(^١) الاستنجاء مسح موضعِ النَّجو، وهو ما يخرج من البطن، أو غسله، وجازَ أن يكون السينُ للطلب كاستخرج (^٢). أي: طَلَبَ النَّجْوَ لِيُزِيلَهُ، كذا في النهاية".
"نه" قال شيخ الإسلام: الاستنجاء نوعان: بالحجر والمدر، والاستنجاء بالماء. فالاستنجاء بالأحجار وبما يقومُ مَقَامَها سَنَّةٌ، وَإِتْبَاعُ الماء أدبٌ.
قال مشايخنا: وإنما كانَ كذلك (^٣) أدبا في الزَّمَنِ الأَوَّلِ، فأما في زماننا فسُنَّةٌ.
"نه" الاستنجاء بالأحجار سنَّةٌ مؤكدة عندنا، لو تركها وصلَّى بغير استنجاء أجْزَأَتْهُ صلاته.
وقال الشافعي: بأنَّها (^٤) فريضةٌ لو تركها (^٥) بالأحجار أو بما يقومُ مَقامَها لم تجُزْ صلاته.
_________________
(١) زاد في (ص): (كا).
(٢) في الأصل: (كاستخراج) وهي صحيحة إن كان مقصوده الوزن الصرفي لـ (استنجاء)، لكن الظاهر أنه أراد المعنى لا الوزن الصرفي، ولهذا عقّبه بقوله: أي طلب الإخراج. قال في البناية: معنى الاستنجاء: وهو على وزن استفعال، تقول: استنجى يستنجي استنجاء، والسين فيه للطلب، وهو على قسمين: أحدهما: صريح نحو استكتبته، أي: طلبت منه الكتابة. والثاني: أن يكون تقديرًا نحو استخرجتُ الوتد من الحائط، فليس هنا طلب صريح، بل المعنى له أول المطلق، والحبلى حتى تخرج، ونزل ذلك منزلة الطلب … فإن قلت: الاستنجاء من أيهما؟ قلتُ من الثاني، فإنّ المستنجي لم يزل يتلطف حتى يزول النجو عن موضعه، وهذا هو التحقيق هنا. "البناية" (١/ ٧٤٣).
(٣) في (س) و(ص): (ذلك).
(٤) في (ص): (بأنَّهُ).
(٥) في (س) و(ص): (تركه).
[ ١٤٩ ]
وهذه المسألة فرعٌ لمسألة أخرى، وهي: أنَّ النجاسة إذا كانتْ قَدْرَ الدرهم أو أقل منه (^١) هل يُفترَضُ إزالتها لجواز الصلاة أو لا؟ فعندنا لا يُفترضُ.
وعند الشافعيِّ يُفترضُ كما لو كانت هذه النجاسة على موضعٍ آخرَ، إِلَّا أَنَّ في هذا الموضعِ يَطهُرُ بالحجر والمدرِ، وفي سائر المواضع لا يطهر إلا بالماء.
وذكر في "الفتاوى الظهيرية": إذا تعدَّتِ النجاسة عن موضع النجاسة وتلك النجاسة أكثر من قدر الدرهم يجب إزالتها، وإن كانتْ أقلَّ ولكن إذا ضُمَّتُ إلى موضعِ الاستنجاء يصيرُ أكثر من قدرِ الدرهم لا يُضمُّ عندهما (^٢) خلافًا لمحمد رحمه الله تعالى (^٣).
وذكر في عامة نسخ الفقه: أنَّهُ إذا كان في الصحراء أو بين الجبال فعليه أن يَقعُدَ في موضع مستورٍ بعيدٍ (^٤) عن أبصار الناس.
وينبغي أن تكونَ الأَرضُ رِخْوَةً.
ويقعُدُ في أرض عالية ويَبُولُ إلى أسفل الأرضِ رِخْوَةً.
ويحترِزُ مِن أنْ يُصيب ثيابه أو بدنَهُ مِن قَطَراتِ البولِ.
وينبغي أن يستر غائطهُ.
ويضع أحجار الاستنجاء على يمينه، ثم يضع بعد الاستنجاء على يساره.
والعدد (^٥) ليس بشرط عندنا، وإنَّما المقصود الإنقاء.
_________________
(١) سقط من (س) و(ص): (منه).
(٢) (عندهما) كتب تحتها (عندنا) ورمز لها (خ) أي: أبي حنيفة وأبي يوسف.
(٣) سقط من الأصل: (لمحمد ﵀.
(٤) في الأصل: (أو بعيد).
(٥) زاد في (ص): (في الأحجار).
[ ١٥٠ ]
وعند الشافعيِّ (^١) ثلاثةُ أحجارٍ، كذا في عامةِ كتبِ الفروعِ.
ولا يستنجي بعظْمٍ ولا برَوْثٍ ولا بفَحْمٍ ولا بطعامٍ ولا بعَلَفِ الدوابِّ ولا بيمِينِه، كذا في "القُدوريِّ" و"الهدايةِ"، فإنِ ارتكبَ المنهيَّ (^٢) واستنجى به أجْزَأهُ، كذا (^٣) في شرح أبي نصرٍ الأقطعِ.
ويكرهُ أنْ يقعدَ مستقبِلَ القِبْلةِ أو (^٤) مستدبِرَها، وفي الاستِدْبارِ روايتان، كذا ذكر في "الهدايةِ"، وعند الشافعيِّ ﵀ يجوزُ في البُنيانِ استقبالُ القبلةِ واستدبارُها.
ولا يقعدُ إذا كانتِ الأرضُ صُلْبَةً (^٥).
ولا في ثقبِ فأرةٍ أو حيَّةٍ أو غيرِها.
ولا تحتَ شجرةٍ مثمِرَةٍ، ولا على مَمَرِّ الناسِ.
ولا يَصْحَبُهُ ما عليه اسمُ اللهِ تعالى، كذا ذكر في عامةِ نسخِ الفقهِ.
وأمَّا إذا كانَ في بَلدَةٍ فأرادَ الدُّخولَ في بيتِ الخلاءِ ينبغي أنْ يَلُفَّ كُمَّهُ اليسارَ أولًا ثم كُمَّهُ اليمينَ ثم يأخذُ الإبريقَ بيده (^٦) اليُمنى، فإذا بلغَ بابَ الخلاءِ يقولُ: أعوذُ بُاللهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ النَّجسِ، كذا ذكر في "القُنية"، وذكر في بعضِ الفتاوى: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الرِّجسِ النَّجسِ الخبيثِ المخَبَّثِ منَ الشيطانِ الرجيمِ.
_________________
(١) زاد في (ص): (يشترط).
(٢) في (ص): (النهي).
(٣) زاد في (ص): (ذكره).
(٤) في الأصل وفي (س): (و).
(٥) أي يبول قائمًا، مبتعدًا عن البول بقدر استطاعته؛ إن لم يجد مكانًا رخوًا، وتعذّر عليه ضبط نفسه حتى يجد مكانًا مناسبًا.
(٦) في (س): (بيد).
[ ١٥١ ]
ثم يَبتدئُ بالدخولِ (^١) برجلِهِ اليُسرى، وفي القُعودِ يعتمدُ على يَسارهِ؛ لأنَّهُ أَقْضَى للحاجةِ، كذا ذكر في "القُنية".
ولا يُطيلُ الجلوسَ فإنَّهُ يُورث الباسورَ، كذا ذكر في "شِرعةِ الإسلامِ".
ويَصُبُّ الماءَ (^٢) بيدِه اليُمنى، ويستنجي بيدِه اليُسرى.
وفي الخُروجِ يبتدِئُ برجْلِهِ اليُمنى، ويأخذُ الإبريقَ بيدِهِ اليُسرى.
ويقولُ بعد الخروجِ مِن الخلِاء: الحمدُ لله الذي أَذْهَبَ عنِّي ما يُؤذِيني، وأَمْسكَ عليَّ ما ينفعُني.
"قن" لا يستنجي وبإصبعِهِ اليُسرى خَاتمٌ فيه اسمُ الله تعالى حتى ينزِعَهُ.
وذكر في "فتاوى شرفِ الأئمةِ المكيِّ": استنجى بالماءِ وبيدِهِ خَيْطٌ مشدودٌ لا يطهُرُ بطهارَةِ اليدِ ما لم يُمِرَّ اليدَ بالخيطِ إمرارًا بليغًا، كذا ذكر في "القُنية".
"قن" الأفضلُ: ألَّا يدخلَ بيتَ (^٣) الخلاء وفي كُمِّهِ جامعُ القرآن، وإذا اضطُرَّ لا يأثمُ، وكذا إذا لم يضطرَّ نرجو ألَّا يأثمَ.
وذكر في "الفتاوى (^٤) الظهيريّةِ": أنَّ الاستبراءَ واجبٌ حتى يستَقِرَّ قلبُه على انقطاعِ العَوْدِ، وذلك بالمشيِ أو التَّنَحْنُحِ أو النَّومِ على شِقِّهِ الأيسرِ.
"مغ" الاستنجاءُ: استعمالُ الأحجارِ والماءِ لمسحِ (^٥) النجاسةِ وغسلِها.
_________________
(١) في (س) و(ص): (في الدخول).
(٢) سقط من (ص): (الماء).
(٣) في الأصل: (البيت).
(٤) في (ص): (فتاوى).
(٥) في (س): (بمسح).
[ ١٥٢ ]
والاستبراءُ: نقلُ الأقْدَامِ والرَّكْضُ والتنحنحُ (^١) وعَصْرُ الذَّكَرِ.
والاستنقاءُ: طلبُ النَّقَاوةِ حتى تذهبَ الرائحةُ الكريهةُ.
وذكر في "الفتاوى الكبرى": إذا أصابتِ النجاسةُ أكثرَ مِن قَدْرِ الدرهمِ فاستنجى بثلاثَةِ أحجارٍ ولم يغسِلْ يجزِئُه، وهو المختارُ.
والاستنجاءُ بالماءِ أفضلُ، لكنْ يستنجي بعدَما تَنَحنَحَ وخَطَى خُطُواتٍ.
"هد" لو جاوزتِ النجاسةُ مخرَجَها لم يَجُز (^٢)، كذا في "التقريرِ" شرحِ "البَزْدَويِّ".
وغَسْلُ المخرَجِ بالماءِ بعدَ استعمالِ الأحجارِ أمانٌ مِن عِلَّةِ الباسورِ، كذا (^٣) في "شِرعةِ الإسلامِ".
"هد" يُستعمَلُ الماءُ في الاستنجاءِ إلى أنْ يَقعَ في غالبِ ظنِّهِ أنَّه قد طَهُرَ، كذا في: "خلاصة الفتاوى"، ولا يُقدِّرُ بالمرّاتِ إلّا إذا كان موسوِسًا؛ بكسر الواو الثانية، فيُقَدِّرُ بالثلاث في حقِّه، وقيل: بالسبعِ، كذا في: "خلاصة الفتاوى".
"خف" منهم: مَن شَرَطَ صبّاتِ الماءِ في الاستنجاء عَشْرَ مرّاتٍ.
ومنهم: مَن قال: في الإحليلِ ثلاثًا، وفي المَقعَدِ خمسًا.
والصحيحُ: أنَّه مُفَوَّضٌ إلى رأي المُستنجي، كما تلونا (^٤) آنفًا.
"خف" لو أصاب الماءُ من الاستنجاء بكمِّه أو ذيلِه، إن أصاب الماءُ الأوَّلُ
_________________
(١) زاد في (ص): (والسعال).
(٢) في هامش الأصل: (إلا بالماء) ورمز لها (نخ)، وزاد في (ص): (فيه إلا الماء).
(٣) زاد في (س) و(ص): (ذكر).
(٤) في (س): (تلوناه).
[ ١٥٣ ]
والثالثُ: يتنجَّسُ (^١) نجاسةً غليظةً، وإن أصابَ (^٢) الماءُ الرابعُ: إنَّه يتنجَّسُ (^٣) نجاسةَ الماءِ المُستعمَلِ.
قال الفقيهُ أبو جعفرٍ (^٤): كما يَطهُرُ مَوضِعُ الاستنجاءِ، فكذلك تَطهُرُ اليدُ، كذا في "الفتاوى الظهيريّة".
"مم" توضّأ ثمَّ استنجى: لم يَفسُد وضوؤُهُ.
"قن" مَسْحُ اليدِ على الجدارِ بعدَ الاستنجاءِ أدبٌ، وله أنْ يَمسحَها على جدارٍ مُسبَّلٍ (^٥)، أو مُستأجَرٍ.
"قن" مَن عليه الاستنجاءُ بالماءِ: إذا لم يَجد مَوضِعًا خاليًا عن الناسِ: يَتركُه، كذا ذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّة" و"مُنية المُفتي".
"خف" إذا كان على شَطِّ نَهرٍ، ليس هناك سُترةٌ لو استنجى بالماءِ: قالوا: يَصيرُ فاسقًا (^٦)، كذا ذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّة".
_________________
(١) في (ص): (تنجس).
(٢) في (ص): (أصابه).
(٣) في (ص): (تنجس).
(٤) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزديّ الطحاوي، أبو جعفر: فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر. ولد ونشأ في (طحا) من صعيد مصر، وتفقه على مذهب الشافعيّ، ثم تحول حنفيًّا، ورحل إلى الشام سنة (٢٦٨ هـ) فاتصل بأحمد بن طولون، فكان من خاصته، وتوفي بالقاهرة، وهو ابن أخت المزني تـ: (٣٢١ هـ) "الأعلام" (١/ ٢٠٦).
(٥) الجدار المسبّل: الذي جُعل في سبيل الله تعالى، وهو كالوقف، إلا أنّه قد لا يخرجه المالك من ملكه، بل يجعل منفعته في سبيل الله تعالى، وهو في اللغة كمعنى الوقف، يُنظَر: العين (٧/ ٢٦٣)، قال: "وسَبَّلْتُ مالًا في سبيل اللهِ، أي: وَقَفْتُه".
(٦) لكشفِ عورته.
[ ١٥٤ ]
"خف" في "فوائدِ" الإمامِ أبي جعفرٍ الكبيرِ: لو شُلَّتْ يدُه اليُسرى، ولا يَقدِرُ أنْ يَستنجيَ بها:
- إنْ لم يجد مَن يَصُبُّه الماءَ: لا يَستنجي.
- وإن قَدِرَ على الماءِ الجاري: يَستنجي بنفسِه.
"خف" لو شُلَّتْ كِلا اليدَين: يَمسَحُ يدَه (^١) على الأرضِ؛ يَعني: ذِراعيه مَعَ المِرفقين (^٢)، ووجهَهُ على الحائطِ، ولا يَدَعُ الصلاةَ (^٣).
"خف" الرجُلُ المَقطوعُ: إن بقِيَ مِن مَوضِعِ الوُضوءِ شيءٌ، وإنْ قلَّ؛ يعني: أقلُّ من ثلاثةِ (^٤) أصابعَ: يُفترَضُ غَسلُه.
"خف" إن قُطِعَ اليدانِ والرجلانِ: اختلفَ (^٥) المشايخُ فيه:
- قال بعضُهم: سَقَطَ عنه الصلاةُ.
- وفي "مَجموعِ النوازلِ": إنْ لم يُمكِنْهُ الوضوءُ والتيمُّمُ: لا يُصلِّي عندَ أبي حنيفةَ ومُحمَّدٍ.
- وعندَ أبي يُوسفَ: يُصلِّي بالإيماءِ، كما في المَحبوسِ.
* * *
_________________
(١) في (ص): (يديه).
(٢) في الأصل: (المفرقين)، ولعلَّ الصواب ما أثبت من (س) و(ص).
(٣) وهذا تيمّم بالتراب لا باليد، وهو تيمّمُ ضرورةٍ، فلا يُباح إلّا عند فقد اليدين أو ربطهما خلف الظهر بحيث أن المكلّف به لا يتمكّن من لمس الصعيد بهما.
(٤) في (ص) و(س): (ثلاث).
(٥) في (س): (اختلاف).
[ ١٥٥ ]