"نه" قال أبو حنيفةَ ﵀: ما قلْتُ بالمسحِ على الخُفَّينِ حتَّى جاءني فيهِ مثلُ ضوءِ النهارِ، كذا ذُكِرَ (^١) في "الكافي".
وذُكِرَ في "الكنزِ": أنَّ المسحَ صحَّ ولو امرأةً لا جنبًا، إِنْ لَبِسَهُما على وضوءٍ تامٍّ وقتَ الحدَثِ.
يَمسحُ المُقيمُ يومًا وليلةً، والمُسافِرُ ثلاثةَ أيّامٍ ولياليها، كذا في نُسَخِ الفروع طُرًا.
"نه" قال مالِكٌ: لا يَمسَحُ المُقيمُ أصلًا، ويَمسَحُ المُسافِرُ ما بدا له (^٢)؛ يعني: مدّةُ
_________________
(١) في (ص): (ذكره).
(٢) وهو أحد قولي المالكيّة، والقول الآخر بالتأقيت، كقول عامّة العلماء، واستدلّوا للقول بجواز المسح بلا تأقيتٍ بما رُوِيَ عن النبيِّ ﵌ أنَّه قالَ لِمَن سَأَلَهُ عن مدّةِ المسحِ بعد أن وصل إلى سبعةٍ: "نعم، وما بدا لكَ"، فقد أخرج سنن ابن ماجه في سننه برقم (٥٥٧) عن أبيِّ بن عمارَةَ ﵁، وكانَ رسولُ الله ﷺ قد صلّى في بيتِهِ القبلتينِ كلتَيْهِما، أنَّه قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ: أمسَحُ على الخفّينِ؟ قال "نعم" قال: يومًا؟ قال: "ويومينِ" قال: وثلاثًا؟ حتى بلغ سبعًا. قال له: "ومَا بَدَا لكَ". وهو في سنن أبي داود برقم (١٥٨)، قال ابن القصّار المالكيّ في "عيون الأدلّة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار" (٣/ ١٢٧١): "فتُستَعْمَلُ الأخبارُ كلُّها، فمَنِ اختارَ أن يمسَحَ ثلاثًا جَازَ، ومن اختارَ التجاوزَ جازَ. وجواب آخر: وهو أنَّ النبي ﷺ تكلّمَ على الغالبِ من أمرِ المقيمِ أَنَّهُ يمسَحُ يومًا وليلةً؛ لأَنَّهُ أكثرُ ما يَلْبَسُ في الحضَرِ، وأنَّ الغالِبَ من أمرِ المسافِرِ أن يَبقَى خفُّهُ فِي رِجْلِهِ ثلاثةَ أَيَّامٍ وأمرَ بالاختيارِ مِنْ ذلكَ، ولم يُرِدْ منعَ مَن تجاوَزَ ذلكَ، ولا جعلَهُ حدًّا لا يُتَجَاوَزُ، ولو أرادَ ذلكَ لأكَّدَهُ بأنْ يقولَ: ولا يجوزُ تجاوُزُ ذلكَ. لا يُختَلَفَ فيه؛ فلمّا وَقَعَ خلافُ الصَّحابةِ في ذلكَ عُلِمَ أَنَّه لم يُرِدِ الحدَّ".
[ ٥٣٨ ]
المسحِ عندَه (^١) للمُسافِر غيرُ مُقدَّرٍ، كذا ذُكِرَ (^٢) في "تحفةِ الفقهاءِ".
وفي روايةٍ عنه: أنَّ المُقيمَ كالمُسافِرِ (^٣)، كذا ذَكَرَ في "العناية".
"تف" إنَّ الرجُلَ إذا غَسَلَ الرجليِن فقط، ولبس الخُفَّينِ، ثمَّ أكمل الوضوءَ بعدَ ذلكَ قَبْلَ الحدثِ، ثمَّ أحدثَ: جازَ له أنْ يَمسحَ على الخُفَّين (^٤)، كذا في "خلاصةِ الفتاوى".
_________________
(١) في (س) و(ص): (عنده مدّة المسحِ).
(٢) في (ص): (ذكره).
(٣) مشهور مذهب المالكيّة جواز المسح وعدم تحديده بمدّة، وعدم التفريق بين المقيمِ والمسافرِ، لكن روي عن الإمام مالك موافقة قول جماهير العلماء في هذا الباب، بل رَوَى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: "لا يَمسَحُ الحاضرونَ، ورَوَى عنه أيضًا: لا يمسَحُ الحاضرون ولا "المسافرونَ" حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٥٨). وأمّا حججهم لجوازِ المسحِ دونَ تفريقٍ بين المقيمِ والمسافرِ ودونَ التحديدِ بمدّةٍ، فَيَجمَعُها ما ذكرَهُ القاضي عبدُ الوهّابِ بن نصرٍ في الإشراف على نُكَتِ مسائلِ الخلافِ، حيثُ قال (١/ ١٣٣): لأنّها رُخصةٌ، فلم تتعلّق بمدَّةٍ مِنَ الزمان معلومةٍ، كالقصرِ والفطرِ. ولأنَّ طهاراتِ الأحداثِ لا تتعلق بتوقيتِ زمانٍ، كالوضوءِ والغُسلِ. ولأنَّ كلَّ طهارةٍ جازَ أن تُستَدَامَ ثلاثة أيامٍ جازَ استدامتُهَا فيما زادَ عليها على حدِّ استدامَتِها في الثلاثةِ، أصلُهُ المسحُ على الجبائرِ والعصائبِ. ولأنه لا يخلو أن يُعتَبَر بالأصولِ أو الأبدَالِ وبأيِّهما اعتُبِرَ لم يكن فيه توقيتُ زمانٍ كسائرِ الأعضاءِ، والمسحِ على الجبائرِ. ولأنَّ كلَّ مُدَّةٍ لَبِسَ فيها الخفّين بعد كمال الطهارةِ لم يتخلَّلْها بخَلْعٍ ولا جنابةٍ فَإِنَّ استدامةَ المسحِ فيها جائزٌ كالثلاثةِ. ولأنَّ الثلاثةَ مُدَّةٌ يجوزُ المسحُ فيها للمسافِرِ فجازَ للحاضِرِ كاليومِ والليلةِ. ولأنَّ طهارةَ الأحداثِ لا يجوزُ اختلافُ حكمِ المقيمِ والمسافِر فيما يُرجَعُ إلى قدرِهَا وتوقيتِها، أصلُهُ الوضوءُ والغُسلُ.
(٤) زيد في (س) و(ص): (عندنا).
[ ٥٣٩ ]
وعلى قولِ الشافعيِّ ﵀: ليس لهُ (^١) أن يَمسحَ ما لم يُكمِلِ الوضوءَ، ثم يَلْبِسُ الخفَّينِ بعدَ ذلكَ (^٢).
"خف" وعلى هذا لو توضّأ وغَسَلَ رجلَهُ اليمنى، ولَبِسَ إحدى الخُفّينِ، ثمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُسرى (^٣) ولبس الخفَّ الآخر، ثمَّ أحدثَ، أو الجُنُّبُ إذا اغتسلَ (^٤) وبقيَ على جسدِهِ لُمعةٌ فلبِسَ الخُفَّ، ثمَّ غَسَلَ اللمعةَ، ثم أحدثَ: يَمسَحُ.
"تف" أجمعوا على أنَّه إذا لبِسَ الخُفَّينِ بعدَ غَسْلِ الرجلينِ، ثمَّ أحدثَ قبلَ أنْ يُكمل الوضوءَ، ثمَّ توضّأ بعد ذلكَ ومسحَ على الخُفَّين: لا يجوزُ عندنا؛ لانعدامِ الطهارةِ الكاملةِ عندَ الحدثِ بعد اللُّبْسِ، كذا ذكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحِه للهدايةِ".
وعندَ الشافعيِّ ﵀: لانعدامِ الطهارةِ الكاملةِ عندَ اللبسِ.
"تف" من شرائطِ المسحِ: أنْ يكونَ لابِسًا خُفًّا يسترُ الكعبينِ فصاعدًا، وليسَ به خرقٌ كبيرٌ.
_________________
(١) في الأصل وفي (س): (عليه).
(٢) بل نصَّ الإمامُ الشافعيُّ في الأمِّ (١/ ٤٨) على عدم صحّة تيمّم من أدخلَ إحدى رِجلَيهِ في الخفّ قبل أن يُتمَّ طهارتَهُ كاملةً، قال: "وذلك أن يتوضَّأ رجلٌ فيكمُلَ الوضوءَ ثُمَّ يبتَدِئُ بعدَ إكمالِهِ إدخالَ كلِّ واحدةٍ مِنَ الخفَّينِ رِجلَهُ، فإن أحدَثَ بعدَ ذلكَ كانَ له أن يمسَحَ على الخفَّينِ. وإن أدخَلَ رِجلَيْهِ أو واحدةً منهُما الخفَّينِ قبلَ أن تحلَّ لهُ الصلاةُ؛ لم يكن لهُ إنْ أحدَثَ أنْ يمسَحَ على الخفَّينِ، وذلكَ أنْ يُوضِّئَ وجَهَهُ ويَدَيْهِ ويَمْسَحَ برأسِهِ ويغسِلَ إحدى رجلَيْهِ؛ ثمَّ يدخِلَها الخفَّ، ثمَّ يغسِلَ الأخرى؛ فيدخُلِها الخفَّ، فلا يكونُ لهُ إذا أحدَثَ أن يمسَحَ على الخفَّينِ؛ لأنَّه أَدخَلَ إحدى رِجلَيْهِ الخفَّ وهوَ غيرُ كاملِ الطهارَةِ".
(٣) في (س) و(ص): (الرجل الأخرى).
(٤) في (س): (غسل).
[ ٥٤٠ ]
"قن" المسحُ على الخُفَّينِ أفضلُ من غَسلِ الرجلينِ (^١).
"خف" يمسَحُ مرّةً واحدةً بثلاثةِ أصابعَ: يبدأ من قِبَلِ الأصابعِ إلى الساقِ، ولا يُسنُّ التكرارُ.
"نه" عن عطاءَ مسحُ الخُفِّ ثَلاثَ مَرَّاتٍ كالغَسْلِ.
"نه" عن الشافعيِّ: المسحُ على ظاهِرِ الخُفِّ فرضٌ، وعلى باطِنه سُنّةٌ.
وذُكِرَ في "العناية": أنَّ كيفيّةَ المسحِ: أن يبدأَ فيضَعَ أصابعَ يدِه اليمنى على مُقَدَّمِ خُفِّه الأيمنِ، وأصابعَ يدِهِ اليُسرى على مُقدَّمِ خُفِّه الأيسرِ، ويَمُدُّهما إلى الساقِ فوقَ الكعبينِ.
- ولو وضعَ الكفَّ مع الأصابعِ: قيل: كانَ أحسنُ، كذا في "خلاصة الفتاوى".
ولو وضعَ يدَه من قِبَلِ الساقِ ومدَّها إلى رأسِ (^٢) الأصابعِ: يجوزُ، لكنَّه ترَكَ السنَةَ، كذا في "خلاصةِ الفتاوى".
وكذا إذا مَسَحَ عليهما عَرْضًا: يجوزُ، هكذا ذُكِرَ في "التحفةِ" و"شرح الزاهديّ" للقُدُوريِّ.
_________________
(١) هذا خلاف ما يفتى به في المذهب، بل الذي ينقله الأئمّة أنّ الغسلَ أفضل، قال في الجوهرة النيّرَةِ على مُختصر القدوري (١/ ٢٦): " (المسحُ على الخفين جائز بالسنة) إنما قال جائز ولم يقل واجب؛ لأن العبد مخير بين فعله وتركه، ولم يقل مستحبٌّ؛ لأنَّ مَن اعتقدَ جَوازَهُ ولم يفعَلْهُ كَانَ أفضلُ". وقال في البناية: (١/ ٥٧٠): وفي "المستصفى": إنّما قالَ جائزٌ؛ لكونِ الغَسْلِ أَفضلُ؛ لأَنَّهُ أبعَدُ عن مَظَنَّةِ الخلافِ، وفي القُنيةِ": المسحُ أفضلُ أخذًا باليُسرِ". وفي البحر الرائق (١/ ١٧٤) تعليلٌ لطيفٌ: بأنَّ الروافضَ والخوارجَ لا يرونَهُ، فكانَ أقربَ إلى شعار أهل السنَّةِ.
(٢) في (س) و(ص): (رؤوس).
[ ٥٤١ ]
"خف" الأحسنُ أنْ يمسح بجميعِ اليدِ، ويُفَرِّجَ بين أصابعِهِ قليلًا.
"خف" لو مسحَ برؤوسِ الأصابعِ ويُجافي أصولَ الأصابعِ والكفَّ: لا يجوزُ إلّا أنْ يكونَ الماءُ مُتقاطِرًا.
"خف" لو مشى في الحشيشِ المُبتلِّ بالماءِ أو المطرِ، فابتلَّ ظاهِرُ الخُفِّ: يجوزُ عن المسحِ.
وفي إصابةِ المطرِ اختلافُ المشايخِ، والأصحُّ أنَّه يجوزُ، خلافًا للشافعيِّ ﵀، كذا في "مُنية المصلِّي".
وذُكِرَ في بعض الفتاوى: لو مسحَ على خُفَّيْهِ بإصبعٍ واحدةٍ ببطنِها وظهرِها وجانِبِها (^١): جازَ، وقالَ بعضُ مشايخنا: لا يجوزُ، والصحيحُ: أنَّه يجوزُ.
"خف" لو مسحَ على الخفِّ، ونوى به التعليم دونَ الطهارةِ: يجوزُ، وكذا لو أمرَ إنسانًا أن يمسَحَ على خُفَّيه: جازَ. (^٢)
"مص" لو كانَ الخُفُّ واسِعًا إذا رفعَ القدمَ؛ يَرتفِعُ العَقِبُ حَتَّى يَخْرُجَ، وإذا وضع؛ عاد العَقِبُ إلى موضعِها (^٣): لا (^٤) يَنتَقِضُ المسحُ، كذا أيضًا في "خلاصةِ الفتاوى" و"العنايةِ".
"خف" إنْ نزعَ بعضَ القدمِ عن مكانِه:
_________________
(١) في (س) و(ص): (وجانبيها).
(٢) بخلاف ما لو فعله بغير أمره، فلا يجزئه.
(٣) في (ص): (موضعهما).
(٤) قوله: (لا): سقط من (س).
[ ٥٤٢ ]
- عن أبي حنيفةَ ﵀: إِذا (^١) زالَ عَقِبُ الرِّجلِ عن (^٢) عَقِبِ الخُفِّ، أو أكثرُ عَقِبِ الرِّجل من عَقِبِ الخُفِّ: انتقضَ مَسحُهُ، كذا في "تحفةِ الفقهاءِ"، وهو روايةٌ عن أبي يوسفَ ﵀.
وفي رواية أخرى: إِنْ نَزَعَ مِنْ ظهرِ القدمِ قدرَ ثلاثةِ أصابعَ: انتقضَ مَسحُهُ.
- وعن مُحمَّدٍ ﵀: إِنْ بقي من ظَهْرِ القدمِ في مَوضِعِ المسحِ قدْرُ ثلاثةِ أصابعَ: لم ينتقِضْ مسحُه، وإلّا فلا، كذا في "تحفةِ الفقهاءِ".
- وفي روايةٍ: إن كانَ بحالٍ يُمكِنُه المشيُ بعدما تحرَّكَ قدمُه عن موضعِه: فهذا لا يمنعُ المَسحَ.
- وذُكِرَ في "تحفةِ الفقهاءِ": عن أبي يوسفَ أنَّه قال: إذا خرجَ أَكثرُ القَدَمِ إلى ساقِ الخُفِّ ينتقضُ المسحُ، وهو (^٣) الصحيحُ، وقال في "العنايةِ": هذا قولُ الحسنِ بنِ زيادٍ.
"قن" يجوزُ المسحُ على الجُرموقِ (^٤) الواسعِ الذي يبدو للناظرِ الكعبُ.
وعند الشافعيِّ ﵀: لا يجوزُ المَسحُ على الجُرموق (^٥).
خف يَمسحُ على الجُرموقِ فوقَ الخُفَّ عندَنا، كذا في "الهداية" كما مرَّ آنفًا.
_________________
(١) في (س) و(ص): (إن).
(٢) (ص): (من).
(٣) في (س) و(ص): (هو).
(٤) (والجُرموق: خُفٌّ يُلبَس فَوق الخُفِّ) تهذيب اللغة (٩/ ٢٨٦)، وساقُهُ أقصرُ من الخفِّ، واسمُهُ بالهنديَّةِ ثرموزه. وإِنَّما يُلبَسُ فوقَ الخفِّ لحفظِهِ مِنَ الطينِ أَو غَيرِهِ على المشهُورِ. يُنظر: دستورُ العلماء (٣/ ٢٦٥).
(٥) لكونهما بدلٌ عن بدلٍ، ولا يصحّ، ينظر: البدائع (١/ ١٠).
[ ٥٤٣ ]
وإنْ (^١) لبِسَهُما وحدَه: لا يمسح عليهما (^٢).
"خف" دخل الماءُ في إحدَى الخُفَّينِ (^٣)، وإن (^٤) بلغَ الكعبَ حتَّى صارَ جميعُ الرَّجلِ مغسولًا: يجبُ عليه غَسلُ الرجلِ (^٥)، وينتقضُ مَسحُهُ، وإن لم يبلغِ الكعبَ: لا.
وقال بعضُهم: إن أصابَ أكثر من إحدى الرجلينِ (^٦): يَنتقِضُ المَسحُ.
"كا" (ا) الخَرقُ الكبيرُ يَمنعُ المَسحَ، والقليلُ لا يَمنعُه.
"تف" قال مالِكٌ ﵀ وسفيانُ الثوريُّ ﵀ (^٧): الخرقُ قليلُه وكثيرُه لا يَمنعُ المَسحَ بعد أنْ كان يُطلَقُ (^٨) عليه اسمُ الخُفِّ (^٩).
_________________
(١) في (س) و(ص): (فإن).
(٢) قال ابن عابدين في الردّ (١/ ٢٦٨): "أفادَ جوازَ المسحِ عليهما منفرِدَيْنِ أيضًا، وهذا لو كانا من جلدٍ، فلو مِن كرباسٍ لا يجوزُ" وفي المحيطِ تفصيلٌ (١/ ١٧١): "أمّا إن كانَ الجرموقُ من كِرباسٍ أو ما يُشبه الكرباسَ، أو من أديمٍ، أو ما يُشبِهُ الأديمَ: فإنْ لبِسَهُما وحدَهما؛ فإن كانَ من كرباسِ أو ما يُشبِهُ الكرباسَ؛ لا يجوزُ المسحُ عليهما؛ لأنَّه لا يُمكِنُ قطعُ السفَرِ، وتتابُعُ المشيِ عليهِ"، وإن كانَ من أدِيمٍ أو ما يُشبِهُ الأديمَ يجوزُ المسحُ عليهما؛ لأنَّه يُمكنُ قطعُ السفَرِ وتتابُعُ المشيِ عليهِ".
(٣) في (س) و(ص): (خفيه).
(٤) في (س) و(ص): (إن).
(٥) زيد في (س) و(ص): (الأخرى).
(٦) في (س) و(ص): (رجليه).
(٧) زيد في (ص): (إن).
(٨) في (س) و(ص): (ينطلق).
(٩) هذا خلاف مذهب مالكٍ رحمه الله تعالى، فإنّه يبيحُ المسحَ على خفٍّ فيه خرق قليلٌ دون الكثير، إلّا أنّ حدّ الكثرة عنده يختلف عن حدّ الكثرة عند غيرِهِ، فحدُّ الكثرة عنده الثلث، وليس مقدّرًا بالأصابع الظاهرة. وقد نقل الحطّاب في مواهب الجليل قولَ ابن رشدٍ، وعلّقَ عليه؛ فقال =
[ ٥٤٤ ]
وقال (^١) زفرُ والشافعيُّ: قليلُ الخَرقِ وكثيرُه سواءٌ في منعِ جوازِ المسحِ، بعدَ أن يُرى شيءٌ من الرَّجْلِ، كذا في "الكافي".
والخَرقُ الكبيرُ المانِعُ للمسحِ مُقَدَّرٌ بثلاثةِ أصابعَ من أصغرِ أصابعِ الرجْلِ، كذا ذُكِرَ (^٢) في عامّةِ كُتُبِ الفقهِ.
وذُكِرَ في بعض الفتاوى: يُعتبرُ بأكبرِ أصابعِ اليدِ، كذا في الزياداتِ. والصحيحُ من الروايةِ عن أبي حنيفةَ: أنَّه مُقدَّرٌ بأصابعِ اليدِ.
لو كانَ الخَرقُ في مواضعَ مُتفرّقةٍ:
- إن كان في خُفٍّ واحدٍ: يُجْمَعُ.
- وإن كان في خُفَّينِ: لا يُجمَعُ.
كذا في "خلاصةِ الفتاوى" وغيرِه.
_________________
(١) = (١/ ٣٢٠): "فاستقْرَيْنَا من مجموعِ هذه الرواياتِ أنَّه يمسَحُ على الخرق اليسيرِ، ولا يمسَحُ على الخرقِ الكبيرِ، وإذا كان كذلكَ بإجماعٍ، وقامت الأدلَّةُ من الكتابِ والسنِّة على أنَّ الثُّلُثَ آخرُ حدِّ اليسيرِ وأوّلُ حدِّ الكثيرِ وَجَبَ أن يمسَحَ على ما كانَ الخُرقَ فيه دونَ الثُّلُثِ، ولا يمسَحَ على ما كان الثلث فأكثر. أعني ثلثَ القدَمِ من الخفِّ، لا ثُلُثَ جميعِ الخفِّ، … وتحصيلُها أنَّه إذا كانَ الخرقُ في الخفِّ الثلثَ فأكثرَ. فلا يمسَحُ عليهِ، ظهرتْ منه القدمُ أو لم تظهَرْ، وإنْ كانَ أَقلَّ مِنَ الثلثِ فَإِنَّهُ يَمسَحُ عليه ما لم يتّسِع وينفَتِح حتى يظهَرَ منهُ القدمُ، فإنْ عَرُضَ الخرقُ حتى تظهَرَ منهُ القدمُ فلا يمسَحُ عليهِ إلا أن يكون يسيرًا، كالثقبِ اليسيرِ الذي لا يمكِنَه أن يغسِلَ ما ظهرَ منهُ من قدمَه؛ لأنَّه إذا ظهرَ من ذلكَ ما يُمكِنُهُ الغسلُ لم يصحَّ له المسحُ من أجلِ أنَّهُ لا يجتمِعُ مسحٌ وغسلٌ؛ فعلى هذا يجبُ أن تُخرَّجَ الرواياتُ المشهوراتُ".
(٢) في (س) و(ص): (نه قال).
(٣) في (ص): (ذكره).
[ ٥٤٥ ]
وذُكِرَ في "شرحِ الزياداتِ": رجلٌ بإحدَى رجلَيْهِ جِراحةٌ لا يستطيعُ غسلَها: فإنَّه يَمسَحُ على الخِرَقِ التي علَيها، فإن توضأ ومسَحَ عليها وغسَلَ الرجْلَ الصحيحةَ وليسَ الخُفَّ على الصحيحةِ، ثمَّ أحدثَ: فإنَّه يتوضّأُ ويَنزِعُ الخُفَّ، ولا يمسَحُ عليهِ، هكذا (^١) في "خلاصةِ الفتاوى".
"تف" أمّا المسحُ على الجوربينِ، فهو (^٢) على ثلاثةِ أوجهٍ:
- في وجهٍ: يجوزُ بالاتِّفاقِ، وهو: ما إذا كانا ثخينَيْنِ مُجلَّدَيْنِ أو مُنعَّلَيْنِ.
- وفي وجهٍ: لا يجوزُ بالاتِّفاقِ، وهو: أنْ يكونا رقيقيْنِ؛ بحيثُ يَصِفانِ ما تَحتَهُما (^٣)، ولا مُنعَّلَيْنِ.
- وفي وجهٍ: لا يجوزُ عندَ أبي حنيفةَ ﵀ خلافًا لهما (^٤)، وهو: أنْ يكونا ثخينَيْنِ ولا (^٥) مُنعَّلَيْنِ.
"خف" الثخينُ ما يَستمسِكُ على الساقِ من غير أن يُشَدَّ بشيءٍ.
وذُكِرَ في "العنايةِ": أنَّه يُقالُ: جوربٌ مُنعَّلٌ إذا وُضِعَ على أسفله جلدةٌ كالنعلِ للقَدَمِ.
وذُكِرَ في "حيرةِ الفقهاءِ": عن أبي حنيفةَ أنَّه رَجَعَ إلى قولهما (^٦) آخرَ عُمُرِهِ.
وذكر في "الفتاوى الكبرى" برواية مُحمَّدِ بنِ سلمةَ، بإسنادِه عن أبي حنيفةَ
_________________
(١) في (ص): (كذا).
(٢) في الأصل: (وهو).
(٣) زيد في (س): (غير مجلَّدين).
(٤) في (س) و(ص): (لأبي يوسف ومحمد رحمهما الله).
(٥) في (س) و(ص): (غير).
(٦) زيد في (س) و(ص): (في).
[ ٥٤٦ ]
﵀: أنَّه مسحَ على الجورَبَيْنِ قبلَ موتِهِ بثلاثةِ أيّامٍ، وعليهِ الفتوى (^١).
وقالَ الشافعيُّ: لا يجوزُ المَسحُ على الجوربِ (^٢) وإن كانت (^٣) مُنعَّلةً، كذا في "النهاية".
"خف" إن كان الجوربُ (^٤) مرعزيٌّ (^٥) صُوفٌ (^٦): لا يجوزُ المَسحُ عليه عندَهم.
فإن كان (^٧) ثخينًا مُستمسِكًا ويسترُ الكعبينِ سترًا لا يبدو للناظرِ (^٨): على هذا الخلافِ.
"خف" أمّا المَسحُ على الخِفافِ المُتَخذَةِ من اللُّبُودِ التركيّةِ (^٩): فالصحيحُ: أَنَّه يجوزُ.
_________________
(١) أي: على جواز المسح على الجوربين مطلقًا، منعّلَينِ أو غير منعّلين، والجوارب اسمٌ لما كان يُلبَس ممّا يستمسك على الرجل لثخنه، ولا يشفّ الماء، ويمكن متابعة المشي فيه عادة، ويغطّي الكعبين وسائرَ القدمين، وهي شروط لا تنطبق على جوارب اليوم في الجملة، فلا يجوز المسح عليها؛ إلا ما كان منها محقِّقًا لهذه الشروط؛ وهو نادرٌ: كالجوارب الرياضيّة ذات الطبقات، والجوارب الشتوية السميكة جدًّا التي تستعمل في البلاد التي تكثر فيها الثلوج أثناء العام، فيجوز المسح على مثلها دون ما يطلق عليه اسم الجورب ممّا في زماننا.
(٢) في (س) و(ص): (الجوارب).
(٣) في (ص): (كان). والجورب مذكر مجازيّ، فيجوز تذكير متعلّقه وتأنيثه، والأولى التذكير للصيغة.
(٤) زيد في (ص): (من).
(٥) في (س): (مرغزي).
(٦) في (ص): (وصوف).
(٧) زيد في (ص): (الجورب من غزل، وهو رقيق لا يجوز المسح عليه وإن كان).
(٨) في (س): (لناظر).
(٩) الظاهر من عباراتهم أنَّها في زماننا تُشبِهُ (الحذاءَ مرتفعَ الرقَبَةِ) المصنوعَ من الجلودِ التركيّةِ.
[ ٥٤٧ ]
ويجوزُ المَسحُ على الجبائرِ سواءً شدَّها على غيرِ وضوءٍ أو على وضوءٍ، سواءٌ (^١) كانتِ الجبيرةُ أكثرَ من موضعِ (^٢) الجراحةِ أو بقدرِهِ، كذا في "القُدوريِّ" و"الهدايةِ".
وإن سقطتِ الجبيرةُ من غير بُرءٍ، ورَماها، وشدَّها بجبيرةٍ أخرى أو بتلكِ الجبيرةِ: جازَ، لم يبطلِ المَسحُ؛ كذا في "خلاصةِ (^٣) الفتاوى" وغيرِه.
وإن سقطَتْ عن بُرءٍ (^٤): بطلَ المَسحُ، ويغسِلُ ذلكَ المَوضِعَ، ولا يُعيدُ الوُضوءَ، كذا في "القُدُوريِّ" و"الهداية".
"مص" إن ترك المسحَ على الجبيرةِ، والمسحُ لا يَضُرُّه: جازَ عندَ أبي حنيفةَ، خلافا لهما.
"خف" المسحُ على الجبائر على قول من يقول بأنَّه فرضٌ: فالاستيعاب فرضٌ، وهو رواية عن أبي حنيفة.
وفي روايةٍ أخرى عنه: لو مَسَحَ على الأكثرِ: يجوزُ، وعليه الفتوى.
وذُكِرَ في "منيةِ (^٥) المُصلِّي": إِنْ مَسحَ على النصفِ أو دونَهُ: لا يجوزُ، كذا في "العنايةِ".
وذُكِرَ في "شرحِ الطحاوي" و"التجريد" و"شرحِ تاج الشريعةِ": أنَّ المَسحَ على الجبائرِ ليسَ بفرضٍ عندَ أبي حنيفةَ ﵀، وإنْ لم يَضُرَّه، بل هو مُستَحَبٌّ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (وسواء).
(٢) في الأصل: (وضع).
(٣) في (س): (الخلاصة).
(٤) في الأصل: (براء).
(٥) في (س): (المنية).
[ ٥٤٨ ]
وفي "المحيطِ": أنَّه واجِبٌ عندَهُ، ويجوزُ الصلاةُ بدونِه، خلافًا لهما (^١).
وذكرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحِه": أنَّ الجبائرَ التي تُربَطُ على الجَرحِ جمعُ جبيرةٍ، وهي العيدانُ التي تُجبَرُ بها العِظامُ.
وحاصِلُ المسألةِ:
- أنَّه إذا لم يضره الغَسْلُ بالماء أو بنوعٍ من الماء كالحارِّ والباردِ: لا يجوزُ تركُ الغَسلِ.
وإن أضرَّهُ الغَسلُ ولا يضرُّهُ المَسحُ عليها: يَمسَحُ عليها بالماءِ لا محالةَ.
- وإن أضرَّهُ المَسحُ (^٢) وعلى الجبيرةِ أيضًا: لا يمسَحُ (^٣) عليها ولا على الجبيرةِ.
وإن أضرَّه المَسحُ عليها، ولا يَضُرُّه (^٤) المسحُ على الجبيرةِ: يلزمُه المَسحُ
على الجبيرةِ عندَهما كما ذكرنا، وكذلك ذُكِر في "مبسوطِ" مُحمَّدِ، بنِ الحسنِ، ولم يذكر قول أبي حنيفةَ.
والصحيحُ: أنَّ المسح على الجبيرة ليسَ بفرضٍ عندَ أبي حنيفةَ، كما مرَّ آنفًا، كذا ذَكَرَ تاج الشريعة في "شرحِه".
"خف" إذا مسح على العِصابةِ فوقَ الجِراحةِ، فسقطتِ العِصابةُ من غيرِ بُرءٍ فبدَّلَهُ بعِصابةٍ أخرى: فالأحسنُ أن يُعيدَ المَسحَ، وإن لم يُعِدْ: جازَ.
وإيصالُ الماءِ إلى المَوضعِ الذي لم يَستُرْهُ العِصابةُ وبينَ العِصابةِ: فرضٌ.
_________________
(١) في (س) و(ص): (لأبي يوسف ومحمد).
(٢) زيد في (س) و(ص): (عليها).
(٣) زيد في (ص): (لا).
(٤) في (س) و(ص): (يضر).
[ ٥٤٩ ]
وكذا في حقِّ المُفتصِدِ (^١)، وعليهِ الفتوى.
وذُكِرَ في "مختارِ الفتاوى": أنَّ من افتصَدَ وعَصَبَ يدَه: يمسحُ على جميعِ العِصابةِ معَ فُرجتِها إِنْ ضَرَّهُ حلُّها، ويغسلُ الباقي، كذا ذُكِرَ في "مُختصر الإرشادِ" لصاحبِ "العنايةِ"، فهكذا (^٢) الجراحاتُ والقُروحُ.
والمرأةُ في المسحِ كالرجُلِ.
* * *
_________________
(١) الفَصْدُ: قَطعُ العُروقِ. واقتَصَد فلانٌ: قَطَعَ عِرقَه ففَصَدَ. العين (٧/ ١٠٢). وهو من النَّفْضِ، الذي هو أحد نوعَي تخلّص البدن من زوائده: الاستفراغ والنفض، والاستفراغُ: إخراجُ الفضولِ من البدنِ إمّا بالرعافِ وإما بالقيءِ وإما بالعَرَقِ أو نحوِ ذلك. والنفضُ: إخراجُ الفضولِ من البدنِ بالعلاجِ، أعني: بالفصدِ أو بالإسهالِ أو بالاستقاءة. ينظر: مفاتيحُ العلوم (٢٠٥).
(٢) في (ص): (وهكذا).
[ ٥٥٠ ]