اعلم أنَّ سبب وجوب الوضوء: الصلاة، وهو الأصح، يؤيده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
ففرضُ الطهارة:
- غسل الوجه.
- واليدين.
- والرجلين إن كانتا حافيتين.
- مع المرفقين والكعبين.
- ومسح الرأس.
كذا ذكرهُ في "القُدوري" و"الهداية" … وباقي كُتب الفقه طُرًّا.
وسُننها:
- غسل اليدين إلى الرسغ.
وذكر في "نهاية الكفاية في دراية الهداية" لتاج الشَّريعة (^١): أنَّ المراد منه: تقديمُ
_________________
(١) عمر بن أحمد بن عبيد الله المحبوبي، تاج الشريعة (ت: ٦٧٢ هـ) فقيه، من تصانيفه: "نهاية الكفاية في دراية الهداية" في فروع الفقه الحنفي. معجم المؤلفين: (٧/ ٢٧٣).
[ ٧٧ ]
غسل اليدين، لا نفسَ الغَسْلِ فَإِنَّهُ فرضٌ (^١).
والرُّسغُ: مُنتَهى الكف عند المفصل.
- وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء، هذا مختار الطحاوي والقدوري، كذا ذكر في "العناية شرح الهداية".
والأصح: أنَّ التسمية مُستحبَّةٌ (^٢)، كذا في "المبسُوط" و"الهداية" و"شرح تاج الشريعة".
_________________
(١) في نهاية الكفاية ذكَرَ كونَهُ واجبًا لا فرضًا، وبيّنَ ما يُزِيلُ إشكال كونه واجبا؛ فقال: (وجه التمسّكِ بالحديث أنه نهى عن الغمس على وجه التأكيد، والنهي العاري عنه [أي: عن التأكيد] يقتضي التحريم، فهذا أولى، فحرُمَ الغمس قبل الغسل، والاجتناب عن المحرَّمِ واجبٌ، وبالغسل يصيرُ مجتنبًا، فيجب بالنظر إلى أوّل الحديث، وبالنظر إلى آخره: لا، حيثُ أشار إلى توهّم النجاسةِ، ومَن شك في النجاسةِ يُستحبُّ غسلها ولا يجب، فاليقين لا يزول بالشك، فقلنا بأمر بينهما وهو السنة، ثمّ غَسلُهُما وإن كانَ فرضًا لكن تقديم غسلِهِما إلى رُسُغَيْهِ سنةٌ، وينوب عن الفرض)، نهاية الكفاية، مخطوط، (اللوحة: ٦).
(٢) لم يفرّق بعضُ الأصوليين بين المستحبّ والسنة، وفرق بعضهم؛ فجعل المستحبَّ ما فعله النبيُّ ﵌ أحيانًا، وقال بعضُهم إنّ المستحبّ ما أوصى به النبيُّ ﵌ بعض أصحابِهِ ولم يفعله؛ كصلاة الضحى والوتر قبل النوم، وبعضُهم يعد هذا مندوبًا إليه، وإن لم يَكُنْ من السنّة، وأما المستحبُّ فهو عندهم ما استحبَّهُ العلماء لمحبّةِ اللهِ تعالى له ممّا لم يَرِدْ في السنة ما يُشير إلى كونه حسنًا مستحبًا كمسح الرقبة على قول من يقولُ باستحبابه، واستحباب اللقطة في مواضعَ، والاحتفال بالمناسبات الدينية، واستحباب التلفظ بالنية، ونحو ذلك مما يذكُرُ الفقهاء استحبابه لدخوله تحت عموماتِ الشريعة، وقد يُستعمل المستحبُّ بمعنى الأفضل فعله والأولى مِنْ بين سننٍ منقولة في موضع واحد، كالسنّة في الصلوات قبل الصلاة وعقيبها؛ فإنّها وردت بعددٍ من الصيغ فاختيار أحدها نوع من الاستحباب، ومنهم مَنْ يَعُد الاستحباب والندب بمعنى. وممن استفاض في بيان الفرق بين المندوب والمستحب أبو هلال العسكري في معجم الفروق اللغويّة (ص: ٤٩٥)، وانظر للاستزادة المعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري =
[ ٧٨ ]
وذَكرَ في "فتاوى الظهيريَّة": أنَّ التَّسمية في ظاهر الرواية أدبٌ، فإنَّها ذُكرت بلفظ الاستحباب، والصحيح أنها سنة.
"هد" يُسمّي قبل الاستنجاء وبعده، هو الصحيح.
-والسواك.
-والمضمضة.
-والاستنشاق.
-ومسحُ الأُذُنين.
-وتخليلُ اللِّحية والأصابع.
-وتكرار الغسل إلى الثلاث (^١).
"تف" أما تخليلُ اللحية: فهو من الأدب عند أبي حنيفة ومحمد.
وعند أبي يوسف: سنَّةٌ، كذا ذكر أيضًا في "النهاية" و"فتاوى الظهيرية".
وهكذا ذكر محمدٌ ﵀ في الآثارِ (^٢).
وذكر في "تحفة الفقهاء": أنَّ الموالاة من سُنن الوضوء، وهو أَلَّا يَشتغلَ بَينَ أفعالِ الوضُوءِ بعمل ليسَ منه.
_________________
(١) = (١/ ٣٣٨)، والبرهان للإمام الجويني (١/ ١٠٧)، والمحصول للرازي (١/ ١٠٣)، والأسرار في شرح أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري (٢/ ٣٠٢)، والتحبير على تحرير الكمال لابن أمير حاج (٢/ ٢٢٣)، وقد فرّق بين المستحبّ والسنة الإمام الكمال ابن الهمام في فتح القدير للكمال في مواضع منها (١/ ٣١)، والأشباه والنظائر لابن نجيم (ص: ٢٨)، وشرحه غمز عيون البصائر لشهاب الدين الحموي (١/ ١٧٠)، والأشباه والنظائر للسبكي (٢/ ٩٢).
(٢) الهداية (١/ ١٥ - ١٦).
(٣) تحفة الفقهاء (١/ ١٤).
[ ٧٩ ]
وعند مالك: الموالاة فرضٌ، كذا في "تحفة الفقهاء" (^١) و"فتاوى الظَّهيريَّةِ"، إلّا أنَّ فى "الظهيريَّة" ذَكرَ أنَّ المولاة عند الشافعى أيضًا فرضٌ (^٢).
"هد" مستحبُّها (^٣) أن ينوي الطَّهارة ويستوعب رأسه بالمسح ويرتبَ الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن كذا في "القُدوري".
- والنيَّة في الوضوء: سُنَّةٌ عندنا.
وعند الشافعي: فرضٌ.
وذكر في "خُلاصة الفتاوى": أنَّ الكرخيَّ أَشارَ في كتابه: أنَّ من ترك النيَّةَ في الوضوء فقد أساء وخالف السنة، وهكذا قال المتقدمون، خلافًا لبعض المتأخرين (^٤).
_________________
(١) تحفة الفقهاء (١/ ١٣).
(٢) هو أحد قولي الإمام الشافعي، وهو القديم، والراجح عند الشافعية أنه ليس بفرض، قال الإمام النووي في روضة الطالبين (١/ ٦٤): (التفريق اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضرُّ بلا خلاف، وكذا الكثير، على الجديد المشهور. والكثير: هو أن يمضي زمن يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص. والقليلُ: دونَ ذلك. وقيل: تؤخَذُ القِلَّةُ والكثرة من العُرفِ. وقيل: الكثيرُ: مُضِيُّ زمن يُمكنُ فيه إتمام الطهارة. ومدة التفريقِ تُعتبر من آخرِ المأتي به من أفعال الوضوء. ولو فرّقَ بعذر كنفادِ الماء لم يضرّ على المذهب، وقيل: فيه القولان).
(٣) في الأصل: (ويستحب).
(٤) في المحيط البرهاني: (ومن السنة: النيّةُ، وإذا تركها تجزِئُه صلاته عندنا، وتكلّموا في أنه إذا ترك النيّة هل يُثاب ثوابَ الوضوء؟ قال الأكثر من المتقدمين من أصحابنا: لا يُثاب، وقال بعضُ المتأخرينَ: يُثابُ، هكذا ذكرَهُ الإمامُ الزاهد أبو نصر الصفّارُ، وأشار الكرخي في "كتابه" إلى أنّ الوضوء الذي هو بغير النية ليسَ الوضوء الذي أمر به الشرع، وإذا لم ينو فقد أساء وأخطأَ وخالف السنة، إلا أنه تجوز صلاتُه؛ لأنّ الحدثَ لا يبقى مع الوضوء). (١/ ٤٥).
[ ٨٠ ]
- والاستيعاب في المسح: سنةٌ، كذا في الهداية والكنز وغيره (^١).
"هد" الترتيب المنصوص في الوضوء: سُنَّةٌ عندنا، كذا أيضًا في "الكنز".
وعند الشافعي: فرضٌ (^٢)، كذا في "الهداية" و"الكافي".
وإذا أراد الوضوء: يبدأ بالنيَّة، ينوي بقلبه ويقول بلسانه: نويتُ أن أتوضّا للصلاة (^٣)؛ رفعًا للحدث، وتقرُّبًا إلى الله تعالى.
[وهي مستحبَّةٌ عندنا في الوضوء والغُسلِ.
وعند الشافعي: فرضٌ، كذا في "الكافي"] (^٤).
وذكر في "الكفاية": الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (^٥).
"نه" المنقول عن السلف في التسمية: بسم الله العظيم، والحمد لله على دينِ (^٦) الإسلام" (^٧).
"قن" لو قال في ابتداء الوضوء: لا إله إلا الله، أو: الحمد الله، أو: أشهد أن لا إله إلا الله، صارَ مقيمًا لسنَّةِ التسمية، كذا رُوي عن الإمام صاحب "المحيط" (^٨).
_________________
(١) الهداية (١/ ١٦).
(٢) الحاوي الكبير للماوردي (١/ ١٣٨ - ١٤٢).
(٣) والتلفّظ بالنية استحبه بعض علمائنا، كما في درر الحكام للملا خسرو (١/ ١٠).
(٤) ما بين معقوفين سقط من (ص).
(٥) الهداية (١/ ١٥ - ١٦).
(٦) سقط من ص) لفظ (دين).
(٧) ليس في النهاية ذكر آثار تدلّ على كونه منقولًا عن السلف بهذه الصيغة، ولا فيها أنّ هذا هو قول السلف، بل فيها نقل ذلك عن الطحاوي، ولعله أراده بـ (السلف).
(٨) المحيط البرهاني للإمام برهان الدين ابن مازه البخاري (ت ٦١٦ هـ)، وهو المقصود عند الإطلاق =
[ ٨١ ]
- ثم يغسل يده ثلاثًا، ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، والإسلام نورًا (^١).
"مص" لو كان في يد المتوضِّئ نجاسة رطبة يأخذُ عُروة القُمْقُمَةِ (^٢) كلَّما صبَّ الماءَ فإذا غسل يده ثلاثا: طَهُرَت اليد والعروة.
"قن" المسألة بحالها إذا وضع يده من العُروة في كلِّ مرَّة في غير موضع المرَّةِ الأُولى: فالعُروة لا تَطهُرُ مع طهارة اليد.
"مم" إنْ عَجَز عن الوضوء لشقاقٍ (^٣) في يده يستعين بغيرِهِ ليُوَضِّئَهُ، وإِنْ تَيَمَّمَ ولم يستعن: جازَ.
"مص" إن وجد ولم يستعن: جازَ تيمُّمُهُ عند أبي حنيفة، وإن لم يجد من يُوَضِّئُهُ: جاز بلا خلاف.
_________________
(١) = في كتب الحنفية، وقد سمّاه كذلك لإحاطته بما في كتب ظاهر الرواية للإمام محمد، وما زال عليه المعتمد، وبه الاهتمام عند العلماء، حتى لا يكاد يخلو كتاب من الإشارة إليه كما يقول العلامة اللكنوي رحمه الله تعالى (ت ١٣٠٤ هـ)، ومن عدّه في الكتب غير المعتمدة فلأنه مفقودٌ، ونُسخه معدودة في العالم، وللحنفية محيطٌ آخر هو محيط الإمام رضي الدين السرخسي (ت ٥٤٤ هـ). انظر: كشف الظنون لحاجي خليفة (٢/ ١٦١٩ - ١٦٢٠)، والفوائد البهية (٢٦٩ - ٢٧٢)، الجواهر المضيئة (٤/ ٣٦٤)، ومعجم المؤلفين (١٢/ ١٤٦)، وهدية العارفين (٦/ ٤٠٤).
(٢) هذه الأذكار مما استحبّه العلماء، وقد تناقلوه عن سلف هذه الأمة، ولا يُعترَضُ بأنه لم يرد في النصوص، إذ هو متضمنٌ في الأمر العام بالذكر.
(٣) قال زين الدين الرازي في مختار الصحاح (٢٦٠): " (الْقُمْقُمَةُ) وعاءٌ مِنْ نُحَاسٍ ذو عُروتين قال الأصمعيُّ: هو روميٌّ"، وعروة القمقمة هي اليد التي تمسك منها، فكأنّه يصبُّ الماء على يده وعروة الإبريق معا.
(٤) جمع شقٍّ، أو هي من المشقّة والصعوبة.
[ ٨٢ ]
"قن" يلزم الوضوء للأقطع (^١).
- ثم يستاك، وسنذكرُ كيفية استعمال السِّواك، مُستوفًا بعد ذكر الطَّهارة إن شاء الله تعالى.
- ثم يتمَضْمَضُ فمَهُ (^٢) ثلاثًا، ويُوصل الماء إلى جميع فمه، ويقولُ: اللهم أعنِّي على تلاوة ذكرك وشكرك وحسن عبادتِكَ وقيام طاعتِكَ.
- ثم يستنشق ثلاثًا بيده اليمنى، ويتمخَّط (^٣) بيده اليسرى، ويقول: اللهم ريحني رائحة الجنَّةِ وارزُقني نعيمها (^٤) ولا تريحني رائحةً منَ النَّارِ (^٥).
_________________
(١) قنية المنية لتتميم الغنية، ويُسمّى قنية الفتاوى، للزاهدي الغزميني، مخطوط، الورقة الأولى. في الأصل: (الأقطع).
(٢) سقط من الأصل ومن (س) قوله: (فمه).
(٣) في (س): (ويمتخط).
(٤) في الأصل: (من نعيمها).
(٥) صيغة الدعاء التي يتناقلها الفقهاء هي: "اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني رائحة النار" منحة الخالق، تكملة الطوري (١/ ٣٠) حاشية ابن عابدين (١/ ٢٥٢)، وسائر كتب الفقه، وهي تختلف عما ذكره المصنف، وقد "قال النووي: الأدعية المذكورة في كتب الفقه لا أصل لها، والذي ثبت الشهادة بعد الفراغ من الوضوء، وأقره عليه السراج الهندي في شرح التوشيح، كذا في البحر، قلت: قال العلامة محقق الشافعية شمس الدين محمد الرملي في شرح المنهاج: وأفاد الشارح أنه فات الرافعي والنووي أنه -أي: دعاء الأعضاء- روي عنه ﷺ من طرق في تاريخ ابن حبان وغيره -وإن كانت ضعيفة- للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ونفي المصنف أصله يعني باعتبار الصحة، أما باعتبار وروده من الطرق المتقدمة فلعله لم يثبت عنده ذلك، أو لم يستحضره حينئذ. واعلم أن شرط العمل بالحديث الضعيف عدم شدة ضعفه، وأن يدخل تحت أصل عام، وأن لا تعتقد سنيّة ذلك الحديث" درر الحكام شرح غرر الأحكام، ملا خسرو (١/ ١٢).
[ ٨٣ ]
المضمضة والاستنشاق بمياه (^١) عندنا.
وعند الشافعيِّ: يأخُذُ كفًّا من الماءِ يُمضْمِضُ ببعضها ويستنشق ببعضها، ويفعل ثانيًا وثالثًا، كذا ذكر في "الكافي".
والسنَّةُ فيهما: المبالغةُ، إلا أن يكون صائمًا، كذا ذكر في "تاج الشريعة" وغيره.
وذكر أيضًا في ذلك الشرح: أنَّ المبالغة في المضمضة هي الغَرْغَرَةُ.
قال الصَّدرُ الشهيد (^٢): تكثيرُ الماءِ حتّى يملأ الفم، فإن لم يملأ يُغرغرُ حينئذ، كذا في "فتاوى الظهيريَّةِ".
وفي الاستنشاق: جذب الماءِ حتَّى يصعَدَ إِلى مِنخَرِهِ، كذا ذكر أيضًا في "مُنيةِ المصلِّي".
وذُكر في بعض الفتاوى: يُكره في الوضوء ترك المضمضة والاستنشاق (^٣).
ثمَّ يغسل وجههُ ثلاثا ويقولُ: اللَّهمَّ بيِّض وجهي بنورك يومَ تُبَيِّضُ وجوهَ أوليائِكَ، ولا تُسوِّدْ وجهي يومَ تسود وجوه أعدائك (^٤).
_________________
(١) جمع ماء، أي بأكثر من ماء واحد.
(٢) عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازة، أبو محمد، برهان الأئمة، حسام الدين، المعروف بالصدر الشهيد، من أكابر الحنفية، من أهل خراسان. قتل بسمرقند ودفن في بخاري (ت: ٥٣٦ هـ). له "الفتاوى الصغرى" و"الفتاوى الكبرى" ومؤلفات أخرى. الأعلام: (١٠/ ١٨٦).
(٣) وكذا ترك كلّ سنّة، فإنّ السنّة يقابلها الكراهة كما يقابل الوجوب التحريم، وقد ذكر في البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق (١/ ٢٢) قوله: "وفي السراج أنهما سنّتان مؤكّدتان، فإنْ ترَكَ المضمضة والاستنشاق أثم على الصحيح".
(٤) ذكر فقهاؤنا هذا الذكر بصيغة قريبة مختصرة، ولم أر من أورده كما ذكر المصنف، ولعلّ هذا التصرّف من المصنف في عبارات من سبقه إشارة إلى كون الذكر في الوضوء محل اجتهاد ونظر=
[ ٨٤ ]
"تف" حد الوجه من قصاص الشَّعرِ؛ أي: منتهاه إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتَي الأُذن، فإن كان قبل نبات الشَّعر: يجب غسل جميعه.
وإذا نبت الشَّعرُ: سقط غسلُ ما تحته عند عامة العلماء (^١).
وقال بعضُهم: يجب غسلُ ما تحتَ الشَّعر وإيصال الماء إليه (^٢).
وقال الشافعي: إن كانتِ اللّحيةُ خفيفة يجب غسلُ ما تحتها، وإن كانت كثيفةً
_________________
(١) = وليس توقيفيًّا، ففي البناية (١/ ٢٥٢): "وعند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه".
(٢) يبدو أن المصنف رحمه الله تعالى قصد عامة علمائنا، فعندنا لا يجب غسل ما تحت الشعر؛ لانتفاء المواجهة مما تحت الشعر من الوجه فيرتفع اسم الوجه عنه، وهو أحد أقوال المالكية، والقول الذي نسبه المصنف إلى عامة العلماء هو خلاف قول المالكية والحنابلة والشافعية. انظر شرح زروق على متن الرسالة (١/ ١٤٨)، وفيه: (وفي كراهة تخليل اللحية واستحبابه ووجوبه ثلاثة أقوال لسماع ابن القاسم معها وابن حبيب وابن عبد الحكم مع روايتي ابن نافع وابن وهب الباجي: - إن لم يستر البشرة وجب إيصال الماء لها وإلا فلا، التلقين. - خفيف شعر الوجه إيصال الماء لبشرته بخلاف كثيفه، ابن بشير. - وقيل يجب [أي: مطلقًا] (س) هو الأظهر عندي بالقياس على المشهور في الغسل (خ) وهذا القول قاله محمد بن عبد الحكم، قال في البيان: هو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع).
(٣) وهو أحد أقوال المالكيّة في المسألة، انظر شرح زروق على متن الرسالة (١/ ١٤٨)، وفيه: (وفي كراهة تخليل اللحية واستحبابه ووجوبه ثلاثة أقوال لسماع ابن القاسم معها وابن حبيب وابن عبد الحكم مع روايتي ابن نافع وابن وهب الباجي: - إن لم يستر البشرة وجب إيصال الماء لها وإلا فلا، التلقين. - خفيف شعر الوجه إيصال الماء لبشرته بخلاف كثيفه، ابن بشير. - وقيل يجب [أي: مطلقًا] (س) هو الأظهر عندي بالقياس على المشهور في الغسل (خ) وهذا القول قاله محمد بن عبد الحكم، قال في البيان: هو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع).
[ ٨٥ ]
لا يجبُ (^١)، وحدُّ الخفيف: أنْ تُرى البشرة من تحته (^٢)، كذا في "فتاوى الظهيريَّة".
"مص" إيصال الماء إلى ما تحتَ الشّارب والحاجبين: سنة (^٣).
"قن" إن توضأ ولم يصل الماء تحت حاجبيه: أجزأه، وعليه الفتوى.
"تف" الشَّعرُ المسترسل من الذقنِ: لا يجب غسلُهُ عندنا خلافًا للشافعي، كذا في الكافي" و"فتاوى الظهيرية".
وذكر في "الوافي" و"الكنز": أنَّ مسْحَ رُبع اللحية فرضٌ (^٤).
وقال في المنظومة: هذا عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف روايتان:
- الأولى: أنَّه يُفترضُ مسحُ كلِّ اللِّحيةِ.
- والثانية: لا يجب مسح شيء منها، كذا ذكره في "الكافي".
"نه" إِنْ أمر الماءَ على شعرِ الذَّقَنِ، ثمَّ حلَقَهُ: لا يجب عليهِ غسلُ الذَّقنِ.
وذكر في "فتاوى الظهيريَّة": إِنْ حَلَقَ الحاجبَ وجَزَّ الشاربَ بعدَ الغَسل: لا يلزمه الإعادة (^٥).
_________________
(١) يُنظر قول الشافعية في: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (١/ ١٧١)، وحاشية البجيرميّ على الخطيب (١/ ١٤٥). وهو قول الحنابلة، ينظر: الكافي في مذهب أحمد (١/ ٦١)، والمغني لابن قدامة (١/ ٧٩).
(٢) هذا حدّه عندنا، ينظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ١٦)، وحاشية ابن عابدين (١/ ١٠١)، وحده عند الشافعية: ما لا يصل الماء لباطنه إلا بمشقّة، بخلاف الخفيف، تحفة المحتاج في شرح المنهاج (١/ ٢٠٤).
(٣) غنية المتملّي في شرح منية المصلّي المشتهر بالشرح الكبير لإبراهيم الحلبي، قال: (تكميلًا للفرض؛ لأنّ غسلهما فرضٌ كما تقدّم، فكان كتخليل اللحية والأصابع، وعده في التجنيس من الآداب) (ص: ٢٣).
(٤) أي ربع الملاقي للبشرة، لا الربع مطلقا، ينظر: درر الحكّام شرح غرر الأحكام (١/ ٨).
(٥) قال في المحيط البرهاني: (ولو أمرّ الماء على رأسه ولحيته ثم حلقها لا يلزمه إعادة المسح عليهما=
[ ٨٦ ]
"كا" البياضُ الذي بين العذارِ وشحمة الأذن من الوجه، حتى يجب غسله عند أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسفَ، كذا ذكر أيضًا في المنظومة و"تحفة الفقهاء" و"فتاوى الظهيرية".
"قن" إِنْ جَمُد وجه المتوضّئ لشدَّةِ البردِ ولحيتُهُ ولم يُصِب الماء بشَرتَه: لا يُجزئه (^١).
"مص" لا يُغمض فاه ولا عَينَيه تغميضًا شديدًا، حتى لو بقي على شفتيه أو (^٢) جَفْنَيه لمْعَةٌ: لا يجوز الوضوء والاغتسال.
"خف" يجب إيصال الماء إلى الآماق (^٣) (^٤).
_________________
(١) = هكذا روى ابن سماعة في "نوادره" عن محمد ﵀. قال الناطفي: ورأيت في كتاب الصلاة لمحمد بن مقاتل أن في الرأس لا يلزمه الإعادة، وفي اللحية يلزمه الإعادة. وأشار إلى الفرق فقال: إنّ في الرأس قبل نبات الشعر كان فرضُه المسحُ كما بعد نباته، فزوال الشعرِ لا يغيّرُ صفة الفرض. أما في الوجه صفة الفرض قد تغيرت، ألا ترى أن قبل ما نبت الشعر على الوجه، فرضُهُ الغَسل وبعد نباتِهِ لا يكون فرضُهُ الغَسْلُ). (١/ ٣٨ - ٣٩).
(٢) نقله في القنية عن القاضي عبد الجبار، قنية المنية (ص: ٣).
(٣) زاد في الأصل: (على).
(٤) ذكر في البناية للعيني أنّ العين إذا رمدت فرمصت الماء واجتمع رمصها تكلّف [أي المكلّف] إيصال الماء إلى الآماق، يُنظر: البناية (١/ ١٤٩)، والموق مؤخّر العين، والموق من الأرض والجمع الآماقُ، وهي النواحي الغامضة، مجمل اللغة لابن فارس (١/ ٨١٩).
(٥) في الأصل: (المآق).
[ ٨٧ ]
"خف" أمّا الشَّفَةُ ما يظهَرُ منها (^١) عند الانضمامِ فَمِنَ الوجه، وما يَنْكَتِمُ عند الانضمام فهو تَبَعُ الفَمِ، هو الصحيح.
"قن" أَرسل الماء من وسط رأسه أو هامَتِهِ على وجهه: يسقُطُ به فرضُ المسح وغسل الوجه (^٢).
"قن" يغسل وجهَة ويُمرُّ الماء من الذّقن إلى الجبهة يجوز.
والسُّنَّة أن يُمرُّ من الجَبْهَةِ إلى الذَّقنِ.
- ثم يغسل ذراعيه مع المرفقين (^٣) ثلاثا: يبدأُ من قِبَلِ الأصابع إلى المرافق، ويقول عند غَسْلِ يَدِهِ اليُمنى: اللهمَّ أعطِنِي كِتابِي بِيَمِيني وحاسِبْنِي حِسابًا يسيرًا، ويقولُ عند غَسْلِ يدِهِ اليُسرى: اللهم لا تعطني كتابِي بِشِمالي ولا من وراء ظَهْرِي (^٤).
"كا" المرفقان لا يدخُلان في الغَسْل عند زُفَرَ.
"مص" يُحرِّكُ المتوضّى خاتَمَهُ إنْ كان واسعًا، وإنْ كان ضيِّقًا فَفِي ظاهرِ الرّواية عن أصحابنا لا بدَّ مِن تَحريكه أوْ نَزْعِهِ (^٥)، هكذا ذكرَهُ في "المحيط" و"فتاوى الكُبرى".
"خف" رجلٌ بأصْبعِهِ قَرحَةٌ، فَأَدْخَلَ المرارة أو المَرهَمَ، فَجَاوِزَ مَوضِعَ القَرحَةِ، فتوضّأ ومسح عليه: جاز له المسحُ، وعليه الفتوى، كذا ذَكرَهُ في "الفتاوى الكُبرى" و"منية المفتي".
_________________
(١) سقط من الأصل: (منها).
(٢) وتعليل ذلك أن فرض المسح يسقط بالبلّة، يُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٦٩).
(٣) سقط من الأصل مع المرفقين.
(٤) زاد في الأصل: (ولا تحاسبني حسابًا شديدًا).
(٥) مفهوم قوله: (لا بدّ من تحريكه): وجوب التحريك، وهو ما حكاه علماؤنا، ينظر: حاشية ابن عابدين (١/ ١٥٤).
[ ٨٨ ]
وإِنْ قلَّمَ أَظْفَارَهُ (^١) بعد ما توضّأ: لا يجب عليه إمرارُ الماءِ على أنامِلِهِ، كذا ذَكَرَهُ في "الفتاوى الظهيرية" و"الينابيع" في "شرح القُدوري".
- ثمَّ يمسحُ رأسهُ ويقولُ: اللَّهمَّ غَشِّنِي برحمَتِكَ وأَنْزِلْ عليَّ من بركاتِكَ وحرِّمْ شَعرِي وبَشَري على النّار (^٢).
"هد" المفروض عند الشافعي في مسح الرأس ثلاثُ شَعراتٍ (^٣).
وعند مالكٍ: الاستيعاب (^٤).
و(^٥) في بعض الرواياتِ: قدَّرَهُ أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد، وهو رواية الكرخي والطَّحاوي.
وذَكَرَ في "فتاوى الظهيريَّة": أنَّ هذا التقدير صحيح.
_________________
(١) في الأصل: (أظافيره).
(٢) أدعية الوضوء لم تثبت بطريق صحيح، لكن قال الرافعي: من السنن المحافظة على الدعوات الواردة في الوضوء، وقال أيضًا: روي هذا الخبر عن الصالحين البناية شرح الهداية (١/ ٢٥٢)، وسبيل إثبات هذه الأدعية فعل العلماء ونقلهم لها في كتبهم، لا الأسانيد الحديثية.
(٣) لم ينصّ الشافعي على عدد الشعرات، بل قال في الأمّ: (وكان معقولا في الآية أن من مسح من رأسه شيئًا فقد مسح برأسه ولم تحتمل الآية إلا هذا وهو أظهر معانيها) الأم (١/ ٤١)، وذكر بعضُ أصحابه أنّ المقصود بأقل ما ينطبق عليه اسم المسح ثلاث شعرات فصاعدا، يُنظر: الحاوي الكبير للماوردي (١/ ١١٤).
(٤) مشهور مذهب المالكية وجوب الاستيعاب، وقيل الواجب أن لا يترك أكثر من الثلث، وقيل: الواجب مسح أكثر من الثلث، ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر (١/ ١٦٩)، والبيان والتحصيل (١/ ١١٠).
(٥) في الأصل: (أو).
[ ٨٩ ]
وعن أبي حنيفة وأبي يُوسفَ (^١): مقدارُ رُبع الرّأس، وهو اختيارُ القُدوريِّ.
وذَكَرَ في "تحفة الفقهاء": لو مسح رأسَهُ (^٢) بإصبع واحدةٍ بِبَطْنِها وظهرها وجانبها (^٣): جاز، كذا في "الفتاوى الظهيرية".
وقال بعضُ مشايخنا: لا يجوز، والصحيح أنه يجوزُ، وهكذا روي عن أبي حنيفة ﵀.
وذَكَرَ في "خلاصة الفتاوى": الأصح أنَّه لا يجوزُ (^٤).
"خف" إنْ وضَعَ بثلاثة (^٥) أصابع ولم يمدها: لا يجوز به مسحُ الرّأس، وعند محمد: يجوز (^٦).
"خف" إِنْ مسحَ بأصبع أو أصبُعَين قدْرَ رُبع الرأس: لا يجوز عند الثلاثةِ.
أما لو مسح بإصبع وأعاد إلى الماء ثلاث مرّاتٍ: يجوز.
"خف" لو مسح بأطراف أصابعه: يجوز، سواءً كان الماء متقاطرًا أو لا، وهو الصحيح.
وذكر في "فتاوى الظهيريَّة": في هذهِ الصُّورة إذا كان الماء سائلًا من الكفّ
_________________
(١) زاد في (س، ف): (في).
(٢) سقط من الأصل: (رأسه).
(٣) في الأصل: (جانبيها).
(٤) الجواز رواية زفر عن أبي حنيفة، وصححه في التحفة، وهو كما لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف، تحفة الفقهاء (١/ ١١).
(٥) في الأصل: (ثلاثة).
(٦) هي رواية عن الإمام أيضًا كما حكى ابن عابدين، وقال لعلّها رواية محمد عن الإمام فنسبت إلى محمد، والمعتمد رواية الربع، وعليها مشى المتأخرون، حاشية (١/ ٩٩).
[ ٩٠ ]
إلى رؤوس الأصابع: يجوزُ، وإلّا: فلا (^١).
"خف" لو مسحَ رأسَهُ بِماءٍ أَخَذَهُ من لحيَتِهِ: لا يجوزُ.
ولو كان في كفِّهِ بَلَلٌ فيَمسَحُ بِهِ: أَجْزأهُ، وإن بَقِيَ البَلَلُ من غَسلِ ذِراعيه في كفه (^٢)، هو الصحيح، كذا في "فتاوى الظهيريَّة".
"مم" إِنْ أَصابَ رأسَهُ مِقدار ثلاثةِ أصابع من ماء المطَرِ: أَجزأه، سواءٌ مَسَحَهُ بيده أو لم يَمْسَحْهُ.
وإن حلق رأسَهُ بعدما مَسَحَ: لا يجب عليه أن يمسَحَ ثانيًا، كذا ذَكَر في "الفتاوى الكُبرى" و"الظهيرية" و"الينابيع".
- والمسنون في مسْحِ الرّأس: أن يمسح مرَّةً بماء واحد، كذا في "خلاصة الفتاوى" وغيره.
"هد" عند الشافعي ﵀: السُّنَّةُ في مسح الرأس التثليثُ بمياه مختلفة، كذا ذَكَرَه في "الكافي"، وهو روايةٌ عن أبي حنيفة (^٣).
وعندنا: التثليثُ مكروهٌ (^٤)، كذا في "تحفة الفقهاء".
_________________
(١) "لأنه يصير مستعملًا بالوضع، والمسح بالماء المستعمل لا يجوز" تحفة الفقهاء (١/ ١١).
(٢) في الأصل: (كفيه).
(٣) نقل في المحيط البرهانيّ عن شمس الأئمّة الحلوانيّ أنّ الرواية عن الإمام أن المسح "ثلاث مرات يأخذ لكلّ مرّة ماء جديدًا" المحيط البرهاني (١/ ٤٧).
(٤) قال الإمام الكمال في شرح فتح القدير: "روى الحسن عن أبي حنيفة في المجرّد أنه إذا مسح ثلاثا بماء واحد يكون مسنونًا" وقال البابرتيّ في شرح العناية: "فإن قيل: قد صار البلل مستعملًا بالمرة الأولى؛ فكيف يُسنّ إمراره ثانيًا وثالثًا؟ أجيب: بأنه يأخذ حكم الاستعمال لإقامة فرضٍ آخر، لا لإقامة السنة؛ لأنها تبعٌ للفرض، ألا يُرى أنّ الاستيعاب يُسنّ بماءٍ واحدٍ" شرح فتح القدير، والعناية (١/ ٣٤).
[ ٩١ ]
وذَكَرَ في "خلاصة الفتاوى": أنَّه بِدْعةٌ (^١).
والمتوضِّئُ إذا شكَّ في مسح الرأس بعدما فَرَغَ من الوضُوءِ لا يُعتبر هذا الشكُّ.
ذَكَرَ هذه المسألة في "خلاصة الفتاوى" بَيْنَ مَسائِلِ السَّهِوِ فِي الصَّلَاةِ.
"نه" إذا أَرادَ الرَّجلُ أن يُرجِّلَ (^٢) شَعرَ رأسهِ ولِحيَتِهِ (^٣): فَعَلَيْهِ أَنْ يبدأ بطرفِ اليمين.
والترجُّل (شانَهُ كَرْدَن) (^٤)، كذا ذكر في "مبسوط" شيخ الإسلام.
- ثمَّ يمسحُ بأُذنيه ظاهِرِهِما وباطنهما بالماء الذي مسَحَ به الرأس، ويقول: اللَّهمَّ اجْعلنِي مِن الذينَ يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أَحْسَنَهُ.
"مغ" هذا إذا مَسَحَ رأسَهُ ولم يَضَعْ يَدَيهِ (^٥) على العمامةِ والقَلَنْسُوةِ والبُرقع (^٦)، فإذا وَضعَ يَدَهُ: فَإِنَّهُ يَأخُذُ لمسْحِ (^٧) الأُذْنَيْنِ والرَّقَبَةِ مَاءً جَدِيدًا.
وقال الشافعيُّ: يأخُذُ لمسح الأذنين ماءً جديدًا، كذا في "الكافي".
_________________
(١) وذلك لأنه زيادة عن (المشروع بوصفه عددًا)؛ فنحكم ببدعيّة الزيادة على (العدد المشروع بنيته)؛ كالصلاة.
(٢) التَّرَجُّل والتَّرْجِيل: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَحْسِينُهُ، لسان العرب (١١/ ٢٧٠).
(٣) في هامش الأصل ما نصّه: "من الناس من زعم أن المراد من الترجّل نزع الخف، من المشي على الرجل، ولكن ذلك خطأ؛ لأنّ السنة في النزع أن يبدأ باليسار". وهو في الكفاية في شرح الهداية (١/ ٣٠).
(٤) هكذا في الأصول، وهي كلمة فارسية معناها (مشط الشعر) أو (الترجل).
(٥) في (س) نسخة: (يده).
(٦) في هامش الأصل: (والقفازين).
(٧) في (س) نسخة: (بمسح).
[ ٩٢ ]
وقال في بعض الكُتُبِ: يُكره ترك مسح الأُذنين.
"قن" على رأسِهِ جِراحَةٌ فَمَسحَ على الأُذنينِ لا يَنوب عن مسْحِ الرّأسِ.
- ثم يمسحُ بَرَقَبَتِهِ، يَبدأُ من قفاهُ إلى الحلقوم (^١)، ويقولُ: اللَّهمَّ أَعْتِقُ رَقَبَنِي من النار والسلاسل والأَغْلالِ (^٢).
"تف" اختلف المشايخ في منح الرَّقبة؛ قال أبو بكر الأعمش (^٣) ﵀: إِنَّهُ سُنَّةٌ.
وقال أبو بكر الإِسْكَافُ (^٤): إِنَّهُ أَدَبٌ.
"تف" الفرق بين السنة والأدب:
- أنَّ السنة: ما وَاظب عليها رسول الله ﷺ ولم يتركُهُ إلا مرّةً أو مرَّتين لمعنى (^٥) من المعاني.
-والأدبُ: ما فعله رسول الله ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه (^٦)، وذلك
_________________
(١) لا يُسنّ مسح الحلقوم، بل هو بدعة كما نصّ علماؤنا، وقيل إنّه سنّة، وليس بصحيح. انظر حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح (٧٤).
(٢) في هامش الأصل: (والأنكال).
(٣) محمد بن سعيد بن محمد بن عبد الله، الفقيه المعروف بالأعمش، كنيته: أبو بكر، تفقه على أبي بكر الإسكاف، عرف بابن الجباني، (ت: ٦٧٥ هـ). الجواهر المضيئة: (٢/ ٥٦).
(٤) محمد بن أحمد أبو بكر الإسكاف البلخي، إمام كبير جليل القدر، أستاذ أبي جعفر الفقيه الهندواني، وأبي بكر الأعمش وبه انتفع وعليه تخرج. الجواهر المضيئة: (٢/ ٢٨).
(٥) في (س): (بمعنى).
(٦) تحفة الفقهاء (١/ ١٤)، وبدائع الصنائع (١/ ٢٤)، والأدب: ما يُجمعُ على آداب، ويُقال في بعض الأبواب: (آداب الطهارة، آداب الوضوء، آداب الصلاة، آداب الطعام)، وتطلق على بعض ما أمر به=
[ ٩٣ ]
نحوُ: الدَّلْكِ في غَسْلِ أعضاء الوضوء والغُسْلِ (^١).
وذكر في "العناية":
- أنَّ السنَّةَ: ما يُثاب على فعْلِهِ ويُلامُ على تركِهِ.
- والمسْتَحَبُ: ما يُثاب على فعْلِهِ ولا يُلام على تركِهِ.
وذكر أيضًا في "العناية": أنَّ المواظبة مع التّركِ دليل السُّنَّة (^٢)، والمواظبة بلا ترك دليل الوجوبِ.
وسَنذكُرُ الفرق بين الفَرْضِ والواجب في الباب الخامس، في فصْلِ المسائل المنثورة، إن شاء الله تعالى.
"نه" استيعاب الرأس بالمسح في الوضُوءِ: سُنَّةٌ عند الشافعي أيضًا (^٣)، كذا ذكر في "الخلاصة الغزاليَّة" (^٤).
سورة الاستيعاب في مسْحِ الرَّأْسِ:
_________________
(١) = النبي ﵌ بعض أصحابه دون أن يؤثر نقلٌ عنه بفعله، كما يُطلَقُ لفظ الآداب على الأخلاق الحسنة والعادات الجيّدة في العبادات، يُنظر: المحيط البرهاني (١/ ٤٨).
(٢) زاد في (ص): (أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، عند كل فعل من أفعال الوضوء) وليس هو منصوص المذهب.
(٣) في (س) وص): (السنية).
(٤) في قوله (أيضًا) إشارة إلى أنّه قول أئمتنا، وهو اختيار صاحب الهداية، تنظر: العناية (١/ ٣٣)، وصاحب الكنز، ينظر تبيين الحقائق للزيلعيّ (١/ ٣).
(٥) الخلاصة للإمام الغزاليّ، وهو كتاب جعل فيه خلاصة ما في الوجيز والبسيط والوسيط، ينظر: أسماء الكتب، لعبد اللطيف بن محمد بن مصطفى المتخلص بلطفي، الشهير بـ "رياض زَادَه" الحنفي (المتوفى: ١٠٧٨ هـ) (ص: ٢٣).
[ ٩٤ ]
- أن يأخُذ الماء بيده.
- ثم يضع ثلاثة أصابع من كل يد على مقدم الرأس من غير الإبهامين والسبابتين، ويُجافي الكفَّينِ.
- ثم يجرُّهما على مَفْرِقِه إلى مُؤخَّرِ الرأْسِ.
- ثم يمُدُّ كفيهما بجانبي الرَّأْسِ (^١).
- ثم يمسح ظاهر الأُذُنين بباطن الإبهامين، وباطن الأُذُنين بباطن السَّبابتين.
- ويمسح رَقَبَتَهُ بظهرِ اليَدَيْنِ حتى يَصير ماسِحًا مُسْتَوعِبًا بِبَلَلٍ لم يصِرْ مُستَعَمَلًا، هكذا أيضًا ذكره في "خلاصة الفتاوى".
"كا" الاستيعاب: أنْ يضع أصابع يديه على مُقدَّمِ رأْسِهِ، وَكَفَّيْهِ على جانِبَيْهِ فيَمُدَّهما إلى قفاه.
"قن" إِنْ داومَ على تَرْكِ الاستيعاب من غير عُذْرٍ: يأثم.
"مغ" المرأةُ إِذا مَسَحَتْ على خمارهَا: إِنْ نفذ الماء منه وبلغَ رُبُعَ رأسها: جازَ؛ وإلّا: فلا، كذا ذكر في "خُلاصة الفتاوى" (^٢).
- ثم يغسِلُ رِجْلَيه ثلاثًا مع الكعبينِ:
- يبدأ بماء (^٣) من قبل الأصابع إلى الكعبين.
_________________
(١) زاد في (س) و(ص): (من مؤخر قفاه إلى مقدم الرأس).
(٢) قال في البدائع (١/ ٥): "ولا يجوز مسح المرأة على خمارها، لما روي عن ﵂ أنها أدخلت يدها تحت الخمار، ومسحت برأسها وقالت: (بهذا أمرني رسول الله ﵌، إلا إذا كان الخمار رقيقًا يُنفِذُ الماءَ إلى شعرها؛ فيجوز؛ لوجود الإصابة".
(٣) (بماء) سقط من (ص).
[ ٩٥ ]
- ويقول عند غَسْلِ رِجله اليمنى: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ على الصِّراطِ يومَ تزول (^١) فيه الأَقْدَامُ.
- ويقول عند غَسْلِ رِجلِه اليُسرى: اللَّهُمَّ اجْعَلْ سعيي (^٢) مشكورًا، وذنبي مغفورًا، وعملي متقبلًا (^٣) مبرورًا، وتجارة لن تبور، يا عزيز بفضلك (^٤) يا غفور.
"كا" الكعبان لا يدخُلانِ في الغَسْلِ عند زُفَرَ.
وذكر في حواشي "الهداية" لجلال الدين الخبازي (^٥): أنَّ تخليل الأصابع إنَّما يكون سُنَةً بعد وصول الماء إلى باطنها (^٦)، كذا ذكر أيضًا في "القُنية".
أما قبل وصول الماء إذا كانت الأصابع مُنضَمَّةً غير مفتوحة: يكونُ التَّخليل فرضًا في الوضوء والاغتسال، كذا أيضًا في "مُنية المصلي".
والوعيد المذكورُ - وهو قوله ﵇: "خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَتَخَلَّلَهَا نارُ جَهَنَّمَ" (^٧)
_________________
(١) في (ص): (تزل).
(٢) في الأصل: (اجعلني سعيًا).
(٣) في الأصل: (وعملي مبرورًا).
(٤) (يا عزيز بفضلك) في (س) و(ص): (بفضلك يا عزيز).
(٥) عمر بن محمد بن عمر، الشيخ جلال الدين الخبّازي (ت: ٦٩١)، له حواش على "الهداية"، وكتاب "المغني" في أصول الفقه، كان فقيها عابدا. تاج التراجم لابن قطلوبغا: (ص: ٢٢٠).
(٦) في (س): (باطنهما).
(٧) قال في نصب الراية: حديث: "خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم" قلت: غريب بهذا اللفظ، وأخرج الدارقطني في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: خللوا أصابعكم لا يتخللها الله بالنار يوم القيامة"، وأخرج نحوه من حديث عائشة، وفي الأول يحيى بن ميمون التمار، قال ابن أبي حاتم: قال عمرو بن علي كان يحيى بن ميمون كذابًا، حدَّث عن علي بن زيد بأحاديث موضوعة، =
[ ٩٦ ]
متعلِّقٌ بتَرْكِ إيصال الماء، هكذا ذكر (^١) في حواشي الهداية (^٢).
"قن" يَتَخَلَّلُ بخُنْصُرِ يَدِهِ اليُسرى، فيبدأُ بخُنْصُرِ رِجْله اليُمْنَى، ويختمُ بخُنْصُرِ رجله اليسرى.
"مص" إذا غَسَلَ رِجْلَيه ومشى على لِبَدٍ (^٣) نَجِسٍ ويَبْتَلُّ (^٤) ولم تُصِبْ تلك البلة (^٥) رِجله: جازَتْ صلاته.
وكذا إذا مشى على أرض نجسةٍ فابْتَلَّ الأرضُ من بَلَل رِجْلَيه، واسْوَدَّ وَجْهُ الأرضِ لكنْ لم يظهَرْ أثرُ البَلَل في رجله: جازتِ الصَّلاةُ، وإِنْ صار طينًا وأصابَ رجليه لا تجوز.
"مص" لو كانَ إحدى الرّجلين مقطوعًا من الكعْبِ أو دونَها: فإِنَّ غَسْلَ موضع القَطْعِ فرضٌ.
ولو قُطِعتْ من فوق الكعب: سقَطَ غَسْلُها لزوال المحَلّ، ويجوزُ المسحُ على
_________________
(١) = وفي الثاني عمر بن قيس، ولقبه سندل، قال فيه أحمد وعمرو بن علي وابن أبي حاتم: متروك، وأخرج الطبراني في معجمه عن العلاء بن كثير عن مكحول عن واثلة عن النبي ﷺ قال: "من لم يخلل أصابعه بالماء خللها الله بالنار يوم القيامة". نصب الراية: (١/ ١٣٠).
(٢) في (س) و(ص): (مذكور).
(٣) ينظر المحيط البرهاني (١/ ٣٩).
(٤) لَبَدَ يلبدُ لُبُودًا: لزِمَ الأَرضَ بتضاؤلِ الشَّخص … وكلُّ شعرٍ وصُوفٍ تَلَبَّدَ فهو لبدٌ، وَلِبْدَةُ الأَسَدِ شَعرٌ كثير تلَبَّد على زُبرته، وقد يكون مثل ذلك على سنام البعير، قال: كأَنَّه ذو لِبَدِ وَلَهمَس، واللُّبّادةُ: لباسٌ من لُبودٍ يُنظر: العين، للخليل (٨/ ٤٤).
(٥) سقط من (س): (ويبتل).
(٦) (ويبتل ولم يصب تلك البلة رجله) في (ص): (ولم يصب بلل اللبد).
[ ٩٧ ]
الباقِيَةِ، كذا ذكَرَ أيضًا في "شرح الزيادات" لقاضي خان (^١).
وقال شيخُ الإسلام (^٢) أبو بكر محمد بن الفضل (^٣): رأيتُ في "الجامع الصغير" للإمام الكرخي ﵀: أنَّ مقطوعَ اليَدَينِ والرّجلين إذا كان بوجْهِهِ جراحةٌ يُصلّي بغير طهارة ولا يتيمم ولا يُعيد، وهذا هو الأصح، كذا أيضًا ذكر في "الفتاوى الظَّهيرية".
"مغ" إن كان في رِجْل المتوضِّئ شُقاق (^٤) جُعِلَ الشَّحْمُ أو الدَّواء فيه: يُؤمَرُ بإمرار الماءِ لا بإيصالِهِ قَعْرَهُ إِن (^٥) كانَ يَضُرُّهُ إيصال الماء إليه، كذا ذكر في "خلاصة الفتاوى" و"مجموع النوازل" و"منية المفتي" و"مختارِ الفتاوى" و"منية المصلي".
وذكَرَ في "واقعاتِ" الحلواني: إذا (^٦) ادَّهَنَ رِجْلَيهِ ثُمَّ توضّأ وغَسَلَ رِجْلَيه: جازَ الوضوء وإن لم (^٧) يقبل مكانُ الدُّسُومات (^٨) الماء، كذا ذكر في "الذَّخيرة" و"فتاوى الكبير" (^٩) و"منية المصلّي".
_________________
(١) الحسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، الفرغاني، المعروف بقاضي خان فخر الدين (ت: ٥٩٢ هـ). تاج التراجم: (ص: ١٥١).
(٢) (شيخ الإسلام) في (ص): (الشيخ الإمام).
(٣) محمد بن الفضل، أبو بكر الكَمَاري البخاري (ت: ٣٨١ هـ) إمام بخارى على الإطلاق. الجواهر المضية: (٢/ ١٠٧).
(٤) جمع شقّ، أي تشقّقات.
(٥) في الأصل (وإن)، وفي (س) و(ص) ما أثبتناه.
(٦) في (س) و(ص): (إن).
(٧) سقط لفظ (لم) من الأصل وهو خطأ.
(٨) الدسوم جمع دسم، وقد يُراد به مفرده أي: مكان الدهن الموجود في القدم.
(٩) في (س) و(ص): (الكبرى).
[ ٩٨ ]
وسُئل الإمامُ الرُّسْتُغْفنيُّ (^١) عن هذه المسألة أفتى بجوازها.
وذُكِر في بعض كُتبِ الفقهِ: أَنَّ الغَسْلَ: هو تَسْيِيلُ الماء على الأعضاء، والمسحَ: هو إيصال الماء، هكذا أيضًا ذكر في الهداية".
حتّى لا يجوز الوضوء والغُسْلُ بدُونِ التَّسْيِيلِ على ظاهرِ الرّواياتِ.
إلا رواية عن أبي يوسف: أنَّه قال: لو مسحَ عُضْوَهُ ببلَّةٍ (^٢) بدون التّسْيِيلِ: جاز.
"خف" الدَّلكُ في الغَسْلِ: سُنَّةٌ عندنا.
لو بقي من الأعضاء المفروضةِ غَسْلُها مقدارَ السِّمْسِمَةِ لم يُصبها الماءُ (^٣): لم تجُز صلاتُهُ حتّى يصيبه الماء، سواءٌ بقى عامدًا أو ناسيا، كذا ذُكِر في (^٤) عامة كتب الفقه.
"مم" لا يجوزُ صَرْفُ البَلَلِ من عضو إلى عضو ليَبُلَّ اللُّمْعَةَ في الوضوء.
كذا أيضًا في "الفتاوى الظهيريَّة": أنَّهُ لا يجوز وإن كانتِ البلَّةُ مُتَقاطرة (^٥).
_________________
(١) علي بن سعيد أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنِي، من رُسْتُغْفَن إحدى قرى سمرقند، وأحد أصحاب أبي منصور الماتريدي، له كتاب "إرشاد المهتدي"، وكتاب "الزوائد والفوائد" في أنواع العلوم. تاج التراجم لابن قطلوبغا: (ص: ٢٠٥).
(٢) في ص): (فبله)، وفي (س): (قبله).
(٣) في (ص): كرر (لم يصبها الماء).
(٤) سقط من (ص): (في).
(٥) يجوز مدّ الماء على العضو إن تقاطر منه شيء، ويكون مطهّرًا، بخلاف نقله إلى عضو آخر، فإنّه يصير مستعملًا بالانفصال عن العضو الذي وضعَ عليه أوّلًا، يُنظر: الفروق للكرابيسي (١/ ٣٦)، والبحر الرائق (١/ ٩٥).
[ ٩٩ ]
"قن" الوضوء مرّةً فرض، والثانية والثالثة سُنَّةٌ.
وقيل: في الثانيةِ سُنَّةٌ، وفي الثالثة نفل.
وقيل: على عكسه.
وعن الإمام أبي بكر الإسكافِ ﵀: إذا توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا (^١): فالثلاثة فرضٌ كإقامة (^٢) الركوع والسجودِ، كذا منقول عن "فتاوى العصر"، و"شرح" شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده.
"خف" إن توضَّأ مرّةً مرّةً، إنْ فَعَلَ لعزّةِ المَاءِ، أو لعُذرِ البَرْدِ، أو لحاجة: لا يكره، وكذا إن فعَلَهُ أحيانًا.
أما إذا اتُّخِذَ عادةً: يُكرَهُ.
"خف" إن غَسَلَ موضِعَ الوضوء أربع مرّاتٍ: يُكرَهُ.
قال الفقيه أبو جعفر: لا يُكرَهُ إلا إذا رأى السنة فيما وراء الثلاثِ (^٣)، وهذا إذا لم يفرغ من الوضوء.
فإذا (^٤) فَرَغَ ثم استأنف الوضوء: لا يُكرَهُ بالاتفاق.
_________________
(١) سقط من (س): (ثلاثًا).
(٢) في هامش ص نسخة: (كإطالة).
(٣) وفي الحديث أنّ النبي ﵌ توضأ ثلاثا ثلاثا، وقال: (هذا وضوئي ووضوء أمتي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليلي إبراهيم، فمن زاد على ذلك أو نقص فقد تعدى وظلم) ومعناه: من زاد على الثلاث أو نقص ولم ير الثلاث سنة فهو متعد ظالم، تحفة الفقهاء (١/ ١٣)، والبدائع (١/ ٦٩)، والهداية (١/ ١٦).
(٤) في (ص): (فإن).
[ ١٠٠ ]
"خف" في "المبسوط": من آداب (^١) الوضوء.
- ألَّا يُسْرِفَ في (^٢) الماء ولا يُقتّر.
- ويشرب فضْلَ وَضُوؤه أو بعضَ وَضُوؤه (^٣) قائمًا أو قاعدًا مستقبل القبلة.
وقال الإمام خواهر زاده: يشرب قائما، وماء زمزم (^٤) أيضًا يُشْرَبُ قائما، كذا ذكر أيضًا في "الفتاوى الظهيرية".
- ثم يملأُ إناءَه بعد الفراغ من الوضوء لصلاة أخرى (^٥).
وذكَرَ في "مُقدِّمة الغَزْنَوِيّ": أَنَّهُ يقولُ عند شُربٍ فَضْلِ وَضُوئه: اللَّهُمَّ اشْفِنِي بشِفَائِكَ، ودَاوِنِي بِدَوَائِكَ، واعْصِمْنِي من الأوجَاعِ والأَمْرَاضِ (^٦).
- "خف" يستقبل القبلة عند الوضوء.
- ويقول عندَ غَسْلِ كلِّ عُضوٍ: أشهدُ أنْ لا إله إِلَّا الله، وأشهدُ أنَّ محمدا عبده ورسوله، كذا أيضًا ذكر في "الفتاوى الظهيرية".
_________________
(١) في هامش (س): (أدب).
(٢) سقط من الأصل لفظ: (في).
(٣) (بعض وضوؤه) في (ص) و(س): (بعضه).
(٤) في ص): (الزمزم).
(٥) ملء الإناء انتظارًا للصلاة التالية هو من باب انتظار الصلاةِ بعد الصلاة الذي أثنى عليه النبيُّ ﵌ في قوله: (أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهَ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: (إِسْبَاعُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ) رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، برقم (٣٧٤).
(٦) (من الأوجاع والأمراض) في (ص) و(س): (من الأمراض والأوجاع).
[ ١٠١ ]
- "خف" منَ الأدبِ ألا يتكلم بكلامِ النَّاسِ (^١) في الوضوء.
- ويَتولَّى أَمْرَ وضوئه لنفسِهِ (^٢)، كذا في "الفتاوى (^٣) الظَّهيريَّةِ".
وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في كتابه: أَنَّ المتوضّى يقرأُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ (^٤) [القدر: ١] بعد الفراغ من الوضوء؛ لقوله ﵇: "مَنْ قَرَأَ إِنَّا أنزلناه على أَثَرِ الوضُوءِ، كَتَبَ الله تعالى لَهُ عِبَادَةَ خمسين سنة، قيام لياليها وصيام نهارها" (^٥).
"خف" من أدبِ الوضوء أنْ يصلي ركعتين بعد فراغ الوضوء (^٦).
"قن" يجب على المؤلى ماء وضوء عبده.
ولا يُسرفُ المتوضِّئُ الماء وإن (^٧) كان على شَطّ نهر جارٍ.
"مغ" إِنَّ قَدْرَ الماء على السُّنَّةِ في الوضوء: رِطلان بالعراقيِّ، وهذا ليس بتقدير لازم، حتّى لو توضّأ بأكثر من التقدير ولم يُسْرِفُ في الماء، أو توضّأ بدون ذلكَ وأسبغ وضوؤه، يُجزئه.
_________________
(١) في (س) و(ص): (الدنيا).
(٢) في (ص): (بنفسه).
(٣) سقط من (ص) (الفتاوى).
(٤) زاد في (ص) و(س): (في ليلة القدر).
(٥) لم أجده بهذا اللفظ، وقال في المقاصد الحسنة: حديث قراءة سورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ عقب الوضوء لا أصل له، وإن رأيت في المقدمة المنسوبة للإمام أبي الليث من الحنفية إيراده مما الظاهر إدخاله فيها من غيره، وهو أيضًا مفوت سننه. المقاصد الحسنة (ص: ٦٦٤).
(٦) قال في البدائع: (لأنّ كلّ ذلك مما ورد في الأخبار أنه فعله ﵌ (١/ ٢٣).
(٧) في (س) و(ص): (إذا).
[ ١٠٢ ]
وإنَّما الكراهيةُ (^١) في الإسراف والتقتير، وهذا التقدير المذكور إذا لم يستنج.
أما إذا استنجى فالسُّنَّةُ فيه ثلاثةُ أَرْطَالِ:
- رِطْلٌ للاستنجاء.
- ورِطلٌ للقدَمَيْنِ.
- ورطلٌ على سائر (^٢) الأعضاء، كذا ذكر (^٣) في "خُلاصة الفتاوى".
"قن" يكره أن يستخلص الإنسانُ لنفسه إناءً يتوضَّأُ به دون غيره.
ثم الطَّهارة على نوعين: طهارة حقيقية، وطهارة حكميّة.
- أما الطَّهارة الحقيقية فنوعان:
* الطهارة الصغرى (^٤): كالطَّهارة من الحدث (^٥).
* والطَّهارةُ الكُبرى: كالاغتسال من الجَنابةِ، وسَنتلُوهُ في الباب الرابع.
- وأمَّا الطَّهارةُ الحُكميةُ: كالتَّيمم (^٦)، سنذكره في (^٧) المسح على الخُفّ (^٨)، إن شاء الله تعالى في الباب الثامن.
_________________
(١) في (س) و(ص): (الكراهة).
(٢) (على سائر) في (س) و(ص): (السائر).
(٣) زاد في (س) و(ص): (أيضًا).
(٤) زاد في (ص): (والطهارة الكبرى، أما الطهارة الصغرى فكالوضوء للصلاة كما مر ذكره).
(٥) (كالطهارة من الحدث سقط من (س) و(ص).
(٦) (كالتيمم) في (س) و(ص): (فالتيمم).
(٧) في (ص): (مع).
(٨) سقط من (ص): (على الخف).
[ ١٠٣ ]
ثم يقول الفقير المحتاج إلى رحمة الله تعالى:
إِنَّ أحكامَ الشَّريعة تومئ إلى أسرارِ الطَّريقة؛ فإنَّ الشرع (^١) أَمَرَ بتطهيرِ الظَّاهِرِ للدخول في الصَّلاةِ، ليُفهم منهُ أوْلَوِيَّةُ تطهير الباطن؛ للقُربِ من الله تعالى، فإنَّ في غَسْل الأعضاء الظاهرة إشارة إلى سرٍّ في الباطن:
ففي غَسْلِ اليَدَينِ: إشارة إلى تطهير نَفْسِكَ عن تَلَوُّثِ المعاصي، وتطهير قلبكَ عن تَلَطُّخ الصفات الذميمة الحيوانيةِ والسَّبُعِيَةِ والشَّيطانية.
- وغَسْلُ الوجهِ إشارة إلى نظافة وجهِ هِمَّتك عن ظُلمةِ أُنس حُبِّ الدّنيا، وهو رأسُ (^٢) كل خطيئة.
- وغَسْلُ الرّجلين إشارة إلى الاستقامة و(^٣) الانخلاع عن الأكوان، والتوجهِ بالكلية إلى الرحمن.
ألا يا أيُّها المتطهرون الغاسلونَ الأعضاء الظاهرة (^٤): فعليكُم بطهارة القلب أولا، فإِنَّ القلبَ مَلِكٌ مُطاعٌ (^٥) مُتَبعٌ، والأعضاء كلَّها له تبع، فإذا (^٦) صلَحَ المتبوع صلَحَ التابع، يُبَيِّنُ ذلكَ ما رُوي عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ قال: "إِنَّ فِي جَسَدِ ابنِ آدَمَ لَمُضْعَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلْبُ" (^٧).
_________________
(١) في الأصل: (الشريعة).
(٢) في (ص): (أس) وفي هامشها نسخة (رأس).
(٣) في (ص): (في).
(٤) في (ص): (أعضاء الظاهر).
(٥) زاد في (س) و(ص): (و).
(٦) في (س) و(ص): (وإذا).
(٧) رواه البخاري ومسلم، فقد رواه البخاري من حديث النعمان بن بشير في كتاب الإيمان، باب فضل =
[ ١٠٤ ]
وإذا كان صلاح الظاهرِ في صلاح القلبِ وجَبَ (^١) تطهير (^٢) القلب؛ يعني: تطهير الصَّرفِ (^٣) والتصفية أولا إلى القلب، والباطنُ أحقُّ بالتطهير من الظَّاهِرِ، بلْ كل ما (^٤) يحصل للظَّاهر من أنوارٍ تَصْفِيةِ الباطِنِ.
فطهارة الظاهر بالماء، وطهارة القلب تنفي ما سوى الله تعالى، ويشير إلى (^٥) ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٩] تنبيهًا للعقول، على أنَّ الطَّهارة والنَّجاسة غيرُ مقصورة على الظواهر المدرَكَةِ بالحسّ؛ فالمشركُ قد يكون نظيف الثّوبِ ومغسول البَدَنِ وقَلْبُهُ مُلَطَّخٌ بنجاسةِ الشِّركِ.
والنَّجاسة: عبارةٌ عما يجتنب ويُطلَبُ البُعْدُ منه، وخبائث الباطن أهم بالاجتناب؛ لقوله ﵇: "إِنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ، وإنَّما يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ" (^٦)، فالقلبُ إذًا موضعُ نَظَرِ ربِّ العالمينَ.
فَوا عَجَبًا ممَّنْ يَهتمُّ بِغَسْلِ وجهِهِ الذي هو منظرُ (^٧) الخَلْقِ، فَيَغسِلُهُ ويُنظِّفُهُ من
_________________
(١) = من استبرأ لدينه، برقم (٥٢)، ورواه مسلمٌ، من حديث أبي هريرة، في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (١٥٩٩).
(٢) زاد في (س) و(ص): (صرف).
(٣) في (س) و(ص): (التطهير).
(٤) سقط من (س) و(ص): (القلب يعني تطهير الصرف).
(٥) سقط من ص): (ما).
(٦) في (ص): (على).
(٧) رواه مسلم، في كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، برقم (٢٥٦٤)، ولفظه: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إلَى قُلُوبِكُمْ".
(٨) أي محلّ نظرهم.
[ ١٠٥ ]
الأحداث والأدناس، ويُزيِّنهُ بما أمكنه (^١)؛ لِئَلَّا يَطَّلِعَ مخلوقٌ فيه على عيب! فكيف لا يَهتم بنظافةِ قلبِهِ الذي هو موضعُ نَظَرِ ربِّ العالمين؟! فيُطهِّرَهُ؛ لِئَلَّا يَطَّلِعَ الرَّبُّ جلَّ ذِكْرُهُ على دَنَسٍ فيه من محبَّةِ الدُّنيا وعُيوبِ الشَّهواتِ (^٢) النَّفْسَانِيةِ، بلْ يُهمِلُهُ ويُلطِّخُهُ بفضائح أقذار القبائح؛ بحيثُ (^٣) لو اطَّلَعَ الخَلقُ على واحد منها لهجروا (^٤) وتَبرَّؤوا منه وطردوه.
فإذا تدبر المحتفظ (^٥) المستيقظ (^٦) أحكام الشريعةِ مُنصِفًا مُسترشدا: يجِدُ نفسَهُ (^٧) مُلاحَظًا ومُرتَبِطًا بأسرارِ الطَّريقةِ، فافْهَمْ.
ولا يتيسر لك تعلُّمُ آثارِ الطَّريقةِ إِلَّا في مدرسةِ الخَلْوَةِ مَع قَطْعِ العلائِقِ، وقهْرِ النَّفْسِ، والمراقبة والتَّوجُهِ آناء الليل وأطراف النَّهارِ، لا بالمباحثةِ والتَّكْرارِ.
* * *
_________________
(١) في هامش (س): (أسكنه).
(٢) في (ص): (شهوات).
(٣) سقط من (س) و(ص): (بحيث).
(٤) في (س): (لهجروه).
(٥) في (ص): (المتحفظ).
(٦) في (س) و(ص): (المتيقظ).
(٧) سقط من (ص) (نفسه).
[ ١٠٦ ]