اعلم أنَّ السفر الذي يتعلَّقُ به الرُّخصةُ، وهو (^١): أنْ ينويَ السفرَ مِقدارَ مُدّةِ السفرِ، ويَخرُجَ من عُمران المصرِ، فما لم يُوجَدُ هذانِ الشَّرْطانِ: لا يثبتُ في حقِّهِ (^٢) أحكامُ السفرِ ورخصةُ المسافرينَ، كذا في "تحفةِ الفقهاءِ".
"نه" لو طافَ جميعَ العالمِ، بلا قصدِ مُدَّةِ السفرِ: لا يصيرُ مُسافِرًا.
وفي "العنايةِ": لو قصدَ، ولم يُظهِر ذلكَ (^٣) بالفعلِ: فكذلكَ (^٤).
"تف" اختلفَ (^٥) العلماءُ في أدنى مدّةِ السفرِ التي يتعلَّقُ بها الرخصةُ:
قال علماؤنا: مسيرةُ ثلاثة أيّامٍ ولياليها (^٦) بسيرِ الإبِلِ ومشيِ الأقدامِ، كذا أيضًا في "الهدايةِ"، ونُسَخِ الفروع طُرًّا.
_________________
(١) في (س): (هو).
(٢) في (س): (حق).
(٣) زيد في (س): (منه).
(٤) أي لم يأخذ بأسباب السفر الطويل، فإنّ من عزم على سفر يبلغ ثلاثةَ أيّامٍ بلياليها أو يزيد عليها أخذ بأسباب ذلك، فمن لم يفعل لم يكن مسافرًا وإن نوى بقلبه قطع تلك المسافة!
(٥) في (س): (اختلاف).
(٦) تقدير المدّةِ بالمسيرةِ هو الصحيح، ولا يصحّ تقديرها بالمدة وحدها، إذ هذا مما يتفاوت فيه الناس تفاوتًا فاحشًا فلم يصلح لتعلّق أحكام الشرع به، وكذلك لا يصحّ أن تتعلّق الرخصة بالأيّام الثلاثة، إذ قد يتباطؤ المكلّفُ فيقطع ما حقُّهُ أن يقطعَ في يومٍ واحد في أسبوعٍ كامل؛ ليترخّص برخص السفر!
[ ٤٩٩ ]
وذَكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحهِ للهدايةِ": أنَّ المعتبرَ قصدُ تلكَ المَسيرةِ، دونَ السيرِ، حتَّى لو قطعَ البريدَ مسيرةَ ثلاثةِ أيّامٍ ولياليها في يومٍ واحدٍ: فإنَّه يَترخَّصُ، ولو قطعَ البطيءُ السيرِ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ في (^١) ثلاثةِ أيّامٍ ولياليها: فإنَّه لا يترخَّصُ.
"كا" سيرُ التَّعجيلِ سيرُ البريد، وإبطاؤهُ سيرُ العجَلَةِ، وخيرُ الأمورِ وسطُها (^٢)، وهوَ سيرَ الإبلِ ومشيُ الأقدامِ.
"تف" رَوى الحسنُ عن أبي حنيفةَ وابنِ سماعةَ رحمهما الله: أنَّ أدنَى مدّةِ السفرِ مقدَّرٌ بيومينِ وأكثرِ اليومِ الثالثِ، وهذا التقديرُ مذكورٌ في "الهدايةِ" بتقديرِ أبي يوسفَ.
"تف" قال الشافعيُّ:
- في قول: مُقدَّر بمسيرةِ يومينِ.
- وفي قولٍ: بستّةٍ وأربعينَ ميلًا، كذا في "النهايةِ" (^٣) عن "مَبسوطِ" (^٤) الإمامِ الإسبيجابيِّ والإمامُ السرخسيِّ.
وقال مالكٌ: مسيرةُ أربعِ (^٥) بُرُدٍ، كلُّ بُرْدٍ (^٦) اثنا عَشَرَ ميلًا، كذا ذَكَرَ (^٧) تاجُ الشريعةِ في "شرحهِ".
_________________
(١) قوله: (في): سقط من (ص).
(٢) في (س) و(ص): (أوساطها).
(٣) زيد في (س) و(ص): (نقلًا).
(٤) في (ص): (مبسوطي).
(٥) في (س): (أربعة).
(٦) في (ص): (بريد).
(٧) في (ص): (ذكره).
[ ٥٠٠ ]
"هد" الشافعيُّ قدَّرهُ (^١): بيومٍ وليلةٍ في قولٍ.
وفي (^٢) قولٍ: قدَّرَهُ بخمسةً عَشَرَ فرسخًا.
"نه" إنَّ عامة المشايخِ قدَّروها بالفراسخِ أيضًا، ثمَّ اختلفوا فيما بينهم:
- بعضُهم قالوا: أحدٌ وعشرونّ فرسحًا.
- وبعضُهم قالوا: ثمانيةَ عَشَرَ فرسخًا (^٣).
- وبعضُهم قالوا: خمسةً عَشَرَ فرسخًا (^٤)، كذا في "الكافي".
والفتوى على ثمانيةَ عَشَرَ؛ لأنَّها أوسطُ الأعدادِ، كذا في "المحيطِ" (^٥).
عن أبي حنيفةَ: أنَّه اعتبرَ ثلاثةَ (^٦) مراحلَ:
"هد" التقديرُ بالمراحل، وهو قريبٌ من الأوَّلِ؛ يعني: من ثلاثةِ أيّامٍ؛ لأنَّ المعتادَ مِنَ السيرِ: في كلِّ يومٍ مرحلةٌ واحدةٌ، خصوصًا في أقصرِ أيّامٍ السنةِ، كذا في "النهايةِ"، نقله من (^٧) "المبسوطِ".
وقال في بعضِ الفتاوى (^٨): يُريدُ به ثلاثةَ أَيَّامٍ نهارًا، دون لياليهنَّ.
وقال بعضُ مشايخنا: يعتبرُ السيرُ في أقصرِ أيّامٍ السنةِ.
_________________
(١) قوله: (قدَّره): سقط من (س) و(ص).
(٢) في (ص): (نه في).
(٣) قوله (فرسخًا): سقط من (س) و(ص).
(٤) قوله: (فرسخًا): سقط من (س) و(ص).
(٥) زيد في (ص): (نه).
(٦) في (ص): (بثلاثة).
(٧) في (س): (عن).
(٨) سقط من الأصل: (الفتاوى).
[ ٥٠١ ]
"نه" يُعتبَرُ ثلاثةُ أيّامٍ معَ الاستراحاتِ التي يكون (^١) في خلال ذلك، وهذا: لأنَّ المُسافِرَ لا يُمكِنُه أن يمشيَ دائمًا، بل يمشي في بعضِ الأوقات (^٢) يَستريحُ ويأكلُ ويشربُ، ومدّةُ الاستراحةِ مُلحَقةٌ بمُدّة السفَرِ (^٣).
"نه" قال في "المحيطِ" (^٤): مِصرٌ له طريقان؛ أحدُهما: مسيرةُ يومٍ وليلةٍ، والآخرُ: مسيرةُ ثلاثة أيّامٍ ولياليها: إن أخذَ في الطَّريقِ الذي هو مسيرةُ يومٍ وليلةٍ: لا يَقصُرُ الصلاةَ، وإن أخذَ في الطريقِ الذي هو مَسيرةُ ثلاثة أيّامٍ ولياليها: قصرَ الصلاةَ. (^٥)
وذَكَرَ (^٦) الصدرُ الشهيدُ في "الجامعِ الصغيرِ": أن السفرَ في البحرِ يُعتبر أن يكونَ (^٧) الرياحُ مستويةً غير عاليةٍ ولا ساكنةٍ: كم يَسيرُ؟ فيجعل ذلك أصلًا.
وذَكَرَ في "العنايةِ": أنَّ الأحَكامَ التي تتغيَّرُ (^٨) بالسفرِ هي:
_________________
(١) في (س) و(ص): (تكون).
(٢) زيد في (س) و(ص): (وفي بعض الأوقات).
(٣) بل يجوز أن يسيرَ ساعةً من النهارِ؛ فإن بقِيَ في سفرِهِ ثلاثةَ أيّامٍ، وهو يسيرُ في كلِّ يومٍ ساعةً، عُدّ سفرًا، وأبيحَ له الترخُّصُ، وإلى هذا المعنى أشارَ في المحيطِ البرهانيِّ (٢/ ٢٤) بقولِهِ: "وهل الشرطُ أن يذهبَ مِنَ الفجرِ إلى الفجرِ؟ لأنَّ الآدمين يُطيقونَ [أي: يَعسُرُ عليهم جدًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾] ذلكَ، وكذلكَ الدابَّةُ، بل إذا مَشَى في بعضِ النهارِ فذلكَ يكفي".
(٤) زيد في (ص): (في).
(٥) هذا خلافُ قولِ الإمامِ، ولم يُشِرْ المصنّف هاهنا لهُ، قال في المحيطِ البرهانيِّ (٢/ ٢٣): "وقال أبو حنيفةَ ﵀: إذا خرَجَ إلى مصرٍ في طريقٍ في ثلاثةِ أيّامٍ، وأمكَنَهُ أن يصِلَ إليه في طريقٍ آخرَ في يومٍ واحدٍ قصر".
(٦) قوله: (الصدر): سقط من (ص).
(٧) في (س): (تكون).
(٨) في (س): (يتغيَّر).
[ ٥٠٢ ]
- قصرُ الصلاةِ.
- وإباحةُ الفطرِ.
- وامتدادُ مدّةِ المسحِ إلى ثلاثةِ أيّامٍ ولياليها.
- وسقوطُ وجوبِ الجمعةِ والعيدينِ والأضحيةِ.
"هد" إذا فارقَ بيوتَ المِصرِ: صلّى ركعتين؛ يعني: الرُّباعيةِ.
"نه" يُعتبَرُ في مفارقةِ المصرِ الجانبُ الذي يَخرُجُ منه المُسافِرُ من البلدةِ، لا الجوانب الأُخَرُ (^١) من البلدةِ، حتَّى إذا خالَفَ (^٢) البُنيانَ الذي خَرَجَ مِنهُ: قصرَ الصلاةَ، وإن كانَ بحذَائِهِ بُنيانٌ آخرُ من جانبٍ آخرَ (^٣) مِنَ المِصرِ.
"نه" ذَكَرَ الصدرُ الشهيدُ: إذا جاوَزَ الرَّبَضَ (^٤)؛ فقد جاوزَ عُمرانَ البلدةِ.
المُختارُ: أَنَّه يَقصرُ الصلاةَ، إلّا إذا كان ثَمّةً قريةٌ أو قرّى مُتَّصلةٌ برَبَض المِصرِ، فحينئذٍ يُعتبرُ (^٥) مُجاوزةُ القرى، كذا في "المحيطِ".
وذَكَرَ الإمامُ التمرتاشيُّ: أنَّ الأشبة أن يكونّ الانفصالُ من المصرِ قدرَ غَلوَةٍ (^٦)،
_________________
(١) في (س) و(ص): (الأخرى).
(٢) في (س) و(ص): (خالف).
(٣) قوله: (جانب آخر) سقط من (ص).
(٤) الربض: ما حول المَدِينة من مرافقها وما يتبع لأهلها، قال الجوهريُّ في الصحاحِ (تاجِ اللغةِ وصحاحِ العربيّة) (٣/ ١٠٧٦): "ورَبَضُ المدينةِ أيضًا: ما حولها" وقال ابن سيده في المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ١٩٦): "والرَّبْضُ ما حول المَدِينة، وقيل: هو الفضاءُ حول المَدِينة، قال بعضُهم: الرَّبْضُ والرُّبْضُ وسَطُ الشيء، والرَّبَضُ نَواحِيه، وجمعُها أَرْبَاضٌ".
(٥) في (س): (تعتبر).
(٦) هي مسافة قصيرة لم تحدّد بشكلٍ دقيق في كتب الفقه والظاهر أنّهم استغنوا بمفهومها اللغويّ =
[ ٥٠٣ ]
فحينئِذ يَقصُرُ.
"هد" فرضُ المسافرِ في الرباعيّة: ركعتانِ، لا يزيدُ عليهما.
وقال الشافعيُّ: فرضُه الأربعُ، والقصرُ رخصةٌ.
"تف" ثمرةُ الخلاف: أنَّ المسافرَ إذا صلَّى أربعًا: لا يكونُ (^١) الأربعُ فرضًا، بل المفروضُ: ركعتانِ لا غيرُ، والشطرُ الثاني تطوُّعٌ عندنا.
حتَّى إنَّه إذا قعدَ على رأسِ الركعتينِ قدرَ التشهُّدِ: يجوزُ (^٢) صلاتُه، وإذا لم يَقعُد: لا تجوزُ (^٣)؛ لأنَّ (^٤) القعدةَ الأخيرةَ (^٥) في حقِّهِ وهي (^٦) الفرضُ (^٧)، فقد ترك فرضًا، بخلافِ المُقيم، وعندُه: يجوزُ؛ لأنَّ الإكمالَ فرضٌ.
_________________
(١) = عن تحديدِ معنى اصطلاحيّ لها، وقد استعملوا هذا المصطلحَ في إيجابِ طلبِ الماء على المسافرِ الذي يريدُ التيمّمَ، فقالوا: إنّه يجبُ عليه أن يطلبَهُ بهذا المقدارِ، قال في البحرِ الرائقَ (١/ ١٦٩): "قالَ في النهر: أقولُ: معنى ما في الحقائقِ أَنه يَقسِمُ المشي مقدار الغلوة على هذه الجهاتِ، فيمشي على أنّها أربعمائةِ ذراعٍ، من كلِّ جانبٍ مائةُ ذراعٍ". وقال في مَجمَعِ الأنهرِ (١/ ٤٣): "قدرَ غلوةٍ: وهِيَ رميةُ سهمٍ، وقُدِّر بثلاثمائةِ ذراعٍ إلى أربعمائةٍ، ولا يبلغُ الميلَ". وانظر: البناية شرح الهداية (١/ ٥١١) ففيها تفصيل مفيدٌ أيضًا، وهو بقياساتنا الحاليّة نحو ألف وثمانمائة مترٍ تقريبًا. والذراع أكثر من نصف متر بقليل على أكثر التقديرات (٠.٥٣) (متر)، وسيتعرّض المصنّف لذكر تفصيل الميل والذراع والغلوة في باب التيمّم إن شاء الله تعالى.
(٢) في (س): (تكون).
(٣) (س) و(ص): (تجوز).
(٤) في (س) و(ص): (تجوز).
(٥) في (س): (لأنَّها).
(٦) أي: القعدةَ الوسطى في صلاته التي يتمّها؛ لأنّها في حقِّهِ هي القعدةُ الأخيرةُ؛ لأنَّ فرضَه ركعتانِ فقط.
(٧) قوله: (وهي) سقط من (س) و(ص).
(٨) في (س) و(ص): (فرض).
[ ٥٠٤ ]
وكذا: إذا تركَ القراءةَ في الركعتينِ الأُولَيين، أو في الركعةِ (^١) منهما: تفسُدُ صلاتُه عندنا، خلافًا للشافعيِّ.
ثمَّ عندَ الشافعيِّ: يجوزُ الجمعُ بين الظهرِ والعصرِ في وقتِ أحدَيْهِما، وبينَ المغربِ والعشاءِ في وقتِ أَحَدَيْهما في السفرِ الطويل، وفي السفرِ القصيرِ قولانِ.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ": الجمعُ بعُذرِ السفرِ المُطلق، وبعُذرِ المرضِ كذلكَ.
وقال مالكٌ: يَجمَعُ بعذرِ المطرِ، وهو أحدُ قولَي الشافعيِّ.
"نه" وفي (^٢) "المبسوطِ": القصرُ عزيمةٌ في حقِّ المُسافِرِ عندنا، كذا ذُكِرَ في "خُلاصةِ الفتاوى"، وعَرَّفَ البزدويُّ:
- العزيمةَ ب،: ما لَزِمَ العِبادَ بإيجابِ اللهِ تعالى، كالعباداتِ الخمسِ … وغيرِها.
- والرُّخصة بـ: ما وُسِّعَ على المُكلَّف فعلُهُ بعذرٍ (^٣) معَ قيامِ السببِ المُحَرِّمِ.
وذَكَرَ في "شرحِ" البزدويِّ: أنَّ معنى الرخصةِ: اليُسرُ والسهولةُ.
وذَكَرَ في "شرح" البزدويِّ: أنَّ المراد بالعزيمة: الفرضُ إِذا كانَ الحُكم ثابتًا بدليلٍ قطعيٍّ.
"هد" إن صلَّى أربعًا:
- وقعدَ في الثانيةِ قدرَ التشهُّدِ: أجزأَهُ (^٤)، والأُخريان نافلةٌ، ويصيرُ مُسيئًا؛ لتأخيرِ السلامِ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (ركعة).
(٢) في (س) و(ص): (في)
(٣) في (س) و(ص): (العذر).
(٤) في (س): (أجزأته).
[ ٥٠٥ ]
- وإن لم يَقعُدْ في الثانيةِ قدرِ التشهُّدِ بطلتْ؛ لاختلاطِ (^١) النافلةِ بها قبلَ إكمالِ أركانِها.
"قن" لا يترُكُ المسافرُ رَكعتَي الفجرِ، ولهُ تركُ ما سواها.
"قن" ليسَ على المُسافِرُ أنْ يُصلِّيَ السننَ، وقيل: إذا كانَ نازِلًا يُصلِّي.
"قن" (^٢) إنِ اقتدى المسافِرُ بالمقيمِ في الوقتِ: أتمَّ أربعًا.
"كا" إقامةُ الأصلِ تُوجِبُ (^٣) إقامةَ التبَعِ، كالعبدِ والجُندِ يصيرَانِ مُقيمَين بنيّةِ المولى والأميرِ؛ لثبوتِ التبعيّةِ في حقِّهما.
حتَّى لو نوى المولى الإقامةَ، ولم يعلمِ العبدُ حتَّى قَصَرَ أَيامًا، ثمَّ عَلِمَ: قضَى تلكَ الصلوات.
"قن" مُسافِرٌ ومُقيمٌ اشترَيا عبدًا: يُصلِّي العبدُ صلاةَ مُقيمٍ.
وذُكِرَ في "حيرة الفُقهاء": أنَّ مُسافِرًا أم قومًا مُسافِرِينَ، ونوَى واحدٌ من المُسافِرين خلفه الإقامةَ، فإنَّ صلاةَ الإمامِ والقومِ فاسِدةٌ (^٤)، كيفَ يكونُ هذا؟
فجوابُه قال: هذا عبدٌ قَدَّمَه مولاه للإمامة (^٥)، ثمَّ نوى المولى الإقامةَ: صحَّتْ نِيّةُ الإقامةِ، قال (^٦): فإنَّ العبدَ يصيرُ مقيمًا بنيّةِ مولاهُ، ولا يشعُرُ العبدُ، فإذا سلَّمَ (^٧)
_________________
(١) في (س): (لاختلاف).
(٢) في (ص): (هد).
(٣) في (ص): (يوجب).
(٤) في (س) و(ص): (فاسد).
(٥) في الأصل وفي (س): (الإمامة).
(٦) زيد في (س) و(ص): (نية الإقامة قال).
(٧) زيد في (س) و(ص): (العبد).
[ ٥٠٦ ]
على رأسِ الرَّكعتينِ: فَسَدَتْ صلاتُهُ وصلاةُ القومِ، كذا ذَكَرَهُ أيضًا في "خلاصةِ الفتاوى" وغيرِه.
"خف" كذا في (^١) العبدِ إذا كانَ معَ مَولاه في السفرِ، فباعهَ من مقيمٍ، والعبدُ كان في الصلاةِ: يَنقَلِبُ فرضُه أربعًا، حتَّى لو سلَّمَ على رأسِ الركعتينِ: كانَ عليهِ الإعادةُ.
"خف" إذا أمَّ العبد، مولاه، ومعَهُما جماعةٌ من المسافرينَ، فلمّا صلَّى ركعةً؛ نوَى المولى الإقامةَ: صحَّتْ بنيَّتِهِ (^٢) في حقِّهِ وفي حقِّ العبدِ.
ولا يظهرُ في حقِّ القومِ في قولِ مُحمَّدٍ، فيُصلِّي العبدُ ركعتينِ، ويُقَدِّمُ القومُ واحدًا مِنَ المُسافرين؛ ليُسلِّمَ بالقومِ، ثمَّ يقومُ المولى والعبدُ، ويُتِمُّ كلُّ واحدٍ منهما صلاتَه أربعًا.
"كا" لو اقتدَى المُسافِرُ (^٣) بمُقيمٍ بعدَ خروجِ الوقتِ: لا يصحُّ، كذا في "الهدايةِ" وغيرِه.
وذَكَرَ مُحمَّدُ بنُ حسنٍ (^٤) الشيبانيُّ في كتابِه "الزِّياداتِ: مُسافِرٌ ومُقيمٌ أمَّ أحدُهما صاحبَه، فلمّا شرعا شكّا في الإمامِ: فإنَّهما يستقبِلانِ.
وذَكَرَ في "حيرةِ الفقهاءِ": مُسافِرٌ ومُقيمٌ صلَّيا في صحراءَ، فقاما معًا، فلمّا صلَّيا ركعتَينِ شكّا؛ أيُّهما الإمامُ: يُجعَلُ الإمامُ هو المقيمُ؛ لأنا:
_________________
(١) قوله: (في) سقط من (ص).
(٢) في (س) و(ص): (نيته).
(٣) في (س) و(ص): (مسافر).
(٤) في (س): (الحسن).
[ ٥٠٧ ]
- لو جعلنا الإمامِ هو المُسافِرَ، فإذا قامَ إلى الثالثةِ والرابعةِ: يكونُ له (^١) تطوُّعًا، وللمُقيمِ فرضًا، فيَفسُدُ (^٢) صلاتُه.
- ولو جعلنا الإمامِ هو المقيمَ، فإذا صلّى ركعتينِ: تمَّ صلاةُ المُسافِرِ، وقامَ (^٣) إلى الثالثةِ والرابعةِ يكونُ (^٤) للمُقيمِ فرضًا، وللمسافرِ نفلًا فيجوزُ (^٥) صلاتُهما.
فإنْ (^٦) شكّا قبل أن يُصلِّيا ركعتينِ: فسَدَتْ صلاتُهما، هكذا ذَكَرَ مُحمَّدٌ في "نوادِرِه (^٧) ".
"كا" لو اقتدَى المُسافِرُ بالمقيمِ، وسلَّمَ على رأسِ الرَّكعتينِ، أو أفسدَها بالكلامِ ونحوِه، فإنَّه لا يجبُ عليهِ قضاءُ أربعِ ركعاتٍ، وإِنَّما وجبَ مُتابعَتُه (^٨) لإمِامه.
ولكن (^٩) إذا أرادَ أن يقضيَ: يُصلِّي صلاةَ المُسافرينَ، كذا (^١٠) أيضًا في "مُنيةِ المفتي".
"نه" للمقيمِ أنْ يقتديَ بالمُسافِر في الوقتِ وبعدَ فواتِ الوقتِ.
_________________
(١) قوله: (له): سقط من (ص).
(٢) في (ص): (فتفسد).
(٣) في (ص): (والقيام).
(٤) قوله: (يكون) سقط من (ص).
(٥) في (ص): (فتجوز).
(٦) في (ص): (وإن).
(٧) في (س) و(ص): (نوادر الصلاة).
(٨) في (ص): (متابعة).
(٩) في (ص): (لكن).
(١٠) في (س) و(ص): (هكذا).
[ ٥٠٨ ]
"هد" يُستحَبُّ للإمام المُسافِرِ إذا سلَّمَ أن يقولَ: أتمُّوا صلاتَكم؛ فإنَّا قَومٌ سَفْرٌ (^١)؛ أي: مُسافِرون.
وذَكَرَ في "العنايةِ": هذا يدلُّ على أنَّ العِلمَ بحالِ الإمامِ - بكونِه مُقيمًا أو مُسافِرًا - ليس بشرطٍ.
كذا أيضًا في "النهايةِ"؛ لأنَّهم إنْ علِموا أنَّ الإمامَ مُسافِرٌ: فقوله هذا عَبثٌ، وإن (^٢) علموا أَنَّه مُقيمٌ: كان كذبًا؛ يدلُّ (^٣) على أنَّ المرادَ به: إذا لم يعلَمُوا حالَه.
وهو مُخالِفٌ لِما ذُكِرَ في "فتاوى قاضي خان" (^٤) وغيرِه: أنَّ من اقتدَى بإمامٍ، ولا يدرِي أَنه مُقيمٌ أو مُسافِرُ: لا يَصحُّ اقتداؤه، هكذا أيضًا مذكورٌ في "النهايةِ".
وروايةُ "الهدايةِ" تدلُّ على أَنَّها (^٥) يَصحُ الاقتداءُ بإمامٍ، وإنْ لم يُعَرِّف بحالِه أَنَّه مُسافِرٌ أو مُقيمٌ.
وذُكِرَ في "العنايةِ": التَّوفيقُ بينَهما: ما قيل: إنَّ ذلك محَمولٌ على ما إذا بنوا أوامرَ (^٦) الإمامِ على ظاهِرِ حالِ الإقامةِ، والحالُ أَنَّه ليسَ بِمُقيمٍ، وَسَلَّمَ على رأس الرَّكعتينِ، وتَفرَّقوا على ذلك؛ لاعتقادِهم بفسادِ صلاةِ الإمامِ، وأمّا (^٧) إذا علِمُوا
_________________
(١) هي بفتح السين وسكون الفاء، قال في شمس العلوم (٥/ ٣٠٩٧): السَّفْرُ: القومُ المسافرونَ جمعُ سافِرُ، مثل صاحبٍ وصَحْبٍ. قالَ ابن دريدٍ: رجل سَفْرٌ، وقوم سَفْر.
(٢) في (س): (فإن).
(٣) في (ص): (فدلَّ).
(٤) في (س): (الفتاوى).
(٥) في (س) و(ص): (أنَّه).
(٦) في (ص): (أمر).
(٧) في (س): (فأما).
[ ٥٠٩ ]
بحالِ الإمامِ: جازتْ صلاتهم، وإن لم يعلَمُوا بحالِه وقتُ الاقتداءِ.
"خف" إذا سلَّمَ الإمامُ المُسافِرُ على رأسِ الركعتينِ قام القومُ إلى الإتمامِ، ولا يُسلِّمون معه، ويُصلُّونَ وِحدانًا.
وهل يجبُ عليهمُ القراءة؟
- كذا (^١) ذكَرَ الكرخيُّ: أَنَّه يجبُ.
- وروايةُ (^٢) "كتابِ الصلّاة": لا يجبُ.
"كا" مُسافِرُ أمَّ قومًا مقيمينَ، فلمّا صلَّى ركعتينِ؛ نوَى الإقامةَ، لا لتَحقُّقِ (^٣) الإقامةِ، بل لِيُتِمَّ صلاةَ المقيمينَ: لا يَصيرُ مُقيمًا، ولا يَنقَلِبُ فرضُه أربعًا.
"كا" مُسافِرٌ نوى الإقامةَ في الصلاةِ: أتمَّ مُنفردًا أو مُقتَدِيًا، مسبوقًا أو مُدرِكًا.
"خف" المُسافِرُ إذا نوى الإقامةَ بعدما سلَّمَ وعليه سهوٌ: لم يَصِحَّ (^٤) نِيَّتُه في هذه الصلاةِ عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ.
وقال محمَّدٌ: تَصِحُّ نيّةُ، الإقامةِ، فيُتِمُّ صلاتُه أربعًا، ويَسجُدُ (^٥) لِسهوِه أربعًا (^٦)، ثمَّ نوى الإقامةَ: تَصِحُّ نِيَّتُه، وتصيرُ (^٧) صلاتُه أربعًا؛ لأنَّه عادَ التحريمةَ.
_________________
(١) قوله: (كذا) سقط من (س).
(٢) في (س) و(ص): (وفي روايةِ).
(٣) في الأصل: (بتحقُّق). أي: ليسَ لوجودِ حقيقةِ الإقامة، وإنّما غرضُهُ من ذلكَ ما ذكرَهُ المصنّفُ، وهو أن يتمّ صلاة المقيمينَ، فلم يتحقق منه الإقامة فعلًا، لكنّه نواها.
(٤) في الأصل: (ولم يصح).
(٥) في (س): (وسجد).
(٦) قوله: (أربعًا) سقط من: (ف): وهو في (ص): (بعد الفراغ، ولو سجد لسهوه).
(٧) في (س): (ويصير).
[ ٥١٠ ]
(نه) ثُمَّ وجوبُ صلاةِ السفرِ على مَن سافَر في آخرِ الوقتِ مَذهبُنا.
وقال الشافعيُّ: إذا مضَى من الوقتِ مِقدارُ ما يُصلِّي فيه أربعَ ركعاتٍ، ثمَّ خرج مُسافِرًا: صلَّى أربعًا، وهو بناءً على أنَّ وجوبَ الصلاةِ عندَ الشافعيِّ متعلِّقٌ (^١) بأوَّلِ الوقتِ.
فإذا كان مُقيمًا في أوَّلِ الوقتِ وجَبَ عليه صلاةُ المقيمينَ، فلا يَسقُطُ ذلك بالسفرِ.
وعندنا: الوجوبُ يَتعلَّقُ بآخرِ الوقتِ، وقد ذكرنا تمامَه في: (فصلِ الأوقاتِ).
ومن فاتَتْهُ صلاةٌ في السفرِ: قضاها في الحَضَرِ، ركعتينِ، ومن فاتَتْهُ في الحَضَرِ: قضاها في السفرِ أربعًا، كذا في "القُدوريِّ" و"الهدايةِ".
"مم" المُسافِرُ إذا خاف السرّاقَ أو قُطَّاعَ الطَّريقِ: له تأخيرُ الوقتيّةِ.
"نه" (^٢) إذا دخلَ المُسافِرُ في مصرِه: أتمَّ الصلاة، وإن لم ينوِ الإقامةَ فيهِ.
هذا (^٣) لو دخلَ المُسافِرُ مِصرًا، على أنَّه (^٤) يَخرُجَ غدًا أو بعدَ غدٍ، ولم ينوِ مُدّةَ الإقامةِ حتَّى لو بقيَ على ذلكَ سنينَ: قَصَرَ؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ ﵁: أَقامَ بأذربيجانَ سِتّةَ أشهرٍ، وكان يَقصُرُ الصلاةَ، وكذلك علقمةُ بنُ قيسٍ (^٥) ﵁:
_________________
(١) قوله: (متعلِّق): سقط من (ص).
(٢) في (ص): (هد).
(٣) في (س) و(ص): (هد).
(٤) في (س): (أَنَّه).
(٥) فقيه الكوفة، وعالمها، ومقرئها، الإمامِ الحافظ المجود المجتهد الكبير أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك رحمه الله تعالى، ولد في أيّام الرسالة المحمديّة، وعداده في المخضرمين. توفي سنة: ٧٢ هـ. "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٢١).
[ ٥١١ ]
أقامَ بخُوارِزمَ سنينَ يقصر الصلاةَ، كذا في "العنايةِ".
وسعيدُ بنُ أبي وقّاصٍ (^١) ﵁: أقام بقريةٍ من قرى نيسابورَ شهرين، وكان يَقصُرُ الصلاةَ، كذا أيضًا في "العنايةِ".
"هد" إذا دخلَ العسكرُ أرضَ الحربِ فنَوَوُا الإقامةَ بها: قَصروا، وكذا إذا حاصَروا فيها مدينةً، أو حَصِينًا.
وكذا (^٢) إذا حاصروا أهلَ البغي في دارِ الإسلامِ في غيرِ مصرٍ، أو حاصرُوهم في البحرِ.
وعند زفرَ: يَصِحُّ في الوجهينِ إذا كانتِ الشوكةُ لهم؛ للتمكُّنِ من القرار (^٣).
قال شمسُ الأئمّةِ الحلوانيُّ: عَسكرُ المسلمينَ إذا قصَدوا موضعًا، ومعَهُم أخبيتُهم وخيامُهم وفساطيطُهُم، فنزلوا مفازةً ونصبوا الأخبيةَ والفساطيطَ، وعَزموا فيها على الإقامةِ (^٤) خمسةً عَشَرَ يومًا: لم يَصيرُوا مقيمين؛ لِما بيَّنّا، كذا في "المحيطِ" و"شرحِ الطَّحاويِّ" و"خُلاصةِ الفتاوَى".
"خف" الخليفةُ إذا سافر يَقصُرُ الصلاةَ، إلّا إذا طافَ في وِلايتِه: لا يصيرُ مُسافِرًا.
"خف" أميرٌ خَرَجَ مع جيشِهِ في طلبِ العدوِّ، ولا يدري أين يُدركُهم: فإنَّهم
_________________
(١) في الأصول سعيد بن وقاص، وهو خطأ، بل هو سعد بن أبي وقاص ﵁ وقد أقام ببعض قري نيسابور شهرين محاصِرًا للفرس حتى فتح الله عليه. انظر حواشي على ملتقى الأبحر، لابن نجيم الحنفي (١/ ٢٦٦).
(٢) في (س) و(ص): (وكذلك).
(٣) في (س): (الفرار)، وزيد في (ص): (نه). وصوابها (القرار) أي البقاء والإقامة في هذا الموضع.
(٤) في (ص): (إقامة).
[ ٥١٢ ]
يُصلُّونَ صلاةَ الإقامةِ في الذهاب. "نه" (^١) وإن طال (^٢) المكثُ في ذلكَ الموضعِ.
وأمّا في الرجوعِ؛ إن كانتْ (^٣) مُدّة السفر: يقصرون، وإلّا: فلا (^٤).
ذُكِرَ (^٥) في "المبسوطِ: اختلفَ المُتأخِّرون في الذين يَسكنونَ من أهلِ الكلأ، وهم أهلُ الأخبيةِ (^٦) كالأعرابِ والأتراكِ، فمنهم مَن يقولُ: لا يكونونَ مقيمينَ أبدًا؛ لأنَّهم ليسوا في موضعِ الإقامةِ، والأصحُّ: أنَّهم مُقيمونَ، كذا ذُكِرَ في "الهدايةِ".
"خف" عن أبي يوسفَ: إن نزلوا مَوضِعًا كثيرَ الماءِ والكلِأ، ونصبوا المخابزَ، ونووا الإقامةَ خمسةَ عَشَرَ يومًا، الماءُ (^٧) والكلأُ يكفيهم لتلك المُدّةِ: صاروا مُقيمين، كذا ذُكِرَ (^٨) في "النهايةِ" (^٩).
"خف" الأعرابُ والأكرادُ والأتراكُ الذين يَسكنونَ المَفاوِزَ، في بيوتِ الشعَرِ والصوفِ فهم مُقيمونَ؛ لأنَّ مَوضِعَ مَقامِهم المفاوزُ عادةً.
وأمّا إذا ارتحلوا عن مَوضعِ إقامِتهم في الصيفِ، وقصدوا مَوضِعًا آخرَ للإقامةِ في الشتاءِ، وبينهما (^١٠) مُدَّةُ السفرِ: فإنَّهم يصيرونَ مُسافرينَ في الطريقِ.
_________________
(١) قوله: ("نه") سقط من (ص).
(٢) في (ص): (طال).
(٣) زيد في (س): (المدة).
(٤) زيد في (ص): (نه).
(٥) في (س): (وذكر).
(٦) زيد في (س) و(ص): (في دار الإسلام).
(٧) في (س) و(ص): (والماء).
(٨) في (ص): (ذكر).
(٩) في (ص): (النهاية).
(١٠) قوله: (وبينهما): هو في (ص): (وبين الموضعين).
[ ٥١٣ ]
"هد" لا يزالُ المُسافِرُ على (^١) السفرِ حتَّى ينويَ الإقامةَ في بلدةٍ أو قريةٍ خمسةَ عَشَرَ يومًا أو أكثرَ، ولو نوى أقلَّ مِن ذلك: قصرَ، وهذا عندَنا.
"نه" قالَ الشافعيُّ: إذا نوى الإقامةَ (^٢) أربعة أيَّامٍ: صارَ مُقيمًا، لا يُباحُ له القصرُ.
وقال أيضًا في قولٍ: إذا أقامَ أكثرَ من أربعة أيّامٍ: كانَ مُقيمًا وإن لم ينوِ الإقامةَ.
"خف" نِيّةُ الإقامةِ لا تَصلُحُ (^٣)، إلّا في مَوضِع الإقامة ممَّن يَتمكَّنُ من الإقامةِ.
ومَوضِعُ الإقامةِ العُمرانُ والبيوتُ المُتَّخذةُ من الحَجَر والمَدَرِ والخشبِ، لا الخيامُ والأخبيةُ، كذا في "فتاوى قاضي خان" و"النهايةِ".
"هد" إذا نوى المُسافِرُ أنْ يُقيم بِمكّةَ ومنًى خمسةً عَشَرَ يومًا (^٤): لم يُتِمَّ الصلاةَ؛ لأنَّ اعتبارَ النيّةِ في موضعينِ يقتضي اعتبارَها في المواضِعِ (^٥)، وهو مُمتَنِعٌ؛ لأنَّ السفرَ لا يَعرى عنه.
إلّا إذا نوى أن يقيمَ باللَّيلِ في أحدِهما، فيصيرُ مُقيمًا بدخولِه فيه؛ لأنَّ إقامةَ المرءِ تُضافُ (^٦) إلى مبيتِه، كذا في "المبسوطِ".
"نه" كان سببُ تَفقُّهِ عيسى بن أبانَ هذهِ المسألةُ، فإنَّه كان مشغولًا بطلبِ الحديثِ، قال: فدخلتُ مكَّةَ في أَوَّلِ العَشْرِ مِن ذي الحجّةِ مع صاحِبٍ لي، وعزمْتُ
_________________
(١) في (س): (عن).
(٢) في (ص): (الإقامة).
(٣) في (س) و(ص): (تصلح).
(٤) قوله: (يومًا) سقط من (ص).
(٥) في (ص): (مواضع).
(٦) في (س): (يضاف).
[ ٥١٤ ]
على الإقامةِ شهرًا، فجعلت أُتِمُّ الصلاةَ، فلقيَني بعضُ أصحابِ أبي حنيفةَ، فقال (^١) لي: أخطأتَ، فإِنَّكَ تَخْرِجُ إِلى مِنًى وعرفاتٍ.
فلمّا رَجَعتُ من منًى؛ بدا لصاحبي (^٢) أنْ يَخرجَ؛ فعزمتُ على الإقامةِ شهرًا (^٣) على أنْ أصاحِبَه، فجعلْتُ (^٤) أقصُرُ الصلاةَ، فقال لي صاحِبُ أبي حنيفةَ: أخطأتَ فإنَّكَ مُقيمٌ بمكّةَ، فما لم تَخرُج (^٥) منها لا تكونُ (^٦) مُسافِرًا، أخطأتَ في مسألةٍ في موضعين.
فلم ينفعْني ما جمعْتُ من الأخبارِ، فدخلْتُ في مَجلِسِ محمَّدِ بن الحسنِ الشيبانيِّ، واشتغلْتُ بالفقهِ، كذا في "المبسوطِ" و"فتاوى (^٧) الظهيريّة".
"كا" الأوطانُ (^٨) ثلاثةٌ (^٩):
_________________
(١) في (س): (قال).
(٢) في الأصل وفي (س): (صاحبي).
(٣) قوله: (على الإقامة شهرًا) سقط من (س) و(ص).
(٤) زيد في (س): (أن).
(٥) في الأصل وفي (س): (يخرج).
(٦) في الأصل: (يكون).
(٧) في (س): (والفتاوى).
(٨) زيد في (س): (كلها).
(٩) قال في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (٢/ ١٨٠٠): (الوطن: وهو عند أهل الشرعِ أنواعٌ: الأوّل: الوطنُ الأصليُّ ويُسمَّى بالأهليِّ؛ ووطنِ الفطرةِ والقرارِ أيضًا: هو أن يكونَ مولِدُهُ ومأهَلُهُ ومنشؤهُ؛ كما في "المضمرات"، وهذا أحسن ممّا في "المحيطِ" وغيرِه من الاختصارِ على الأهلِ والولِد؛ لكونه أبعدَ من الخلافِ، ففي آخر "الظهيريّةِ": قيلَ لرَجُلٍ: من أينَ أَنتَ؟ قال: من البصرةِ عندَ أبي حنيفةَ، ومن الكوفةِ عندَ أبي يوسفَ، فإنّه تولّدَ في البصرةِ ونشأ بالكوفةِ؛ فهو [الإمامِ أبا حنيفةَ] يعتبِرُ التولّدَ، وأبو يوسفَ يعتبرُ النشءَ. =
[ ٥١٥ ]
- وطنٌ أصليٌّ: وهو ما يكونُ بالتوطُّنِ (^١) بالأهلِ أو بالمولودِ (^٢).
- ووطنُ إقامةٍ: وهو ما يكونُ بنيّةِ الإقامةِ خمسةَ عَشَرَ يومًا.
- ووطنُ السكنى (^٣): ويسمَّى: الوطنَ (^٤) المُستعارَ، وهو ما يكونُ بِنيّة الإقامةِ أقلَّ من خمسةَ عَشَرَ يومًا.
فالأوّلُ: ينتقضُ بمثلِه، حتَّى لو انتقلَ من وطنِه الأصليِّ - وهو المولِدُ - وتوطَّنَ مثلَه آخرَ بأهلِهِ وعيالِهِ، ثمَّ سافرَ، ودخلَ وطنَهُ الأوَّلَ: قصرَ الصلاةَ؛ لأنَّه لم يبقَ وَطَنًا لهُ، كمكَةَ للنَّبيِّ ﷺ بعدَ الهجرة: عدَّ نفسَه من المُسافرينَ.
ولا يَبطُلُ بالآخرَيْنِ (^٥)؛ لأنَّهما دونَهُ، والشيءُ لا يَبطُلُ بما دونَه، كذا ذكَرَ قاضي خان في "شرحِه للزياداتِ"، وغيرِه من كُتُبِ الفقهِ.
_________________
(١) = ومثلُ الوطنِ الأصليِّ هو: ما انتقلَ إليهَ بأهلِهِ ومتاعِهِ، فلو سَفَرَ عن هذا الوطنِ إلى الوطنِ الأصليِّ الأوَّلِ ودَخَلَ فيه لا يصيرُ مقيمًا إلّا بالنيةِ؛ لأنّه لم يبقَ وطنًا له. والثاني: وطنُ الإقامة، ويُسمَّى أيضًا بوطنِ السّفرِ؛ والوطن المستعارِ والحادثِ، وهو ما خرَجَ إليهِ بنةِ إقامة نِصفِ شهرٍ، كذا في "جامعِ الرموزِ". وفي "الدُّرَرِ" الوطنُ الأصليُّ: هو المسكنُ، ووطنُ الإقامِة: موضعٌ نوى أن يتمكّنَ فيه خمسةَ عشرَ يومًا أو أكثرَ مِنْ غيرِ أن يتّخذَهُ مسكنًا، انتهى. والثالث: وطنُ السّكنَى: وهو ما ينوي فيهِ الإقامةَ أقلَّ من نصفِ شهرٍ، كذا في "جامع الرموز".
(٢) في (ص): (بالتواطن).
(٣) في (س) و(ص): (بالمولد).
(٤) في (س): (سكنى).
(٥) في (ص): (وطن).
(٦) في (ص): (بالأخريين)، وفي (س): (بآخرين).
[ ٥١٦ ]
"خف" لا تُسافِرُ المرأةُ بغيرِ مَحرَمٍ ثلاثةَ أَيَّامٍ وما فَوْقَها، والمَحرَمُ هو: مَن لا يَحلُّ نكاحُه على التأبيدِ بينهما، واختلفَ (^١) الرواياتُ فيما دونَ ثلاثةِ أَيَّامٍ.
قال أبو يوسفَ: أكرَهُ لها أن تُسافِرَ يومًا، وهكذا عن أبي حنيفةَ.
والصبيُّ والمعتوهُ ليس بمَحرَمٍ (^٢).
"كا" مُسافِرٌ ضلَّ في مفازةٍ، وهناك من يعرفُ الطَّريقَ: فعليه إرشادُه؛ حقًّا للهِ تعالى، سألَهُ أو لم يسألْ (^٣).
"هد" العاصي والمُطيعُ في سفرِه في الرخصةِ سواءٌ.
وقال الشافعيُّ: سفرُ المَعصيةِ لا يُفيدُ الرخصةَ.
* * *
_________________
(١) في (س) و(ص) (واختلفت).
(٢) والمجنون أولى؛ لأنّ غرض المَحْرَمِ أن يحفظَ المرأةِ في السفر، وفي بُعدِها عن الحامي يعيثُ المفسدُ فسادًا، فالصبيّ لا يحفظُ والمجنونُ والمعتوهُ كذلك، ولذلكَ لا يصلحانِ محرمًا في السفر. وقد ذكروا أنّ الأخ المجوسيّ لا يصلح محرَمًا أيضًا، وذلك لأنّه لا يرى حرمةً لأخته، ويجوّز لنفسِهِ أن ينكِحَها، فهي كالأجنبيّةِ في نظرِه، فلا يصلُحُ مَحرَمًا لها، وألحقَ بعضُهم بهِ الفاسقّ الذي لا يلتزِمُ بالعفّةِ والإحصانِ. يُنظَر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٢/ ١٢٤)، والاختيار لتعليل المختار (١/ ١٤١)، والجوهرةُ النيِّرة على مختصر القدوريِّ (١/ ١٤٩)، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق (٢/ ٣٣٩).
(٣) في (س) و(ص): (يسأله).
[ ٥١٧ ]