"نه" اعلم أنَّ الجُمُعةَ فريضةٌ مُحكَمةٌ، لا يَسَعُ تركُها، ويُكفَرُ جَاحِدُها.
"نه" شرائطُ (^١) لزومِ الجُمُعةِ اثنا عشر؛ سِتّةٌ في نفسِ المُصلِّي، وسِتّةٌ في نفسِ غيرِ المُصلِّي.
أمّا الستةُ التي في نَفسِ المُصلِّي: الحُريّةُ، والذكورةُ، والبلوغُ، والعقلُ، والإقامةُ، والصحةُ، حتَّى لا يَجِبُ على العبدِ والمرأةِ والصبيِّ والمجنون والمُسافِر والمريضِ.
وذُكِرَ في عامة كُتُبِ الفِقهِ: لا جُمُعَةَ على الشيخِ الكبير الذي ضَعُفَ كالمريض، ولا على المُقعَدِ، وإن وَجدَ حاملًا، وكذا الأعمى، وإن وَجَدَ قائدًا عندَ أبي حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ ومُحمَّدٌ: إذا وجدَ الأعمى قائدًا: تَلزَمُه الجُمُعَةُ، كذا في "النهاية".
وأما الستةُ التي هِيَ في غيرِ نفسِهِ: فالمِصرُ الجامِعُ، والسلطانُ، والجماعةُ، والخُطبةُ، والوقتُ، والإظهارُ.
حتَّى إِنَّ الواليَ لو أغلقَ بابَ المِصرِ، وجَمَّعَ فيه بحَشَمِهِ، ولم يأذَنْ للناسِ بالدخولِ: لم يَجُز، كذا ذَكَرَهُ الإمامُ التمرتاشيُّ.
_________________
(١) قوله: (نه شرائط): هو في (س): (وشرائط).
[ ٤٤٧ ]
"تف" أمّا المِصرُ الجامِعُ؛ فقد ذكرَ الكرخيُّ: ما أُقيمَتْ فيه الحدودُ، ونُفِّذَت فيه الأحكامُ.
"تف" قد تكلَّمَ فيه أصحابُنا بأقوالٍ:
- رُوِي عن أبي حنيفةَ: المصرُ الجامِعُ هو بلدةٌ كبيرةٌ فيها مَحَلَّاتُ وأسواقٌ، ولها رساتيقُ (^١)، وفيها والٍ يَقدِرُ على إنصافِ المَظلومِ مِنَ الظالمِ بحشَمِهِ وعَلَمِهِ (^٢)، أو عَلَمِ غيرِه، ويَرجِعُ (^٣) الناسُ إليه فيما وقعت لهم من الحوادثِ، وهذا هو الأصحُّ.
"خف" قال بعضُهم: أن يَعيشَ كلُّ مُحترِفٍ بحرفتِه من سنةٍ إلى سنةٍ من غيرِ أن يحتاجَ إلى حِرفةٍ أخرى، هكذا ذُكِرَ في "النهايةِ".
وفي بعضِ الشروحِ: إن وُجِدَ (^٤) فيه كلُّ ما يحتاجُ إليه الناسُ عادةً.
"نه" لو اجتمعوا في أكبرِ مساجدِهم، لا يَسَعُهم: فهو مِصرٌ (^٥).
_________________
(١) زيد في (س): (قرى).
(٢) العلَمُ: القوةُ والشأنُ والمغالبةُ والرفعةُ، جاء في تهذيبِ اللغةِ (٢/ ٢٥٤): "عالمَني فلان فعلَمتُه أَعْلُمُه بالضمّ، وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ من هَذَا الْبَابِ بِالْكَسْرِ فِي يفعِل فَإِنَّهُ فِي بَاب المغالبة يرجع إِلَى الرفع؛ مثل ضاربته فضربته أضربه". وفي الصحاح للجوهري (٥/ ١٩٩٠): "وأعْلَمَ الفارسُ: جَعَلَ لنفسِه علامةَ الشجعانِ، فهو مُعْلِمٌ. قال الأخطلُ: ما زالَ فينا رِباطُ الخيلِ مُعْلِمَةٌ … وفي كليبٍ رباطُ اللؤمِ والعارِ".
(٣) في (ص): (رجع).
(٤) في (ص): (أن يوجد).
(٥) زاد في (س) و(ص): (جامع).
[ ٤٤٨ ]
وذُكِرَ في "خُلاصة الفتاوى": أنَّ هذا قول ابن شجاعٍ، واختار البلخيُّ كذا أيضًا في "النهاية" (^١).
"نه" المرادُ من الاجتماعِ: اجتماعُ مَن يجبُ عليهِمُ الجمعةُ، لا كلُّ مَن يَسكُنُ في ذلكَ المَوضعِ من الصبيانِ والنسوانِ والعبيدِ.
(^٢) قال الإمامُ السرخسيُّ: ظاهِرُ المذهبِ عندنا: أن يكونَ فيه سلطانٌ أو قاضٍ يُقيمُ الحدودَ ويُنفِذُ الأحكام، كذا في "الكنز".
"هد" هذا عند أبي يُوسُفَ، وهو اختيارُ الكرخيِّ، وهو الظاهِرُ.
ويُشتَرطُ المُفتي، إذا لم يكنِ القاضي والوالي (^٣) مُفتيًا.
وذكر الكرخيُّ: كُلُّ مَوضِعٍ فيه والٍ ومفتٍ: فهو مِصرٌ جامِعٌ.
"نه" عن أبي يُوسُفَ: كُلُّ مَوضِعٍ يَسكُنُ فيه عَشَرَةُ آلافِ نفرٍ: فهو مِصرٌ جَامِعٌ.
"نه" قال سفيانُ الثوريُّ: المِصرُ الجامِعُ ما يَعُدُّهُ الناسُ مِصرًا عندَ ذِكرِ الأمصارِ المُطلَقة (^٤) كخوارزمَ وبُخارَى وسمرقندَ، فعلى هذا القولِ: لا يجوز إقامةُ الجُمُعةِ بكرمنية (^٥) وكشانية (^٦).
_________________
(١) في (ص): ("الهداية").
(٢) زاد في (س) و(ص): (خف).
(٣) في (س): (أو الوالي).
(٤) سقط من (ص): (المطلقة).
(٥) في (س): (بكرمينة).
(٦) في (ص) لفظ غير واضح. والذي يظهر أنّ هاتين مدينتين ومصرين جامعين لا قريتينِ فحسب، فقد ذكر الاصطخريّ بعضَ ما يتبع لها من القُرى في كتابه المسالكُ والممالكُ (ليدن/ ٣١٤)، فقالَ: "وأمّا كرمينية فهِيَ أكبرُ من الطواويسِ وأعمرُ وأكثرُ عددًا وأخصبُ، وخديمنكن من كرمينية، =
[ ٤٤٩ ]
"خف" لو أنَّ إمامًا مصَّرَ مِصرًا، ثمَّ نفَرَ الناسُ عنه؛ لخوفِ عدوٍّ … وما أشبةَ ذلك، ثمَّ عادوا إليه: فإنَّهم لا يُجمِّعُون إلا بإذنٍ مُستأنَفٍ من الإمامِ، كذا ذُكِرَ في "الفتاوى الظهيرية".
وذَكَرَ صاحِبُ "القُنيةِ" في كتابهِ "البُغية": أنَّه سألَ الإمامَ ركنَ (^١) الدين الولجانَ الخارزميَّ (^٢) في قريةٍ خَرِبَت (^٣)، ليسَ فيها سوقٌ مُعدّةٌ للبياعاتِ، بل يسكُنُ فيها ناسٌ (^٤) معدودونَ: فإقامةُ الجمعةِ فيها أولى؛ بتعليلِ أنَّه كان يُجمَّعُ فيها قبلَ الانقلابِ؟ أم إقامةُ الظهرِ بجماعةٍ فيها أولى؟ فكتبَ في الجواب: لا يُصلُّون الجُمُعةَ.
"كا" في كلِّ مَوضِعٍ وقعَ الشكُّ في جوازِ الجمُعَةِ؛ لوُقوع الشكِّ في كونِهِ مصرًا، وأقامَ في ذلكَ المَوضِعَ الجمعةَ: ينبغي أن يُصلُّوا بعدَ الجُمُعَةِ أربعَ رَكَعَاتٍ، وينوون بها الظهرَ؛ احتياطًا، حتَّى إنَّه لو لم تقعِ الجُمُعَةُ مَوقِعَها: يخرجونَ عن عُهدةِ فرضِ الوقتِ بأداءِ الظهرِ بيقينٍ، كذا في "النهايةِ".
"قن" اختلفوا في نيّة الأربعِ التي بعدَ الجمعةِ التي ليستْ بفرضٍ:
_________________
(١) = وبحذائها خرغانكث ومذيامجكث، وهي متقاربةٌ في الكبر والعمارةِ، ولكرمينية قرىً كثيرةٌ، وكذلك لكل منبرٍ قرًى ومزارعُ؛ إلا بيكند فإنّها وحدَها، غير أنّ بها من الرباطات ما لا أعلم في بلدانِ ما وراءَ النهرِ أكثرَ عددًا منها، وبلغنى أنّ عددَها نحوًا من ألف رباطٍ، ولها سورٌ حصينٌ ومسجدٌ جامعٌ وتَأنّقَ في بنائِهِ وزُخرِفِ محرابُه؛ فليسَ بما وراءَ النهرِ محرابٌ أحسنُ زخرفًا منه". وقال ابن خرداذبة في المسالك والممالك (ص: ٢٥): "ولبخارا قهندز، ولها من المدن كرمينية وطواويس". فهي مدينة، ويظهر أنها مصرٌ جامعٌ أيضًا، لكون القرى حولها والمزارع.
(٢) سقط من الأصل لفظ: (ركن).
(٣) في (س): (الولجاني الخوارزمي)، و(ص): (الوانجاني الخوارزمي).
(٤) في (ص): (خربة).
(٥) في (ص): (الناس).
[ ٤٥٠ ]
قيل: ينوي ظهرَ يومِه.
وقيل: ينوي آخرَ ظهرٍ عليه، وهو الأحسنُ.
قال نجمُ الدين (^١) الخوارزميُّ في كتابه "القُنية": الأحوطُ: أن يقولَ: نَويتُ آخرَ ظُهرٍ أدركتُ وقتَه، ولم أُصلِّه بعدُ (^٢).
"خف" اختلفوا في أصلِ الفريضةِ في هذا اليومِ:
قال بعضُهم: أحدُ الأمرينِ، إمّا الجُمُعة، وإمّا الظهرُ، إلّا أنَّ الجُمُعةَ أفرضُهُما.
وقال بعضُهم: الجُمعةُ.
وقال بعضُهم: الفرضُ في هذا اليومِ ما هو الفرضُ في سائرِ الأيّامِ؛ يعني: الظهرَ، لكنَّه مأمورٌ بإسقاطِ هذا الفرضِ (^٣) بأداءِ الجمعةِ.
"نه" قال الشافعيُّ: المصرُ ليس (^٤) بشرطٍ، بل كلُّ قريةٍ يسكنُها أربعونَ من الرجال الأحرارِ لا ينتقلونَ (^٥) عنها (^٦) شتاءً ولا صيفًا، تُقام بهم الجُمُعة.
ولا يجوزُ إقامةُ الجمعةِ إلّا للسلطان، أو لِمَن أمَرَهُ السلطان، وهو الأميرُ والقاضي، كذا في "القُدُوريِّ" و"الهدايةِ".
"نه" المرادُ من السلطانِ الخليفةُ؛ لأنَّه أرادَ به الوالي الذي ليسَ فوقَه والٍ (^٧)، وهو الخليفةُ.
_________________
(١) زاد في (س) و(ص): (الزاهديِّ).
(٢) في (ص): (بعده).
(٣) قوله: (الفرض): سقط من (س).
(٤) في (ص): (ليست).
(٥) في (س): (يطعنون).
(٦) في (ص): (لا يطعنون عنه).
(٧) في (ص): (والي).
[ ٤٥١ ]
وقال الشافعيُّ: السلطانُ ليسَ بشرط.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ": عن أبي يوسفَ أَنَّه قال: أمّا اليومَ: فالقاضي يُصلِّي بهم الجُمُعةَ؛ لأنَّ الخلفاءَ يأمرونَ القضاةَ أن يُجمِّعُوا بالناسِ، قيل: أرادَ بهذا قاضي القضاةِ.
"كا" تجوزُ الجمعةُ خلفَ المُتغلِّب الذي لا منشورَ له من الخليفةِ (^١)، إذا كانت سيرتُه في رعيَّتِه سيرة الأمراءِ، يَحكُمُ فيما بينَ رعيَّتِه بحكمِ الوِلايةِ، هكذا (^٢) في "خُلاصةِ الفتاوى" و"الفتاوى" (^٣) و"مُنيةِ المفتي".
وذكر صاحِبُ "القُنية": أنَّ الإمامَ علاءَ الدين ونجمَ الدين الزاهديَّ سُئِلا في مُسلِمٍ نصَّبَه أميرُ الكفّارِ واليًا في هذه الديارِ، هل يصيرُ واليًا في إقامةِ الجُمَعِ والأعيادِ؟ فكتبا (^٤): نعم، في إقامة الجُمَعِ والأعيادِ.
وذُكِرَ في "حيرةِ الفقهاءِ": أنَّ رجلًا دخلَ المسجد يومَ الجُمُعةِ (^٥) والناسُ في صلاةِ الجُمُعةِ: فَسَدَت صلاةُ الكلِّ، كيف يكون هذا؟
قال: هذا رجلٌ والٍ جاءَ عازلا للوالي (^٦)، وهو كانَ كبَّرَ للجُمُعَةِ: فسدتْ (^٧) صلاتُهم.
_________________
(١) أي: الحاكم المتغلّب الذي سيطر على الحكم بالقوة، ولم يرسل الخليفةُ رسالةً رسميّةً بتعيينِه، لكنّه حاكمٌ يقيمُ العدل في الرعيّة، وله سلطةٌ نافذةٌ.
(٢) زاد في (س) و(ص): (ذكر).
(٣) زاد في (س) و(ص): (الظهيرية).
(٤) في (ص): (فكتب).
(٥) قوله: (يوم الجمعة): سقط من (س).
(٦) في (س) و(ص): (الأول).
(٧) في (ص): (ففسدت).
[ ٤٥٢ ]
(^١) من (^٢) شرائطِها:
- الوقتُ: وهو وقتُ الظهرِ، وكان مالِكٌ يقولُ: بجَوازِ (^٣) إقامتِها في وقتِ العصرِ؛ بناءً على مذهبِه في تداخُلِ الوقتين، كذا في "المبسوطِ".
= ومنها الجماعةُ: اختلفوا في أقلِّ العدد، قال أبو حنيفةَ ومُحمَّدٌ: ثلاثةٌ سوى الإمامِ.
وعن أبي يُوسُفَ: اثنانِ سوى الإمامِ، كذا في "القُدُوريِّ" و"المنظومةِ" وغيرهما.
وهذا إذا كان في المِصرِ، ثمَّ شرط هذا النفرِ أن يكونَ صالحًا للإمامةِ، حتَّى لا يَتِمُّ نِصاب الجمعة (^٤) بالنساءِ والصبيانِ، ويَتِمُّ بالعبيد والمُسافِرينَ.
"هد" يجوزُ للمُسافرِ والعبدِ والمريضِ أن يَؤمَّ في الجُمُعَةِ.
وقال زُفَرُ: لا يُجزئُهُ.
وذُكِرَ في بعض الفتاوى: إذا أصابَ الناسَ مطرٌ شديدٌ يومَ الجمعةِ: فهُم في سَعَةٍ مِنَ التخلُّفِ.
"قن" في الجُمُعةِ إِذا سَجَدَ على ظَهْرِ رَجُلٍ: جازَ، وقالَ ابن مُقاتِلٍ: هذا (^٥) إذا وضَعَ رُكَبَتَيْهِ على الأرض.
"نه" من (^٦) شرائطِ الجُمُعةِ: الخُطبَةُ: يَخطُبُ الإمامُ خُطبتَيْنِ، يَفصِلُ بينَهما
_________________
(١) في (ص): (نه).
(٢) في (س): (ومن).
(٣) في الأصل وفي (س): (الجواز).
(٤) في (ص): (الجماعة).
(٥) قوله: (هذا): سقط من (س).
(٦) في (س): (ومن).
[ ٤٥٣ ]
بَقعدةٍ، كذا في "القُدُوريِّ" و"الهدايةِ".
"نه" هذه القَعدةُ عندنا: للاستراحةِ، وليست بشرطٍ.
وقال الشافعيُّ: إنَّها شرطٌ، حتَّى لا يُكتَفَى (^١) عندَه بالخُطبةِ الواحدةِ وإن طالت.
"كا" لو خَطَبَ قاعدًا أو على غيرِ طهارةٍ: جازَ ويُكرَه (^٢)، كذا في "القُدُوريِّ" و"الهدايةِ".
"نه" عندَ أبي يوسفَ: لا يجوزُ بدونِ الطهارةِ، وهو قولُ الشافعيُّ.
"نه" إنَّ الشافعيَّ يَشترِطُ الخطبتينِ ويقولُ: القيامُ فيهما فريضةٌ عندَ القُدرةِ، والجَلسةُ بينهما فريضةٌ.
"خف" لو خطبَ بتسبيحةٍ أو (^٣) بتحميدةٍ (^٤) فقال: (سبحانَ اللهِ)، أو (لا إله إلّا الله)، أو (الحمدُ للهِ)، ولم يزِدْ على هذا: جازَ عند أبي حنيفةَ، كذا في "المبسوط" و"المحيطِ" و"النهايةِ".
_________________
(١) في الأصل: (يكفي).
(٢) سقط من الأصل ومن (س): (ويُكرَهُ). والصحيحُ إثباتُها لا حذفُها؛ لأنّ مقتضى الجوازِ عدمُ الكراهةِ أصلًا، وفي عباراتِ الفقهاءِ ما يدلُّ على أنَّ الكراهةَ تنزيهيّةٌ؛ لأنّهم لا يؤثّمُونَه، بل يعدُّونَهُ مُسيئًا فحسب، إلّا أنّهم ينصّون على الكراهةِ في مواضعَ أُخَرَ؛ فقد جاءَ في المحيطِ البرهانيِّ (٢/ ٧٨): "إلا أنّه لو تعمّدَ ذلك يصيرُ مُسيئًا؛ لدخولِهِ المسجدَ من غيرِ طهارةٍ، ولأنَّ الخُطبةَ وإن لم تكُنْ صلاةً حقيقةً إلّا أنها تُشبِهُ الصلاةَ، ولهذا لا تجوزُ الجُمُعَةَ، بدونها، ولو كانت صلاةً حقيقةً لا تجوزُ بدونِ الطهارةِ، فإذا كانت تُشبِهُ الصلاةَ؛ قلنا: تُكرَهُ مع الحدَثِ والجنابةِ. ولم يذكُرْ محمدٌ ﵀ في "الكتاب": أنّه هل تُعادُ الخُطبَةُ؟ وذكر في "النودِارِ" عن أبي يوسفَ ﵀: أَنَّهُ لا تُعادُ، والأذان جُنُبًا يُعادُ، ولكلِّ واحدٍ منها شبهًا بالصلاةِ، إِلا أَنَّ الأَذانَ أَشبَهُ بالصلاةِ مِنَ الخُطبَةِ؛ فإنَّ الأذانَ يؤدَّى مُستقبِلَ القِبلَةِ، والخُطبَةُ تُؤدَّى مُستدبِرَ القِبلَةِ".
(٣) زِيدَ في (س): (بتهليلةٍ أو).
(٤) في (س): (تمجيدةٍ)، وفي (ص): (تحميدةٍ).
[ ٤٥٤ ]
وقال أبو يوسفَ ومُحمَّدٌ: لا يُجزِئُه حتَّى يكونَ كلامًا طويلًا يُسمَّى: خُطبةً، كذا أيضًا عند الشافعيِّ، هكذا ذُكِرَ في النهايةِ".
"نه" إنَّ الشرطَ عندَ أبي حنيفةَ: أن يكونَ قولُه: (الحمدُ الله) على قَصْدِ الخِطبة، حتَّى إذا عَطَسَ وقال: (الحمدُ لله)، يريدُ: الحمدَ على عُطاسِه: لا ينوبُ عن الخُطبةِ.
"نه" قال القاضي الإمامُ أبو بكرٍ الزرنكريُّ رحمه الله تعالى: أقلُّ ما يُسمَّى خطبةً عندَهما مقدارُ التشهُّدِ من قولِه: التحيّاتُ (^١)، إلى قولِه: عبدُه ورسولُه.
"نه" (^٢) إذا خَرجَ الإمامُ يومَ الجُمُعَةِ: تركَ الناسُ الصلاةَ والكلامَ، إلى أنْ قالَ: وقالا: لا بأسَ بالكلامِ إذا خرجَ الإمامُ قبل أن يَخطُبَ. وإِذا نَزَلَ (^٣) قبل أن يُكبِّرَ.
وإنَّما قيَّدَ بالكلامِ؛ لِما أنَّ الصلاةَ في هَذينِ الوقتيْنِ: يُكرَه عندَهما أيضًا، والمُرادُ من الصلاةِ: التطوّعُ.
"نه" أمّا صلاةُ الفائتةِ: فتجوزُ وقتَ الخُطبةِ من غيرِ كراهةٍ، كذا في "مُنيةِ المفتي".
"خف" لو تذكَّرَ رجلٌ أنَّه لم يُصلِّ الفجر، والإمامُ في الخُطبة: يُصلِّي الفجرَ ولا يَسمَعُ الخُطبة.
قال القاضي الإمامُ أبو عليٍّ النسفيُّ: كنتُ أفتي زمانًا بأنَّه يُتِمُّ السُّنَّةَ أربعًا قبلَ الجُمُعَةِ، حتَّى وجدْتُ روايةً في "الأمالي" عن أبي حنيفةَ: فيمن شَرَعَ في الأربعِ قبلَ الجُمُعةِ، فخرجَ الإمامُ لِلْخُطبَةِ: أنَّه يُخفِّفُ القراءةَ، ويُسلِّم على رأسِ الركعتينِ، فرَجَعتُ إليها (^٤).
_________________
(١) زاد في (س) و(ص): (اللهِ).
(٢) قوله: (نه): سقط من (س).
(٣) في (س): (ترك). أي: إذا نزلَ الإمامُ مِنَ المنبرِ بعدَ الخطبةِ قبل أن يُكبِّرَ للصلاةِ، فالحكمُ على الخلافِ السابقِ بعدَ خروجِه قبلَ البدءِ بالخطبةِ.
(٤) أي: ذهبتُ إلى هذه الروايةِ، وصرتُ إليها.
[ ٤٥٥ ]
وقيل: يُتمُّها؛ لأنَّ الأربعَ قبلَ الظهرِ بمنزلةِ صلاةٍ واحدةٍ، كذا ذَكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحهِ".
أما في "الفتاوى الظهيريّةِ": قيلَ: يُسلِّمُ على رأسِ الركعتينِ، وقيلَ: يُتِمُّ أربعًا، وهو الصحيحُ، وإليه مالَ الصدرُ الشهيدُ حسامٌ (^١).
وكذا لو شَرَعَ في الأربعِ قبلَ الظهرِ، ثمَّ أُقِيمَتِ الظهرُ.
"نه" اختلفَ المشايخُ على قولِ أبي حنيفةَ: إنما يُكرَهُ كلامُ الناسِ، أمّا التسبيحُ وأشباهُه: فلا، وقال بعضُهم كلُّ ذلكَ، والأوَّلُ أصحُّ، كذا في "مبسوطِ" فخرِ الإسلامِ.
وقالَ صاحِبُ "النهايةِ": الاختلافُ في كلِّ كلامٍ سوى التسبيحِ ونحوِهِ.
"خف" اعلم أنَّ ما يَحرُمُ في الصلاةِ يَحرُمُ في الخطبة، حتَّى لا ينبغيَ أن يأكلَ ويشربَ والإمامُ في الخُطبةِ، ويَحرُمُ الكلامُ إذا كان قريبًا من الخطيبِ (^٢).
"جص" ينبغي أن يَسمَعَ الخُطبةَ، ويَسكُتَ، وكذا لو صلَّى الخطيبُ على النبيِّ ﵇؛ لأنَّ الاستماعَ فَرضٌ بالنصِّ.
إلّا أن يقرأَ الخطيبُ قولَه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فيُصلِّي السامِعُ في قلبه.
وذَكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحِه": هذا قولُ أبي يُوسُفَ، وهذا إذا قَرُبَ من الخطيبِ، فإن بَعُدَ منه: اختلفَ المشايخُ، والأحوطُ: السكوتُ.
_________________
(١) زادَ في (س) و(ص): (الدين).
(٢) سقطَ من (ص): (مِنَ الخطيب)، أي: قريبًا من الخطيب؛ بحيثُ يُشوِّشُ على الخطيبِ، وكذلكَ يَحرُمُ إن كانَ يُشوّش على المصلّينَ، وسيأتي تفصيلُهُ.
[ ٤٥٦ ]
"خف" اختار محمَّدُ بنُ سلمةَ: السكوتَ (^١)، وأمّا دراسَةُ الفُقَهَاءِ (^٢)، والنظرُ في كُتُبِ الفقهِ: مِن أصحابنا مَن كَرِهَ ذلك، ومنهم: مَن قالَ: لا بأسَ بِه.
"خف" (^٣) عن (^٤) أبي يوسفَ: أنَّه كانَ ينظرُ في كتابِه، ويصحِّحُ بالقلمِ وقتَ الخُطبَةِ (^٥).
"خف" لو لم يتكلَّمْ لكنْ أشارَ بيدِهِ أو بعينِهِ حينَ رأى مُنكِرًا: الصحيحُ: أَنَّه لا بأسَ بِه.
(^٦) عن أبي يوسف: يَرُدُّ السلام، ويُشمِّتُ العاطِسَ الحامِدَ.
وعن مُحمَّدٍ (^٧): يَرُدُّ في نفسه؛ بناءً على أنَّه يُمكِنُه أَن يَرُدَّ السلامَ بعدَ الخطبةِ عندَهُ، فلا ضرورةَ.
وعن (^٨) أبي يُوسُفَ: لا يُمكِنهُ بعدَ الخُطبةِ؛ لانقطاعِ الفَوْرِ.
"مم" الخطيب لا يُسلِّمُ على القومِ، ولا يُجيبُ السامِعُ الأذانَ الذي بعدَ خروجِ الإمامِ للخُطبةِ عند أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسفَ ومُحمَّدٍ، كذا في "المَنظومةِ".
_________________
(١) زاد في (ص): (ونصير بن يحيى قراءة القرآن، وعن أبي يوسف أنّه اختار السكوت).
(٢) في (ص): (الفقه).
(٣) سقط من (ص): (خف و).
(٤) قوله: (خف عن): هو في (س): (وعن).
(٥) أي: أنّ أبا يوسفَ ﵁ كان يميل للقول الثاني، وهو جواز مدارسة كتب الفقه، وكأنّ النهي تعلّق بالكلام مع آخرَ، لا بكلِّ عملٍ؛ لأنّ الأعمال الأخرى تلهي فاعلها عن الاستماعِ للخطبةِ؛ لكنّها لا تلهي غيرَهُ ممن حولَه من الناسِ.
(٦) زاد في (س) و(ص): (خف).
(٧) زاد في (س) و(ص): (أنه).
(٨) في (ص): (عند).
[ ٤٥٧ ]
"خف" إقامةُ الجمعةِ في المِصرِ في موضِعَيْنِ: يجوزُ عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ.
ولا يجوزُ في ثلاثةٍ، وعندَ مُحمَّدٍ: أَنَّها تجوزُ في ثلاثةِ مَواضِعَ.
وفي "واقعاتِ" قاضي خان لم يذكُرْ قولَ أبي حنيفةَ، وإنَّما ذكرَ (^١) الاختلافَ بين أبي يوسفَ ومُحمَّدٍ.
وفيه روى أصحابُه (^٢) عن أبي يوسفَ أنَّه لا يجوزُ في مسجدَيْنِ في مصرٍ واحدٍ، إلّا أن يكونَ بينَهما نهرٌ كبيرٌ، حتَّى كان حُكمُه حكمَ المِصرَيْنِ، فإن لم يَكُنْ بينَهما نهرٌ كبيرٌ، فالجمُعةُ لِمَن سَبَقَ، فإن صلَّوا معًا: فَسَدَتْ صلاتُهم جميعًا.
وذُكِرَ في "شرح مَجمَعِ البحرين": أنَّ شمسَ الأئمّة قال في "المبسوطِ": الصحيحُ من مذهبِ أبي حنيفةَ ومُحمَّدٍ: جوازُ إقامةِ الجُمُعَةِ في مصرٍ واحدٍ في مَوضِعَيْنِ وأكثرَ من ذلكَ، وبه نأخذُ.
وقالَ أبو يوسفَ: إِنَّما يجوزُ في مَوضِعَيْن إذا كانَ بينَهما نهرٌ يَحوْلُ بينَهما كبغدادَ، وقد كان يأمرُ بقَطعِ الجسرِ وقتُ الصلاةِ؛ ليتحقَّقَ الفصلُ، وليصيرَ الموضِعَانِ كالمِصْرَيْنِ، فيجوزُ بحُكمِ الضرورةِ.
وإن لم يَكُن نهرٌ حائِلٌ، وصلَّوها في المَوضِعَيْنِ (^٣) فالسابقةُ (^٤) هي الصحيحةُ كما تَلَونا آنفًا، والمتأخِّرونَ: يُصلُّونَ الظهرَ، فإن جَهِلوا السابقةَ و(^٥) أدَّوا معًا: بَطَلَتا (^٦) جميعًا.
_________________
(١) في (ص): (يذكر).
(٢) في (ص): (أصحاب).
(٣) في (ص): (موضعين).
(٤) في الأصل وفي (س): (والسابقة).
(٥) في (ص): (أو).
(٦) زيد في (س): (بطلتا).
[ ٤٥٨ ]
"نه" في "مبسوطِ" شيخِ الإسلامِ إذا أدركَ الإمامَ يومَ الجُمُعَةِ في الركوعِ من الركعةِ الثانيةِ، فإنَّه يصيرُ مُدرِكًا للجُمُعَةِ عندهم جميعًا.
وإن أدركَه بعدَمَا رفعَ رأسَه من الركوعِ من الركعةِ الثانيةِ: اختلفوا فيه، قال أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ: بأنَّه يصيرُ مُدرِكًا للجُمُعَةِ، فيُصلِّي رَكَعَتَيْنِ.
وقال محمَّدٌ وزُفَرُ والشافعيُّ: بأنَّه يُصلِّي أربعًا، إِلَّا أَنَّ الأربعَ ظُهرٌ مَحضٌ على قول الشافعيِّ، حتَّى (^١) لو تركَ القَعدةُ على رأسِ الثانيةِ: لا يضرُّه.
وعلى قولِ مُحمَّدٍ: جمعةٌ من وجهٍ، ظهرٌ (^٢) من وجهٍ، على ما ذُكِرَ في الهدايةِ".
"نه" في "المحيطِ" قالَ الشيخُ الإمامُ أبو حفصٍ: قُلتُ لمُحمَّدٍ: يصيرُ مُؤدِّيًّا الظهرَ بتحريمةِ الجمعةِ، قال: ما نصنعُ وقد جاءَتْ به الآثارُ؟!
كذا ذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ".
مَن صلَّى الظهرَ في منزلِه يومَ الجُمُعَةِ قبلَ صلاةِ الإمامِ، ولا عُذرَ بِهِ: كُرِهَ له ذلكَ، وجازَتْ صلاتُهُ، كذا في "القُدُوريِّ".
فإن بدا لهُ أن يَحضُرَ الجُمُعةَ، فتوجَّهَ إليها بطلَتْ (^٣) صلاةُ الظهرِ عندَ أبي حنيفةَ بالسعيِ.
وقال أبو يوسفَ ومُحمَّدٌ: لا يَبطُلُ حتَّى يَدخُل مع الإمامِ.
"خف" يُستحَبُّ للمريض أن يُؤخِّرَ الصلاةَ إلى أن يَفرُغَ الإمامُ من صلاةِ الجمعةِ، وإن لم يؤخِّر: يُكرَه، وهو الصحيحُ.
_________________
(١) زاد في (س) و(ص): (قال).
(٢) في (س): (وظهر).
(٣) في (س): (بطل).
[ ٤٥٩ ]
وإذا أذَن المُؤذِّنون الأذانَ الأوَّلَ يومَ الجمعةِ: ترك الناسُ البيعَ والشراءَ، وتَوجَّهوا إلى الجُمُعَةِ، كذا في "القُدُوريِّ" وغيرِه.
"نه" في "المبسوطِ" (^١): في الأذانِ المُعتبَر: الذي يَحرُمُ عندَهُ البيعُ، ويجبُ السعيُ إلى الجُمُعَةِ، فكأنَّ (^٢) الطحاويَّ يقولُ: هو الأذانُ عند المِنبَر بعد خروجِ الإمامِ، فإنَّه هو الأصلُ الذي كانَ للجُمُعَةِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ.
والأصحُّ: أنَّ كلَّ أذانٍ يكونُ قبل زوالِ الشمسِ، فذلكَ غيرُ مُعتبَرٍ، والمُعتبَرُ (^٣): أَوَّلُ أذانٍ بعد زوالِ الشمسِ، سواءٌ كان على المنبرِ أو على الزوراءِ: هي بيتٌ في المدينةٍ، يَصعَدُ المؤذِّنونَ ليُؤذِّنوا، وهو (^٤) الذي ذكرَهُ في "المبسوطِ" يُوافِقُ روايةَ "الهدايةِ".
وفي "مبسوطِ" (^٥) شيخِ الإسلامِ: جَعَلَ المعتبر من الأذانِ: الأذانَ الثاني، وهو عندَ المِنبَرِ بعدَ خروجِ الإمامِ.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ": أنَّ (^٦) الأذانَ (^٧) هو الأذانُ الأَوَّلُ.
"خف" القرويُّ إذا دَخلَ المِصرَ يومَ الجُمُعةِ، إن نَوى أَن يَسكُنَ (^٨) ثَمَّةَ يومَ الجمعة: لزِمَتْهُ الجُمُعَةُ.
_________________
(١) زاد في (ص): (اختلفوا).
(٢) في (ص): (وكان).
(٣) زيد في (س): (هو).
(٤) في (ص): (هذا).
(٥) في (ص): (المبسوط).
(٦) سقط من (ص): (أن).
(٧) زاد في (ص): (المعتبر و).
(٨) في (ص): (يمكث).
[ ٤٦٠ ]
وإن نوَى الخروجَ من المِصْرِ من يومِهِ ذلك قبلَ دخولِ وقتِ الصلاةِ: لا يَلزَمُه، وبعدَ دخولِ الوقتِ: يَلزَمُهُ.
قال الفقيهُ: إن نَوى أن يَخرُجَ من يومِه، وإن كانَ بعدَ دخولِ وقتِ الجُمُعَةِ: لا يَلْزَمُه.
"خف" قال الصدرُ الشهيدُ المختارُ أنَّ السائلَ إذا كانَ لا يمرُّ بينَ يدي المُصلِّي، ولا يتخطَّى رقابَ الناسِ، ولا يَسألُ إلحافًا، ويسألُ لأمرٍ لا بدَّ لهُ منه: لا بأسَ بالسؤالِ والإعطاءِ.
* * *
[ ٤٦١ ]