اعلم بأنَّ جواز الوضوء والغُسْلِ اختَصَ بماءٍ مُطلق.
"تف" (^١) الماءُ المطلقُ: ما يتسَارعُ أفهامُ النَّاسِ إليه عند إطلاق اسم الماء: كالعُيونِ (^٢)، والأنهار، والحِياض، والغُدْرانِ، والآبار، والبحار، والأودية.
سواءٌ كان في مَعْدِنِهِ أو في الإناء.
فهو طاهرٌ وطَهُورٌ يزيلُ النَّجاسة عن الثّوب والبَدَنِ حَقيقيةً كانت (^٣) أو حكميَّةً.
وسنذكُرُ الحقيقية والحكميَّة في الباب الثالث إن شاء الله تعالى.
"تف" أما الماء المقيّد: فهو الذي يُستخرَجُ من الأشياء الرَّطْبَةِ بالعِلاج؛ كماء الثَّمار، والبطاطيخ، وماء الوَرْدِ … وما أشبهها، فحُكْمُه: أَنَّهُ طَاهِرٌ غيرُ طَهُورٍ، ولا يجوز الوضوء والاغتسال به، كذا ذكره الكرخي والطحاوي، وكذا أورده الفقيه أبو الليث في كتابه.
"هد" يجوز تطهيرُ النَّجاسة بكل مائع طاهر يمكن إزالتها به؛ كالخل وماء الوَرْدِ ونحوهما (^٤) مما إذا عُصِرَ انْعَصَرَ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
وقال محمّد والشافعي: لا يجوزُ (^٥).
_________________
(١) سقط من (س): (تف).
(٢) (كالعيون) في (ص): (كماء العيون).
(٣) زاد في (س) و(ص): (النجاسة).
(٤) في (س) و(ص): (ونحوه).
(٥) يُنظر لقول الإمام الشافعي ومناقشة المسألة: الحاوي الكبير، للماورديّ (١/ ٥٢).
[ ١١٠ ]
وجوابُ القُدوري: لا يُفرَّقُ بينَ الثّوبِ والبَدَنِ، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يُوسف.
وفي رواية عن أبي يوسف: أَنَّهُ فرَّقَ بينهما، فلم يُجوِّزْ فِي البَدَنِ بغيرِ الماءِ.
"هد" أمَّا الماء الذي يقطُرُ من الكَرْمِ يجوز التوضُّؤ به؛ لأَنَّهُ ماءٌ خرجَ من غيرِ علاج، وإلى هذا إشارة رواية القُدوري -إلى جوازِ التَّوضُّؤ- حيثُ شَرَطَ الاعتِصَارَ، كذا ذكره في جوامع أبي يوسف.
قال تاج الشريعة في شرحِهِ: إِنَّهُ ذكَرَ صاحب "المحيط" عن شمس الأئمة الحلواني: أنَّه لا يجوز.
وأمَّا الماء الجاري إذا وقعَتْ نجاسة بجانبه: جازَ الوضوء منه إذا لم يُرَ لها أثر؛ لأنَّها لا تستقِرُّ مع جريان الماء، كذا في القُدوري وغيره.
"هد" الماءُ (^١) الجاري: ما لا يتكرر استعماله.
وقيل: ما يذهَبُ بِتَبْنِه (^٢).
وقال في "العناية" في تكرار (^٣) استعماله (^٤): إِنَّهُ إذا غَسَلَ يَدَهُ (^٥) وسالَ الماء منها (^٦) إلى النهر، فإذا أخذه ثانيًا لا يكون فيه شيء من الماء الأوّل، وقيل: الأصح ما يعده الناسُ جاريًا.
_________________
(١) في الأصل: (أما الماء).
(٢) التِّبُن: قشر الحنطة، وما يسقط من السنبل، تهذيب اللغة (٢/ ٢٦، ٢٧)، وهو ما تعصف به الروح من الزرع. المحكم والمحيط الأعظم (٩/ ٥٠٣)، وتَبْنُ الماء: ما يحمله الماء من التبن.
(٣) في (ص): (تكرر).
(٤) في (س) و(ص): (الاستعمال).
(٥) في (ص): (يديه).
(٦) في (ص): (منهما).
[ ١١١ ]
وذكر الصدر (^١) الشهيد حسامُ الدِّينِ في كتابه "الفتاوى الكبرى": أنَّ الماء إذا كان يجري ضعيفًا، فأراد إنسان أن يتوضّأ منه، فإن كان وجهه إلى موردِ الماء: يجوز، وإن كان وجهه إلى مَسِيْلِ الماء: لا يجوز، إلا أن يمكث بين كلِّ غَرْفتين مقدار ما يذهبُ الماءُ بغُسالَتِهِ، كذا أيضًا ذكره في "فتاوى الظهيريَّة".
ولو بالَ إنسان في الماء الجاري فتوضَّأَ به إنسان من أسفله: جاز (^٢)، كذا (^٣) في "فتاوى الظهيرية".
وأما الماء المكْرُوهُ: فهو سُؤْرُ الهرَّةِ، والدَّجاجة المخلَّاة، كذا في "القدوري" و"الهداية".
وعن (^٤) أبي يوسف: أنَّ الدَّجاجة إذا كانت محبوسَةً، ويعلمُ صاحبها أَنَّهُ لا قَذَرَ على منقارها لا يكره، واسْتَحسَنَ المشايخ هذه الرواية.
"هد" كذا سُؤرُ سباع الطُّيور مكروهٌ؛ لأنَّها تأكلُ المِيْتَاتِ فَأَشَبَه المخلَّاةَ.
وكذا سُؤرُ سواكن البيوتِ؛ مثل الحيَّةِ والفأرة، فحكمُه: أَنَّهُ طَاهِرٌ وطَهُورٌ يجوزُ به الوضوءُ عند عدم الماء المطلق، ويزيل النجاسة الحقيقية.
والمراد في هذه الآسار: كراهةٌ تنزيهيّةٌ (^٥)، كذا في "خُلاصة الفتاوى".
والسُّؤْرُ: هو بقيةُ الماءِ التي يُبقيها الشارب في الإناء.
_________________
(١) في الأصل وفي (س): (الصدر).
(٢) ما لم يظهر أثر النجاسة في الماء الذي يتوضأ منه، فإن ظهر فلا يتوضّأ به، يُنظر: بداية المبتدي (ص: ٤).
(٣) زاد في (ص): (ذكره).
(٤) في (ص): ("هد" وعن).
(٥) في (س) و(ص): (تنزيه).
[ ١١٢ ]
"جص" قال أبو يوسف في كتابه "الأمالي": لا يُكرَهُ التَّوضُّؤ بِسُؤْرِ الهَرَّةِ حَاصَّةً، كذا أيضًا ذَكَرَ (^١) في "العناية".
وأما في حالةِ أكْلِ الفأرةِ إذا شربت الماءَ على فورها: يتنجس (^٢)، كذا في "الهداية" و"خُلاصة "الفتاوى" و"الكافي"، وكذا سُؤْرُ الآدمي حالَ شُرب الخمرِ، كذا ذكر في "واقعات الحلواني" و"تحفة "الفقهاء".
"هد" سُؤْرُ الآدمي وما يؤكل لحمه: طاهرٌ، وكذا سُؤْرُ الجُنُبِ والحائض والنفساء والكافر.
وذكر في بعض الفتاوى: لو قَدَرَ على ماء مطلق وماء مكروه، وتوضأ (^٣) بالماء المكروه: جاز.
"كا" ومبنى الماء في حكم النَّجاسةِ على الخِفَّةِ؛ دفعًا للحرج (^٤).
"قن" سُئل محمد بن واسع (^٥)؛ أيُّ: الموضعين (^٦) أحبُّ إليكَ؛ من ماءٍ مُخمَّرٍ (^٧)
_________________
(١) سقط من (س) و(ص): (ذكر).
(٢) في (س) و(ص): (ينجس)، أي: ينجس الماء إذا شربت منه الفأرة بعد أكلها مباشرة، وذلك لأنها تأكل النجاسة ويطهّرها مشيها على الأرض، فإذا أكلت ثمّ شربت فإنّها تكون قد شربت قبل أن تَطْهُرَ، فتنجِّسُ الماء.
(٣) سقط من (ص): (و).
(٤) قال الإمام السرخسي في المبسوط (١/ ٤٦): (فإنّ للبلوى تأثيرًا في تخفيف النجاسة).
(٥) محمد بن واسع بن جابر الأزدي، كنيته أبو بكر، فقيه ورع من الزهاد (ت: ١٢٣ هـ). الأعلام للزركلي: (٧/ ١٣٣).
(٦) في (ص): (الوضوئين).
(٧) الماء المخمّر الماء المغطّى المحتفظ به، مجمل اللغة لابن فارس، باب الخاء والميم وما يثلثهما، (ص: ٣٠٢).
[ ١١٣ ]
أو مِن مُتَوَضَّأ العامة؟ قال: من مُتَوَضَّأ العامة.
"قن" سُؤرُ الكلب والخنزير نجسٌ، كذا عند الشافعي (^١).
_________________
(١) زاد في (ص) لوحة كاملة وهي في غير موضعها: (شيء خلافًا لمالك والشافعي رحمهما الله، كذا أيضًا في "خلاصة الفتاوى" وذكر في "التقرير" شرح البَزْدَوِي أَنَّهُ إذا مسَّ فرج نفسه أو غيره بباطن كفه بلا حائل ينتقض الوضوء عند الشافعي ﵀، "خف" لا يجب الوضوء بقبلة بشهوة أو بغير شهوة، ومن النواقض القيء إذا كان ملأ الفم وإن كان أقلَّ لا ينقض، كذا في "القدوري" و"الهداية" "خف" حدُّ ملئ الفم أن يمنعه من الكلام، والمختار أن لا يمكنه الإمساك إلا بكلفة ومشقَّة، ورواية "الجامع الصغير" على هذا المختار، وكذا رواية "الهداية" "جص" قال الشافعي ﵀: لا ينقض في الوجهين يعني ملئ الفم وما دونه، وقال زفر ﵀: ينقض في الوجهين، كذا ذكره في "الهداية" "جص" هذا كله إذا قاء مرَّةَ أو طعامًا أو ماءً، أما إذا قاء بلغمًا إن نزل من الرأس لا ينقض أصلًا، وكذلك إن صعد من الجوف عند أبي حنفية ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: إن كان ملئ الفم نقض، كذا أيضًا في "الهداية" "هد" لو قاء متفرقًا بحيث لو جُمع بملئ الفم فعند أبي يوسف ﵀ يعتبر اتحاد المجلس، وعند محمد ﵀ يعتبر اتحاد السبب وهو الغثيان، ومن النواقض الحكمي النوم مضطجعًا أو متكئًا على أحد وركيه أو مستندًا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط، وكذا الجنون، والإغماء، والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود، كذا ذكر في "القدوري" و"الهداية". "خف" إن نام قاعدًا مستويًا أو واضعا أليتيه على الأرض مستوثقًا مسكته على الأرض ولم يسند ظهره إلى شيء لا ينقض وضوؤه، كذا أيضًا في تحفة الفقهاء". "خف" إن نام قاعدا واضعًا أليتيه على عقبيه لا ينتقض وضوؤه عند أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة ﵀، "خف" إن نام ووضع رأسه على ركبتيه قال بعضهم: ينتقض وضوؤه، وقال عبد الله بن المبارك ﵀: لا ينتقض، كذا في "مقدمة الغزنوي". "خف" إن نام متربعًا لا ينتقض الوضوء، وكذا لو نام متوركًا، وهو أن يبسط قدميه من جانب ويلصق أليتيه بالأرض. "خف" إن نام جالسًا وهو يتمايل فربما يزول مقعده من الأرض وربما لا يزول قال شمس الأئمة الحلواني: ظاهر المذهب لا يكون حدثًا. "خف" إن نام قاعدًا فسقط على الأرض عن أبي حنيفة ﵀: إن انتبه قبل أن يصيب جنبه الأرض لم ينتقض وضوؤه، كذا ذكره أيضًا في "الفتاوى الظهيرية" وفي "النهاية" في هذه الصورة أو [٢١]).
[ ١١٤ ]
وسُؤْرُ سباع الوحْشِ، كالأسدِ والذَّئبِ والفَهْدِ والنَّمِر … وغيرها: نجسٌ عندنا، خلافًا للشافعي، كذا ذكر في "الهداية" و"تحفة الملوك".
"تف" سُؤْرُ الفَرَسِ على قول أبي يوسف ومحمد: طاهر كطهارة لحمه، كذا أيضًا ذكر في "الهداية".
وعن أبي حنيفة روايتان كما في طهارة لحمه.
وأما الماء المشكوك فهو سُؤْرُ الحمار والبَغْلِ؛ فحُكْمُه: أَنَّهُ يُجمَعُ بينه وبينَ التيمُّم (^١) عندَ عدمِ الماء المطلق، وبأيهما بدأ: جاز، كذا في "الهداية".
والأفضلُ: أنْ يَتوضَّأَ أَوَّلًا، كذا ذكر في "شرح الزيادات" لقاضي خان.
وعند زفر: لا يجوز تقديمُ التَّيَمُّم (^٢)، كذا في "الهداية".
"مص" الصحيحُ: أنَّ الشَّكَ فى طَهورِيَّتِهِ (^٣) لا فى طهارته، وهو اختيار عامة العلماء، كذا ذكر أيضًا في "التقرير شرحِ البَزْدَوي"، و"تحفة الملوك".
وذكَرَ أيضًا في ذلك "التقرير" نقلا عن "المبسوط": إِنْ أَصابَ لعابُ ما لا يؤكل لحمُهُ أو عَرقُهُ ثوبًا فصلّى فيه: أجزأه (^٤).
وذكَرَ في ذلك "التقرير" أيضًا: أنَّ لبَنَ الأتانِ طاهر كسُؤْرِها (^٥)، وهو رواية عن
_________________
(١) سقط لفظ: (التيمم) من الأصل.
(٢) وذلك لأنّ طهارة التيمم يقينيةٌ، وإنما صارت ظنيّة لغيرها؛ وهو الشكُّ في وجودِ الماء، أما طهورية الماء المشكوك فيه فمحل نزاع في ذاتِه، فنعمل بما كان أصله يقيني الطهارة وهو التيمم، ويكون الوضوء احتياطًا، فيُفعل أولًا.
(٣) أي كونه مطهرًا لغيره.
(٤) في (س) و(ص): (أجزأته).
(٥) في الأصل وفي (س): (كسؤره).
[ ١١٥ ]
محمد ﵀، وهو اختيارُ البَزْدَويّ وصاحب "الهداية".
وفي ظاهر الرواية: نجسٌ، كذا في "المحيط".
وأما الماء المستعمَلُ: فكلُّ ماءٍ أُزِيلَ به حَدَث أو استُعْمِلَ (^١) في البدنِ على وَجْهِ القُربةِ، كذا في "الهداية" و"القُدوري".
"تف" عند أبي حنفية وأبي يوسف رحمهما اللهُ: يَصيرُ الماءُ مُستعملًا بأحد (^٢) الأمرين؛ بزوال الحدث، أو بإقامة القُربة (^٣) فقط (^٤)، كذا (^٥) في "الجامع الصغير".
"خف" إذا توضّأ للتَّبَرُّدِ أو للتعليم: صار (^٦) الماء مستعملا عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لوجود إسقاطِ الفرض عن الذّمَّةِ.
وعند محمّد: لا يصيرُ مُستعملًا؛ لعدم نيَّةِ القُربة إلى (^٧) الطاعة.
"تف" عند زُفَرَ والشافعي: يصيرُ الماءُ مُستعمَلًا بإزالة الحدثِ لا غير.
"تف" روى أبو يوسف ومحمّدٌ عن أبي حنيفة: أنَّ الماء المستعمل طاهرٌ غيرُ
_________________
(١) في الأصل زيادة: (به).
(٢) في الأصل: (بإحديأح).
(٣) زاد في (س) و(ص): (وعند محمد ﵀ يصير مستعملا بإقامة القُربَةِ). وفي "تحفة الفقهاء" (١/ ٧٩): (عِند أبي حنيفة وأبي يُوسُف يصير المَاء مُسْتَعْملًا بِأحد أمرين؛ بِزَوَالَ الْحَدث، أَو بِإِقَامَة الْقرْبَة. وعند مُحَمَّد يصير مُسْتَعْملا بِإِقَامَة الْقرْبَة لا غير. وعند زفر وَالشَّافِعِي يصير مُسْتَعْملًا بِإِزَالَة الْحَدث لا غير).
(٤) سقط من (س) و(ص) (فقط).
(٥) زاد في (س) و(ص): (ذكر).
(٦) في (ص): (فصار).
(٧) في (س) و(ص): (أي).
[ ١١٦ ]
طهورٍ، وبه أخَذَ محمدٌ، كذا ذكر في "الهداية"، والفتوى على هذه الرواية، وهو أحد قولي الشافعي (^١).
وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنَّه نجس.
إلا أنَّ الحسن روى: أَنَّهُ نجسٌ نجاسةً غليظة وبه أخذ، كذا في "الجامع الصغير".
وروى أبو يوسف: أَنَّهُ نجسٌ نجاسة (^٢) خفيفةً وبه أَخَذَ.
وقال زُفرُ: وهو أحد (^٣) قولي الشافعي:
- إن كان المستعمل غير محدث: فالماء المستعمل طاهر وطهور.
وإن كان محدثًا: فالماء المستعمَلُ طاهرٌ غيرُ طَهور، كذا ذكر أيضًا في "الهداية" و"الكافي" و"الخُلاصَة" في "شرح القُدوري".
والآخَرُ مِن قولي الشافعي -كما قاله محمدٌ-: إِنَّهُ طاهر غير طهور، كذا في "النهاية".
وقال مالك: إنَّهُ طاهر وطهورٌ بكلِّ حالٍ (^٤)، كذا أيضًا في الخلاصة" و"الكافي".
_________________
(١) المنقول عن الإمام الشافعي في ذلك ثلاثة أقوال، أحدها: التوقّف، فقد جاءَ في البيان في مذهب الإمام، للعمراني اليمني (١/ ٤٣): (وهل هو مطهِّرٌ؟ المنصوص للشافعي: أنه غير مطهر، وقال أبو ثور: توقف الشافعي ﵀ في الماء المستعمل، وحكى عيسى بن أبان: أن الشافعي قال: هو طاهر مطهر.
(٢) سقط من (س): (نجاسة).
(٣) سقط لفظ: (أحد) من الأصل.
(٤) نُقل عن الإمام مالك كراهة الماء، وهذا لا يُنافي ما نقلَهُ المصنف، إذ مقتضى الكراهة الطهارة والطهورية، قال الإمام ابن عبد البر القرطبي في الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ١٥٨): (الماء =
[ ١١٧ ]
"تف" مشايخُ بَلْخٍ حقَّقُوا الاختلاف على الوجه الذي ذكرنا.
ومشايخ العراقِ قالوا: إِنَّهُ طاهرٌ غيرُ طهورٍ بلا خلاف بين أصحابنا، واختيار المحققين من مشايخنا هذا، فإنّه هو الأشهرُ عن أبي حنيفة، وهو الأقيس، فإنَّه طاهر.
وذكَرَ في "الهداية": أنَّ الماء المستعملَ يُطَهِّرُ الأنجاس (^١) ولا يُطَهِّرُ الأحداث.
وذكَرَ في "النّهاية" أنَّ الماء المستعملَ يُطَهِّرُ الأنجاس، ورواية "الهداية" أيضًا تشير إلى هذا، كذا في "شرح تاج الشريعة، وهكذا قال الإمامُ التُّمُرتاشيُّ.
وذكر في "تُحفة الحريص في شرح التلخيص" -و"التلخيص" مختصر "جامع الكبير"-: أنَّ الغُسالة الرابعة (^٢) طاهرٌ وطهورٌ.
فإذا وقع الماء المستعمَلُ في الماء القليل، قال بعض العلماء: يجوز ما لم يغلب على الماء المطلق، وهذا هو الصحيح، كذا في بعض الفتاوى.
ثُمَّ متى يصيرُ الماءُ مُستعملا (^٣)؟
"نه" يصيرُ الماء مستعملا وقت زوالِهِ عن العُضو من غير توقف إلى وقتِ الاستقرار في موضع كما زعم بعضُهم، كذا (^٤) أيضًا في "المحيط"، و"الهداية".
قال نجم الدين الزَّاهديُّ الخوارزمي في كتابه "القُنية": لا أحفظ رواية في
_________________
(١) = المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة، إلا أن مالكًا وجماعة من الفقهاء الجِلَّة كانوا يكرهون الوضوء به، وقال مالك ﵀: لا خير فيه، لا أحب لأحدٍ أنْ يتوضّأ به، فإن فَعَل وصلى لم أرَ عليه إعادة الصلاة).
(٢) سقط من (س) و(ص) قوله: (يطهر الأنجاس و).
(٣) أي: ما يتقاطر مع العضو عند غسله رابع مرّة في الوضوء، وكأنه عدّها خارج الوضوء.
(٤) سقط من (ص): (ثم متى يصير الماء مستعملًا).
(٥) زاد في (ص): (ذكر).
[ ١١٨ ]
وَضُوءِ الصَّبي، ولعله مبنيٌّ على اختلافهم في صلاته، فمَنْ جَعَلَها صلاةً حقيقةً جعله مستعمَلًا، ومَنْ جَعَلَها تخلُّقًا واعتيادًا فلا يصيرُ مستعملًا.
وذكر في "الفتاوى الظَّهيريَّة": أنَّ الماء الذي غُسل به (^١) اليدانِ قبل الطعام أو بعده مستعمل.
وذكر في "تحفة الفقهاء": إن تغيَّر الماء في الحِياض والغُدْرانِ بمرور الزَّمانِ فحُكْمُهُ حُكْمُ الماء المطلق، كذا إذا طُبِخَ الماءُ وَحْدَهُ.
"هد" موتُ ما ليس له دمٌ سائلٌ في الماء لا يُنجِّسُهُ، كالبَقٌ والذُّبابِ والزَّنابيرِ والعقارب، ونحوه كالجرادِ والبَراغِيثِ.
وقال الشافعي (^٢): يُفسده، بخلافِ دُودِ الخَلِّ وسُوس الثمار.
_________________
(١) في (س): (غسالة).
(٢) هو أحد قولي الإمام الشافعي، والذي صححه الإمام النووي وجمهور الشافعية: طهارة الماء الذي ماتت فيه، قال الإمام النووي في المجموع (١/ ١٢٩): (فإذا مات ما لا نفس لها سائلة في دون القلتين من الماء فهل ينجس؟ فيه قولان مشهوران في كتب المذهب، ونصّ عليهما الشافعي في الأم والمختصر، وهذه أوّل مسألة ذكر في الأم فيها قولين قال إمام الحرمين: وذكر صاحب التقريب قولًا ثالثًا مُخرجا، وهو أنّ ما يعمُّ لا ينجِّسُهُ كالذباب والبعوض ونحوهما، وما لا يعمّ كالخنافس والعقارب والجعلان ينجِّسُهُ؛ نظرًا إلى تعدّرِ الاحتراز وعدمه، وهذا القول غريبٌ، والمشهور إطلاق القولين، والصحيح منهما أنه لا ينجّسُ الماء، هكذا صححه الجمهور، وقطَعَ به أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي في كتابه الكفاية، وصاحبه أبو الفتح نصر المقدسي في كتابه الكافي وغيرهما، وشدّ المحاملي في المقنع والروياني في البحر ورجّحا النجاسة، وهذا ليس بشيء، والصواب الطهارة، وهو قول جمهور العلماء، بل نسب جماعة الشافعي إلى خرق الإجماع في قولهِ الآخَرِ بالنجاسة، قال ابن المنذر في الأشراف: (قال عوام أهلِ العلمِ لا يَفْسُدُ الماءُ بموتِ الذباب والخنفساء ونحوهما، قال: ولا أعلم فيه خلافًا إلا أحد قولي الشافعي). وكذا قال ابن=
[ ١١٩ ]
"هد" موتُ ما يعيش في الماء لا يفسده؛ كالسَّمكِ والضّفْدِعِ والسَّرطان.
وقال الشافعي: يُفْسِدُهُ إِلا السَّمكَ.
"قن" لا بأس بالتوضُّؤِ بالماء المشمَّس عندنا، ويكره عند الشافعي، كذا في "التهذيب" (^١).
"هد" كلُّ إهابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ إِلا جِلْدَ الخنزير والآدمي، وحرمة الانتفاع بأجزاء الآدمي لِكَرَامَتِهِ.
"هد" ما يمنعُ النَّتْنَّ والفساد فهو دِباغٌ وإنْ كانَ تشميسًا أو تَثْرِيبًا (^٢).
"هد" ما يَطْهُرُ جِلدُهِ بالدباغ يطهُرُ بالزَّكاةِ، وكذا (^٣) لحمه، هو الصحيح، وإن لم يكُنْ مَأكُولًا.
"هد" شعرُ الميتة وعظمُها طاهر، وقال الشافعي: نجسٌ.
"هد" شعرُ الإنسانِ وعظمه طاهر، وقال الشافعي: نجسٌ (^٤).
_________________
(١) = المنذر أيضًا في كتاب الإجماع: (أجمعوا أنّ الماء لا ينجس بذلك إلا أحد قولي الشافعي)، وقد نقل الخطابي وغيره عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ينجُسُ الماء بموتِ العقرب فيه، ونقله بعضُ أصحابنا عن محمد بن المنكدر، وهذان إمامان من التابعين، فلم يخرق الشافعي الإجماع).
(٢) التهذيب في فقه الشافعي، للبغوي (ت: ٥١٦ هـ)، (١/ ١٤٤).
(٣) التشميس: وضع الجلد في الشمس حتى يبس؛ فيمتنع نتنه وفساد الشحم الذي فيه، والتتريب: وضع التراب عليه حتى يشف ما فيه من ماء؛ فيجفّ ولا يُنتن، ومانع النتن يُسمّى دباغة، وهو المطهر، سواء أكان الدباغة المعهودة أو التشميس أو التتريب أو التجفيف بالمجففات الكيميائية أو غيرها.
(٤) في (ص): (كذلك).
(٥) مذهب الشافعيّة خلاف ما نقل المصنّف، قال الإمام النووي في المجموع (١/ ٢٣١): (المذهب نجاسة شعرِ الميتة غير الآدمي وطهارة شعرِ الآدمي)، وقد نَقَلَ أكثر أصحاب الإمام الشافعي عنه نجاسته، لكن رُوِيَ عنه الرجوع عنها، قال الإمام النووي في المجموع (١/ ٢٣١): (وروى إبراهيم =
[ ١٢٠ ]
"هد" تجوز الطهارة بماءٍ خالطه شيءٌ طاهرٌ فغَيَّر أحد أوصافه كماء المد؛ أي: السيل، والماء الذي اختلط به الزّعفران أو الصابون أو الأُشْنانُ، كذا أيضًا في "القُدوري".
"نه" إذا غَيَّرَ الاثنين أو الثلاثة من الأوصاف: لا يجوزُ التوضّؤ به وإن كان المغيِّر شيئًا طاهرا.
لكنَّ المنقول من الأساتذة أَنَّهُ يجوز التوضُّؤُ (^١)، حتّى إِنَّ أوراق الأشجار وقت الخريف تقعُ في الحياض فتغير (^٢) ماءَها من حيث اللون والطعم والرائحةُ، إِنَّهُم يتوضؤون منها من غير نكير.
"نه" سُئل الإمام الفقيه أحمد بن إبراهيم الميداني (^٣) عن الماء الذي يتغيَّر لونه؛ لكثرة الأوراق الواقعة فيه حتَّى يَظهرَ لونُ الأوراقِ في الكَفِّ إِذا رُفع الماء منه: هل يجوزُ التَّوضُؤ به؟
قال: لا، ولكن يجوز شُربُهُ، وغسل الأشياء به (^٤)، فلأَنَّهُ طاهر، وأمَّا عدم جواز التوضُّؤِ به؛ لأنَّهُ لما غلب عليه لون الأوراقِ صارَ الماءُ مقيَّدًا كَمَاء البَاقِلَاء.
"قن" لو اسْوَدَّ الماء بالأوراق: يجوز التوضُّؤ به إذا لم يُعْلِبْ؛ أي: السَّوادُ.
_________________
(١) = البليديُّ عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي). وقد عد شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الحكم بالنجاسة منافيًا للتكريم. أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ١٠).
(٢) سقط من (س): (التوضؤ).
(٣) في (س) و(ص): (فيتغير).
(٤) أحمد بن إبراهيم الميداني، هكذا هو مذكور في الكتب، كتب أصحابنا، وهذه النسبة إلى موضعين: أحدهما ميدان زياد بنيسابور، والثاني إلى محلّةٍ بأصبهان. الجواهر المضيئة (١/ ٥٥).
(٥) زاد في (ص): (أما جواز شربه وغسل الأشياء به).
[ ١٢١ ]
"قن" لو مكث الماء في خابية حتَّى تَغيَّر وأنتَنَ بحيثُ يعسُر (^١) استعماله من شِدَّة نتنه، فهو طاهر كما كان، كذا أيضًا في "مختار الفتاوى".
"نه" إذا طبخ بالماء (^٢) ما يُقصد به المبالغة في التنظيف؛ كالسِّدرِ والحُرُضِ (^٣)، فإنْ تَغيَّر لونه ولكن لم تذهب رقَّتُه: يجوز (^٤) التوضُؤ به، كذا ذكر أيضًا في قاضي خان.
"نه" لو توضّأ بماء (^٥) السَّيْل يجوز وإِنْ خالطَهُ التراب، إذا كان (^٦) غالبًا رقيقًا، فراتًا كان أو أُجاجًا، وإن كان ثخينًا كالطين لا يجوز التوضُّؤ به.
"خف" لو توضأ بماء الملح يجوز (^٧).
"خف" لو توضّأ بماء الثلج إن كان الثلج ذائبًا بحيث يتقاطرُ عن يده يجوز، هكذا (^٨) في النوازل، وإن لم يتقاطر يتيمَّمْ.
وذكر في "واقعات الحلواني": أنَّ ماء الثلج إذا جرى على الطريق وفي الطريق نجاساتٌ، إن تغيَّبت النجاسات في الطين واختلطت، حتّى لا يُرى لونُها ولا أثرها
_________________
(١) في الأصل: (يفسد).
(٢) زاد في الأصل: (مع).
(٣) قال ابن الأنباري (ت (٣٢٨ هـ)، في "الزاهر في معرفة كلام الناس" (٢/ ٢٦٢): (يُروى عن أنس بن مالك أنه قرأ: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، وقال: المعنى: حتى تكون مثل عود الأُشنان. وقال الفراء: الحرض عند العرب: الأُشْنان وقال: نحن بالكوفة نسمي سوق أصحاب الأُشنان: الحرّاضة).
(٤) زاد في (س) و(ص): (به التوضؤ، وإن صار ثخينًا مثل السويق لا يجوز).
(٥) في الأصل: (بالماء).
(٦) زاد في (ص): (الماء).
(٧) سقط من غير (ص) قوله: ("خف" لو توضأ بماء الملح لا يجوز).
(٨) زاد في (س) و(ص): (ذكر).
[ ١٢٢ ]
يجوز أن يتوضَّأ منه، هكذا ذكر أيضًا في "خلاصة الفتاوى"، و"الفتاوى الكبرى".
وذكر صاحب "القُنية" في كتابه "بغية الفتاوى": أنَّ الإمام أبا نصرٍ سُئل عن هذه المسألة أفتى بجواز التوضؤ منه.
"قن" انتهى إلى نهر جامد تحتَ الجَمْدِ ماء، ومعه آلة التثقيب (^١)، يجب (^٢) عليه التثقيب (^٣) والتوضُّؤ منه، وفي بعض الفتاوى يتيمَّمُ.
"كا" سطحٌ كان عليه نجاسةٌ مرئيةٌ أو غير مرئيةٍ، فأصابَ المطر السطح، وأصابَ ذلك الماء الثوبَ إنْ كانتِ السماءُ تُمطِرُ في حالِ ما أصابَ ذلك الماء لم يتنجس الثوبُ، وإن كانت لا تمطر يتنجَّس.
"جص" بعرةٌ أو بعرتان من بَعْرِ الغنم أو الإبل وقعَتْ في بئرٍ لا تُنجِّسه على الاستحسان، والقياسُ أن تُنجِّسَهُ، كذا في "الهداية".
"هد" وجه الاستحسان؛ أنَّ آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة، والمواشِي تَبْعَرُ حولها وتُلقيها الريحُ فيها (^٤)، فجُعل القليل عفوًا للضرورة، ولا ضرورة في الكثير.
وجه القياس: وقوع (^٥) النجاسة في الماء القليل.
والحد الفاصل بين القليل والكثير: الاعتماد على المرْوِيِّ عن أبي حنيفة: أَنَّهُ يفوَّضُ إلى رأي المبتلى، وذكر في الهداية أنَّ الكثير ما يستكثره الناس.
_________________
(١) في (ص): (التقوير).
(٢) سقط من (ص): (يجب).
(٣) في (ص): (التقوير).
(٤) سقط من (س) و(ص): (فيها).
(٥) في (ص): (لوقوع).
[ ١٢٣ ]
"جص" إِنَّ الثلاثَ كثير.
"تف" عن محمَّد: أَنَّهُ اعتبرَ الرُّبعَ، بأن يأخذ رُبعَ وجه الماء.
وقيل: إن كان لا يخلو دلو من بعرة أو بعرتين فهو كثير، وإلا فلا.
وقال: إن أخذ أكثرَ وجه الماءِ فهو كثيرُ (^١).
"هد" لا فرق بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، والروث والخثي والبَعْرِ.
"هد" إن وقع في البئرِ خُرُء الحمامة (^٢) و(^٣) العصفور لا يُفسده، خلافًا للشافعي.
"قن" تقاطرَ البول في البئرِ مثل رؤوس الإبرِ لا يتنجَّسُ.
"جص" (^٤) الحوضُ إِذا انجَمَدَ ماؤه فثُقِبَ (^٥) في موضع، فوقعَتْ فيه نجاسةٌ، أو ولَغَ الكلب، أو توضأ به إنسانٌ، قال الإمام نصيرٌ (^٦)، وأبو بكر الإسكافُ: يتنجس، كذا أيضًا ذكر في "الفتاوى الكبرى".
وقال عبد الله بن المبارك، وأبو حفص الكبيرُ البخاري (^٧):
_________________
(١) في الأصل: (أكثر).
(٢) في (س) و(ص): (الحمام).
(٣) في (س) و(ص): (أو).
(٤) في (س) و(ص): (مص).
(٥) في (س) و(ص): (فنقب).
(٦) لعله: نصير بن يحيى، وقيل: نصر البلخي، تفقّه على أبي سليمان الجوزجاني عن محمد، روى عنه أبو عتاب البلخي، مات سنة ثمان وستين ومائتين رحمه الله تعالى الجواهر المضية (٢/ ٢٠٠).
(٧) أحمد بن حفص، أبو حفص الكبير، أخذ عن محمد بن الحسن، وله أصحاب كثير ببخارى، كان في زمن محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح. تاج التراجم لابن قطلوبغا (ص: ٩٤).
[ ١٢٤ ]
لا يتنجسُ (^١)، كذا في الفتاوى الظهيريّة إذا كان الماء تحتَ الجَمْدِ عشرًا في عشر.
وإن كان الماء متصلًا بالجَمْدِ فالفتوى على قولِ نصير وأبي بكر الإسكاف، وإن كان الماء منفصلًا عن الجَمْدِ يجوز بلا خلاف؛ وهو كالحوض الكبير المسقَّف.
"خف" يتوضأ من الحوض الذي يخافُ أن يكون فيه قذرٌ لا يَسْتَيْقِنُهُ، وليس عليه أن يسأل، ولا يدع التوضؤَ منه حتى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَذَرٌ، حتى لو ظنَّه نجسًا فتوضأ ثم ظهرَ أَنَّهُ طاهر يجوز.
"خف" أمّا حَوْضُ الحمام إذا وقعت فيه نجاسةٌ، قال في "التجريد": عن أبي حنيفة: أنَّها لا تستقرُّ، وهو كالماء الجاري.
"خف" لو حَكَمَ بنجاسةِ الحوضِ الصَّغيرِ، ثم دخل الماء فيه من جانب، وخرج من جانب آخر جاز (^٢).
وقال أبو بكر الأعمشُ: لا يطهر الحوضُ حتّى يخرجَ (^٣) منه مثل ما فيه ثلاثَ مرَّاتٍ.
وقال أبو حفص الهِنْدُوانِيُّ (^٤): يطهر وإن لم يخرج مثل ما فيه، وبه أخذ الفقيه
_________________
(١) سقط من (س): (لا يتنجس).
(٢) سقط من (ص): (جاز و).
(٣) في (س) و(ص): (يخرج).
(٤) لعله أبو جعفر الهندواني، وهو: (محمد بن عبد الله بن محمد، الفقيه أبو جعفر البلخي الحنفي، الهندواني، (المتوفى: ٣٦٢ هـ). كان يقال له من كماله في الفقه: "أبو حنيفة الصغير". يَرْوِي عَنْ: محمد بن عقيل وغيره … تفقّه على أبي بكر محمد بن أبي سعيد الفقيه، أخذ عنه جماعة، وكان يعرف بالهندواني من محلّة باب هندوان … كان من أعلام أئمّة مذهبه). ينظر: تاريخ الإسلام (٨/ ٢٠٧).=
[ ١٢٥ ]
أبو الليث والصدرُ الشَّهيد، وعلى هذا (^١) رواية "الفتاوى الكبرى" و"الفتاوى الظهيريَّة".
وإن دخل الماء ولم يخرج ولكنَّ الناسَ يغترفون منه اغترافًا مقدار ما دخل (^٢)، كذا في "الفتاوى الظهيريَّة".
"خف" حَوْضُ الحمام إذا اغترف رجلٌ منه وبيَدِهِ نجاسةٌ، وكان الماء يدخل من أنبوبة في الحوض، والناسُ يغترفون غَرْفًا مُتدارِكًا لم يتنجَّسِ الحوض (^٣)، كذا في "الفتاوى الكبرى".
وفي بعض الشروح: أنَّ سليمان روى عن أبي يوسف: إن كان الناس يغترفون بالقصاع النجسة من الحوض المذكورِ حُكِمَ بالطَّهارة؛ لأنَّ حُكْمه حكم الماءِ الجاري.
"قن" عن أبي يوسفَ أَنَّهُ خرج من الحمام وأمَّ القوم، ثم أَخبَرَهُ الحَمَّامِيُّ أَنَّهُ كان في خابية الحمام فأرةٌ مَيْتَةٌ، فاغتسل وأعاد الصّلاةَ، ولم يأمر القوم بالإعادة، وقال: اجْتِهَادِي يُلْزِمُ نَفْسِي لا غيرُ (^٤).
_________________
(١) = وفي أخبار أبي حنيفة وأصحابه (ص: ١٦٩): (حَدثنِي القَاضِي أَبو مُحَمَّد العمانِي قَالَ: حضرت أَبَا عَليَّ الشَّاشِيَّ فِي مَجْلِسه وَقد جَاءَهُ أَبُو جَعْفَر الهندواني مُسلِمًا عَلَيْهِ، فَمَا قَامَ إِلَيْهِ، فَأَخذ يمتحنه بمسائل الْأُصُول، وَكَانَت على طرف لِسَانه، فَلَمَّا فرغ امتحن أبا جَعْفَرِ بِشَيْءٍ مِن مَسَائِل النَّوَادِر فَلم يحفظها، فَكَانَ ذَلِك سَبَب حفظ الهندواني للنوادر، وَقَالَ لأبي عَليّ: جِئْتُكَ زَائِرًا لَا متعلّمًا، فَلَمَّا قَامَ نَهَضَ لَهُ أَبُو عَلَى الشَّاشِي).
(٢) سقط من الأصول ما عدا (ص) لفظ: (هذا).
(٣) (مقدار ما دخل) في (ص): (متداركًا طهر).
(٤) لأنه يصبح كالجاري بدخول الماء إليه عبر الأنبوبة وأخذ الناس من أعلاه، فلا يزيد ولا ينقص.
(٥) سقط من (ص): (وقال اجتهادي يلزم نفسي لا غير).
[ ١٢٦ ]
"قن" ولو رأى أقذار الوحش عندَ الماء القليل لا يتوضأ بهِ.
"قن" لو (^١) رأى رَجلًا يتوضَّأُ بماءِ حوضِ نَجْسٍ، يجب عليه أنْ يُخبَرَهُ.
وفي فتاوى أبي حامد (^٢): لا يجب.
وذكر في "فتاوى التُّمُرتاشي" نقلا عن الأنجاس (^٣) لا بأس بأن يَسقي الماءَ النَّجس للبقر والغنم والإبل.
"خف" إذا استَنْجَى في حوض، لا يجوز أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء، كذا أيضًا في "القُنية".
"خف" هل يُشترط تحريك الماءِ حينَ غَسَلَ وجَهَهُ في حوض وسقطَتْ غُسَالةٌ وجهه على الماء؟
قال شمس الأئمة الحلواني في نسخته عن أبي يوسف: لا يجوز التوضُّؤ ما لم يُحرِّك، وإليه مال الفقيه أبو جعفر، كذا في "النهاية" وغيره.
و(^٤) المشايخ جوَّزوا ذلك وإن لم يُحرِّك الماء، كذا في "المحيط" و"النهاية".
"قن" إنَّ أبا يوسف صلَّى بالناس الجمعة وتفرَّقوا، ثم أُخبر بوجودِ فأرةٍ ميْتَةٍ في بئر حمَّام اغتسل منه، فقال: نأخذ بقول أصحابنا من أهل المدينة: إذا بلغ الماء قُلَّتين لا يحملُ خَبثًا.
"تف" أمَّا الماء الرَّاكد؛ أي: الدائم.
_________________
(١) سقط من (س) و(ص): (لو).
(٢) فضل بن محمد بن علي.
(٣) في (س) و(ص): (الأجناس).
(٤) في (ص): (من).
[ ١٢٧ ]
قال عامة العلماء: إن كان الماء قليلًا يتنجَّسُ بوقوع النجاسة، وإن كان كثيرًا لا يتنجس.
والحد الفاصل بينهما: فقال مالك: إن كان بحال يتغير طعمه أو لونه أو رِيحُهُ فهو قليل، وإن كان لا يتغيَّر فهو كثير، كذا في "الهداية".
وقال الشافعي: إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتين فهو كثير لا يحمل (^١) خَبثًا، والقُلَّتانِ عندَهُ مئتان وخمسون مَنًّا كذا أيضًا في "الهداية" و"النهاية".
وأما الحد الفاصل بين القليل والكثير عند علمائنا (^٢): باعتبار الحوض الكبيرِ والصغير، والغدير العظيم؛ سيأتيك بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
"خف" إنْ كان الماء الدائم له طولٌ وعُمْقٌ وليس له عرض -كأنهارِ بَلْخٍ- إن كان بحال لو جُمع يصير عشرًا في عشرٍ (^٣) يجوز التوضُّؤ فيه، كذا في "الفتاوى الكبرى" (^٤) وهذا قول أبي سليمانَ الجُوزَجانيِّ (^٥)، وبه أخذ الفقيه أبو اللَّيثِ، وعليه اعتماد الصدرِ الشَّهيد.
وذكر في "الفتاوى الظهيريَّة": لا يجوزُ (^٦)، هو قول محمد بن إبراهيم الميداني وبه أخذ الإمامُ الزندويستي (^٧).
_________________
(١) في (ص): (يحتمل).
(٢) زاد في (ص): (معتبر).
(٣) أي أذرع.
(٤) في الأصل: "الكبير".
(٥) موسى بن سليمان، أبو سليمان الجوزجاني، صاحب الإمام محمد بن الحسن، أخذ الفقه عنه وروى كتبه. تاج التراجم، لابن قطلوبغا (٢٩٩).
(٦) سقط من (س) و(ص): (لا يجوز).
(٧) علي بن يحيى بن محمد، أبو الحسن الزندويستي البخاري، فقيه (ت: ٣٨٢ هـ) له: روضة العلماء =
[ ١٢٨ ]
وقال (^١) أبو بكر الطَّرْخَانيُّ (^٢) ﵀: لا يجوز وإنْ كان طوله من بخارى إلى سمرقند، وكذا عند محمد ﵀.
وذكر في "الفتاوى الظهيريَّة": أنَّه قيل لأبي بكر الطَّرْخاني: كيف الحيلة؟
قال: يحفرُ حَفيرةً ثم يحفرُ نهيرة (^٣) حتَّى يَسيل الماء إلى الحفيرة ثم يتوضأ من (^٤) ذلك.
"خف" الحوضُ الكبير الذي يجوز التوضؤ (^٥) فيه مقدَّرٌ بعشَرةِ أدْرُع في عشَرةِ أذرعٍ.
وصورته: أن يكون من كل جانب من جوانب الحوض عشَرَةُ أذرعٍ (^٦)، وحول الماء أربعون ذراعًا، هذا مقدار الطول والعرض.
أما مقدار العمقِ إن كان بحيثُ لا تنكشفُ الأرضُ بالاغتراف فهذا القدْرُ يكفي، وعليه الفتوى، هذا إذا كان الحوضُ مُربَّعًا.
أما إذا (^٧) كان مُدوّرًا يُعتبر ثمانية وأربعون ذراعًا، كذا في "الفتاوى الظهيرية"، حتى لو كان دونه لا يجوز.
_________________
(١) = ونزهة الفضلاء. الأعلام للزركلي (٥/ ٣١).
(٢) زاد في (س) و(ص): (الإمام).
(٣) محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر بن طرخان، أبو بكر الإستراباذي، يروي عن جده محمد بن جعفر بن طرخان، وكان جده من أجل فقهاء أصحاب أبي حنيفة في عصره. الجواهر المضية (٢/ ٢١).
(٤) زاد في (س) و(ص): (إلى الحفيرة).
(٥) في (ص): (فيما بين).
(٦) في (ص): (الوضوء).
(٧) سقط من (ص): (وصورته أن يكون من كل جانب من جوانب الحوض عشرة أذرع).
(٨) (أما إذا) في (س) و(ص): (وإن).
[ ١٢٩ ]
وذكر في "النهاية": أنَّ ألفاظ الكُتب قد اختلفت في تعيين الذراع، فجُعِلَ الصحيح في "فتاوى قاضي خان" ذراع المساحة؛ وهي سَبْعُ قبضاتٍ فوقَ كُلّ قبضةٍ إصبع قائمة.
وصاحب "الهداية" اختار الفتوى (^١) ذراع الكرباس؛ وهي سَبْعُ قبضاتٍ (^٢) ليس فوق كل قبضة إصبعٌ قائمة؛ توسعة للأمر على الناس.
"هد" الغدير العظيم الذي لا يتحرَّكُ أحد طرفيه بتحريكِ الطَّرفِ الآخر، الغَديرُ: هو الذي تركَهُ ماءُ السَّيْل (^٣)، إذا وقعَتْ نجاسَةٌ في أحدِ جانِبَيْهِ جازَ الوضوء من الجانب الآخر.
"خف" إذا كانت النَّجاسة الواقعةُ مرئية يتنجّس موضع وقوع النجاسة، وإلى هذا تشير رواية "الهداية".
"خف" يتركُ من موضعِ النّجاسةِ قدر الحوض الصغير، وهي خمس في خمس.
وفي "نهاية الكفاية" لتاج الشريعة أربع في أربع، ثم يتوضّأ فيما وراء الحوض الصغير (^٤)، كذا في "النهاية".
وذكر في "الفتاوى الظهيريَّة" عن أبي يوسف ﵀ في "الأمالي": أَنَّهُ لا يتنجّس إلا ذلك الموضِعُ.
_________________
(١) في (ص): (للفتوى).
(٢) سقط من (س): (فوق كل قبضة أصبع قائمة، وصاحب "الهداية" اختار الفتوى ذراع الكرباس وهي سبع قبضات).
(٣) الغدير: ماء يمضى عنه السيل ويتركه ناقعًا، وسمي الغدير؛ لأنَّ السيل غادَرَهُ. العين للخليل (٥/ ٣٣٧).
(٤) أي: فيما وراء مقداره.
[ ١٣٠ ]
"خف" في بعض النسخ: إن كان من الموضع الذي يتوضأ إلى النجاسةِ عشرة أذرع أو أكثر جازَ (^١)، وإن كان أقل لا.
و(^٢) أما غير المرئية (^٣) فعند مشايخ العراق كالمرئية.
وعند مشايخ بَلْخٍ وبُخارى يجوزُ التوضُّؤ من موضع وقوعِ النَّجاسةِ، وهذا من نُسخَةِ الإمامِ خواهر زاده، كذا ذكر في (^٤) تاج الشريعة.
وذكر في شرح (^٥) "الهداية": المراد بالتَّحريك المنفي (^٦): هو التحريك (^٧) بالارتفاع والانخفاض ساعة تحريكه لا بعد المكث.
ثم اختلف العلماء في سبب التحريك:
-فروى (^٨) أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنَّهُ يُعتبرُ التَّحريك بالاغتسال الوسط، كذا في "الهداية" و"تحفة الفقهاء" وفي (^٩) "النهاية" وبه أخذ أبو يوسف.
-وروى أيضًا أبو يوسف عن أبي حنيفة: يعتبر التحريك باليد لا غير، يعني:
_________________
(١) في (س) و(ص): (يجوز).
(٢) سقط من (س) و(ص): (و).
(٣) النجاسة التي لا تُرى ولا تظهر أوصافها في الماء فتغيّر أوصافه، فتغييرها لوصفٍ من الماء في حكم رؤيتها.
(٤) زاد في (س): (شرح).
(٥) في (س) و(ص): (شروح).
(٦) سقط من (ص): (المنفي) والمراد: اشتراط ألا يتحرك أحد طرفيه، فذلك هو التحريك المنفي.
(٧) في (ص): (التحرك).
(٨) زاد في (ص): (عن).
(٩) سقط من (س) و(ص): (في).
[ ١٣١ ]
يُعتبر التحريك بغسل اليد؛ لأنَّه أخفُّ، فكان الاعتبار به أولى توسعة على الناسِ، كذا في "النهاية".
- وروي عن محمد: أَنَّهُ يُعتبر التحريك بالتوضُّؤ، وهو التحريك (^١) الوسط، كذا في "الهداية" و"تحفة الفقهاء" و"النهاية".
وذهب المتأخّرون إِلى أَنَّهُ يُعرَفُ بشيءٍ آخر غير التحريك: فمنهم اعتبروا (^٢) بالكُدْرَةِ، وقالوا: إذا لم يتكدَّرِ الجانب الآخرُ بتكدير أحد جانبيه فهو الغدير العظيم.
وروى أبو حفص الكبير صاحب محمد بنِ الحسنِ الشَّيباني: أَنَّهُ اعتُبِرَ بالصَّبْغِ، بأن يُلقى زعفرانٌ في جانب منها (^٣)، إذا لم يتصل إلى الجانب الآخر (^٤)، كذا في "النهاية".
ورُوي عن أبي سليمانَ الجُوزَجانيّ: أَنَّهُ اعتُبر بالمساحة، إن كان عشرًا في عشر فهو الغدير العظيم، كذا أيضًا في "الهداية" و"اتحفة الفقهاء" و"خلاصة الفتوى" (^٥) وعليه الفتوى.
وعامة المشايخ أخذوا بقول (^٦) سليمان الجوزجاني.
وعن محمد في النَّوادر: أَنَّهُ سُئل عن الغدير العظيم، فقال: إن كان مثل مسجدي هذا فهو الغدير العظيم، فلما قام مُسِحَ مسجده فكان ثمانيا في ثمانٍ في
_________________
(١) في (ص): (التحرك).
(٢) في (ص): (من اعتبر).
(٣) في (س): (منهما).
(٤) فيكون غديرًا عظيما إذا لم يصل اللون من أحد طرفيه إلى الطرف الآخر.
(٥) في (س) و(ص): (الفتاوى).
(٦) زاد في (س) و(ص): (أبي).
[ ١٣٢ ]
رواية، وعشرًا في عشر في روايةٍ، كذا أيضًا في "النهاية"، وبهذا الاعتبار يحتاج إلى مقدار الذراع، وقد ذكرناه آنفًا في تقدير الحوض الكبير.
"تف" عن أبي سليمان الجوزجاني أن أصحابنا اعتبروا البَسْطَ دونَ العُمقِ.
وقيل (^١): مقدار شبر.
وقيل: مقدار ذراع.
وعن أبي جعفر الهِنْدُواني: إن كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفّه (^٢) لا يظهرُ أسفله فهو عميق، وإن ظهر ليس بعميق كما مرَّ في الحوض الكبير، هكذا ذكر في "الفتاوى الظَّهيريَّة" و"الهداية" و"قنية الفتاوى"، وعليه الفتوى.
نسأل الله تعالى أن يُطهِّر غُدران قلوبنا عن أقذار محبَّةِ الدُّنيا، ويحفظ حياض فُؤادِنا عن ورُودِ الإراداتِ الشَّهوانية النَّفسانية، ويُصفّي بواطنَنا عن كدوراتِ ما سواه، وهو على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جديرٌ، وهو حسبنا ونعم الوكيل (^٣).
* * *
_________________
(١) أي العمق يكون بهذا المقدار.
(٢) اغترافًا وليس رفعا للماء كلّه، فما لم يظهر أدناه عند الاغتراف فهو كثير، إن بلغ طوله وعرضه هذا المبلغ.
(٣) سقط من (س) قوله: (وهو حسبنا ونعم الوكيل).
[ ١٣٣ ]