التيمُّمُ في اللغةِ: القصدُ. وفي الشريعةِ: هو (^١) القَصدُ إلى الصعيدِ (^٢).
ومَن (^٣) لم يجدِ الماءَ، وهو مُسافِرٌ أو خارِجُ المِصرِ بينَه وبينَ المصرِ مِيلٌ أو أكثرُ: يتيمَّمُ بالصعيدِ، كذا في "القُدُوريِّ" وغيرِه.
"نه" فسّروا الميل بـ: ثلاثةِ آلافِ ذراعٍ وخمسمِئَةِ ذراعٍ … إلى أربعةِ آلافِ ذراعٍ.
"نه" ذكَرَ الإمامُ التمرتاشيُّ الخُوارزميُّ: أنَّ الفرسخَ: اثنا عشرَ أَلفَ خُطوةٍ، والميلَ: ثلثٌ (^٤) منه، وهو أربعةُ آلافِ خُطوةٍ، وذُكِرَ في بعض النُّسَخِ: الخطوةُ (^٥): ذِراعٌ ونِصفُ ذِراعٍ (^٦)، وذلك أربعةٌ وعشرون إصبعًا (^٧).
_________________
(١) في (ص): (وهو).
(٢) في (ص): (للصعيد للتطهير)، وزيد في (س): (الطاهر).
(٣) في (ص): (هد من).
(٤) في النسخ: (ثلاث منه)، وهو خطأ، إذ الفرسخ بقدر ثلاثة أميال، والميل الواحد أربعة آلاف خطوة؛ فيكون الفرسخ اثنا عشر ألف خطوة. وليس الميل بقدر ثلاثة فراسخ كما هو ظاهر عبارة النسخ التي صححناها!
(٥) سقط من الأصل ومن (س): (ثلاثٌ منه، وهو أربعةُ آلافِ خُطوة، وذُكِرَ في بعض النُّسَخِ: الخطوةُ)، وقوله: (الميل) سقط من (س).
(٦) القول بأنّ الذراع هو مقدار الخطوة قول منقول في المذهب باعتبار إضافة أصبع قائمةٍ إلى القبضة، قال في البحر الرائق (١/ ١٤٧): "يمكنُ أن يُقال: لا خلافَ لحملِ كلامِ ابن شجاعٍ على أنَّ مُرادَهُ بالذراعِ ما فيهِ أصبُعٌ قائمةٌ عندَ كلِّ قبضةٍ، فيبلُغُ ذراعًا ونصفًا بذراعِ العامّةِ، ويؤيّدُهُ ما قاله الزيلعيُّ مقتصرًا عليه.
(٧) وقد فصّل أئمّتنا في اشتقاق تلك المقاييس لتنضبطَ؛ فإنّها مما تنبني عليها بعضُ أحكامِ الشريعةِ، جاءَ في البناية شرح الهدايةِ (١/ ٥١١): "ثمّ الميلُ ثُلثُ فرسخٍ: أربعة آلافِ ذراعٍ، قال محمّد بن =
[ ٥١٨ ]
وفرضُ التيمُّمُ: النيّة، وضربتان ضربُةُ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، كذا ذُكِرَ في نُسَخ الفُروع طُرًّا.
"هد" قال زفرُ (^١): النيّةُ في التيمُّمِ ليستْ (^٢) بفرضٍ؛ لأنَّه خَلَفٌ عن الوضوءِ.
- وذَكَرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ": لو ضربَ يديهِ على الأرضِ، ثمَّ أحدثَ قبلَ الإيصالِ (^٣) إلى الوجهِ: قال شمسُ الأئمة الحلوانيُّ: لا يُعيد الضربةَ (^٤).
قال أستاذُنا الشيخُ ظهيرُ الدين: يُعيدُ الضربةَ؛ يعني: لا يجوزُ بها (^٥) التيمُّمُ، كذا أيضًا في "النهايةِ" عن الإمامِ أبي شُجاعٍ (^٦).
_________________
(١) = قدحٍ الشاميُّ: طولُها أربعةٌ وعشرونُ أصبعًا، بعددِ حروفِ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وعرْضُ الأصبعِ ستُّ حباتِ شعيرٍ؛ مُلصقةٌ ظهرَ البطنِ، وزِنَةُ الحبّةِ من الشعيرَةِ ستونَ حبةِ خردلٍ، وهو الذراعُ الملكيُّ، وبه ذَرَعَ هارونُ الرشيدُ الطرقَ، وجعلَ الفرسَخَ ثلاثةَ أميالٍ، والبريدَ اثني عشرَ ميلًا". وفسر ابن شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع، وفسر الغلوة بثلاثمائة ذراع، أي: أربعمائة ذراع كذا في "الذخيرة"، وفي "الينابيع": الميل ثلث الفرسخ أربعة آلاف خطوة، ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربعون وعشرون أصبعًا.
(٢) زيد في (س) و(ص): (إن).
(٣) في (س) و(ص): (ليس).
(٤) في (ص): (الاتصال).
(٥) زيد في (س) و(ص): (قال رحمة الله عليه).
(٦) زاد في الأصل قوله: (به) بعد (بها).
(٧) أبو الفضل، وأبو شجاع، (الفقيه الحنفيُّ الأصوليُّ، نجم الدين التركيِّ الناصريِّ، مولى الإمامِ الناصرِ لدينِ الله الخليفة العباسيِّ). كان إمامًا فاضلًا، بارعًا في الفقه والأصول والعربية، وتصدَّرَ للإقراءِ والتدريسِ والتصنيف. ومن تصانيفه الحاوي في الفقه - نحو القدوريِّ، وله شرحٌ على مصنِّفِ الطحاويُّ في مجلدٍ كبيرٍ سمّاه: النورُ اللامعُ والبرهانُ الساطعُ، توفّي في بغدادَ في أوائلِ شهرِ ربيعٍ الآخر، سنة اثنتين وخمسينِ وستمائةٍ، ودُفِنَ إلى جانبِ قبرِ الإمامِ أبي حنيفةَ "المنهلُ =
[ ٥١٩ ]
- وذَكَرَ في العنايةِ (^١) المسألةَ بحالها: إذا مسحَ بهذه الضربةِ: لم يَجُزْ تيمُّمُه.
- وذَكَرَ الإمامُ الأسبيجابيُّ جوازَه.
ثمَّ ينفضُهُما مرّةً واحدةً في ظاهرِ الروايةِ، كذا رُويَ عن مُحمَّدٍ وعن أبي يوسفَ: ينفضُهما مرَّتينِ، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
وإذا أرادَ أنْ يتيَمَّمَ: ينوي بقلبِه، ويقولُ بلسانِه: اللهمَّ إِنِّي أريدُ أنْ أتيمَّمَ للصلاةِ؛ رفعًا للحدثِ، وتَقرُّبًا إلى اللهِ تعالى، فيَسِّرْه لي، وتقبَّلْه مِنِّي، كذا ذُكِر في بعضِ الفتاوى.
"خف" لو نوى التطهيرَ: جازَ، ولا يُشتَرطُ (^٢) تيمُّمٌ للجنازةِ (^٣) أو للوضوءِ، ذُكِرَ (^٤) في "الهدايةِ".
وقال بعضُهم: لا بدَّ مِنْ ذلك.
"قن" في مريضٍ يُيَمِّمُهُ (^٥) غيرُه: فالنيّةُ على المريضِ دونَ المُيمِّمِ.
"تف" كيفيّة التيمُّمِ:
- يضربُ بيديهِ على الأرضِ.
- ثمَّ ينفضُهما حتَّى يتناثرَ الترابُ، فيمسحَ بهما وجهَه.
_________________
(١) = الصافي والمستكفي بعد الكافي" (٣/ ٣٨٥).
(٢) زيد في (س) و(ص): (أنّ).
(٣) في الأصل وفي (ص): (تشترط).
(٤) قوله: (التّيمم للجنازة): هو في (س) و(ص): (التَّمييز للجنابة).
(٥) في (س) و(ص): (كذا).
(٦) في الأصل: (تُيمِّمُه).
[ ٥٢٠ ]
- ثمَّ يضربُ ضربةً أخرى.
- فينفُضُهما ويمسحُ بأربعِ أصابعَ يدَه اليُسرى على (^١) ظاهرِ يدِه اليُمنى من رأسِ (^٢) الأصابعِ إلى المرافقِ (^٣).
- ثمَّ يَمسَحُ بكفِّه اليُسرى باطِنَ يدِه اليُمنى إلى الرسُغِ.
- ويُمِرُّ باطِنَ إبهامِه اليُسرى على ظاهِر إبهامِه اليُمنَى.
- ثمَّ يفعلُ باليدِ اليُسرى كذلكَ، وهذه أحوطُ.
"خف" لا يجوزُ التيمُّمُ بأقلَّ من ثلاثةِ (^٤) أصابعَ، وهو والمسحُ سواءٌ.
"كا" ينبغي:
- أن يضعَ بطنَ كفِّهِ اليسرى على ظهرِ كفِّهِ اليُمنى.
- ويمسحَ بثلاثةِ أصابعَ أصغرُها ظاهرَ (^٥) يدهِ (^٦) اليُمْنَى إلى المرفقِ.
- ثمَّ يَمسحُ باطِنَه بالإبهامِ والمُسبِّحَةِ إلى رؤوسِ الأصابعِ.
- ثمّ يفعل باليدِ اليُسرى كذلكَ.
- ثمَّ يتخلَّل (^٧) أصابعَه.
_________________
(١) قوله: (على): سقط من (ص).
(٢) في (ص): (رؤوس).
(٣) في (س) و(ص): (المرفق).
(٤) في (س) و(ص): (ثلاث).
(٥) سقط من الأصل: (ظاهر).
(٦) في الأصل وفي (ص): (يديه).
(٧) في (س) و(ص): (يخلل).
[ ٥٢١ ]
وذَكَرَ في "واقعاتِ" الحلوانيِّ: لو تركَ تخليلَ الأصابعِ: لم يجُز، وهو المُختارُ.
"خف" الاستيعابُ فرضٌ في التيمُّمِ، كذا في "الهدايةِ" و"الكافي" و"الكنزِ"، حتَّى لو تركَ شيئًا قليلًا من مَواضعِ التيمُّم: لا يُجزِئُه، فلا بدَّ من نزع الخاتَمِ والسوارِ، وتخليلِ الأصابع، ومسحِ ما فوقَ العينينِ وتحتَ الحاجبينِ.
"خف" في روايةِ الحسنِ عن أبي حنيفةَ: الاستيعابُ ليسَ بشرطٍ، حتَّى (^١) لو مسحَ أكثرَ الكفِّ والذراعينِ: يجوزُ، فعلى هذه (^٢) الروايةِ: لا يجبُ نزعُ الخاتَمِ وتخليلُ الأصابعِ، كذا أيضًا في "الكافي".
"خف" لو بدأ بذراعَيْهِ في التيمُّمِ أو مكثَ (^٣) في تيمُّمِ (^٤) وجهِهِ ساعةً: جازَ؛ بناءً على مسألِة: الترتيبِ والمُوالاةِ، وقد مرَّ في: (الوضوءِ).
"تف" إِنْ تَيَمَّمَ بالغُبارِ؛ بأنْ يضرِبَ (^٥) يدَه على ثوبٍ (^٦) أو لِبْدٍ، فارتفعَ غُبارُه، أو على الذهبِ والفضّةِ أو على الحبوبِ غبارٌ، فتيمَّمَ وهو يقدِرُ على الصعيدِ: جازَ عندَ أبي حنيفةَ ومُحمَّدٍ، كذا في "الهدايةِ". خلافًا لأبي يوسفَ، كذا في "الفتاوى الظهيريّةِ". إلّا إذا كانَ لا يقدِرُ على الصعيدِ: يجوزُ، كذا في "النهايةِ".
"خف" أجمعوا على أنَّه:
- إذا لم يكن عليهِ غُبارٌ: لا يجوزُ.
_________________
(١) زيد في (ص): (حتَّى).
(٢) في الأصل وفي (ص): (هذا).
(٣) في (س): (ومكث).
(٤) في (ص): (بعدما تيمم).
(٥) في (س) و(ص): (ضرب).
(٦) في (س): (ثوبه).
[ ٥٢٢ ]
- ولو أصابَ الغُبار وجهه ويديه، فمسح به: يجوزُ.
- ولو لم يمسَح: لا يجوزُ، كذا في "الفتاوى الظهيريّةِ".
"تف" اختلفَ العلماءُ في: أنَّ وقتُ التيمُّمُ أوَّلُ وقتِ الصلاة أو وسطُه (^١) أو آخرُه.
رَوى المُعلَّى عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ ﵏: أَنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى طَمَعٍ من وجودِ الماءِ في آخرِ الوقتِ يؤخِّرُ إلى آخرِ الوقتِ، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى" و"الكنز".
إلا أنَّ في "خُلاصةِ الفتاوى" قال: لا يَضُرُّ التأخيرُ ما لم تقَعِ (^٢) الصلاةُ في وقتٍ مَكروهٍ، ولا يؤخِّرُ إِلى آخرِ وقتِ المُستَحَبِّ (^٣).
_________________
(١) في (س) و(ص): (أوسطه).
(٢) في (س) و(ص): (يقع).
(٣) أورَدَ ابن نجيمٍ في البحر الرائق شرح كنز الدقائق (١/ ١٦٣) تفصيلًا مفيدًا في هذه المسألةِ فقال: "وهل يؤخِّرُ عندِ الرجاءِ إلى وقتِ الاستحبابِ أو إلى وقتِ الجوازِ؟ أقوالٌ: ثالثها: إن كانَ على ثقةٍ: فإلى آخِرِ وقتُ الجوازِ، وإن كان على طمعٍ فإلى آخرِ وقتِ الاستحبابِ، وأصحُّهَا الأوّلُ كذا في "السراجِ الوهاج" والحقُّ ما في "غاية البيان" فإنَّ محمَّدًا ذَكَرَ في الأصلِ أن تأخيرَ الصلاةِ أحبُّ إليَّ، ولم يُفصِّل بين الرجاءِ وغيرِه. والذي في "مبسوط" شمس الأئمةِ إنَّما هو: إذا كانَ لا يرجو: فلا يؤخِّرُ الصلاةَ عن وقتِها المعهود، أي: عن وقتِ الاستحبابِ، وهو أوَّلُ النصفِ الأخيرِ مِنَ الوقتِ في الصلاةِ التي يُستحبُّ تأخيرُها. أمّا إذا كانَ يرجو: فالمستحبُّ تأخيرُها عن هذا الوقتِ المستحبِّ، وهذا هو مرادُ من قالَ بعدَمِ استحبابِ التأخيرِ إذا كانَ لا يرجو، وليسَ المرادُ بالتعجيلِ الفعلَ في أوَّلِ وقتِ الجوازِ حتَّى يلزمَ أن يكونَ أفضلَ، ويدلُّ على ما قُلنَاهُ ما ذكرَهُ الإسبيجابيُّ في شرحِ مختصرِ الطحاويِّ بقولِهِ: وإن لم يكن على طمعٍ من وجودِ الماءِ؛ فإنَّه يتيمَّمُ ويُصلِّي في وقتٍ مستحبٍّ، ولم يقُلْ يُصلِّي في أوَّلِ الوقتِ. أهـ.
[ ٥٢٣ ]
وقال حمّادٌ: لا يُؤخِّرُ إلى آخرِ الوقتِ، ما لم يتيقّنُ لوُجُودِ الماءِ في آخرِه، وهو قولُ الشافعيِّ (^١).
وقال مالِكٌ: يُستَحَبُّ له أن يتيمَّمَ في وسطِ الوقتِ (^٢).
وذُكِرَ في "العنايةِ": أنَّ عادِمَ الماءِ عندَ الشافعيِّ - وإِنْ رَجَا أن يجدَه في آخرِ الوقتِ - يُقَدِّمُ (^٣) الصلاةَ.
والتيمُّمُ من الحدثِ والجنابةِ والحيضِ والنفاسِ سواءٌ، كذا في نُسَخِ الفروعِ طُرًّا، وقد مرَّ تفسيرُ الحيضِ والنفاسِ في (البابِ الرابعِ).
_________________
(١) وعند الشافعيّة تفصيلٌ في هذهِ المسألةِ أيضًا، قال في أسنى المطالب في شرح روض الطالب (١/ ٧٣): "قال في "المهذَّبِ": وإن دُلَّ على ماءٍ ولم يخَفْ فوتَ الوقتِ، ولا انقطاعًا عن رِفقَةٍ، ولا ضررًا في نفسِه وماله؛ لزِمَهُ طلبُهُ، قال النوويُّ في شرحِهِ: هذا هو المذهبُ الصحيحُ المشهورُ، بِهِ قطعَ العراقيّونَ وكثيرٌ من الخراسانييّنَ أو أكثرُهم (قولُه فانتظارُهُ أَفضلُ) ثُمَّ إِنَّما يكونُ التأخيرُ أفضلُ: أنْ لو كانَ يُصلّيها منفردًا أو في جماعةٍ في الحالَيْنِ، أما لو كانَ لو قدَّمَها بالتيمُّمِ لصلّاها جماعةٌ ولو أخّرَهَا لانفردَ؛ فالوجهُ أنَّ التقديمَ أفضلُ".
(٢) نصَّ المالكيةُ على استحبابِ التيمّمِ في أوّلِ الوقتِ المختارِ، في حق من لا يرجو الماءَ، ونصوا على أنّه يُصلَّى في وسطِ الوقتِ للمتردّدِبينَ وجودِ الماء وعدمه، وجوازِ تأخيرِهِ إلى آخرِهِ للراجي حصولَ الماءِ، جاءَ في شرحِ مختصرِ خليلٍ للخرشّي (١/ ١٩٤): "يتيمَّمُ استحبابًا أوَّلَ المختارِ؛ ليَحُوزَ فضيلةَ أوْلِهِ إِذا فاتَتُهُ فضيلةُ الماء والمتردّدِ في لحوقِه مع تيقّنِ وجودِهِ أو في وجودِهِ للجهلِ به: وسطَهُ؛ بحيث يوقِعانِ الصلاةَ في آخرِ ما يقعُ عليه اسمُ أوَّلِ الوقتِ؛ لئلا يَفُوتَهُما الفضيلتانِ، ومثلُهُما الخائفُ من لصوصٍ ونحوِها، والمريضُ الذي لا يَجِدُ مُنَاوِلًا، والمسجونُ، وظاهرُ كلامِ المازريِّ أن التأخيرَ مستحبٌّ، ونصَّ عليهِ صاحبُ الكافي في الراجي الآتي، قال بعضُهُم: وهو خلافُ ما يذكرُهُ المؤلفُ من إعادةِ المخالفِ في الوقتِ فإنَّ ظاهرَهُ الوجوبُ (ص) … وهذا التفصيلُ بين الآيِسِ وغيرِه إنَّما هو في الوقتِ المختارِ، أمّا لو ذكَرَ ذلكَ في الوقتِ الضروريِّ تيمَّمَ حينئذٍ من غيرِ تفصيلٍ بينَ آيسٍ وغيرِهِ، وهو ظاهرٌ".
(٣) في (س): (تُقدَّم).
[ ٥٢٤ ]
وذَكَرَ في "مُختارِ الفتاوى": أنَّ التيمُّمُ يجوزُ قبل الوقتِ، كذا في تفاريعِ الفقهِ طُرًّا، ويصلِّي بتيمُّمِهِ ما شاءَ من الفرائضِ والنوافلِ في الوقتِ وبعدَ خُروج الوقتِ، ما لم يُحدِثْ ولم يَقدِرْ على استعمالِ الماءِ، كذا في "القُدُوريِّ" و"الهدايةِ" وغيرِهما.
"هد" عندَ الشافعيِّ يتيمَّمُ لكلِّ فرضٍ.
"خف" لو تيمَّمَ جُنُبٌ أو حائضٌ من مكانٍ، ثمَّ وَضَعَ آخَرُ يدَه على ذلكَ المكانِ، فتيمَّمَ: أجْزَاهُ، والمُستعمَلُ: الترابُ الذي (^١) في الوجهِ والذراعينِ.
"مم" مُتيمِّمٌ عن حدثٍ، وآخرُ عن جِنابةٍ: فالذي عن جِنابةٍ أولى بالإمامةِ.
وينقضُ التيمُّمَ كلّ شيءٍ ينقضُ الوضوءَ، وينقضُه أيضًا وِجدانُ الماء، وهو القدرةُ على استعمالِه، كذا في "القدوريِّ" و"الهدايةِ" وغيرِهما.
"هد" خائفُ العدوِّ والسبُعِ عاجِزٌ حُكمًا.
"هد" المُرادُ مِنَ (الماء): ما يَكفي للوُضوءِ.
وذُكِرَ في "التقريرِ شرحِ البزدويِّ": أنَّ الجُنبَ أوِ المُحدِثَ إذا وجدَ ماءً لا يكفي للاغتسالِ أو الوضوءِ: يجوزُ لَهُ التيمُّمُ عندنا.
وفي أحدِ قولَي الشافعيِّ: لا يجوزُ التيمُّمُ قبلَ استعمالِ ذلكَ القَدْرِ من الماءِ، ويتيمَّمُ للباقي.
"خف" لو كانَ ماءٌ يكفيهِ للوُضوءِ، غيرَ أنَّه يخافُ العطشَ: يتيمَّمُ، وكذا لو كانَ يخافُ على دابَّتِهِ، وكذا لو كانَ أكثرُ من ماءِ الوضوءِ: يجزِئُهُ التيمُّمُ إِنْ كَانَ يَخافُ العطشَ.
_________________
(١) زيد في (ص): (استعمل).
[ ٥٢٥ ]
وماءُ الرَّحْلِ (^١) مُعَدٌّ للشُّربِ لا للاستعمالِ، كذا في عامّةِ كُتُبِ الفقه.
"خف" لو كانَ في طينٍ طاهِرٍ: لا يتيمَّمُ بِه؛ بل يُلطِّخُ بعضَ ثيابِهِ أو جسدِهِ، ويتركُه حتَّى يجِفَّ، ثمَّ يتيمَّمُ بِه، كذا ذُكِر في "النهاية".
وقال: إنَّما أمرَهُ بالتلطُّخِ؛ احتيالًا (^٢) للتوصُّلِ إلى إقامةِ الصلاةِ، ومعَ هذا لو تيمَّمَ بالطينِ على الخلافِ.
قال (^٣) الكرخيُّ: يجوزُ التَّيمُّمُ بالطينِ.
وذُكِرَ في الفتاوى الظهيريّةِ": أنَّ التِزاقَ الترابِ بيدِهِ ليسَ بشرطٍ عندَ أبي حنيفة، خلافًا لمُحمَّد.
"خف" إن تيمَّمَ بأرضٍ قدْ رُشَّ عليهِ الماءُ، وبقي عليه ندوةٌ (^٤): جازَ، كذا في الفتاوى الظهيريّةِ".
"خف" يجوز للمريض أن يتيمَّم في المصرِ إذا:
- لم يستطع الوضوء والغُسْلَ (^٥)؛ للمرضِ، كذا في "النهايةِ".
- أو يَخافُ الهلاكَ على نفسِهِ، أو تلفَ عُضوه بسببِ استعمالِ الماءِ (^٦).
- أو يَخافُ زيادةَ المرضِ، أو إبطاءَ البُرءِ يجوز التيمُّمُ عندنا.
_________________
(١) في (س): (الرجل).
(٢) في (ص): (احتياطًا).
(٣) في (ص): (وقال).
(٤) أي: نداوة ورطوبة.
(٥) في (س) و(ص): (أو الغسل).
(٦) قوله: (الماء): سقط من (ص).
[ ٥٢٦ ]
"هد" لو خافَ الجُنُبُ إن اغتسلَ بالماءِ أن يقتُلَهُ البردُ، أو يُمرِضَه: يتيمَّمُ بالصعيدِ، وهذا إذا كان خارج المصر.
"خف" الصحيحُ في المصرِ إذا خافَ الهلاكَ مِنَ الغُسْلِ: يباحُ له التيمُّمُ عندَ أبي حنيفةَ، خلافًا لأبي يوسفَ ومُحمَّدٍ (^١)، كذا في "الهدايةِ" و"النهايةِ".
"خف" المُسافِرُ إذا خافَ الهلاك في المصرِ: يتيمَّمُ ولا يَغسِل (^٢) بالإجماع، كذا في فتاوى قاضي خان".
"نه" (^٣) المُحدِثُ في المصرِ إذا خافَ الهلاك من التوَضُّؤِ: اختلفوا فيه على قولِ أبي حنيفةَ ﵀.
والصحيح: أنَّه لا يُباحُ له التيمم، كذا ذُكِرَ في "تحفة الفقهاءِ"، والمسألةُ بحالها: جوَّزَهُ شيخُ الإسلامِ، ولم يجوِّزْهُ (^٤) الحلوانيُّ، كذا في "المحيط".
"هد" مَن حضَرَ صلاةَ العيدِ، فخافَ إنِ اشتغلَ بالطهارةِ أنْ يَفوتَه صلاةُ العيدِ: يتيمَّمُ (^٥) وصلّى؛ لأنَّها لا تُعادُ.
"هد" إنْ أحدثَ الإمامُ أوِ المُقتدي في صلاةِ العيدِ: تيمَّمَ (^٦) وبنَى عندَ أبي حنيفةَ.
_________________
(١) قوله: (لأبي يوسف ومحمد): هو في (س): (لهما).
(٢) في (س) و(ص): (يغتسل).
(٣) زيد في (س) و(ص): (إنَّ).
(٤) زيد في (س) و(ص): (الإمام).
(٥) في (ص): (تيمم).
(٦) في الأصل: (يتيمم).
[ ٥٢٧ ]
وقالا: لا يتيمَّمُ، والخلافُ فيما إذا (^١) شَرَعَ بالوضوءِ (^٢)، ولو شَرَعَ بالتيمُّمِ: يتيمَّمُ ويبنِي بالاتِّفاق.
"هد" لا يتيمَّمُ للجمعةِ، وإن خافَ الفوتَ، ولو (^٣) توضّأ، فإن أدركَ الجمعةَ صلّاها، وإلّا صلّى الظهر أربعًا؛ لأنَّها تفوتُ إلى خَلَفٍ هو (^٤) الظهرُ، بخلافِ العيدِ.
"هد" إذا خافَ فوتَ الوقتِ لو توضّأ: لم يتيمَّم، ويتوضّأ ويقضي ما فاتَه؛ لأنَّ الفواتَ (^٥) إلى خَلَفٍ وهو القضاءُ.
"هد" المُسافِرُ إذا نسِيَ الماءَ في رحلِهِ، فتيمَّمَ وصلَّى، ثمَّ ذَكَرَ الماءَ: لم يُعِدِ الصلاةَ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهما الله. وقال أبو يوسف: يُعيدُها.
والخلافُ فيما إذا وضعه بنفسه أو وضعه غيره بأمرِهِ وذَكَرَ (^٦) في الوقتِ وبعدَه؟ سواءٌ، كذا (^٧) في "الجامعِ الصغيرِ".
_________________
(١) سقط من الأصل ومن (س): (إذا).
(٢) أي: إذا افتتح الصلاة أوّل مرّة بالوضوء قال في البدائع (١/ ٥١): "ولو شرَعَ في صلاةِ العيدِ متيمِّمًا، ثمَّ سَبَقَهُ الحدَثُ؛ جازَ له أن يبنِيَ عليها بالتيمُّمِ بإجماعٍ مِن أصحابِنا؛ لأنَّه لو ذهَبَ وتوضَّأ لبَطَلَتْ صلاتُه مِنَ الأصلِ؛ لبطلانِ التيمُّمِ، فلا يُمكِنُهُ البناءُ. وأمّا إذا شرَعَ فيها متوضِّئًا، ثمَّ سَبَقَهُ الحدثُ: فإن كانَ يخافُ أَنَّهُ لو اشتغلَ بالوضوءِ زالتِ الشمسُ تيمَّمَ وبنَى، وإن كان لا يخافُ زوالَ الشمسِ؛ فإن كانَ يرجُو أنَّهُ لو توضَّأَ يُدرِكُ شيئًا مِنَ الصلاةِ مَعَ الإمامِ توضَّأ ولا يَتَيَمَّمُ؛ لأنها لا تفوتُ؛ لأنَّه إذا أدركَ البعضَ يُتِمُّ الباقي وحدَهُ، وإن كانَ لا يرجو إدراكَ الإمامِ: يُباحُ لَهُ التيمُّمُ عندَ أبي حنيفةَ، وعندَ أبي يوسفَ ومحمَّدٍ: لا.
(٣) في (س) و(ص): (لو).
(٤) في (س): (وهو).
(٥) في (س): (الفوائت).
(٦) في (س) و(ص): (وذكره).
(٧) زيد في (ص): (أيضًا).
[ ٥٢٨ ]
"قن" مَعَ المُسافِر في السفرِ جَمدٌ أو ثلجٌ، وله آلةُ (^١) الذوبِ: لا يتيمَّمُ، كذا ذَكَرَهُ أبو الفضلِ الكَرمانيُّ، وقال الإمامُ أبو حامدٍ: جازَ له التيمُّمُ.
"نه" عن مُحمَّدٍ: أَنَّه يجوزُ التيمُّمُ إذا كانَ الماءُ على قدرِ ميلينِ، وهو اختيارُ الفقيهِ أبي بكرٍ مُحمَّدِ بنِ الفضلِ.
"نه" عن الكرخيِّ: إن كانَ في موضعٍ يَسمَعُ صوتَ أهلِ الماءِ: فهوَ قَريبٌ، وإن كانَ لا يسمعُ: فهو بعيدٌ، وبه أخذَ أكثرُ المشايخِ، كذا في "فتاوى قاضي خان".
"نه" قالَ الحسنُ بنُ زيادٍ إذا كانَ الماءُ أمامَه: يَعتبِرُ ميلينِ، وإن كانَ يَمينَهُ أو يَسارَهُ (^٢) أو خلفَه: فميلٌ واحِدٌ.
وقال زفرُ ﵀: إذا كانَ بحيثُ (^٣) يصِلُ إلى الماءِ قبلَ خروجِ الوقتِ: لا (^٤) يُجزِئُهُ التيمُّمُ، وإن كانَ لا يصِلُ إلى الماءِ قبلَ خروج الوقتِ: يُجزِئُه التيمُّمُ، وإِن كَانَ قريبًا منه.
"هد" الميلُ هو المُختارُ.
"نه" عن أبي يوسفَ: أنَّ الماءَ إذا كان بحيثُ لو ذهبَ إليهِ وتوضّأ تذهبُ القافلةُ وتغيبُ (^٥) عن بصرِه: فهو بعيدٌ، يجوزُ له التيمُّمُ، وهذا أحسنُ (^٦) جدًّا، كذا ذُكِرَ أيضًا في "الذخيرةِ".
_________________
(١) في (ص): (آلات).
(٢) في (س) و(ص): (يمنة أو يسرة).
(٣) زيد في (س): (لا).
(٤) قوله: (لا) سقط من (س).
(٥) في (س): (يذهب القافلة ويغيب).
(٦) في (س): (حسن).
[ ٥٢٩ ]
"هد" المُعتبَرُ المسافةُ دونَ الفَوتِ، وذَكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحِه" هذا نفيًا لقولِ زفرَ ﵀، كما ذكرنا آنفًا: أنَّه لا يُعتبَرُ المسافةُ، بل يُعتبَرُ خوفُ الفوتِ، كذا في "النهايةِ".
"هد" ليس على المتيمِّمِ طلب الماءِ إذا لم يُغلِبُ (^١) على ظنِّه أنَّ بقربه ماءً، وإن غَلَبَ على ظنِّهِ أنَّ هناكَ ماءً: لم يَجُز له التيمُّمُ (^٢) حتَّى يَطلُبَه، كذا (^٣) في "القدوريِّ".
"نه" يَطلُبُ الماءَ مِقدارَ الغلوةِ، ولا يبلغُ ميلًا، كذا أيضًا في "الهدايةِ"، وذكر في "النهاية": عن الإمام التمرتاشيِّ: الغلوةُ مقدارُ رميةِ سهمٍ.
"نه" لو تيمَّمَ قبلَ الطلبِ: أجزأَهُ عندَ أبي حنيفةَ.
وقال أبو يوسف ومُحمَّدٌ رحمهما الله: لا يُجزِئه.
"كا" لا يجبُ الطلبُ بغيرِ ظنٍّ أو إخبارٍ.
"نه" قال الشافعيُّ ﵀: الطلبُ شرطٌ في المَواضعِ كلِّها، كذا في "الكافي".
"نه" قال أبو يوسفَ ﵀: سألت أبا حنيفةَ ﵀ عَن المُسافِرِ لا يَجِدُ الماءَ، أيطلبُ عن يمينِ الطريقِ (^٤) أو يسارِهِ؟
قال: إنْ طَمِعَ في ذلكَ: فليفعَلْ، ولا يَبعُدُ فيضرُّ (^٥) أصحابَه إن انتظروه، أو بنفسِهِ إنِ انقطعَ عنهم، كذا في "المبسوطِ".
_________________
(١) في الأصل: (يغلبه).
(٢) في (س) و(ص): (أن يتيمم).
(٣) زيد في (س) و(ص): (أيضًا).
(٤) في (س) و(ص): (وعن).
(٥) في الأصل: (فيضرُّهُ)، والصوابُ ما جاء في (س) و(ص).
[ ٥٣٠ ]
"خف" إن تيمَّمَ قبلَ طلبِ الماءِ في العُمراناتِ: لا يجوزُ، وفي الفلواتِ: يجوزُ، كذا في "الكافي".
"مص" لو أُخبِرَ إنسانٌ بعدمِ الماءِ: جازَ بلا خلافٍ، وذَكَرَ قاضي خان في "شرحه للزيادات": المُصلِّي بالتيمُّمِ إِذا رَأى معَ رجلٍ ماءً:
- إن عَلِمَ أنَّه يُعطِيه: قطع الصلاةَ.
- وإن عَلِمَ أَنَّه لا يُعطيه: مضَى على صلاتِه.
- وإن أشكَلَ عليه: يَمضي أيضًا، فإذا فَرَغَ: سأَلَهُ.
- وإن (^١) أعطاه أو باعَهُ بثمنِ المثلِ، وهو يقدِرُ: عليهِ إعادةُ (^٢) الصلاةِ.
- وإن أبى أن يُعطيه: فصلاته تامّةٌ.
- وإن سأله بعد الإباء، فأعطاه: لا يُعيدُهُ (^٣)، فيتوضّأ (^٤) به لصلاةٍ أخرى.
- ولو سأله قبل الشروع فأبى فصلَّى بالتيمُّمِ، ثمَّ سألَهُ فأعطاهُ: لم يُعِد ما صلَّى. "مص" لو باع الماء بمثل القيمة أو بغبن يَسيرٍ: لا يجوزُ له التيمُّمُ، وإن باعَ بغُبنٍ فاحشٍ: يتيمَّمُ.
والغُبْنُ الفاحِشُ: ما لا يَدخُلُ تحتَ تقويمِ المقوَّمينَ.
وقالَ في "خلاصة الفتاوى": لو كانَ قيمةُ الماءِ درهمًا، وهولا يبيعُ إلّا بدرهمَيْنِ: فهو غُبنٌ فَاحِشٌ، ويُعتبَرُ قيمتُهُ في ذلكَ المَوضِعِ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (فإن).
(٢) في (س) و(ص): (أعاد).
(٣) في (س) و(ص): (لا يعيد).
(٤) في الأصل: (فيتوضّا).
[ ٥٣١ ]
"مص" مصلٍّ (^١) بالتيمُّمِ، فرأى رجلًا معَهُ ماءٌ، فأتمَّ صلاتَه، ثمَّ سَأَلَهُ الماءَ فأعطاهُ: لا يعيدُ.
فقالَ صاحبُ "القنيةِ": وما ذَكَرَ (^٢) في "الجامع" الكرخيُّ: في أنَّه يعيدُ؛ فذاكَ في الماءِ الكثيرِ.
"نه" قالَ في "المبسوطِ": مع رفيقِهِ ماءٌ: فعليهِ أن يسألَهُ، إلّا على قولِ حسنِ (^٣) بن زيادٍ: فإنَّه كانَ يقولُ: السؤالُ ذُلٌّ، وفيهِ بعضُ الحرجِ، وما شُرِعَ التيمُّمُ، إلّا لدفعِ الحرجِ.
"خف" المتيمِّمُ إذا وَجَدَ الماءَ في الصلاةِ: تفسُدُ صلاتُه إن كانَ قبلَ أن يفرغَ مِنَ التشهُّدِ وبعدَ (^٤) ما فَرَغَ من التشهُّدِ، أو في سجودِه للسهوِ (^٥)، أو بعدما تشهَّدَ قبلَ أن يسلَّمَ عند أبي حنيفةَ ﵀.
وإن (^٦) وجَدَ بعدما سلَّمَ قبل أن يسجُدَ للسهوِ: فصلاتُه تامّةٌ، وكذا إن سلَّمَ إحدى التسليمَتَيْنِ.
وعن أبي يوسفَ ومحمَّدٍ: لا تفسُدُ في الوجوهِ كلِّها بعدَما فَرَغَ من التشهُّدِ.
"خف" رجلٌ في البادية، ومعه ماء زمزم في القُمقمَةِ، وقد رُصِّصَ (^٧) رأسُ القمقُمَةِ: لا يجوزُ التيمُّمُ، كذا في "المحيطِ" و"الفتاوى الكبرى".
_________________
(١) في (س): (يصلي).
(٢) في (س) و(ص): (ذكره).
(٣) في (ص): (الحسن).
(٤) في (س) و(ص): (أو بعد).
(٥) في (ص): (سجود السهو).
(٦) في (س) و(ص): (فإن).
(٧) في (س): (رخص).
[ ٥٣٢ ]
والحيلهُ في ذلك: أنْ يهبَهَا من غيرِهِ، ثمَّ يُودِعَها منهُ، أو يَجعل فيها ماءَ الوردِ وماءَ (^١) الزعفرانِ حتَّى يصيرَ مُقيَّدا (^٢).
"مص المحبوسُ في السجنِ يصلي بالتيمُّمِ ويعيدُ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ بعدَما خَرَجَ، وقال أبو يوسفَ: لا يُعِيدُ.
"خف" قال أبو حنيفة ومحمَّدٌ: يجوزُ التيمُّمُ بكلِّ ما كانَ من جنسِ الأَرضِ؛ كالترابِ والرملِ والحجرِ والكُحلِ والزرنيخِ والنُّورَةِ … وما أشبَهها.
وقال أبو يوسفَ: لا يجوزُ إلّا بالترابِ والرملِ، كذا في "القدوريِّ" و"النهايةِ" (^٣).
_________________
(١) في (ص): (أو ماء).
(٢) إذا صار الماء مقيّدًا لم يجز الوضوء به، وبهذا يبقيه لشربه، وماء زمزم ممّا يحرص عليه الناس فلا يستعملونه في الوضوء، لكن إن لم يكن غيره وجب الوضوء به إلا بمثل هذه الحيلة، قال في المحيط البرهاني (١/ ١٣٨): "قال شمسُ الأئمَّةِ: وكان القاضي الإمام أبو علي النسفيُّ رحمهُما اللهُ يقولُ: إِنَّ بعضَ الحجَّاجِ إذا انصرفوا من حجِّهم يضعونَ ماءَ زمزَمَ في آنيةِ الاستسقاءِ أو للعطيَّةِ، ويجعلونَ رأسَ الآنيةِ مُرصَّصًا، ولا يخافونَ على أنفسِهِمُ العطشَ، فربَّما يعزُّ الماءُ في بعضِ المواضِعِ فيتيمَّمُونَ وماءُ زمزَمَ في رحلِهِم، ويرونَ ذلك جائزًا، وهذا منهم جهلٌ وحُمْقٌ؛ لأنَّهم واجدونَ للماءِ، فلا يُجزِئُهمُ التيمُّمُ. وذَكَرَ هذهِ المسألةَ في "فتاوى أبي الليثِ" ﵀، وذَكَرَ فيها حيلةً فقالَ: الحيلةُ أنْ يَهَبَ ذلكَ الماءَ لِمَنْ يُسلَّمُهُ إليهِ ثُمَّ إِنَّ الموهوبَ لهُ يستودِعُهُ منهُ، فيجوزُ له التيمُّمُ، إلا أنَّ هذه الحيلةَ عندَنا ليست بصحيحةٍ؛ لأنَّ القدرةَ على استعمالِ الماءِ بواسطةِ الرجوعِ في الهبَةِ ثابتةٌ، فيَمنَعُ جواز التيمُّمِ، ألا ترى أنَّ القدرةَ على استعمالِ الماءِ بالشراءِ منَعَتْ جوازَ التيمُّمِ، فههُنا أولَى". ولذلك فقد قيّد ابن عابدين ما تصحّ به الحيلةُ بأن يهبَهُ هبةً لا يصحّ الرجوع فيها، أو أن يخلطه بما يغلب عليه، فقال: "حيلة جواز تيمم من معه ماء زمزم ولا يخافُ العطشَ: أن يخلِطَهُ بما يغلبُهُ، أي: بشيءٍ يُخرِجُهُ عن كونِه ماءً مُطلقًا كماءِ وَرْدٍ أو سكّرٍ مثلًا، أو يهبَهُ على وجهٍ يمنَعُ الرجوعَ، أي: بأن تكونَ الهبةُ بشرطِ العِوَضِ". حاشيةُ ابن عابدين (١/ ٢٥٤).
(٣) في (ص): (والهداية).
[ ٥٣٣ ]
ثمَّ رَجَعَ أبو يوسفَ عنهُ، إلّا (^١) أَنَّه لا يُجوِّزُ إلّا بالترابِ الخالصِ، وهو قولُ الشافعيِّ، كذا في "العنايةِ".
ولا يجوز التيمُّمُ بما ليسَ من جنسِ الأرضِ كالذهبِ والفضّةِ والحديدِ والرصاصِ والحنطةِ … وسائر الحبوباتِ (^٢) والأطعمةِ.
وإن كانَ على هذهِ الأشياءِ غبارٌ: يجوزُ بغبارِها عندَ أبي حنيفةَ، وفي إحدى الروايتين عن مُحمَّدٍ، كذا ذَكَرَ (^٣) في "مُنيةِ المُصلِّي" وغيرِه.
"نه" قيلَ: إنْ كانَ كلَّ ما يحترِقُ بالنارِ فيصيرُ رمادًا كالشجرٍ، أو ينطبعُ ويَلينُ كالحديدِ: ليس من جنس الأرضِ، وما عدا ذلك: فهو من جنسِ الأرضِ.
خف يجوزُ التيمُّمُ بالآجرِّ عندَ أبي حنيفةَ مُطلقًا، وعند مُحمَّدٍ روايتانِ، وقولُ أبي يوسفَ مُتردِّدٌ، وذُكِرَ في بعضِ النسخِ عن مُحمَّدٍ: يجوزُ إن كانَ مَدقوقًا، أو عليهِ غُبارٌ.
مص لو تيمم بالملحِ: إذا كانَ مائيًا: لا يجوزُ، وإن كان جبليا: يجوزُ، كذا في "الفتاوى الكبرى".
وقال شمسُ الأئمّةِ: الصحيحُ عندي أنَّه لا يجوزُ، كذا في "المحيطِ".
ويؤيِّده روايةُ "خلاصةِ الفتاوى": أنَّه لا يجوزُ، سواءٌ كان مائيًا أو جَبَليًّا.
وأما في "تحفةِ الفقهاءِ" في المائيِّ: يجوزُ، وفي الجبليِّ: لا يجوزُ عند أبي حنيفةَ ﵀.
_________________
(١) في (س) و(ص): (إلى).
(٢) في (س) و(ص): (الحبوب).
(٣) في (ص): (ذكره).
[ ٥٣٤ ]
"مص" السبخةُ بمنزلةِ المِلحِ، وذَكَرَ الإسبيجابيُّ في "شرحِه": يجوزُ التيمُّمُ بالسبخةِ.
"خف" خمسةُ نفرٍ من المتيمِّمينَ وَجَدوا من الماءِ المُباحِ قدرَ ما يَتوضّأُ به أحدُهم: انتقضَ تيمُّمُ الكلِّ.
ولو جاءَ رجلٌ بكوزِ ماءٍ وقال: فليتوضّأ به أيُّكُم شَاءَ: انتقضَ تيمُّمُ الكلِّ، وإن كانَ الماءُ يكفي لأحدِهم، ولو قالَ هذا الماءُ لمن يُريدُ منكم؛ فكذلكَ.
"خف" ثلاثة نفرٍ في السفرِ: جُنُبٌ وحائضٌ طَهُرَتْ وميِّتٌ، ومعَهم من الماءِ قدْرَ ما يكفي لأحدِهم:
- إن كان الماء لأحدِهم: فهوَ أحقُّ.
- وإن كانَ الماءُ لهم: لا ينبغي أن يغتسلا (^١)، وينبغي لهما أن يُصرَفَ (^٢) نصيبُهما إلى الميِّت، وتَيَمَّما، كذا ذُكِرَ في "الفتاوَى الكبرى".
وإن كان الماءُ مُباحًا: فالجُنُبُ أحقُّ بِه، وتيمَّمَتِ المرأةُ والميِّتُ (^٣)، كذا (^٤) في "واقعاتِ الحلوانيِّ" و"الفتاوى الظهيريّةِ".
"خف" لو تيمَّمَ لصلاةِ الجنازةِ أو سجدةِ التلاوةِ، وهو مُسافِرٌ: جازَ أداءُ الصلاةِ بذلكَ التيمُّم.
"خف" لو تيمَّمَ لقراءةِ القُرآنِ عن ظَهرِ القلبِ، أو عنِ المُصحفِ، أو مسِّ المُصحفِ، أو زيارةِ القبرِ، أو دَفنِ الميَّتِ، أو الأذانِ، أو الإقامةِ، أو الدخول في المسجدِ، أو خروجِه، وصلَّى بذلك التيمُّمِ: جازَ.
_________________
(١) في الأصل: (يغتسل).
(٢) في (س) و(ص): (يصرفا).
(٣) زيد في (ص): (أيضًا).
(٤) زيد في (س) و(ص): (ذكر أيضًا).
[ ٥٣٥ ]
وذَكَرَ في "القنيةِ" أيضًا: يجوزُ، خلافًا للشافعيِّ ﵀، كذا في "شرحِ الإشاراتِ (^١) ".
وقال عامّةُ العُلماءِ: إِنَّه لا يَجوزُ.
وكذا لو تيمَّمَ للسلامِ، أو لردِّ السلامِ، وكذا الكافِرُ إِذا تيمَّمَ للإسلامِ فأسلَمَ: لا يجوزُ له أن يُصلِّيَ بذلكَ التيمُّمِ عندَ أبي حنيفةً ومُحمَّدٍ رحمهما اللهُ.
"خف" لو تيمَّمَ، يُريدُ به تعليمَ الغيرِ، ولا يُريدُ به الصلاةَ: لم يُجزِهِ عندَ الثلاثةِ.
والمرأةُ كالرجلِ في التيمُّمِ.
"قن" التيمُّمُ على التيمُّمِ ليسَ بقربةٍ.
فإن كانَ المتيمِّمُ مقطوعَ الذراعِ: يمسَحُ مَوضِعَ المِرفَقِ، خلافًا لزُفَرَ ﵀.
وعلى هذا مَقطوعُ الرِّجْلِ من الكعبِ؛ كما مرَّ في: (الوضوءِ).
"قن" بقِيَ على جسدِ الجُنُبِ لمعةٌ، ثمَّ أحدثَ وتيمَّمَ لهما: جازَ وينوي لهما؛ لأنَّه إذا نوى لأحدِهما: يبقى الآخرُ بلا نيّةٍ، كذا ذُكِرَ في كتاب الروضةِ".
وذَكَرَ في "الكنزِ": لو كانَ أكثرُ يدَيْهِ (^٢) مجروحًا: يتيمَّمُ، وإن كانَ على العكسِ: يَغسِلُ، ولا يَجمَعُ بين الغَسْلِ والتيمُّمِ.
"قن" لو كانَ عندَ الماءِ لِصٌّ أو ظالِمٌ أو سَبعٌ أو حيَّةٌ: يتيمَّمُ.
"قن" يتيمَّمُ (^٣) في كلِّهِ؛ لخوفِ البقِّ أو مطرٍ أوحَرٍّ شديدٍ: جازَ. نقلَهُ من "جَمعِ (^٤) التّفاريقِ".
_________________
(١) في (س) و(ص): (الإرشاد).
(٢) في (ص): (بدنه).
(٣) في (ص): (تيمم).
(٤) في (س): (جميع).
[ ٥٣٦ ]
ولو كانَ عندَهُ أمانةٌ يُخافُ عليهِ (^١) أن يذهبَ إلى الماءِ: يتيمَّمُ (^٢).
"مص" رجلٌ شُلَّتْ يداهُ، وليس معه أحدٌ أن يوضِّئَه ويُيَمِّمه (^٣): يَمسَحُ وجهَه وذراعَيهِ على الحائطِ، ويصلِّي.
فانظر فتأمّل (^٤) في هذه المسائلِ، هل يجوزُ (^٥) عذرٌ لتأخيرِ الصلاةِ؟!
"مص" الأسيُر في دارِ الحربِ إذا مُنِعَ عن الوضوءِ والصلاةِ: يتيمَّمُ (^٦) ويصلِّي (^٧) بالإيماء، ثمَّ يُعيدٌ، كذا في "الفتاوى الكبرى".
وسُئَل الإمامُ نصرُ بنُ يحيى (^٨) عن ماءٍ موضوعٍ في المفازَةِ (^٩) ونحوِ ذلك: هل يجوز للمُسافِر أن يتوضّأ؟ قال: لا، ولكن يتيمَّمُ، إلّا إذا كانَ الماءُ كثيرًا؛ بحيثُ إِنَّه يُستَدَلُّ أَنَّه وُضِعَ للوضوءِ والشربِ، فحينئذ يتوضّأ، كذا أيضًا في "الفتاوى الكبرى".
_________________
(١) في (ص): (عليها).
(٢) في (ص): (تيمم).
(٣) في (س): (أو ييممه).
(٤) في (ص): (وتأمل).
(٥) في (ص) و(س): (تجد).
(٦) في (ص): (تيمم).
(٧) في (س) و(ص): (وصلى).
(٨) (نصر بن يحيى) من كبار علمائنا في بلخ، ماتَ سنةَ ثمانٍ وستيَن ومائتين، وكان تلميذًا للحسنِ بن زيادِ من أصحاب الإمام أبي حنيفة "البناية شرح الهداية" (٧/ ٤٤٠).
(٩) زيد في (ص): (في الخابية).
[ ٥٣٧ ]