انتُدِبْتُ إلى تدريسِ فقهِ المالكيّةِ منذ نحو عشرينَ سنةً فدرّستُ تقريرًا لمذهبهم كتابَ الدرّ الثمين للشيخ مياره المالكيّ، وهو شرحٌ لمنظومةِ ابن عاشر الشهيرة باسم: (المرشِدُ المعينُ على الضروريِّ من علومِ الدين)، وهو من أجمع كتبهِم على اختصارِه، فرأيتُ ناظمَها وقد ابتدأَ كتابَهُ بشيءٍ من العقائد والتصوّفِ والسلوكِ قبل أن يخوضَ في الطالبِ بحارَ الفقه، فاستحسنت ذلك منه؛ وودتُ أنّ لنا مثلَهُ، فلمّا أعثرني الله تعالى بهذا الكتاب الذي بين أيدينا عرفتُ أنّه من فضل الله تعالى واختياره للفقير أن حقّق له مراده؛ لما وجدتُه جامعًا من الاعتقاد والفقه والسلوك، فلَهُ الحمدُ والمنّةُ.
وقد جَمع هذا الكتابُ الذي بين أيدينا المباحثَ التي لا يستغني عنها مسلمٌ، وتعلُّمُها فرضُ عين على المكلّفين، كالإيمانِ وأحكامِهِ، وأحكامِ الطهارةِ والصلاةِ
[ ١٣ ]
والصومِ، وبعض آدابِ السلوك والتصوّف، وهو القدرُ الذي لا يَستغني عنه مكلّفُ؛ فإنّ العملَ مبنيٌّ على ركن الاعتقاد، والفقهَ بلا تصوّفٍ كرَمَاد، فإن اشتدّت به عواصف رياح الأهواء أخذتْهُ إلى حيّز التلاعب بالدين والرغبة في الهوى حتّى يُتّخذ الهوى إلهًا من دونِ اللهِ تعالى!
ولا يخفى على منصفٍ أنّ معرفة الأحكام دون تأدّبٍ لا تعني شيئًا في حقّ المرء لنفسه، بل الترقّي في الطاعات والحرص على المكرمات هو ما يبحث عنه العاقل، وهو ما يسعى للتحقّق به عند دراسة الفقه وسائرِ علوم الشرع، إلّا أنّ هذا الباب لا يُكتَب، بل هو بحاجةٍ إلى مربٍّ ناصحٍ، وعالمٍ عاملٍ، ولا يتأتّى ذلك إلا بالصبر على الممارسة والمجاهدةِ على التطبيق؛ وليسَ سبيلُهُ بحالٍ تسويدَ القراطيسِ وإفراغ المحابرِ!
فمن رامَ حقيقةَ الفقه ومنفعتَه لدنياه وآخرتِه فليتأدّبْ بآداب أربابِه، وليسلكْ سبيلهم في مجالسةِ أهلِه وتلقّي الأحوالِ عنهم، والتلقّي من أفواههم، فذلك سبيل المصطفى الذي قيل له: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى﴾.
ولذا وجب على المتفقّه بعد حُسْنِ الإيمان واليقين أن يتعلّمَ من علومِ التزكيةِ والسلوكِ ما يعينُهُ على الترقّي إلى التلذّذ بالتعبّد، ويسلُكُه في مسالك الذين صار هواهم تبعًا لما جاء به الحبيب ﵌. وهذا ما نجده في هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
إلا أنّ المصنّف رحمه الله تعالى تحدّث في باب السلوك في خاتمة كتابه عن بعض تفاصيل أحوال السالكين، وآدابهم وطرقهم في السلوك؛ مستعملًا مصطلحات السادة الصوفيّة، ممّا يعسُرُ فهمُهُ على غير مخالِطِهم، فآثرتُ - لإتمام
[ ١٤ ]
الفائدَةِ المرجوّة - أن أعرضَه على القرّاء كما اختار المصنّف، مع إشارات يسيرة إلى بعض المعاني التي قد لا يتبادر إليها فهم القارئ غير المطّلعِ على منهجهم، وإرشاداتٍ سريعةٍ إلى غوامض عبارات المصنّف رحمه الله تعالى. كما أنّه تناول طريقتَه التي كان عليها، التي تسمّى البايزيديَّةَ، وكان أكثر أتباعها يسكنون بمنطقة سينوب في شمال تركيا على البحر الأسود. ومن يرى جمال تلك البلاد يعرف سبب الراحة النفسيّة التي كان يعيشها أهل تلك العصور، وسيمرّ بنا الحديث عن طريقته السلوكيّة إن شاء الله تعالى في ترجمته.
وقد تفرّد هذا الكتاب بالنقل عن بعض المصادر التي لم يعرف لها نسخ في زماننا، فصار معرفة ما فيها متوقّفًا على من نقل عنها، فإذا وجدنا في الناقلين ثقة عارفًا بالمذهب فهو أولى بصحّة النقل، فجمع فيه المصنّف أقوال من سبقه من أكثر من مائتي مصنّف في الفقه، انتقى من كلّ واحدٍ منها ما تفرّد به، واختار منه ما امتاز به عما سواه من كتب الفقه.
كما أنّ ممّا ميّزَ كتابَهُ هذا أنّه عرضَهُ كما يقول على علماء المذهب المتبحّرينَ فيه بعد إتمامه، كما يقولُ: (ولمّا فرَغتُ من تنميقِه وتعليقِهِ وبذلتُ جهدي في تنقيحه وتهذيبه عرَضتُ على العلماء المتبحّرين والفضلاء المفتين فقبلوه بأحسن قبول) (أعلام الأخيار ٢/ ٣٩٧).