اعلموا إخواني في الهدايةِ (^١)، وأعواني على التقوى: وفَّقنا الله وإيَّاكُم للترقِّي مِنْ حَضِيضِ البشريَّةِ إلى ذُروةِ المَلكيَّةِ، ورزقنا وإيَّاكُم التخلِّي عن صِفاتِ الناسوتيَّة، والتحلِّي بِصِفاتِ اللاهوتيَّة:
إذا حَصَلَ لِلعَبدِ المُكلَّفِ العِلمُ الذي لا بُدَّ مِنْهُ مِن عِلمِ التوحيدِ وعِلمِ العِبادةِ: يجبُ عليه التوبةُ والإنابةُ إلى اللهِ تعالى؛ لأنَّه إذا كانَ صاحِبَ جناياتٍ وذنوبٍ، كيف يُقبِلُ على العباداتِ (^٢)، وهو مُصِرٌّ على المناهِي، ومُتَلَطِّخٌ بأقذارِ المعصيةِ؟!
فيَجِبُ أوَّلًا: أن يتوبَ من المعاصِي، حتَّى يَصلُحَ للخدمةِ وبساطِ القُربَةِ، ويحصُلَ له توفيقُ الطاعةِ.
فإِنَّ شُوْمَ الذنبِ يُورِثُ الحِرمانَ، ويُعقِبُ الخذلانَ.
وإنَّ قيدَ الذُّنوبِ يَمنَعُ عن المشي إلى طاعةِ اللهِ تعالى، والمُسارَعَةِ إِلى خِدمَتِهِ.
وإِنَّ ثِقَلَ الذُّنوبِ يمنعُ من الخِفَّةِ للخيراتِ، والنشاطِ في الطاعاتِ.
وإنَّ الإصرارَ على الذُّنوبِ يُسَوِّدُ القلوب، فيَجِدُها (^٣) في ظُلمَةٍ وحَيْرَةٍ وقَسَاوِةٍ،
_________________
(١) في (س) و(ص): (الهدى).
(٢) في (س) و(ص): (العبادة).
(٣) في (ص): (فتجدها).
[ ٦٠٧ ]
ولا خَلُوص فيها (^١) ولا صَفاءَ، ولا لذَّةَ للطاعةِ.
وإنْ لم يرحمِ الله تعالى، يُستَجَرُّ صاحبُها إلى الكُفرِ والحِرمان والشقاوةِ والخُذلانِ.
يا (^٢) عجبًا! كيف يُوفَّقُ للطاعةِ من هوَ في شُؤمِ المعاصي، وقسوةِ الذُّنوبِ؟!
وكيفَ يُدعَى إلى الخِدمَةِ مَن هوَ مُصِرٌّ على المعصيةِ، مُقيمٌ على الجِنايةِ (^٣)؟!
وكيف يُقَرَّبُ لِلْمُناجاةِ مَن هو مُلطَّخٌ (^٤) بالأقذارِ والنجاساتِ؟!
ففي الخبرِ عَنِ النبيِّ ﵇ أنَّه قالَ: "إذا كذَبَ العبدُ يتنحَّى الملكانِ عن نَتَنِ ما يَخْرُجُ مِنْ فِيه" (^٥)، فكيفَ يَصلُحُ هذا اللسانُ لِذِكرِ اللهِ تعالى، وإِنَّما يَلزَمُ التوبةُ؛ ليَقبَلَ (^٦) عَنهُ عِبادَتَه؛ فَإِنَّ رَبَّ الدَّيْنِ، لَا يَقبَلُ الهديَّةَ.
وذَلِكَ أنَّ التوبةَ عَنِ المعاصي، وإرضاءَ الخُصومِ فرضٌ لازمٌ، وَعامَّةُ العبادةِ التي يَقصِدُها بمنزلةِ نَفلٍ مِنهُ لم (^٧) يُقبَل مِنهُ تَبرُّعُه، والدَّيْنُ عليهِ حالٌّ لم يَقضِهِ.
ثُمَّ أعلم يا أخي: إذا أردتَ التوبةَ مِنَ المعاصي، والإنابةَ إلى اللهِ تعالى، فبرَّأتَ قلبكَ عَنِ الذُّنوبِ كُلِّها، وتُرضِي الخصومَ بما أمكَنَكَ، وتَقضِي الفوائتَ بما تَقْدِرُ،
_________________
(١) في هامش (ص): (منها) ورمز لها (ظ).
(٢) في (ص): (أيا).
(٣) في (س) و(ص): (الجفوة).
(٤) في (ص): (متلطخ).
(٥) رواه الترمذي في "السنن" باب: (ما جاء في الصدق والكذب، برقم: (١٩٧٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، تفرد به عبد الرحيم بن هارون).
(٦) في (ص): (لتقبل).
(٧) قوله: (منه لم) هو في (س) و(ص): (فكيف).
[ ٦٠٨ ]
وتَرجِعُ إلى اللهِ تعالى بالابتهالِ، والتضرُّعِ، والندامةِ، والاستغفارِ، وتذكَّرْ قولَهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
ثمَّ تذهبُ فتغتسل وتغسِل (^١) ثيابَكَ، وتُصلِّي أربعَ رَكَعَاتٍ كما يجبُ، وتضعُ وجهكَ بالأرض في مكانٍ خالٍ لا يراكَ إِلَّا اللهُ تعالى.
ثمَّ تجعلُ الترابَ على رأسِكَ، وتُمَرِّغ وجهَكَ الذي هُوَ أَعزُّ أعضائِكَ في الترابِ (^٢).
قلبٌ حزينٌ، وَصَوتٌ تَذكُرُ ذنوبَكَ واحدًا واحدًا ما أمكنَكَ، وتلومُ نفسَكَ العاصيةَ عليها، وتوبِّخُها، وتقولُ: أما تَستَحيي يا نفسي؟! أمَا آنَ (^٣) لكِ أن تتوبي؟!
ألكِ طاقةٌ بعذابِ اللهِ تعالى وسخطِ (^٤) اللهِ؟! وتَذكُرُ من هذا كثيرًا وتبكِي.
ثمَّ ترفعُ (^٥) يديك إلى ربٍّ رحيمٍ ﷾، وتقولُ (^٦): إلهي عبدُكَ الآبِقُ رَجَعَ إلى بابِكَ، عبدُكَ العاصي رَجَعَ إلى الصُّلْحِ، عبدُكَ المُذنِبُ أَتَاكَ بالعُذْرِ، فاعفُ عنِّي بجودِكَ، وتَقبَّل مِني (^٧) بفضلِكَ، وانظُر إليَّ برحمتِكَ.
فإنَّ بعضَ المشايخِ ﵏ دَعَوا لأهلِ التوبَةِ بهذا الدعاءِ:
_________________
(١) في (س) و(ص): (وتغتسل).
(٢) زيد في (ص): (بدمع جارٍ).
(٣) سقط من الأصل ومن (س): (آن).
(٤) في (س) و(ص): (ألكَ طاقةٌ بسَخَطٍ).
(٥) في (ص): (يرفع).
(٦) في (ص): (ويقول).
(٧) قوله: (وتقبل مني) هو في (س) و(ص): (وتقابل مني).
[ ٦٠٩ ]
"اللهُمَّ، قوِّم (^١) أطفالَ التوبَةِ بنباتِ (^٢) الصبرِ، وارفْق بمرضَى الهوَى في مارستانِ (^٣) البلاءِ، وافتحَ مَسامِعَ الأفهامِ لِقَبولِ ما يَنفَعُ، وسلِّمْ (^٤) سيّارَةَ الأفكارِ من قُطَّاعِ طريقِ الوسواسِ، وأخِرسْ (^٥) طلائعَ المجاهَدَةِ من حَدِيقَةِ كمينِ الخنّاسِ، وأخرجنا إلى نُورِ اليقينِ من هذا الظلامِ، ولا تجعلْنا ممَّن رَأَى الصبحَ فنامَ، ولا تفضَحْنا بعيوبِنا، ولا تؤاخِذْنا بعدَدِ (^٦) ذنوبِنا، برحمتِكَ يا أرحَمَ الراحمينَ".
ثمَّ اعلمْ أيُّها الأخُ التائبُ الطالِبُ: أنَّ الإنسانَ له ظاهرٌ، وهو القالَبُ، ولَه باطنٌ (^٧)، وهو القلبُ.
- والظاهِرُ: محلُّ أحكام الشريعةِ كما تلَونا.
- والباطِنُ: محلُّ أسرار الطريقةِ، والإنسانُ (^٨) بقلْبِهِ لا بقالَبِهِ.
قيلَ نظمًا:
أَقبِلْ على القلبِ واستكمِلْ فضائِلَهُ … فأنتَ بالقلبِ لا بالجسمِ إنسانُ
وإِنَّما تَشرَّفَ الآدميُّ بتَشريفِ القلبِ (^٩)، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بباطنِهِ لا
_________________
(١) في (ص): (قوِّ متن).
(٢) في (س) (بباب)، وفي (ص): (بألبان).
(٣) في (س): (مرستان).
(٤) في (ص): (سلم).
(٥) في (س) و(ص): (واحرس).
(٦) في هامش (ص): (بعدد)، في (ص): (بقدر).
(٧) قوله: (وله باطن) هو في (ص): (وباطن).
(٨) زيد في (س) و(ص): (إنسان).
(٩) قوله: (القلب) سقط من (س) و(ص).
[ ٦١٠ ]
بظاهرِه؛ لأنَّ قلبَهُ مَحلُّ الخِطابِ الذي تميَّزَ به عن (^١) سائِرِ الحيواناتِ، فينزِلُ (^٢) القالَبُ منزلةَ القلبِ القشرَ من اللبِّ، ولا يَبعُدُ، فإنَّ القلبَ إنَّما سُمِّي (^٣) لُبًّا؛ لكونِهِ مقصودًا.
وكذلك الجوزُ واللوزُ وأمثالُهُما المقصودُ منهُما اللبُّ دونَ القِشرِ، ولا وُصولَ إلى اللبِّ إِلَّا بِكَسرِ القِشرِ، ومَنْ قَنِعَ بالقشرِ عن اللبِّ، فاشتَغَلَ (^٤) بِتزييِنِه، فهوَ كصبيٍّ يلعبُ بالجَوْزِ، ويستَأنِسُ بقشرِهِ، ويغفلُ عن لُبِّهِ.
وَرُبَّما يُزيَّنُ القِشرُ بألوانِ الحُمرَةِ والصفرَةِ … وغيرِهما، فيُتلى عليه قولُه تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (^٥) …﴾؟ الآية [الحديد: ٢٠].
ومَن عَرَفَ المقصودَ من الجوزِ (^٦) هو اللبُّ: لا يُبالي بِكسرِ القِشرِ؛ تحقيقًا للوصولِ إلى القلبِ (^٧)، فإن كُنتَ أردتَ أن تَصِلَ إلى لُبِّكَ، وهو قلبُكَ الذي هو عَرْشُ رَبِّكَ، كما قالَ اللهُ تعالى: "لا يَسَعُنِي أرضِي ولا سمائِي، وإنَّما يسعُنِي قلبُ عبدِيَ المؤمنِ": فَعَليكَ بكَسْرِ ظاهِرِكَ، وقَهرِ نَفْسِكَ بحجرِ الرياضةِ، ومُخالفَةِ النفْسِ، وحِرمانِ مُشتهياتِها (^٨).
_________________
(١) سقط من الأصل: (عن)، وزيد في (ص): (من).
(٢) في (س) و(ص): (فنزل).
(٣) قوله: (إنما سمّي) هو في (س) و(ص): (يسمّى).
(٤) في (ص): (واشتغل).
(٥) قوله: (وتكاثر في الأموال والأولاد): لم يذكر في (س) و(ص).
(٦) زيد في (س): (ومن اللوز).
(٧) في (س) و(ص): (اللب).
(٨) زيد في (ص): (ثُمَّ مِنَ الناسِ من يأكُلُ اللبَّ مع قشرِهِ الرقيق التحتانيِّ، ولا يُبالي بخلوُّه عن الطعمِ؛ =
[ ٦١١ ]
ويُشيرُ إلى (^١) ذَلِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ بقولِه: "موتُوا قبلَ أن تَموتوا" (^٢)، وهو قِتالٌ.
وجِهادُها في الله، فهو أمرٌ لازمٌ على الطالبِ، وحقٌّ واجبٌ على السالكِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
وحقيقةُ الجهادِ: رَفعُ وجودِ (^٣) المجازيِّ، فإنَّهُ (^٤) الحِجابُ بينَ العبدِ والربِّ، كما قيلَ: وجودُكَ ذنبٌ لا يُقاسُ لهُ ذَنبٌ.
وكما قالَ ابنُ منصورٍ:
_________________
(١) = لشُّحِّهِ وحرصِهِ، ومنهم من يُزيلُهُ عن اللبِّ كما أزالَ القِشْرَ الفوقانيَّ، ويقولُ: الثاني كالأَوَّلِ في أنَّهما لا يَصلُحانِ للتغذيةِ والتقويةِ؛ فيرميه ويأكل اللبَّ، ومنهم من يَعصِرُ اللبَّ ويأخُذُ الدُّهنَ، ويقولُ: هوَ المقصودُ، ويتركُ الثَّجِيرَ -يعني ثُفْلَهُ- ويقولُ: هذا غِذَاءُ البهائمِ، فلا يليقُ لأربابِ العزائمِ، وإنّما المقصودُ من اللبُّ طعمُهُ، وطعمُهُ بدُهنِهِ، ومنهم من تركَ حظَّ النفسِ منهُ، بل صرفَ الدُّهنَ إلى إيقادِ سراجٍ يستريحُ الخلقُ بنورِهِ، فكلُّ من أَنِسَها من جانبِ طورِ الإرادةِ؛ فإذا أتاها نودِيَ إِنِّي أنا اللهُ رَبُّ العالمينَ، كذلكَ المريدُ إذا كسَرَ النفسَ، وهو القشْرُ الفوقانيُّ الخارجيُّ بالخلوَةِ والمجاهدَةِ وتركِ الحرامِ المحضِ بقِيَ عليه القشرُ التحتانيُّ الباطنيُّ؛ وهو: المَيْلُ إلى الشُّبُهَاتِ بواسطةِ الشهواتِ؛ ينبغي أن يُزِيلَ هذا القشرَ أيضًا، حتى يَسلَمُ له اللبُّ، ثمَّ في هذا اللبِّ ثَجِيرُ حبِّ الجاهِ وطلبُ المنزلَةِ، وذلك حظُّ الأنامِ اللئامِ، كما أنَّ الثجِيرَ طعامُ الأنعامِ، فيتركُهُ ويعصِرُهُ بمعصارِ الزهدِ في الدنيا والتقلُّلِ من الطعامِ والمنامِ والكلامِ، والاعتزالِ عن الناسِ، وتحقيقِ اليأس، حتى يَخرُجَ منه دُهنُ الإخلاصِ: الذي هو المقصِدُ، وهو لا يحصُلُ إلا بكسرِ الظاهرِ وقهرِ النفسِ بمقامِعِ الرياضةِ، والتحمُّلِ والمخالفةِ، وحِرْمَانِ مُشْتَهَيَاتِها).
(٢) في (ص): (على).
(٣) أوردَهُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ في "الإمتاعِ بالأحاديثِ متباينةِ السماعِ" ص: (٩٨)، قال: (هو غير ثابت).
(٤) في (ص): (الوجود).
(٥) في (س): (فإنَّ).
[ ٦١٢ ]
بَيْنِي وَبَينَكَ (إِنِّي) تُزاحِمُني (^١) … فارفَعْ بجودِكِ (إنِّي) مِنَ البَيْنِ (^٢)
كما في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ يعني: تكره (^٣) النفسُ رَفعَ وجودِها.
﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: فيه خيرُ النفسِ، بأنْ يتبدَّلَ أوصافُ الوجودِ الحقيقيِّ، وهو قولُهُ تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ (^٤) وهو مُتابعاتُ (^٥) النفسِ (^٦) بِحرمَانِها عن السعادةِ (^٧) الأبديَّة، واللذَّاتِ (^٨) الروحانيَّةِ، وذَوقِ المواهِبِ الربانيَّةِ.
قولُهُ (^٩) تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أَنَّ في كراهةِ النفسِ (^١٠) ما أودَعَ من راحةِ القُلوبِ.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ حياةَ القُلوبِ في موتِ النفسِ (^١١).
_________________
(١) في (ص): (يزاحمني).
(٢) في (س): (الآمين).
(٣) في الأصل: (تكرهوا).
(٤) زيد في (ص): (وهو شر لكم).
(٥) في (ص): (تمتعات).
(٦) زيد في (س) و(ص): (البهيمية ولذات الجسمانية، وهو ستر النفس).
(٧) في (ص): (سعادة).
(٨) في (ص): (ولذات).
(٩) في (ص): (وقوه).
(١٠) في (س): (النفوس).
(١١) زيد في (ص): (وفي حياةِ النفوسِ موتُ القلوبِ، كما قال: اقتُلوني يا ثِقَاتِي، إِنَّ في قَتْلي حياتي، وحياتي في مماتي، ومماتي في حياتي).
[ ٦١٣ ]
كما (^١) قالَ إبراهيمُ الخوَّاصُ (^٢): النفسُ صَنَمٌ، فَمَن عَبَدَ الصَنَمَ (^٣): فهُوَ كعبدِ (^٤) الصنَمِ، ومَن عَبَدَ اللهَ بالإخلاصِ: فهو الذي قَهَرَ نَفْسَهُ.
وقالَ سُليمان بن داود ﵉: إِنَّ القاهِرَ لِنَفْسِهِ أَشَدُّ مِمَّن يَفتَحُ المدينةَ وَحْدَهُ.
وقال أبو يزيدَ (^٥): من أماتَ نَفْسَهُ يُلفُّ في كَفَنِ الرحمَةِ، ويُدفَنُ في أَرضِ الكَرَامَةِ (^٦).
وقال الواسطيُّ (^٧): السلامةُ (^٨) في مُخالفَتِها البلاءُ (^٩) في مُتابَعَتِها (^١٠)، الطريقُ
_________________
(١) قوله: (كما) سقط من (ص).
(٢) (إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل، أبو إسحاق الخوّاص: (صوفيٌّ، كان أوحدَ المشايخِ في وقتِه، من أقران الجنَيدِ، وُلِدَ في (سرَّ مَن رَأى) وماتَ في جامعِ الريِّ تـ: (٢٩١ هـ) "الأعلام" (١/ ٢٨).
(٣) في (ص): (النفس).
(٤) في (س) و(ص): (يعبد).
(٥) (طيفور بن عيسى البسطامي، أبو يزيد، ويقال: بايزيد، زاهدٌ مشهورٌ له أخبارٌ كثيرةٌ، كان ابن عربيٍّ يُسمّيهِ أبا يزيدَ الأكبرَ، نسبتُهُ إلى بُسطَامٍ: بلدةٌ بين خراسانَ والعراقِ، أصلُهُ منها، ووفاتُه فيها، تـ: (٢٦١ هـ) "الأعلام" (٣/ ٢٣٥).
(٦) زيد في (س) و(ص): (ومن أماتَ قلبَهُ: يُلفُّ في كفَنِ اللعنةِ، ويُدفَنُ في أرضِ العقوبةِ).
(٧) (أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بن مسعودٍ، عمادُ الدين الواسطيُّ البغداديُّ ثم الدمشقيُّ، فقيهٌ كان شافعيًّا). وأقامَ بالقاهرةِ مدّةً خالطَ بها طوائفَ من المتصوّفِة فتصوّفَ تـ: (٧١١ هـ) "الأعلام" (١/ ٨٦).
(٨) في (س) و(ص): (سلامة).
(٩) في (س) و(ص): (وبلائها).
(١٠) قوله: (وروي أن واحدًا كان راكبًا على الأسد، فقيل له في ذلك، فقال: قهرت الجسد وتركت الحسد وذكرت الصمد وركبت الأسد فهذا) زيد في (ص)، وزيد في (ص): (فهذا).
[ ٦١٤ ]
لا يَسلُكُهُ (^١) إِلَّا (^٢) المُجاهدُ (^٣)، وقَاطعُ (^٤) عَقبَاتِ النفسِ، وفي الطريقِ أخطارٌ ومَخاوفُ، فيها لصوصُ الشهَواتِ، والهواجسُ النفسانيَّةِ (^٥)، وعَقَباتُ الأخلاقِ البهيميَّةِ والسبُعِيَّةِ، وفى كلِّ منزلٍ (^٦) من منازِلِهِ حَيَّاتُ الأغيارِ وعقاربُ الأقاربِ، بَل أَضَرُّ مِنَ العقاربِ.
وظُلمَةُ قساوةِ القلبِ أشَدُّ مِن ظُلمَةِ الليلِ البهيمِ، وفي كُلِّ وادٍ مِن أوديَتِهِ (^٧) السباعُ المُهلِكَةُ المتهتِّكِ (^٨) الضارَّةُ، وهِيَ الأخلاقُ الذَّمِيمَةُ: وهي حُبُّ الرئاسَةِ والعِزَّةِ، وذِئبُ الشَرَةِ على الفسادِ، وثعلبُ (^٩) حِيَلِ الشيطانِ، وثُعبانُ نِفاقِ خُوّانِ الإخوانِ، وعَقَارِبُ طَعَنِ المعارِفِ ذاتِ الشمالِ.
فكيفَ يَتَيسَّر للقلبِ العُبورُ على هذِه الأعداءِ (^١٠)، وقُدَّامُهُ رَفيعُ المُرتَقى؛ كُلَّما زَلَّ عنهُ قَدَمُ سائرٍ سالكٍ: فإلى أمُّهُ هاويةٌ، وما أدراكَ ما هيَ، نارٌ حاميةٌ (^١١)، وكُلَّما
_________________
(١) في الأصل وفي (ص): (يسلكُ).
(٢) زيد في (ص): (بقدم).
(٣) في (ص): (المجاهدة).
(٤) في (س): (وقاطع).
(٥) زيد في (ص): (وقطاع الحيل والوساوس الشيطانية).
(٦) في (س): (منزلة).
(٧) في (س): (أودية).
(٨) في (س) (المتهتكة)، وفي (ص): (المستهتكة).
(٩) في (س) و(ص): (وتغلب).
(١٠) زيد في (س) و(ص): (الأعداء).
(١١) قوله: (نار حامية): سقط من (س) و(ص).
[ ٦١٥ ]
ترقَّى درجةً فظنَّ أَنَّه قَرُبَ (^١): بَعْدَ، وأُلْقِيَ بِلَمْحَةٍ مِن ذُروَةِ الجبلِ إِلى حَضِيضِ ما كانَ فيهِ مُنذُ سِنِينَ.
ألا يا أيُّها (^٢) الطالبُ (^٣)، قدْ ضلَّ في هذا الطريقِ خَلقٌ عظيمٌ مِنَ العبادِ المُتَّقِينَ، وأَعِزَّةِ السالكينَ، إِلَّا عِبادَ اللهِ المُخلَصينَ، المُتَشبِّثِينَ بأذيالِ المُرشِدينَ، ولهذا أَمَرَ اللهُ تعالى بِطَلَبِ المُرشِدِ وقال (^٤): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥].
وقال أهلُ التحقيقِ: المُرادُ مِنَ الوسيلةِ: المُرشِدُ، فقالَ ﵇: "الرفيقُ ثمَّ الطريقُ" (^٥)، وقالَ الشيخُ أبو عليٍّ الروذباريُّ (^٦): لو أَنَّ رَجُلًا جَمَعَ العلومَ كُلَّها، وصَحِبَ طوائِفَ الناسِ، لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الرجالِ إلَّا بالرياضةِ بأمرِ شيخٍ مُرشِدٍ.
ومن لم يأخُذ أدَبًا ظاهِرًا، ومُراقَبَةً باطنةً (^٧) مِن مُرشِدٍ يُريدُ به (^٨) عُيُوبَ أعمَالِه (^٩)، ورُعوناتِ نَفْسِهِ: لا يَحصُلُ لهُ السلوكُ.
_________________
(١) زيد في (س) و(ص): (فقد).
(٢) في (س): (أيها).
(٣) زيد في (ص): (السالك).
(٤) زيد في (ص): (الاسم الجليل).
(٥) أورده العجلوني في كشف الخفاء رقم: (٥٣١).
(٦) (محمد بن أحمد بن القاسم، أبو علي الروذباري: (فاضل، من كبار الصوفية، من أولاد الرؤساء والوزراء، له تصانيف حسان في التصوف، أصله من بغداد سكن مصر تـ: (٣٢٢ هـ) "الأعلام" (٥/ ٣٠٩).
(٧) في (ص): (باطنا).
(٨) قوله: (يريد به) هو في (س) و(ص): (يريه).
(٩) في (ص): (أفعاله).
[ ٦١٦ ]
ومن اشتغلَ بالسلوكِ بِلا مُرشدٍ، كَمَن شَهِدَ معركةَ القِتالِ بِلا سلاحٍ، ورامَ أن يَصعدَ إلى (^١) الهواءِ بِلا جَنَاحٍ.
ثُمَّ أعلم أيُّها الطالِبُ: لا يَحصلُ لكَ المقصودُ، إِلَّا بِمُتابَعَةِ النبيِّ ﵇، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١].
ثُمَّ اعلمْ أنَّ الحقيقةَ نتيجةُ الطَّريقةِ، والطَّريقةُ نتيجةُ الشَّريعةِ (^٢)؛ يعني: إذا عمِلْتَهُ بما هو أقربُ إلى الورعِ والتَّقوى مِن (^٣) غيرِ ملاحظةِ (^٤) الرُّخصَةِ: يَظهرُ مِنها آثارُ الطريقةِ، وإذا انفتَحتِ الطريقةُ: يَظهرُ مِنها أسرارُ الحقيقَةِ.
فيقولُ (^٥) الفقيرُ الذليلُ المُحتاجُ (^٦) إلى رحمةِ (^٧) اللهِ تعالى: كُنتُ بمحروسةِ (^٨) خوارزمَ في أيَّامِ رمضانَ، بحضرةِ شيخِي ومُرشِدِي، وبِمنزلةِ رُوحِي في جَسَدي، سألوا عن الشريعةِ والطريقةِ والحقيقةِ، قال الشيخُ: إذا أكلَ الصائمُ عمدًا يَبطُلُ صَومُهُ في الشريعةِ، وإذا اغتابَ يَبطُلُ صَومُهُ في الحقيقةِ (^٩)، [فإذا خَطَرَ بِبالِهِ ما سِوى اللهِ يُفطِرُ (^١٠) صَومُهُ في الحقيقَةِ] (^١١).
_________________
(١) قوله: (إلى) سقط من (س) و(ص).
(٢) زيد في (ص): (كأنك إذا اصطفيت الشريعة).
(٣) قوله: (من) سقط من (س).
(٤) قوله: (من غير ملاحظة) هو في (ص): (غير ملاحظ إلى).
(٥) قوله: (فيقول) هو في (ص): (وفي هذا يقول)، وزيد في (س): (العبد).
(٦) في (ص): (المنتظر).
(٧) في (ص): (جذبة).
(٨) في (س): (بمحروس).
(٩) في (ص): (الطريقة).
(١٠) في (ص): (يبطل).
(١١) ما بين معقوفين سقط من (س).
[ ٦١٧ ]
فلا يكونُ (^١) الوقوفُ على أسرارِ الحقيقةِ، إلَّا بإتيانِ الأعمالِ المبيَّنةِ ببيانِ لسانِ صاحِبِ الشرعِ؛ لأنَّ كُلَّ طريقةٍ تُخالِفُ الشريعَةَ: فهِيَ كفرٌ، وكُلَّ حقيقةٍ لا يَشهدُ عليها الكتابُ والسنَّةُ: فهوَ إلحادٌ وزندقةٌ (^٢).
ومَن زَعَمَ أَنَّ العُبورَ من حُجُبِ البشريَّةِ، والوقوفَ على أسرارِ الطريقةِ والحقيقةِ بغيرِ رياضةٍ بأمرِ مُرشِدٍ، وبِما (^٣) يُخالِفُ الشَّريعةَ: فقد غلبَ عليهِ الضلالُ (^٤) والنسيانُ، واستهواهُ (^٥) الشيطانُ في الأرضِ حَيرانَ، حتَّى أوقَعتْهُ (^٦) في أوديةِ الهِجرانِ، وأهلكَتْهُ في قيعانِ الخُسرانِ، وأسكنَتهُ في مَسكَنِ الخذلانِ، وأَغوَتهُ في بيداءِ الفِراقِ، ومالَهُ في الآخرةِ من خَلَاق.
_________________
(١) في (ص): (يمكن).
(٢) زيد في (ص): (قال الشيخُ الكاملُ المكمَّلُ نجمُ الدين الكبرِي: الشريعةُ كالسفينةِ، والطريقةُ كالبحرِ، والحقيقةُ كالدرِّ، فمَن أرادَ الدُّرَّ رَكِبَ في السفينةِ ثم شَرَعَ في البحرِ ثُمَّ وَصَلَ إلى الدُّرِّ، فَمَن ترَكَ هذا الترتيبَ لم يصِلْ إلى الدُّرِّ، فأَوَّلُ شيءٍ وَجَبَ على الطالبِ هو الشريعةُ، والمرادُ بالشريعةِ أوامرُ اللهِ تعالى ورسولِهِ، من الوضوءِ والصلاةِ والصومِ وغير ذلكَ مِنَ الأوامرِ والنواهِي، والطريقة هو الأخذُ بالتقوَى، ومَا يُقَرِّبُكَ إلى المولى، مِن قَطعِ المنازِلِ والمقاماتِ، وأمّا الحقيقةُ فهِيَ الوصولُ إلى المقصدِ ومشاهدَةِ نُورِ التجلّي، كما قيلَ في الصلاةِ: إنَّ الصلاةَ خِدمَةٌ وقُربةٌ ووَصلَةٌ؛ فالخدمة في الشريعةِ، والقُربَةُ في الطريقةِ، والوَصلَةُ هي الحقيقةُ، والصلاةُ جامعةٌ لهذه الخصالِ الثلاثةِ، كما قيلَ: الشريعةُ أن تعبُدَهُ، والطريقةُ أن تَحضُرَهُ، والحقيقةُ أن تَشهَدَهُ، أمّا طهارةُ الشريعةِ بالماءِ، وطهارةُ الطريقةِ بالتخليةِ عن الهوى، وطهارةُ الحقيقةِ خلوُّ القلبِ عمّا سِوَى اللهِ تعالى. وقالَ الجُنَيدُ ﵀: الطرقُ كلُّها مَسدودةٌ على الخلقِ إلّا على من اقتَفَى أثرَ الرسولِ ﷺ).
(٣) قوله: (بغيرِ رياضةٍ بأمرِ مُرشدٍ، وبما) هو في (ص): (بما).
(٤) في (ص): (الضلالة).
(٥) في (ص): (واستهوته).
(٦) في (س) و(ص): (أوبقته).
[ ٦١٨ ]
ثُمَّ اعلمْ أيُّها الطالبُ المُرتاضُ، فَعليكَ بأربعةِ أُمُورٍ الجوعُ والسهرُ والصمتُ والخَلوةُ.