ على هذا، كذا ذُكِرَ (^٣) في"الفتاوى الظهيريّةِ".
وذُكِرَ في "فتاوى التمرتاشيِّ" نقلا عن "البستانِ": أنَّ العلماءَ اختلَفوا في إجابةِ الدعوةِ، قال بعضُهم: واجبةٌ لا يسعُ تركُها، وقالتِ العامّةُ هي سُنّةٌ، والأفضلُ أن يُجيبَ إذا كانتْ وليمةً، وإن لم يَكُنْ: فهو بالخَيارِ، والإجابةُ أفضلُ.
وفي الأجناس: ينبغي أن يُجيبَ في الوليمة (^٤)، وإن لم يفعل: فهو آثِمٌ، كذا في "التمرتاشيِّ".
ويُستحَبُّ للضيف أن يَجلِسَ حيثُ يُجلَسُ؛ لأنَّ صاحبَ البيتِ أولى بعورة بيتِهِ مِنْ غيرِه، كذا في "الفتاوى (^٥) الظهيريّةِ".
وقال الفقيه أبو الليثِ: يُقالُ: يجبُ على الضيفِ أربعةُ أشياءٍ:
- أحدها: أن يَرضَى يَجلِسَ حيثُ يُجلَسُ.
- والثاني: أن يَرضَى بما قُدَّمَ.
- والثالثُ: ألّا يقومَ إلّا بإذنِ صاحِبِ البيتِ.
_________________
(١) في الأصل وفي (س): (والصحيح)، ولعلَ الصواب ما أثبتناه من (ص).
(٢) في (س) و(ص): (أدبًا).
(٣) في (ص): (ذكره).
(٤) في (س): (وليمة).
(٥) في (ص): (فتاوى).
[ ٥٨٠ ]
- والرابعُ: أن يدعوَ له إِذا خَرَجَ.
كذا مَذكورٌ في "الفتاوى الظهيريّةِ".
وإذا قُدِّمَ إلى الضيفِ طعامٌ: ليسَ له أن يَسأَلَ: مِنْ أينَ لك هذا الطعامُ؛ مِن الغَصْبِ أو السرقةِ؟ كذا في "خلاصةِ الفتاوى".
وذُكِرَ في "بُغيةِ المُنيةِ (^١) ": إذا شَرَيْتَ شيئًا من السوقِ، فقالَ لكَ صاحبُه: ذُقْهُ قبلَ الشراءِ، وأنتَ في حِلٍّ: فلا تأكُلْ مِنْهُ؛ لأنَّ الإذنَ لأجلِ الشراءِ، وربَّما لا يَتَّفِقُ بينكُما بيعٌ، فيكونُ فِيهِ شُبهَةٌ.
ويُكرَهُ قطعُ الخُبز بالسكينِ، كذا في "القُنيةِ"، وذكَرَ أبو الفضلِ الكِرمانيُّ وأبو حامِدٍ في فتاواهما: لا يُكرَهُ القطعُ بالسكين، والمُستحَبُّ النهشُ.
ولا يُسكَتُ على الطعامِ، ولكن يُتكَلَّمُ بالمعروفِ وحِكاياتِ الصالحينَ، كذا ذَكَرَ صاحِبُ "القُنيةِ" في "فتواهُ" (^٢).
ولا يجوز وضعُ القِصاعِ على الخُبز والسكرَجَةِ (^٣) والمِملحَةِ، كذا في "القنيةِ".
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى" و"مختارِ الفتاوى": أَنَّه يُكرَهُ.
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى": أنَّ أبا القاسمِ الصفَّار (^٤) قالَ: لا أجدُ (^٥) في
_________________
(١) في (س): (المفتي).
(٢) في (ص): (فتاواه).
(٣) في (س): (والسكروجة): وهي الصفحة، أو الطاسة، ويقال سُكُرُجَةً أيضًا، وجمعُها سكَاريج، أو سَكَارج. تكملة المعاجم العربية (٦/ ١٠٧).
(٤) الشيخ الإمام أبو القاسم أحمد بن حمزة الصفّار البَلْخي الحنفي، المتوفى بها سنة ست وثلاثين وثلاثمئة كان فقيها، علّامة "سلم الوصول إلى طبقات الفحول" (١/ ١٤٣).
(٥) في الأصل وفي (س): (الأحد)، ولعلَّ الصواب ما أثبت من (ص).
[ ٥٨١ ]
نيّةِ الذهابِ إلى الضيافةِ سِوَى (^١) أن أرفعَ المِملحةَ مِنَ الخبزِ.
قالَ شمسُ الأئمّةِ الحَلوانيُّ: كلَّ ذلكَ جائزٌ، رأيْنا كثيرًا فعَلُوا ذلكَ ببُخارَى وسمَرْقَندَ بحضرةِ الكبارِ مِنَ الأئمّةِ، ولم يَمنَعُوا ذلكَ.
يقولُ المؤلّفُ غفرَ اللهُ لهُ: كُنْتُ في ديارِ خوارزمَ في وليمةٍ، سألوا عن هذِه المسألةِ عَن واحدٍ من أئمّة خوارزم، وهو نقلَ عن أستاذِه (^٢) قال في جوابِ هذِهِ المسألة بالفارسيّةِ: اكر كاست براست برديه (^٣) جاي است.
ويُكرَه مَسحُ الأصابعِ والسكينِ بالخُبزِ، والأصحُّ: إن كانَ يُريدُ أكلَ ذلكَ: لا يُكرَهُ، كذا في "مشكلاتِ القُدوريِّ".
وسُنَنُ الطعام:
- البسملة في أوَّلِه.
- والحمدَلَةُ في آخرِه.
- وغَسْلُ اليَدَيْنِ قبله وبعدَه.
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى" في غسل الأيدي:
- قبلَ الطعامِ: أنْ يبدأَ بالشبابِ، ثمَّ بالشيوخِ، كذا في "مُختارِ الفتاوى".
- وبعدَ الطعامِ: أنْ يَبدأَ بالشيوخِ، ويَمسحَ بالمِنديلِ، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
ويَحِلُّ للضيفِ في الأصحِّ أن يُطعِمَ الضيفَ الآخرَ (^٤)، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى" و"تُحفة الملوك".
_________________
(١) في الأصل وفي (س): (ينوي)، ولعلَّ الصوابَ ما أثبتَ من (ص).
(٢) زيد في (ص): (وهو).
(٣) في (س) و(ص): (برديده).
(٤) في (س) و(ص): (ضيفًا آخر).
[ ٥٨٢ ]
وذُكِرَ في "مُختارِ الفتاوى": ألّا يُعطيَ الضيفُ سائلًا، إلّا بِإِذْنِ صاحبِها.
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى":
- لو ناول الخَدَمَ على رأسِ المائدةِ، أو ناولَ الهرّةَ: جازَ؛ استحسانًا.
- ولو ناولَ الكلبَ: لا يَجوزُ، إلّا الخبزَ المَحروقَ (^١)، والمُعتبَرُ هى العادةُ.
- لو (^٢) دخلَ عليهِ إنسانٌ: لا يَجوزُ له أن يُعطيَهُ شيئًا، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
قال الفضلُ بنُ غانِمٍ (^٣): سألْتُ أبا يوسفَ عن النفخِ في الطعامِ: هل يُكرَهُ؟ قال: لا، إلّا أن يقولَ أفٍّ، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
ويُكرَهُ رفعُ الذلّة، إلّا بإذنِ المُضيفِ، كذا في "المُختارِ" و"تُحفةِ الملوك".
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى": أنَّ رَفعَ الذلةِ حرامٌ (^٤)، إِلَّا إِذا كانَ بِإِذْنِ (^٥) صاحِبِ الدارِ، كذا في "فتاوى الظهيريّةِ".
وذُكِرَ أيضًا في "خُلاصةِ الفتاوى": الإسرافُ في أكلِ الطعامِ مَنهيٌّ، ومِن ذلك: الأكلُ فوقَ الشبَعِ، إلّا إذا أكلَ لأجلِ الضيفِ؛ حتَّى لا يخجلَ.
وذُكِرَ في "فتاوى التمرتاشيِّ"، نقلًا عن (^٦) "العُيونِ": من دُعيَ إلى ضيافةٍ أو أُهديَ إليه:
_________________
(١) في (س) و(ص): (المحرَّق).
(٢) في (س) و(ص): (ولو).
(٣) الفضل بن غانم، أبو علي المروزي، الخزاعي، وكان قد ولي قضاء مصر عامًا وعُزِل، الوفاة: ٢٣١ - ٢٤٠ هـ "تاريخ الإسلام" (٥/ ٩٠٠).
(٤) زيد في (س) و(ص): (بكل حال).
(٥) في (ص): (من إذن).
(٦) في (س) و(ص): (من).
[ ٥٨٣ ]
- فإن كانَ غالِبُ مالِ المُهدِي أو المُضِيفِ من حرامٍ: لا ينبغي له أن يَقبَلَ ويأكُلَ؛ ما لم يُخبَرْ أنَّه حلالٌ.
وإن كان غالِبُ مالِه من حلالٍ: لا بأسَ بذلكَ، ما لم يتبيَّن عندَه أَنَّه حرامٌ.
وذَكَرَ (^١) التمرتاشيُّ نقلًا عن "البستانِ": إذا لم يَكُنْ المُهدِي ظَالِمًا، ولا يكونُ مالُهُ حرامًا: فالأفضلُ أنْ يَقبل، ويكافتُهُ بأفضل منه أومثلِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عن المُكافآتِ بالمالِ: فبالدعاء وحُسنِ الثناء.
وذُكِرَ أيضًا في "التمرتاشيِّ": أَنَّه قالَ مَشايخنا في مَن دُعِيَ إلى دعوة الظالِمِ الذي يَرتشي ويَظْلِمُ، إلّا أنَّ له مَزارعَ (^٢) وغلّاتٍ يَحِلُّ (^٣) الإجابةُ، ويُحمَلُ أنَّ ذلكَ مِن خاصّةِ (^٤) أملاكِهِ.
وذُكِرَ في "بغية المُنيةِ": أنَّ الإمامَ أبا جعفرٍ سُئِلَ عَمَّنِ اكتسب مالَه مِن أمرِ السلطانِ، وجَمَعَ المالَ مِن أَخذِ الغراماتِ المُحرَّماتِ (^٥) … وغيرِ ذلكَ، هل يَحِلُّ لأحدٍ عَرَفَ ذلِكَ أَنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِهِ؟
قال: أَحَبُّ إليَّ ألّا يأكُلَ منه، ويَسَعُه أكلُه؛ حكمًا، كذا أيضًا في "جمعِ التفاريقِ".
وذُكِرَ في "فتاوى التمرتاشيِّ": أنَّ لرجلٍ مالًا حلالًا، اختلط به مال من الربا، أوِ الرشوة، أو السحْتِ، أومِن مالِ غصبٍ، أو سرقةٍ، أومن خيانةٍ، أو من مال يتيم،
_________________
(١) زيد في (ص): (في).
(٢) في (ص): (مزروع).
(٣) في (ص): (تحل).
(٤) في (س) و(ص): (خاص).
(٥) في (س) و(ص): (المحرمة).
[ ٥٨٤ ]
فصارَ كلُّه شُبهةً: ليس لأحدٍ أنْ يُشارِكَه، أو يُبايِعَه، أو يَستقرِضَ منه، أو يَقبَلَ (^١) هَديَّتَهُ، أو صدقتَهُ، أو هِبَتَهُ (^٢)، أو يأكُلَ في بيتهِ، وكذا إذا مَنَعَ زكاته وعُشْرَهُ: صارَ مالُه شبهةً؛ لما فيها من أجزاءِ مالِ الفقيرِ.
وذُكِرَ في "خُلاصة الفتاوى": أنَّ أبا حنيفة ﵀ سُئِلَ: مَن (^٣) أَكَلَ طعامَ السلاطين والظلَمَةِ، وأخذ الجائزاتِ عنهم؟
يَنبغي أنْ يتحرَّى عندَ الأَخْذِ والأكْلِ، فإن وَقَعَ في قلبِهِ أَنَّه حلالٌ: يأخذُ ويَتناوَلُ، وإلّا فلا.
وقال الإمامُ التمرتاشيُّ في "فتواه": يَنبغي أنْ يَرَى الأشياءَ حلالًا في أيدي الناس في ظاهرِ الحُكمِ، ما لم يتبيَّن (^٤) لكَ شيءٌ ممّا وَصَفْنا.
قال حُجّةُ الإسلام مُحمَّدٌ الغزاليُّ ﵀: إن قيلَ: فما تقولُ في صلاةِ أَهلِ السوقِ وغيرِهم في هذا الزمانِ، هل يَلزمُ رَدُّ هديَّتهم والبحثُ عنها، وقد عَلِمتَ مُجازَفَتَهم وقِلّةَ نَظرِهم في مُعاملاتِهم، وكذلكَ صِلاتُ الإِخوانِ؟
فالجوابُ (^٥): أنَّه إذا كان ظاهِرُ الإنسانِ الصلاحُ والسترُ: فلا حَرجَ عليكَ في قَبولِ هديَّتِه (^٦) وصَدَقَتِه، ولا يَلزَمُ البحثُ؛ بأن يقول (^٧): قَدْ فَسَدَ الزمانُ، فَإِنَّ
_________________
(١) في (ص): (تقبل).
(٢) قوله: (أو صدقته أو هبته) سقط من (ص).
(٣) في (س) و(ص): (عن).
(٤) في (س) و(ص): (يستبن).
(٥) في (س): (والجواب).
(٦) في (س) و(ص): (صلته).
(٧) في (س): (تقول).
[ ٥٨٥ ]
هذا سُوءُ الظنِّ (^١) بذلكَ الرَّجُلِ المُسلِم، بل حُسنُ الظن بالمُسلمين مأمورٌ به.
ثمَّ ما هو الأصلُّ في هذا البابِ؟
وهو أنَّ ها هنا شيئانِ: أحدُهُما: حُكمُ الشرعِ وظاهرُهُ والثاني: حُكمُ الوَرعِ وحقُّهُ.
- وحُكمُ (^٢) الشرعِ: أنْ تأخُذَ ما أتاكَ ممَّن ظاهرُه صلاحٌ، ولا تسألَ إلّا أن تتيقَّنَ (^٣) أَنَّه غَصْبٌ أو حرامٌ بعينِه.
- وحُكْمُ الوَرَعِ: أَلَّا تَأخُذَ شيئًا من أحدٍ حَتَّى تَبحثَ عنه غايةَ البحثِ، وتستقصيَ غايةَ الاستقصاءِ، فتستيقِنَ (^٤) أَنَّه لا شُبهَةَ فيهِ بحالٍ، وإلّا فتردُّهُ (^٥).
فإن قُلتَ: كأنَّ الورعَ يُخالِفُ الشرعَ وحُكمَه؟
فاعلم أنَّ الشرعَ مَوضوعٌ على اليُسرِ والسماحةِ، وكذلكَ (^٦) قالَ النبيُّ ﵇: "بُعِثتُ بالحنيفيّةِ (^٧) السمحةِ السهلةِ" (^٨).
والوَرعُ موضوعٌ على التشديدِ والاحتياطِ، كما قيلَ: الأمرُ على المُتَّقى أضيقُ
_________________
(١) في (س) و(ص): (ظن).
(٢) في (س) و(ص): (فحكم).
(٣) في الأصل: (إن تيقّن).
(٤) في الأصل: (فتيقّن).
(٥) في (ص): (فيردّه).
(٦) في (س) و(ص): (ولذلك).
(٧) في الأصل: (الحنفيّة).
(٨) رواه أحمد في "المسند" في تتمّةِ مسندِ الأنصار: من حديثِ أبي أمامة الباهليِّ، برقم: (٢٢٢٩١)، قال الهيثميُّ: (فيه علي بن يزيد الألهانيُّ، وهو ضعيفٌّ)، برقم: (٩٤٤١).
[ ٥٨٦ ]
من (^١) عقدِ الشعَرِ (^٢)، ثمَّ الورَعُ من الشرعِ أيضًا، وكلاهما في الأصل واحدٌ، لكنْ للشرعِ حكمانِ: حُكمُ الجوازِ، وحُكمُ الأفضلِ الأحوطِ، فالجائزُ: تَقولُ له: حُكمُ الشرعِ، والأفضلُ الأحوطُ: له حُكمُ الورعِ، فهما مع تميُّزِهما واحد في الأصلِ.
فافهم ذلك راشِدّا، واتَّقِ (^٣) الحرامَ وتورَّعْ مِنَ (^٤) الشبهاتِ، فإنَّ قبوليّةَ الدعاءِ والعباداتِ (^٥) مُتعلِّقٌ (^٦) بأكلِ الحلالِ، كما ذَكَرَ الإمامُ الفقيهُ أبو الليثِ السمرقنديُّ في كتابِهِ "تنبيهُ الغافلينَ".
عن رسولِ الله ﷺ أَنَّه قالَ: "لو صَلَّيتُم حتَّى تكونوا كالحنايا، وصُمتُم حتَّى تكونوا كالأوتار: لا يَنفَعُكُم إِلَّا الورعُ" (^٧).
قال العلماءُ: الورعُ احترازٌ (^٨) عن شُبهةِ الحرامِ، والتقوى احترازٌ (^٩) عن الحرامِ.
وذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى": أنَّ رجلًا اغتابَ أهل قريةٍ لم يَكُن غِيبةً، ورجلٌ
_________________
(١) في (س): (عن).
(٢) في (س): (الشعير).
(٣) زيد في (ص): (من).
(٤) في (ص): (عن).
(٥) في (س) و(ص): (والعبادة).
(٦) في (س): (متعلقة).
(٧) ابن منده "مسند إبراهيم بن أدهم" باب: إبراهيم بن أدهم عن مالك بن دينار، برقم: (٢٣)، المتّقي الهنديّ "كنز العمال" فصل في تعديد الأخلاقِ المحمودة، رقم: (٥٤٧٨).
(٨) في (س) و(ص): (الاحتراز).
(٩) في (س) و(ص): (الاحتراز).
[ ٥٨٧ ]
يُصلِّي ويَضُرُّ الناسَ باليدِ واللسانِ: لا غِيبةَ إن ذُكِرَ بما (^١) فيهِ. وذِكْرُ مساوئِ أخيهِ على وجه الاهتمام: لا بأس به، كذا مَذكورٌ في "خُلاصة الفتاوى"، و"الفتاوى الكُبرى"، إلا أنَّ في "الفتاوى الكبرى" مذكورٌ: إنَّما الغِيبةُ أن تَذكُرَ (^٢) ذلك على وجهِ السبِّ والبُغضِ.
ثمَّ إذا كانَ لرجلٍ كلبٌ عَقورٌ وامتنعَ عن قتلِهِ: يُرفَع إلى القاضي؛ ليأمرَ (^٣) بقتلِهِ، كذا في "مُنية المفتي".
ويُكرَه إحراقُ القملةِ والعقربِ، ولا بأس بإحراق حطب فيها نَملٌ، كذا في "مُنيةِ المُفتي".
وذُكِرَ أيضًا في "مُنيةِ المُفتي": أنَّ الكَسبَ فريضةٌ قَدْرَ ما لا بُدَّ مِنْهُ، ثمَّ العاجِزُ عنِ الكَسبِ عليهِ أن يَطرُقَ الأبوابَ ويسألَ.
وذُكِرَ في "القُنيةِ": عن أبي يوسفَ (^٤): إحراقُ (^٥) السَّرْقِينِ في التنورِ يُكرَهُ، ويُكرَهُ "أكل الخُبزِ الذي طُبِخَ في ذلكَ التنورِ.
وقال (^٦) الإمامُ شمسُ الأئمّةِ السرخسيُّ: لا بأسَ لو مَرِضَ ولم يُعالَجْ حتَّى مَاتَ: فلا إثمَ عليهِ، كذا في "مُختارِ الفتاوى" و"منيةِ المفتي".
_________________
(١) في (س): (ما)، وفي (ص): (بما).
(٢) في (ص): (يذكر).
(٣) في (س) و(ص): (ليأمره).
(٤) زيد في (س) و(ص): (أنَّه قال).
(٥) في (ص): (أحرق).
(٦) قوله: (ويكره) سقط من (ص).
[ ٥٨٨ ]
ولو قالَ الطبيبُ: غَلَبَ عليكَ الدمُ فَأَخْرِجْهُ، وإلّا يَقتُلُكَ (^١) الدمُ، فلم يُخرِجْهُ حتَّى ماتَ: لم يأثَمْ، كذا في "مُنيةِ المُفتي".
ومَنِ امتنعَ من أكلِ المَيتةِ حالةَ (^٢) المَخمَصةِ حتَّى ماتَ: أَثِمَ، كذا في عامّةِ كُتُب الفِقهِ.
ويَحِلُّ خِضابُ اليدِ والرجلِ للنساءِ بالحِنّاءِ ما لم يكن فيه تماثيل، ولا يَنبغي أن يَتخضَّبَ (^٣) الرجالُ والصبيانُ الذكورُ أيديهم وأرجُلَهم.
وعن أبي حنيفةَ ﵀: إِنْ خَضَّبَ رأسَهُ ولحيتَه بالحنّاءِ والوَسْمةِ: يَجوزُ، كذا في "مشكلاتِ القُدوريِّ".
وذُكِرَ في "بغيةِ المُفتي" (^٤) عن أبي هريرةَ ﵁: (مَن أَرادَ أَن يَأْمَنَ مِن الفقر وشكاية العينِ والبَرص والجُذام: فليُقلِّم أظفاره يوم الخميسِ بعدَ العصرِ (^٥).
_________________
(١) في (ص): (ليقتلك).
(٢) في (ص): (حال).
(٣) (ص): (يختضب).
(٤) في (س) و(ص): (المنية).
(٥) "قال الحافظُ: ولم يثبتْ في استحبابِ قصِّ الظفرِ يومَ الخميسِ حديثٌ، وكذا لم يثبتْ في كيفيَّتِهِ شيءٌ، ولا في تعيينِ يومٍ له عنِ النبيِّ ﷺ … وللطبرانيِّ عن عليٍّ رفعَهُ: "قصُّ الظفرِ ونتفُ الإبطِ وحلقُ العانَةِ يومَ الخميسِ، والغُسلُ والطيبُ واللباسُ يومَ الجمعةِ" وللديلميِّ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: "من أرادَ أن يأمَنَ الفقرَ وشِكايَةَ العمَى والبرصِ والجنونِ فليُقَلِّمْ أظفاره يوم الخميسِ بعدَ العصرِ، وليبدأ بخنصرِهِ اليُسرَى" والخبرانِ واهيان. وفي مسلسلات الحافظ جعفر المستغفريِّ بإسنادٍ مجهولٍ عن عليٍّ: رأيتُ النبيَّ ﷺ يُقلِّمُ أظفاره يومَ الخميسِ". شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٤٤٨)، وقال السخاويّ في (الأجوبةُ المرضيّةُ فيما سُئِلَ السخاويُّ عنهُ من الأحاديثِ النبويّةِ) بعد أن أورَدَ هذا الحديث ما نصُّهُ: (لكنه واهٍ جدًا، وأوهى منه الخبرُ الذي رَويْنَاهُ مسلسلًا بقص الأظفارِ يومَ الخميسِ). (٢/ ٦٠٧).
[ ٥٨٩ ]
قالوا في ترتيبِ قَلْمِ الأظفارِ (^١): ينبغي أن يبدأ بخُنصْرِ يدِهِ اليُمْنَى، ثمَّ بالوُسطى، ثمَّ بإبهامه (^٢) وبُنْصُرِها، ويَختِمُ بمُسَبِّحةِ يدِه اليُمنى، ثم يبدأُ بإبهامِ يدِه اليُسرى (^٣).
وفي أصابعِ الرِّجْلِ كذلكَ.
ويُدفَنُ الظفرُ والشعرُ، كذا في "مُشكلاتِ القُدوريِّ".
ويَنبغي أن يتختم في خنصرِهِ اليُسرى لا في اليُمنى، ويجعلَ فصَّه إلى جانبِ كفِّهِ، كذا أيضًا في "مُشكلاتِ القُدوريِّ" وغيرِه.
وذُكِرَ في "خلُاصةِ الفتاوى": إنَّما يتختَّمُ (^٤) بالفضّةِ إذا احتاجَ إليهِ، كالسلطانِ والقاضي ونحوِهما، وعندَ عدمِ الحاجةِ التركُ أفضلُ، ولا بأسَ بالاكتحالِ للرجالِ إذا قصدَ بِهِ التداوي دونَ الزينةِ، كذا في "الهدايةِ".
ورُوي عن النبيِّ (^٥) ﵇: كانَ يَأخُذُ من طولِ لحيتِه وعرضِها (^٦)، أوردَه أبو عيسى في "جامعه".
وذُكِرَ في "العناية شرح الهداية": من سعادة الرجُلِ خِفَّةُ لِحيته، وذَكرَ أبو حنيفةَ ﵀ في "آثاره": أنَّ عبد الله بنَ عُمَرَ ﵄ كان يقبضُ على لحيتِه،
_________________
(١) في (س) و(ص): (الأظافير).
(٢) في (س) و(ص): (بإبهامها).
(٣) زيد في (ص): (ثم بالوسطى، ثم الخنصر، ثم المسبحة، ثم يختم ببنصر يده اليسرى).
(٤) في الأصل: (يختم).
(٥) في (ص): (رسول الله).
(٦) "بيان الوهم والإيهام في كتب الأحكام" رقم: (٢٦٤٥)، وقال: (من رِواية عمر بن هَارُون، عَن أُسَامَة بن زيد، عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه، عَن جده، ثمَّ أتبعه قول التَّرْمِذِي: عمر بن هَارُون مقارب الحَدِيث).
[ ٥٩٠ ]
ويَقطَعُ ما وراءَ القبضةِ (^١)، وبه أخذ أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ ومُحمَّدٌ ﵏، كذا ذُكِرَ في "العناية".
ولا يَحلِقُ شعرَ حَلْقِهِ، وعن أبي يوسف: لا بأسَ بذلك، كذا في "مُشكلاتِ القدوريِّ (^٢).
عن أبي هريرةَ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "خمسٌ مِنَ الفِطرةِ: الختانُ، والاستحدادُ، وقَصُّ الشاربِ، وتقليمُ الأظفارِ، ونَتفُ الإبطِ" (^٣)، وهذا الحديثُ مذكورٌ في صحيحي "البخاريِّ" و"مُسلمٍ" (^٤) وسُننِ "أبي داودَ" و"النَّسَائِي" و"الترمذيِّ" جميعًا.
قولُه: "مِنَ الفِطرة"؛ أي: مِنَ السَّنَّةِ، تأويلُه: أنَّ هذه الخمسةَ مِن سُنَنِ الأنبياءِ ﵈ الذيْنَ أُمِرْنا أن نقتدَى (^٥) بهم، فكأنَّ (^٦) فِطرَتَنا (^٧) وجِبلَّتَنا (^٨)، أو من الفطرةِ؛ أي: الدينِ، قيلَ: وهذا أوجَهُ.
_________________
(١) هو في كتاب الآثار لأبي يوسفَ بروايةِ الإمامِ أبي حنيفة ﵁ (ص: ٢٣٤) برقم (١٠٤٠)، وفي سنن أبي داود في كتاب الصيام باب القول عند الإفطار، برقم (٢٣٥٧)، وقد علّقه البخاريّ في صحيحه في كتابِ اللباسِ في بابِ تقليمِ الأظافرِ، برقم (٢٢٨٦).
(٢) زيد في (ص): (وذكر في بغية القنية).
(٣) رواه البخاريّ في "الصحيح" باب قص الشارب، رقم: (٥٨٨٩)، مسلم "الصحيح" باب خصال الفطرة، رقم: (٤٩/ ٢٥٧).
(٤) في (س): (المسلم والبخاري).
(٥) في الأصل: (يقتدي).
(٦) في (س) و(ص): (فكأنّا).
(٧) في (س) و(ص) (فطرنا) وزيد في (س) (بهم).
(٨) في (س) و(ص): (وجبلنا) وزيد في (س): (عليهم).
[ ٥٩١ ]
ومعنى (^١) الحديثِ حينئذٍ: خَمسٌ من توابعِ الدينِ ولواحقِه.
قولُه (^٢): "والاستحداد"؛ أي: استعمال الحديدِ في حلق العانة.
وذُكِرَ في "خُلاصة الفتاوى" نقلًا عن "فتاوى قاضي خان": ينبغِي أن يُحْتَنَ الصبيُّ إذا بلغَ تسعَ سنينَ، فإن ختَنُوهُ وهو أصغرُ من ذلكَ: فأحسنُ (^٣)، فإن كانَ فوقَ ذلكَ قليلًا: قالوا: لا بأسَ بِه.
وأبو حنيفةَ ﵀ لم يُقَدِّر وقتَ الخِتَانِ، قال شمسُ الأئمَّةِ الحلوانيُّ: وقتُ الختانِ من حينِ يَحتَمِلُ الصبيُّ ذلكَ إِلى أَنْ يَبْلُغَ.
لو خُتِنَ ولم يُقطَعِ (^٤) الجلدَةُ كلُّها، أو قُطِعَ أكثرُ من النصفِ: يكون ختانًا، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
ولا بأسَ بسترِ حيطانِ البيتِ؛ للبَرْدِ، ويُكرَهُ للزينةِ، كذا في "مُختارِ الفتاوى".
وذُكِرَ في "القُنيةِ": أنَّ الأصوبَ:
- أن يَضطجعَ وقتَ الرقودِ ساعةً بالأيمنِ، ثمَّ يَنقَلِبُ إلى الأيسرِ.
- ويُستحَبُّ له أنْ يَقول عند الضجوعِ: بسمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسمِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، وهو السميعُ العليمُ.
- ويَقولُ حينَ استيقظَ: الحمدُ للهِ الذي أحياني بعدَما أماتَني، وإليه النشورُ.
فإذا قال هذا فقد أدَّى شُكرَ ليلَتِه، كذا ذُكِرَ في "القُنيةِ".
_________________
(١) قوله: (ومعنى) سقط من (س).
(٢) (س) و(ص): (وقولُه).
(٣) في: (س): (أحسن)، وفي (ص): (فحسن).
(٤) في (ص): (تقطع).
[ ٥٩٢ ]
ويُكرَهُ مدُّ الرجلينِ إلى القِبلةِ عمدًا في النومِ وغيرِه، كذا في الجامعِ الصغيرِ".
ولا ينبغي للشيخِ الجاهلِ أنْ يَتقدَّمَ على الشابِّ العالمِ في المشيِ والجُلوسِ والكلامِ.
وقدِ اتَّفقَ العلماءُ على أنْ ينوي المُتعلِّمُ بطَلَبِ العلمِ: رضا الله تعالى، والدارَ الآخرةَ، وإزالةَ الجهلِ عن نفسِهِ وعن سائرِ الجُهّالِ، وإحياءَ الدينِ، وإبقاءَ الإسلامِ؛ فإنَّ بقاء الإسلامِ بالعِلمِ.
ولا يَصِحُّ الزُّهْدُ والتقوى والعبادةُ والسلوكُ إلى اللهِ تعالى مَعَ الجهلِ؛ لما رُويَ عن النبيِّ ﵇ أنَّه قالَ: "الجهلُ أقربُ إلى الكُفْرِ من بياضِ العَينِ إلى سَوادِها (^١)، وهذا الحديثُ مذكورٌ في "خُلاصةِ الحقائق".
ثمَّ العِلمُ فريضةٌ وفضيلةٌ:
فالفريضةُ: ما لا بُدَّ للإنسانِ من مَعرفتِه؛ ليقوم بواجب حق الدين، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى" وغيرِه.
والفضيلةُ: ما زادَ على قَدْرِ الحاجة ممَّا يُكسبه فضيلةً في النفسِ.
فالعِلمُ الَّذي هو فريضةٌ: لا يَسَعُ الإنسان جهله؛ على ما رُوي عن أنس بنِ مالِكٍ ﵁ أَنَّه قالَ: قالَ رسول الله ﷺ: "اطلُبوا العِلمَ ولو بالصينِ" (^٢)،
_________________
(١) لم ينسبه أحد إلى النبي ﷺ ورد في بعض المصادر على أنَّه خبر وليس كل خبر حديث كما قال ابن حجر ﵀.
(٢) رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" برقم: (٢٠)، ورواه البزَّار في "مسنده البحر الزخار" برقم: (٩٥)، قال: (لَا يُعرَفُ أَبو العَاتِكَةِ وَلَا يُدرَى مِن أَينَ هُوَ، فَلَيسَ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلٌ)، الخُسْرَوجِردي "المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي" باب: العلم الذي لا يسع البالغ العاقل جهله، برقم: (٣٢٥) قال: (هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ، وَأَسانِيدُهُ ضَعِيفَةٌ، لَا أعرِفُ لَهُ إِسْنَادًا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ).
[ ٥٩٣ ]
وقالَ ﵇: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مُسلِمٍ ومُسلِمةٍ" (^١).
قال الإمامُ حُجَّةُ الإسلامِ مُحمَّدٌ الغزاليُّ في كتابِه "مِنهاجُ العابدِيْنَ"، وهو آخرُ كتابٍ صنّفَهُ: أَنَّ المُرادَ مِن العلم الَّذي طلبه فريضةٌ على كلِّ مُسلمٍ ومُسلمةٍ هو (^٢) عِلمُ التوحيدِ.
وعِلمُ الشريعةِ (^٣): ما يَتعلَّقُ بالقلبِ ومساعِيْهِ؛ فالذي يتعيَّنُ فرضُهُ من علمِ التوحيدِ مِقدارُ ما يُعرَفُ (^٤) به أصولُ الدينِ، وهو أنَّ لكَ إلهًا واحدًا عالِمًا قادرًا (^٥)، كما ذكرنا في (البابِ الأوَّلِ).
وأمّا ما يُفترَضُ مِن علمِ الشريعةِ: فكُلُّ ما يُفترَضُ عليكَ بعدَ التوحيدِ إتيانُه يُفترَضُ عليكَ علمُهُ؛ لتُؤدِّيَهُ على وجهِ الكمالِ: كالطهارةِ، والصلاةِ والصيامِ.
كما قرَّرنا (^٦) في صدر الكتاب: أنَّ في اسم الصلاةِ ما تدلُّ (^٧) على أنَّها
_________________
(١) رواه ابن ماجه في "السنن" باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم: (٢٢٤) قال البصريُّ في "مصباح الزجاجة": (هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف لضعف حَفْص بن سُلَيْمَانَ الْبَزَّار) برقم: (٨١)، ورواه الطبرانيُّ في "المعجمِ الأوسط" برقم: ٢٠٠٨، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": (وفيه عثمان بن عبد الرَّحمن القرشي، عن حماد، بن أبي سليمان، وعثمان هذا قال البخاري: مجهول) باب: طلب العلم، برقم: (٤٧٢).
(٢) في (س) و(ص): (وهو).
(٣) زيد في (س) (من أحكام العبادات وعلم الشريعة). وزيد في (ص): (من أحكام العبادة وعلم السر يعني).
(٤) في (س): (تعرف).
(٥) في (س): قائمًا قديرًا)، وفي (ص): (قديمّا قديرًا).
(٦) في (ص): (قررناه).
(٧) في (س) و(ص): (يدل).
[ ٥٩٤ ]
تاليةٌ للإيمانِ (^١)؛ لأنَّ المُصلِّي هو تالي (^٢) السابقِ (^٣).
- وأمّا عِلمُ القلبِ: فهو عِلمٌ ذَوقيٌّ (^٤) ووُجدانيٌّ، لا يُمضَغُ تحتَ ألسنةِ (^٥) الأقلامِ، ولا يُحيطُهُ (^٦) الدفاترُ والأوهامُ، إلّا أنِّي أشيرُ إلى أنموذجٍ من آدابِ سُلوكِ العلمِ الباطنيِّ.
وهذا العلمُ بمُقابلةِ العلمِ الظاهِرِ، بمَنزلةِ الثمرِ للشجرةِ، فالشرفُ للشجرةِ (^٧)؛ إذْ هو الأصلُ، لكنَّ الانتفاعَ والتمتُّعَ بثمرتِها، أو بمثابةِ المِسكِ وروائحِ (^٨) الطيِّبةِ (^٩) سيفوحُ عِطرُه في (الباب العاشرِ) في (معاملةِ أولي الألبابِ)، وبهذا يُختَم الكتابُ، فليَطلُبِ الطالبونَ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وقد رُويَ عن النبيِّ ﵇ أنَّه قالَ: "اطَّلَعْتُ ليلةَ المِعراجِ على أهلِ النارِ، فرأيْتُ أكثرَها (^١٠) الفقراءَ" قالوا: يا رسولَ اللهِ مِنَ المالِ؟ قال: "لا، بل من العلمِ"؛
_________________
(١) في (ص): (الإيمان).
(٢) في (س) و(ص): (التالي).
(٣) في (ص): (للسابق).
(٤) في (س): (روحي).
(٥) في (س) و(ص): (أسنَّة).
(٦) في (س): (يحيط).
(٧) في (س) و(ص): (للشجر).
(٨) في (س): (ورائح)، وفي (ص): (بين روائح).
(٩) في (س) و(ص): (الطيب).
(١٠) في (س) و(ص): (أكثر أهلها).
[ ٥٩٥ ]
فمَن لم يتعلَّمِ العِلمَ لا يتأتَّى له أحكامُ العباداتِ (^١) والقيامُ بحقوقِها، ولو أنَّ رجلًا عَبَدَ اللهَ تعالى عبادةَ ملائكةِ السماءِ بغيرِ علمٍ: كانَ مِنَ الخَاسِرِينَ، كذا قالَ الإمامُ الغزالي في كتابِه "منهاجُ العابِدِينَ".
فتشمَّرْ في طَلَبِ العلمِ الَّذي لا بُدَّ لكَ مِنْهُ، واجتنبِ الكسلَ والمِلالَ، وإلّا فأنتَ في خَطرِ الضلالِ.
رَوى عبدُ الله بنُ عُمَرَ ﵄، عنْ رسولِ اللهِ ﵇ أنَّه قالَ: "ما عُبِدَ اللهُ بشيءٍ أفضلَ من فقهٍ في الدينِ" (^٢).
وسُئِلَ أبو يوسفَ ﵀: بِمَ أدركْتَ العلمَ؟ قال: ما استنكفْتُ من الاستفادِة، وما بخلْتُ مِنَ الإفادةِ.
وقد كان لمُحمَّدِ (^٣) بنِ حسنٍ (^٤) الشيبانيِّ مالٌ كثيرٌ حَتَّى كَانَ لَهُ ثلاثمئةٍ من الوُكلاءِ على مالِه، فأنفقَ كُلَّهُ في تعلُّمِ الفِقهِ، ولم يبقَ لهُ ثوبٌ نفيسٌ، فرآهُ أبو يوسفَ في ثوبٍ عتيقٍ، كذا ذُكِرَ في "آدابِ المُتعلِّمينَ".
وقيل: رُؤيَ مُحمَّدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ (^٥) في المنامِ بعدَ وفاتِه، وقيلَ (^٦) لهُ:
_________________
(١) في (س) و(ص): (العبادة).
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" برقم: (٦١٦٦)، وقال الهيثميُّ: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يزيد، بن عياض، وهو كذاب)، وفي مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" برقم: (٤٨٧).
(٣) في (س): (محمَّد).
(٤) في (ص): (الحسن).
(٥) قوله: (الشيباني): سقط من (س) و(ص).
(٦) في (ص): (قيل).
[ ٥٩٦ ]
كيفَ كُنْتَ في حالِ النزعِ؟ فقالَ (^١): كنْتُ متأمِّلًا في مسألةٍ من مسائلِ الفقهِ، فلم أشعُر بخروجِ رُوحِي، كذا في "آدابِ المُتعلِّمينَ".
وحُكِيَ عن إبراهيمَ بنِ الجرّاح (^٢) قال: دخلتُ على أبي يوسفَ في (^٣) مرضِه الَّذي ماتَ فيه فتحَ عيْنَيْهِ، فقالَ: (^٤) الرميُ راكِبًا أفضلُ أم ماشيًا؟ قلتُ: ماشيًا، فقالَ: أخطأتَ، فقلت: راكبًا، قال (^٥): أخطأْتَ، ثمَّ قالَ: كلُّ رميٍ بعدَهُ وقوفٌ فالرميُ فيه ماشيًا أفضلُ، وما ليس بعدَه وقوفٌ فالرميُ فيه راكبًا (^٦) أفضلُ، فقمْتُ من عندِه، فما انتهيْتُ إلى بابِ الدارِ حتَّى سمعْتُ الصراخَ مِنْ (^٧) بيتِه (^٨)، فتعجَّبتُ من حرصِهِ على العلمِ في مثلِ تلكَ الحالةِ، كذا مذكورٌ في "العنايةِ".
وقال مُحمَّدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ (^٩): ما احمرَّ وجهي في مسألةٍ، إلّا اصفرَّ سبعينَ مرَّةً.
_________________
(١) في (ص): (قال).
(٢) (إبراهيم بن الجرّاح بن صُبيح، التَّميميّ ثم المازنيّ مولاهم، المرُّوذيُّ ثم الكُوفيِّ، الوفاة: (٢١١ - ٢٢٠ هـ) ولي قضاء مصر بعد إبراهيم بن إسحاق) "تاريخ الإسلام" (٥/ ٢٦٥)، قال في "رفع الإصر عن قضاة مصر": (وكان قد سمع من يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، وأبي يوسف، وكتب عنه الأمالي) (١/ ٢٣).
(٣) زيد في (س): (حال).
(٤) في (س) و(ص): (وقال).
(٥) في (ص): (فقال).
(٦) سقط من الأصلِ: (راكبًا).
(٧) في (س): (في).
(٨) قوله: (من بيته): هو في (ص): (بموته).
(٩) قوله: (الشيباني): سقط من (ص).
[ ٥٩٧ ]
وحُكِيَ أنَّ الخليفةَ هارونَ الرشيدَ بَعَثَ ابنَه إلى الأصمعيِّ؛ ليُعلِّمَه (^١) العلمَ والأدبَ، فرآه يومًا؛ يتوضَّأ الأصمعىُّ وابنُ الخليفةِ يَصُبُّ الماءَ، فعاتَبَهُ (^٢) الخليفةُ في ذلكَ وقال: إنَّما بَعَثْتُ إليكَ؛ لتُعلِّمَه وتؤدِّبَه ويخدِمَك، فلماذا لم تأمرْهُ أن يَصُبَّ الماءَ بإحدَى يديهِ ويغسِلَ بالأخرَى رجلَكَ؟! (^٣) كذا ذُكِرَ في "آدابِ المُتعلِّمينَ".
وقيل: بقدْرِ ما تتعنَّى تنالُ ما تتمنَّى.
وقيل: خزائنُ المُنى على قناطِرِ المِحنِ.
وقيل: الفضلُ بالعِلمِ والأدبِ، لا بالأصلِ والنسبِ.
وقيل (^٤): مَن لم يتعلَّمْ في صغرِهِ: لم يتقدَّمْ في كِبَرِه.
وقيل: مَن لَزِمَ الرُّقَادَ عَدِمَ الزادَ (^٥).
وذُكِرَ في "مُنيةِ المفتي": أنَّ ابن أبي يوسفَ ﵀ ماتَ فَأَمَرَ (^٦) أبو يوسفَ بتكفينِه وتجهيزِهِ ودفنِهِ، ولم يَترُكْ مجلسَ أبي حنيفةَ ﵀، فقيلَ لهُ في ذلكَ، قال: أخشَى أن يفوتَ (^٧) شيءٌ من العِلمِ لم أُدرِكَهُ قَطُّ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (ليعلم).
(٢) في (ص): (فعاتب).
(٣) وكأنّ الرشيد أراد أن يغسِلَ ابنُهُ رجلَ الأصمعيِّ وهو يصبُّ الماءَ عليها إجلالًا للعلم، يُنظر: سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٨)، والإعلامِ بحُرْمَةِ أهلِ العلمِ والإسلامِ (ص: ٢١٠).
(٤) في (س) و(ص): (قيل).
(٥) في (ص): (المراد).
(٦) في الأصل: (فأمره).
(٧) قوله: (أن يفوت): هو في (س) و(ص): (فوت).
[ ٥٩٨ ]
وذُكِرَ أيضًا في "مُنيةِ المفتي": عن أبي يوسفَ أنَّه قال: اختلفتُ إلى أبي حنيفةَ تسعًا وعشرينَ سنةً ما فاتني صلاةُ الغَداةِ مع ابنِ أبي ليلى.
وعن زفرَ: اختلفْتُ إلى أبي حنيفةَ خمسًا وعشرينَ سنةً ما فاتني فِطرٌ ولا أضْحَى (^١)، وهو زفرُ بنُ الهُذيل بنُ الكرخيِّ.
ثمَّ أعلم أنَّ نبيَّنا ﵇ تُوفِّيَ أبوهُ عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلبِ وأُمُّهُ آمنةُ حامِلٌ به.
وظئرُه الَّتي أرضعتْهُ تُسمَّى: حليمةُ.
وكان وِلادةُ النبيِّ ﵇ يومَ الإثنينِ من شهرِ ربيعٍ الأوّلِ، ووفاتُهُ أيضًا يومَ الإثنينِ مِن (^٢) ربيعٍ الأوَّلِ في اليومِ الذي وُلِدَ فيهِ آخَرَ الضُّحَى، ودُفِنَ ليلةَ الأربعاءِ في وَسَطِ مِنَ الليلِ في حُجْرَتِه. وذُكِرَ في "النهايةِ": أنَّ النبيَّ ﵇ توفِّيَ يومَ الإثنين، ودُفِنَ يوم الأربعاءِ.
أوحى اللهُ تعالى إليهِ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، وأقامَ بعدَ الوحىِ بمكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً، ثمَّ هاجرَ إلى المدينةِ، وتُوفِّي ﵇ في المدينةِ وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين سنةً، كذا ذُكِرَ (^٣) في "مُنيةِ المُفتي".
ومُدَّةُ البَعْثِ ثلاثٌ وعشرونَ سنةً، والخلافةُ بعدَهُ ثلاثونَ سنةً، انتهتْ بموتِ الوليِّ (^٤) عليٍّ ﵁، كذا في "العنايةِ شرحِ الهدايةِ".
_________________
(١) قوله: (ولا أضحى) هو في (س): (والأضحى).
(٢) زيد في (ص): (شهر).
(٣) في (ص): (ذكره).
(٤) قوله: (الولي) سقط من (ص).
[ ٥٩٩ ]
ثمَّ اعلمْ أنَّ (^١) صاحِبَ مذهبِنا أبا حنيفةَ ﵀، وهو نعمانُ بنُ ثابتٍ بنِ طاووسَ بنِ هرمزَ بن أنوشروانَ العادلِ، كذا (^٢) في أوَّلِ الحقائقِ في "شرحِ المنظومةِ"، ثمَّ أدركَ أبو حنيفةَ ﵀ آخرَ عهدِ عليٍّ ﵁، حملَه أبوهُ إليهِ وهو صغيرٌ، وقد دعا (^٣) بالبركةِ (^٤)، كذا ذكر نجمُ الدين النسفيُّ.
وروي أنَّ أبا حنيفةَ ﵀ صلَّى ثلاثينَ سنةً الفجرَ بوضوءِ العشاءِ، كذا مذكورٌ في "الفتاوى الظهيريَّةِ"، وقد صحَّ أنَّ أبا حنيفةَ ﵀ سمِعَ الحديثَ من سبعةٍ من الصَّحابةِ ﵃، منهم: أنسُ بنُ مالِكٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أنيسٍ (^٥)، وعبدُ الله بنُ جزءٍ الزبيديُّ (^٦)، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى (^٧)،
_________________
(١) قوله: (أن): سقط (س).
(٢) زيد في (ص): (ذكره).
(٣) زيد في (س) و(ص): (له).
(٤) لا يثبت مثل هذا؛ فإنّ سيّدنا عليًّا توفّي في سنة أربعين للهجرة على ما هو مشهور ثابت، ولم يقل أحد ممن ترجم للإمام أبي حنيفة إنّه كان حيا في هذا التاريخ، بل أكثر المبالغين في تقدّم حياته يقول إنَّه كان حيًّا في عام ستين للهجرة المباركة، كما سيأتي بيانُهُ إن شاء الله تعالى بعد صفحات.
(٥) قوله: (وعبد الله بن أنيس): ذكر في (ص) (بعد قوله: (الزبيدي)، (عبد الله بن أنيس، أبو يحيى، من بني وبرة، من قضاعة، ويعرف بالجهني، وليس بجهني: صحابي، من القادة الشجعان، من أهل المدينة، كان حليفًا لبني سلمة من الأنصار، ويقال له: الجهنيّ والقضاعي والأنصاري والسلمي (بفتحتين): صلى إلى القبلتين، وشهد العقبة، وقال بعض السرايا في العصر النبوي، ورحل بعد ذلك إلى مصر، وإفريقية، وتوفي بالشام تـ: (٥٤ هـ) "الأعلام" (٤/ ٧٣).
(٦) (عَبْد الله بن جزء الزبيدي، أورده أبو بكر بن أبي علي في الصَّحابة، وروى عن حيوة بْن شريح، عن عقبة بْن مسلم، عن عَبْد اللهِ بْن جزء) "أسد الغابة" (٣/ ١٩٨).
(٧) (عبد الله بن أبي أوفى واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي أبو محمَّد، شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدهما من المشاهد مع النبي له ﷺ ولم يزل بالمدينة إلى أن توفي ﷺ، ثم تحول =
[ ٦٠٠ ]
وواثلةُ بنُ الأصقعِ (^١)، وجابر بنُ عبدِ اللهِ، رضوانُ اللهِ عليهِم أجمعينَ، ومنهم إناثٌ، مِنْهُنَّ عائشةُ بنتُ عجردٍ (^٢) ﵂.
وهوَ كانَ أخذَ العِلمَ من رجالٍ كثيرةٍ، إلّا أنَّه يُنسَبُ في الفقهِ إلى حمّادِ بنِ سُليمانَ (^٣)، وهو من تلاميذِ إبراهيمَ بنِ زيدٍ (^٤) النخعيِّ (^٥) ﵀، وهو أخذَ (^٦) من: عَلْقَمَةَ بنِ الأسودِ (^٧) وشُرَيحٍ القاضي (^٨) ﵃، وهؤلاءِ مِنْ: عُمَرَ
_________________
(١) = إلى الكوفة، ومات بها في سنة ست - أو سبع - وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، وآخر أهل بيعة الرضوان ﵃ "قلادة الدهر" (١/ ٤٨١).
(٢) (واثلة بن الأسقع وقيل: واثلة بن عبد الله بن الأسقع بالقاف الكناني الليثي أبو شداد، وقيل: أبو الأسقع، أسلم والنبي ﷺ يتجهز إلى تبوك، فشهدها معه، ويقال: إنه خدم النبي ﷺ ثلاث، سنين، وكان من أهل الصفة، وشهد فتح دمشق وحمص). سكن دمشق ببيت جبرين، بلدة بقرب بيت المقدس، روى عن النبي ﷺ أحاديث، وتوفي بدمشق سنة خمس أو ست وثمانين، وكان فارسًا شجاعًا ممدحًا فاضلًا) "قلادة النحر" (١/ ٤٧٩).
(٣) (عائشة بنت عجرد عن ابن عباس ﵄ لا تكاد تعرف، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، قلت: روى عنها أبو حنيفة، وروى عن عثمان ابن راشد عنها، ويقال لها صحبة، ولم يثبت ذلك، بل أرسلت فأوهمت أنها صحابية) "لسان الميزان" (٤/ ٣٨٥).
(٤) (حمّاد بن سليمان بن المَرْزُبان الفقيه، أبو سليمان النيسابوري، صاحب محمد بن الحَسَن، ويلقب قيراط) "تاريخ الإسلام" (١٤/ ٦٧).
(٥) في (ص): (يزيد).
(٦) لم أجد عنه سوى أن خاله الأسود بن يزيد بن قيس النخعي "تاريخ الإسلام" (٥/ ٢١٦).
(٧) زيد في (س) و(ص): (العلم).
(٨) قوله: (بن الأسود): هو في (ص): (والأسود).
(٩) (شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، أبو أمية: من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، واستعفى في =
[ ٦٠١ ]
﵁، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ رضوانُ الله عليهم أجمعينَ، وهؤلاء مِنْ رسولِ اللهِ ﵇.
عن خلفِ بنِ أبي (^١) أيوبَ البلخيِّ قال: إنَّ الله تعالى جعلَ العِلم بعدَ نبيِّه ﵇ في أصحابِه، ثمَّ بعدَهم في التابعينَ، ثمَّ بعدَهم في أبي حنيفةَ وأصحابِه، فمَن شاءَ فليؤمِنْ ومَن شَاءَ فَليَسخَطْ.
وقالَ الشافعيُّ ﵀: الناسُ كلُّهم عيالُ أبي حنيفةَ ﵀ في الفقهِ (^٢).
وعن أبي يوسفَ ﵀ أنَّه قال: ما أنا من أبي حنيفةَ ﵀ إِلَّا كَوَرَقَةٍ صغيرةٍ على شَجَرَةٍ كبيرةٍ (^٣) أغصانُها، وقال أنسُ المرسِي: ما أنا من أبي يوسفَ إلّا هكذا.
وذُكِرَ (^٤) في "مُنيةِ المفتي": أنَّ أبا يوسفَ من أعظمِ أصحابِ أبي حنيفةَ، واسمُه: يعقوبُ، وأبوه إبراهيمُ بنُ حسينٍ الأنصاريُّ ﵀.
_________________
(١) = أيام الحجاج، فأعفاه سنة ٧٧ هـ وكان ثقة في الحديث، مأمونًا في القضاء، له باع في الأدب والشعر). وعمر طويلًا، ومات بالكوفة تـ: (٧٨ هـ) "الأعلام" (٣/ ١٦١).
(٢) قوله: (أبي) سقط من (ص).
(٣) البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ١١٤)، وتاريخ بغداد (١٣/ ٣٤٦)، تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٣٣)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٤٠٢)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٠٣)، وغيرها، وهذه العبارة تكاد تكون متواترة عن الإمام الشافعيّ، ولا اعتبار بقول من زعم أنّها مصنوعة من قبل أئمّة المذهب انتصارًا للإمام أبي حنيفة، فقد أوردناها من كتب غير أئمّتنا عن خمسة من كبار المؤرّخين وعلماء الرجال والمحدّثين وغيرهم! فكيف يُزعَمُ بعدَ هذا أنّه انتحال علمائنا؟!
(٤) في (ص): (كثيرة).
(٥) في (س): (ذكر)، وفي (ص): (كذا ذكر).
[ ٦٠٢ ]
وأنَّ مُحمَّد بنَ الحسنِ (^١) الشيبانيَّ تفقَّهَ على أبي يوسفَ بعدَما حضرَ مجلِسَ أبي حنيفةَ ﵀ سنينَ، كذا ذُكِرَ في "أوَّلِ الحقائِق في (^٢) شرحِ المنظومةِ".
وإنَّ الشيبانيَّ نُسِبَ (^٣) إلى بني شيبانَ، فهو مُحمَّدُ بنُ الحسنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ طاوسَ بن هرمزَ ملكِ بني شيبانَ، وكان بينَ مُحمَّدِ بنِ الحسنِ وبين أبي حنيفةَ ﵀ قرابةٌ حيثُ كان جدُّ والدِ مُحمَّدِ بنِ الحسنِ جدَّ أبي حنيفةَ ﵏، كذا ذُكِرَ في "أَوَّلِ الحقائقِ".
وقال الشافعيّ ﵀: أخذْتُ وِقْرَ بعيرٍ من العلمِ من مُحمَّدِ بنِ الحسنِ الشيبانيِّ، حيثُ قال: الحمدُ للهِ الذي أعانني في الفقهِ لمُحمَّدِ (^٤) بنِ الحسنِ.
وقد قيلَ فيه (^٥): العلمُ زَرَعَهُ عبدُ الله بنُ مسعودٍ، وسقاهُ عَلقَمَةُ، وحصدَهُ إبراهيمُ النخعيُّ، وداسَهُ حمّادُ، وطحَنَهُ أبو حنيفةَ، وعجَنَهُ أبو يوسفَ، وخبزَهُ مُحمَّدُ بنُ الحسنِ الشيبانيُّ، والناسُ يأكلونَ من خُبزِهِ، رأيتُه بخطِّ الإمامِ الربانيِّ حافظِ الدين، كذا ذُكِرَ في "أَوَّلِ الحقائقِ".
وذُكِرَ في "شرح الطحاويِّ" للإسبجابيِّ: أنَّ الفتوى على قولِ هذِهِ الثلاثة؛ أي (^٦): أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ ومُحمَّدٍ ﵏، فهم ممَّن يُعتمَدُ على مذاهبهم، ويُفتَى بقولِهم، ويُقتَدَى بحُسن سيرتِهِم، وهم الذينَ أحيوا سُنَّةَ
_________________
(١) في (ص): (حسن).
(٢) قوله: (في) سقط من (ص).
(٣) في (س) و(ص): (نسبة).
(٤) في (س) و(ص): (بمحمد).
(٥) زيد في (ص): (عليه).
(٦) قوله: (أي) سقط من (س) و(ص).
[ ٦٠٣ ]
رسولِ اللهِ ﵇ (^١)، واتِّفاقُهُم (^٢) هدًى، واختلافُهُم رحمةٌ.
أولًا: يُفتَى بقولِ أبي حنيفةَ ﵀، ثمَّ: بقولِ أبي يوسفَ، ثمَّ: بقولِ مُحمَّدٍ ﵏، ثمَّ: بقول غيرِهم من أصحابِ أبي حنيفةَ، ثُمَّ (^٣) بأقوالِ المشايخِ من بعدِهم.
قالَ الشيخُ الإمامُ: إذا كانَ أبو حنيفةَ في جانبٍ، وأبو يوسفَ ومُحمَّدٌ في جانبٍ آخرَ (^٤): فالمفتي بالخيارِ؛ إن شاءَ أفتى بقولِ أبي حنيفةَ، وإن شاءَ أفتى بقولِهما، وإنْ كانَ معَ أبي حنيفةَ أحدُهما (^٥): ترجَّحَ جانبُه، كذا (^٦) في "شرحِ الطحاويِّ" و"مُنيةِ المُفتي".
ثمَّ إِنَّ الإمامَ الأعظمَ أبا حنيفةَ ماتَ وهو ابنُ سبعينَ سنةً بتاريخِ سنةِ خمسينَ ومئةٍ، كما نُظِمَ (^٧) [من الرَّجز]:
قد وُلِدَ النعمانُ في كوفةٍ … مِنْ (^٨) ثابتٍ عامَ ثمانينَا
وعاشَ سبعينَ وذاقَ الرَّدَى … في مئةٍ من بعدِ خمسينَا
وأما الشافعيُّ ﵀: فهو أبو عبدِ اللهِ (^٩) بنُ إدريسَ بنِ العبَّاسِ (^١٠) بنِ
_________________
(١) زيد في (س) و(ص): (على وجهها).
(٢) في (س) و(ص): (اتفاقهم).
(٣) سقط من الأصل ومن (س): (ثم).
(٤) قوله: (آخر) سقط من (س) و(ص).
(٥) في (س): (واحد منهما).
(٦) زيد في (س) و(ص): (ذكر).
(٧) في (ص): (نظمه).
(٨) في (ص): (بن).
(٩) زيد في (س) و(ص): (محمد).
(١٠) زيد في (ص): (بن عثمان).
[ ٦٠٤ ]
الشافعيِّ (^١) بن السائبِ (^٢) بنِ عبدِ (^٣) اللهِ (^٤) بن يزيدَ بن هاشمِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ بنِ عبدِ مُنافٍ، أَنَّه أخذَ (^٥) العلمَ من مالِكِ بن أنسٍ، ومُحمَّدِ بنِ الحسن الشيبانيِّ، وبشرِ بنِ غياثٍ (^٦)، وأصحابُه يُضيفونَه إلى مسلمِ بنِ خالدِ بنِ (^٧) الزنجيِّ (^٨).
وأمّا وِلادةُ الشافعيِ بغزةَ بقربٍ (^٩) من سنة خمسينَ ومئةٍ، وعاشَ أربعةً وخمسينَ سنةً، وماتَ يومَ الجُمُعَةِ، ودُفِنَ في مصرَ (^١٠).
وقال الأصمُّ: سمعْتُ الربيعَ يقولُ: ماتَ الشافعيُّ سنةَ أربعٍ ومئتينِ في آخرِ يومٍ مِنْ شهرِ اللهِ الحرامِ رجَبٍ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (شافع).
(٢) زيد في (ص): (بن عبيد).
(٣) في (س): (عبيد).
(٤) الاسم الجليل لم يذكر في (ص).
(٥) زيد في (ص): (قد).
(٦) لعله المريسي: (المتكلم المناظر البارع أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم البغدادي المريسي من موالي آل زيد بن الخطاب ﵁، كان بشر من كبار الفقهاء). أخذ عن: القاضي أبي يوسف وروى عن: حمّاد بن سلمَةَ وسفيانَ بن عيينة، ونظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتقوى تـ: (٢١٨ هـ) "سير أعلام النبلاء" (٨/ ٣٣٧).
(٧) قوله: (بن): سقط من (ص).
(٨) (مسلم بن خالد الزنجي - لقب بذلك لشقرته - أبو خالد فقيه مكة، وأحد شيوخ الشافعي، روى عن الزهري، وابن أبي مليكة، وطائفة، قال أحمد بن محمد الأزرقي: كان فقيهًا عابدًا يصوم الدهر، توفي سنة ثمانين ومئة وعمره ثمانون سنة) "قلادة النحر" (٢/ ٢٥٦).
(٩) في الأصل وفي (س): (تؤت)، وهي غير مفهومةٍ.
(١٠) في (س) و(ص): (بمصر).
[ ٦٠٥ ]
وسُئِلَ عن سنِّهِ، فقال: نيِّفٌ وخمسونَ سنةً، كذا ذُكِرَ (^١) في أوَّلِ "مسندِ الشافعيِّ" ﵀، كما نُظِمَ:
لقد (^٢) وُلِدَ الشافعي ذو الشرفين … إمامُ أهلِ الحجازِ والحرمَيْن
في عامِ خمسينَ بعدَها (^٣) مئة … وماتَ في أربعٍ ومئتَيْن
_________________
(١) في (س) و(ص): (ذكره).
(٢) قوله: (لقد): ضرب عليها في (ص).
(٣) في (س): (بعد).
[ ٦٠٦ ]