"هد" الوترُ فرضٌ عندَ أبي حنيفةَ، وعندَ أبي يوسفَ ومُحمَّدٍ: سُنّةٌ، وكذا عندَ الشافعيِّ.
"نه" اختلفتِ الرواياتُ عن (^١) أبي حنيفةَ:
روى حمّادُ بنُ زيدٍ عن أبي حنيفةَ: أنَّ الوِتر فريضةٌ، وبه أخذَ زُفَرُ.
وروى يوسفُ بنُ خالدٍ التيْمِيُّ عن أبي حنيفةَ: أنَّ الوترَ واجِبٌ، وهو الظاهرُ من مذهبِه.
وروى نوحُ بنُ مريمَ عن أبي حنيفةَ: أنَّ الوِترَ سنّةٌ، وبه أخذَ أبو يوسفَ ومحمَّدٌ والشافعيُّ.
كذا ذُكِرَ أيضًا في "تحفة الفقهاء".
"نه" قالَ أبو بكرٍ الأعمشُ: اتَّفقوا مع اختلافهم فيها أنَّ الوترَ أَدْوَنُ درجةً مِنَ الفريضةِ، حتَّى لا يُكفَرُ جاحِدُه، وأعلى درجةً من السنَّةِ، كذا أيضًا قال القاضي الإمامُ المُنتسِبُ إلى الإسبيجاب (^٢)، كذا مذكورٌ في "الفتاوى الظهيرية" حتى:
- يَجِبُ القضاءُ بتركِها ناسيًا أو عامدًا وإن (^٣) طالتِ المُدَّةُ، ولا يجوزُ بدونِ نيّة الوترِ، كذا في "شرحِ الطحاويِّ" و"تُحفةِ الفقهاءِ".
_________________
(١) في (س): (عند).
(٢) في (س) و(ص): (إسبيجاب). وهو الإسبيجابي.
(٣) في الأصل وفي (ص): (أو إن).
[ ٤٢١ ]
- ولو افتتحَ صلاةَ الفجرِ وهو ذاكِرٌ أنَّه لم يُوتِر: لا تجوزُ صلاةُ الفجرِ عندَ أبي حنيفةَ، إذا كان في الوقتِ سَعةٌ، وعندَ أبي يوسفَ ومُحمَّدٍ: يجوزُ الفجرُ، كذا ذُكِرَ في "المنظومةِ".
والوترُ ثَلاثُ رَكَعَاتٍ عندنا بتسليمةٍ واحدةٍ، كذا في "تُحفةِ الفقهاءِ" و"الهدايةِ" و"النهايةِ" وغيرِه.
"نه" قال الشافعيُّ: هو بالخيار: إن شاءَ أوتَرَ بركعةٍ واحدةٍ، وهي أقلُّها، كذا في "المبسوطِ"، أو بثلاثٍ، أو بخمسٍ، أو بسبعٍ، أو بتسعٍ، أو بإحدى عَشْرَةَ (^١) ركعةً، ولا يزيدُ على هذا، ويُسلِّمُ في كلِّ رَكعتينِ، كذا (^٢) في "تحفة الفقهاءِ" (^٣).
وعند مالِكٍ أيضًا: ثلاثُ رَكَعَاتٍ بتسليمتين، كذا في "العناية".
"هد" إذا أرادَ أنْ يقنُتَ: كبَّرَ ورفعَ يديه وقنَتَ، ولا يَقنُتُ في صلاةٍ غيرِها، خلافًا
_________________
(١) في (ص): (عشرة).
(٢) زاد في (ص): (ذكر).
(٣) قال الإمام النووي في روضةِ الطالبينَ وعمدةِ المفتينَ (١/ ٣٢٨): "الوتر سنَّةٌ. ويحصُلُ بركعةٍ، وبثلاثٍ، وبخمسٍ، وبسبعٍ، وبتسعٍ، وبإحدَى عشْرَةَ، فهذا أكثرُهُ على الأصحِّ. وعلى الثاني: أكثرُهُ ثلاثَ عشْرَةَ. ولا يجوزُ الزيادةُ على أكثرِهِ على الأصحِّ. فإن زادَ لم يصحَّ وترُهُ. وإذا زادَ على ركعةٍ، فأوتَرَ بثلاثٍ فأكثرَ موصولةً؛ فالصحيح: أنَّ لهُ أنْ يتشهَّدَ تشهُّدًا واحدًا في الأخيرة، ولهُ تشهُّدٌ آخرُ في التي قبلَها، وفي وجهٍ: لا يُجزِئُ الاقتصارُ على تشهُّدٍ واحدٍ، وفي وجهٍ: لا يجوزُ لمن أوتَرَ بثلاثٍ أن يتشهَّدَ تشهُدَيْنِ بتسليمةٍ؛ فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صلاتُه، بل يقتَصِرُ على تشهُّدٍ، أو يُسلِّمُ في التشهُّدَيْنِ، وهذان الوجهانِ مُنكَرَانِ، والصوابُ جوازُ ذلك كلِّهِ … وهل الثلاثُ الموصولةُ أفضلُ من ركعةٍ فَرْدَةٍ؟ فيه أوجُهٌ. الصحيحُ: أنَّ الثلاثَ أفضلُ. والثاني: الفردَةُ - قال في (النهاية): وغلا هذا القائلُ فقالَ: الفردَةُ أفضلُ من إحدى عشْرَةَ ركعةً موصولةً - والثالثُ: إنْ كان منفردًا: فالفردهُ، وإن كانَ إمامًا: فالثلاثُ الموصولةُ".
[ ٤٢٢ ]
للشافعيِّ في الفجرِ، يقرأُ القنوتَ في الركعةِ الثانيةِ من الفجرِ بعدَ الركوع.
ويقنتُ عندنا: في الركعةِ الثانيةِ (^١) بعدَ القراءة قبلَ الركوعِ في جميع السَّنَةِ، كذا في "القُدُوريِّ" و"الهدايةِ".
وعندَ الشافعيِّ (^٢): في الركعةِ الأخيرةِ مِنَ الوِترِ بعدَ الركوعِ في النصفِ الأخير مِنْ رمضانَ.
وذَكَرَ في "خُلاصة الفتاوى"، نقلًا عن "العيون": اختلافَ المشايخ في الأخذ والإرسال في قراءة القنوتِ، والأصحُّ: هو الأخذُ.
"تف" يُرسِلُهما، كذا ذَكَر (^٣) الطحاويُّ في "مختصرِه" (^٤)، وكذا رَوَى الحسنُ عن أبي حنيفةَ.
ورُويَ عن أبي يوسفَ: أَنَّه يَبْسُطُ يَدَيْهِ بسطًا نحوَ السماءِ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ ومُحمَّدٍ في غيرِ روايةِ الأصولِ: أنَّه يضعُهُما.
وذُكِرَ في "حَيرةِ الفقهاء": أنَّ رجلًا صلَّى الوِترَ ولم يَقنُتْ في الثالثةِ ناسيًا، ثمَّ تذكَّرَ في الركوع: فإنَّه لا يعودُ، فإن عادَ: فإنَّ ركوعَه لا يَنتقِضُ؛ لاختلافِ الناسِ في مَوضِع القنوتِ.
ولو أنَّه نسِيَ قراءةَ الفاتحةِ وقرأَ السورةَ، ثمَّ تذكَّرَ في الركوع: فإنَّه لا يعودُ أيضًا.
_________________
(١) في (ص): (الثالثة).
(٢) زيد في (س): (يقنت).
(٣) في (س) و(ص): (ذكره).
(٤) في الأصل: (مختصر).
[ ٤٢٣ ]
فإن عادَ وقرأَ الفاتحةَ: فإنَّه يقرأُ السورةَ بعدَها؛ كي لا تحصُلَ الفاتحةُ بعدَ السورة، فلو أنَّه عادَ إلى قراءةِ الفاتحةِ: فإِنَّ رُكُوعَه ينتقِضُ هنا.
وذَكَرَ في "الفتاوى الظهيريّةِ": لو رَكَعَ الإمامُ في الوِتر، ولم يقرأ المُقتدي شيئًا مِنَ القنوتِ، إن خافَ فوتَ الركوعِ: فإِنَّهُ يَركَعُ، وإن كانَ لا يخافُ: يقنُتُ.
وذُكِرَ أيضًا في ذلك "الظهيريّةِ" لو رَكَعَ الإمامُ في الوِترِ قبلَ أَن يَفْرُغَ المُقتَدِي مِنَ القنوتِ: فإنه يُتابعُ الإمامَ، ولا يَقنُتُ.
"قن" لو تركَ القراءةَ في الركعةِ الثالثةِ من الوِترِ: فسدَ (^١) وِترُهُ، ولا يُمكنُ إصلاحُها.
"تف" المرويُّ عن النبيِّ ﵇ في القنوتِ (^٢): "اللَّهمَّ، إِنَّا نَستعينُك ونَستغفِرُك ونستهديكَ (^٣)، ونؤمنُ بكَ، ونتوكَّلُ عليك، ونُثنِي عليكَ الخيرَ كلَّه (^٤)، نشكرُكَ ولا نكفرُكَ، ونخلَعُ ونترُكُ من يفجُرُكَ.
اللهمَّ إياك نعبدُ، ولك نُصلِّي ونَسجُد، وإليكَ نسعَى ونحفِدْ (^٥)، نرجو رحمتَكَ
_________________
(١) في (ص): (فسدت).
(٢) روى الحديث بلفظه ابن الملقن في "البدر المنير" الحديث السابع بعد الأربعين (٤/ ٣٧٠)، وإلى قوله: "ملحق" في "مصنف ابن أبي شيبة" باب: ما يدعو به في قنوت الفجر، رقم: (٧٠٣٢).
(٣) سقط من (ص): (ونستهديك).
(٤) سقط من (ص) (الخير كله).
(٥) قال ابن نجيم في شرحه للكنز (٢/ ٤٥): "وأمّا (نَحفِدُ) فهوَ بفتحِ النونِ وكسرِ الفاءِ وبالدالِ المهملةِ، من الحَفْدِ بمعنى السرعةِ، ويجوز ضمُّ النونِ، يقالُ: حَفَدَ؛ بمعنى أسرَعَ، وأحفَدَ لغةٌ فيه، حكاها ابن مالك في فَعَلَ وأَفْعَلَ. وصرَّحَ قاضي خان في فتاويه بأنَّهُ لو قرَأها بالذالِ المعجمةِ بطَلَتْ صلاتُهُ، ولعلَّه لأنَّها كلمةٌ مهملَةٌ لا معنى لها".
[ ٤٢٤ ]
ونخشى عذابَكَ، إِنَّ عذابَكَ (^١) بالكفارِ مُلحِق - بكسر الحاء.
اللهمَّ، اهدنا فيمن هديتَ، وعافِنا فيمَنْ عافيتَ، وتولَّنا فيمَنْ تولَّيتَ، وبارك لنا فيما أعطيتَ، وقِنا ربَّنا شرَّ ما قَضَيْتَ، فإنّكَ تقضي ولا يُقضَى عليكَ، أنت تمُنُّ ولا يُمَنُّ عليكَ، إنَّه لا يَذِلُّ من واليتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ، فلكَ الحمدُ على ما قضيتَ، ولكَ الشكرُ على ما هَدَيْتَ، نستغفِرُكَ، ربِّ اغفر وارحم، وأنتَ خيرُ الراحمينَ".
وذُكِرَ في "تحفةِ الفقهاءِ": إذا قرأ في بعضِ الأوقاتِ دعاءً آخرَ غير (^٢) المرويِّ: يجوزُ.
"خف" لو قرأ في الوترِ: ونَحفِذُ، بالذالِ أو (^٣) الضادِ المعجمتين: فَسَدَ وِترُهُ، وإن (^٤) صلَّى مدَّةَ عُمُرِهِ، كذا: يلزَمُهُ إعادةُ الوِتر، دونَ غيرهِ من الصلاة (^٥).
"تف" إِنَّ القنوتَ يُجهَرُ أَم يُخافَتُ؟
ذُكِرَ في "شرح الطحاويِّ": أنَّ المُنفردَ بالخيارِ: إن شاءَ جهر، وإن شاءَ أسرَّ، كما ذكرنا في القراءة.
"تف" إن كانَ إمامًا: فإنَّه يَجهَرُ بالقنوتِ، ولكن دونَ الجهرِ بالقراءةِ في الصلاةِ، والقومُ يتابعونَهُ في القنوتِ … إلى قولِه: "إِنَّ عَذَابَكَ بالكُفَّارِ مُلحِقٌ".
_________________
(١) زيدَ في (س): (الجد).
(٢) زاد في (ص): (هذا).
(٣) في (ص): (و) أي لو قال: (نحفِضُ)، وقد مرّ تعليله قبل هامشين.
(٤) في (ص): (لو).
(٥) في (س) و(ص): (الصلوات).
[ ٤٢٥ ]
"نه" إذا كان إمامًا (^١): اختلفَ فيه المشايخُ:
قال بعضُهم: بأَنَّه يُخافِتُ (^٢).
وذهبَ الشيخُ الإمامُ أبو بكرٍ مُحمَّدُ بنُ الفضلِ وأبو حفصٍ السفكردريُّ، وقد جرى التوارثُ بالمُخافتة في مسجد أبي حفصٍ الكبيرِ، وهومن أصحابِ مُحمَّدِ بن الحسنِ، ولولا أنَّه عَلِمَ من مُحمَّدٍ أَنَّ (^٣) من سُنّتِهِ (^٤) المُخافتةَ؛ لما خالَفَهُ، كذا ذَكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحِه".
والجهرُ بالقنوتِ في بلادِ العجَمِ: إنَّما استحسنوا الجهرَ بخلافِ القياسِ؛ لكي يتعلَّموا، كذا في "شرحِ تاجِ الشريعةِ".
وفي "المبسوطِ" و(^٥) "الاختيار": الإخفاء مُطلَقًا في حقِّ الإمامِ (^٦) والمُنفِرِدِ، كذا ذُكِرَ أيضًا في "النهاية" و"العنايةِ".
وعن أبي يوسفَ: أنَّ الإمامَ يَجْهَرُ والقومَ يؤمِّنون، كذا في "النهاية".
والمقتدي يقرأُ القنوتَ في الوِتر خلفَ الإمام، كذا في "الفتاوى الظهيرية"، ولا يُصلِّي على النبيِّ ﵇ في القنوتِ، وهو اختيارُ مشايخنا، كذا في "الفتاوى الظهيرية".
_________________
(١) زاد في (ص): (قد).
(٢) في (س): (بأنها تخافت).
(٣) في (س): (أَنَّه).
(٤) في الأصل: (سنة).
(٥) سقط من (ص): (و).
(٦) زاد في (ص): (والقوم).
[ ٤٢٦ ]
"مم" مَن لا يعرفِ القنوتَ: يقولُ: يا ربُّ ثلاثًا، كذا في "الفتاوى الظهيرية" (^١). "مم" قيل يُستحَبُّ لمن لا يعرفِ القنوتَ أن يقولَ: (اللهمَّ اغفر لي) ثلاثًا، كذا في "الفتاوى الظهيرية".
"مم" (ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وَقِنا عذابَ النار): يكفي عن القنوتِ.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيرية": هذا اختيارُ مشايخنا.
"منع" إن كانَ لا يُحسِنُ القنوتَ يقرأُ ثلاثَ مرّاتٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: ١]، وثلاثَ مرّاتٍ: اللَّهمَّ اغفر لنا وللمؤمنينَ والمؤمنات.
"خف" لو تذكَّرَ في الركوع أنَّه لم يقنُتْ: ففيهِ روايتانِ:
في روايةٍ: يعودُ ويقنتُ، ولا يُعِيدُ الركوعَ.
وعليه السهوُ، عادَ أو لم يَعُدْ، قنَتَ أو لم يقنُتْ.
ولو قرأَ في الثالثةِ القنوتَ ونسِيَ القراءة (^٢) حتى رَكَعَ، أو قرأ الفاتحة ونسِيَ السورةَ حَتَّى رَكَعَ: يرفَعُ رأسَهُ ويقرأُ السورةَ، فيُعِيدُ القنوت والركوعَ، وعليهِ السهوُ.
ولو تذكَّر بعدَما رفعَ رأسَهُ من الركوع أنَّه لم يقنُتْ: لا يَقنُتُ أصلًا.
"مم" مَسبوقٌ بركعتينِ في وترِ رمضانَ قنَتَ معَ الإمامِ: لا يقنُتُ ثانيًا، كذا في "النهاية" أيضًا (^٣).
ويقرأُ في كلِّ ركعةٍ من الوِترِ فاتحةَ الكتابِ وسورةً، كذا ذُكِرَ في عامةِ كُتُبِ الفقه.
_________________
(١) سقط من (س) و(ص): (كذا في الفتاوى الظهيرية).
(٢) في الأصل: (القنوت).
(٣) في (س): (كذا أيضًا في "النهاية").
[ ٤٢٧ ]
"نه" في "المبسوطِ": إن أوْتَرَ في وقتِ العشاءِ قبلَ أن يُصلِّيَ العشاءَ، وهو ذاكِرٌ لذلك: لم يُجزِهِ (^١) بالاتِّفاقِ.
أما إذا صلَّى العشاءَ بغيرِ وضوءٍ وهو لا يعلَمُ بهِ، ثمَّ جَدَّدَ الوضوءَ (^٢)، ثمَّ عَلِمَ أَنَّه كانَ صلَّى العشاءَ بغيرِ وضوءٍ (^٣): فعليهِ إعادةُ العشاءِ دونَ الوِترِ في قولِ أبي حنيفةَ.
وعندَ أبي يوسفَ ومُحمَّدٍ: يلزمُهُ إعادةُ العشاءِ والوِترِ.
"خف" لو شكَّ في الوتر وهو نائِمٌ (^٤) أنها الثانيةُ (^٥) أو الثالثةُ (^٦): يُتِمُّ تلك الركعةِ ويقنت فيها (^٧) أيضًا، وهو المُختارُ.
وذُكِرَ في "حيرة الفقهاءِ": لو شكَّ في الوتر أنَّه في الركعةِ الأولى، أم في الثانية، أم في الثالثةِ: فإنه يقنُتُ في الركعةِ التي هو فيها، ويقعُدُ، ثمَّ يقومُ ويُصلِّي ركعتَيْنِ ويقعُدُ بينهما ويقنُتُ فيهما.
وفي قولٍ آخر: يُصلِّي ثلاثَ رَكَعَاتٍ بثلاثِ قَعَداتٍ، ولا يقنُتُ؛ لأنَّ تَركَ السنَّةِ أسهلُ من إتيانِ البِدعةِ، والقنوتُ في الركعةِ الأولى والثانية بدعةٌ.
"قن" اقتدى الحنفيُّ في الوِترِ لمن سلَّمَ عند الركعتين: لا يُسلِّمُ معَه ويُصلِّي معه بقيَّةَ الوِترِ؛ لأنَّ إمامَه لم يخرُجْ بالسلام عن صلاته؛ لأَنَّهُ مُجتَهَدٌ فيه.
_________________
(١) في (س): (يجزئه).
(٢) زاد في (ص): (فأوتر).
(٣) في (س): (الوضوء).
(٤) في (ص): (قائم).
(٥) في (ص): (ثانية).
(٦) في (ص): (ثالثة).
(٧) زاد في (س) و(ص): (ويقعد ثم يقوم فيصلي ركعة أخرى ويقنت فيها).
[ ٤٢٨ ]
"قن" اقتدى حنفيُّ المَذهِب في الوِتر بمن يرَى الوِترَ سُنّة: يَجوزُ؛ لأنَّ الوجوب فيه ضعيفٌ، ولهذا يلزمُه القراءةُ في الركعاتِ كلِّها، وفي بعضِ الفتاوَى: لم يُجزِهِ.
"هد" إن قَنَتَ الإمامُ في صلاةِ الفجرِ: يَسكُتُ مَن خَلفَهُ عند أبي حنيفة ومُحمَّدٍ.
وقال أبو يوسفَ: يتبعُهُ.
(^١) قيلَ: يقِفُ قائمًا ساكتًا؛ ليُتَابعَهُ فيما يجبُ مُتابَعتُه، وهو القيامُ، وهو اختيارُ الإمامِ السرخسيِّ، كذا ذكرَه في (^٢) "تاجِ الشريعة" (^٣).
وذُكِرَ في "الهدايةِ": أَنَّ الأَوَّلَ أَظهرُ.
وذَكَرَ تاجُ الشريعةِ في "شرحه": أنَّ شمسَ الأئمةِ الحلوانيَّ قال: قولُ أكثر المشايخ وهو الأصحُّ: أنَّه يقطعُها على وجه الإفسادِ؛ لأنَّ القنوتَ في الفجر عندَنا بدعةٌ، فكيفَ ينتظِرُ المُبتدِعَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ البدعَةَ؟!
وفيه: تَعظيمُ أمرِ البدعةِ، وفي القعودُ مُخالَفةُ الإمامِ، وهي مَنهيٌّ عنها، فتعيَّنَ القطعُ طريقًا.
"نه" في جوابِ اقتداءِ (^٤) حنفيِّ (^٥) المذهبِ بشافعيِّ المذهبِ: فقد ذَكَرَ صدرُ الإسلام أبو اليسر: أن اقتداءَ الحنفيِّ بشافعيِّ المَذهَبِ غَيْرُ جائزٍ، مِنْ غيرِ أَن يَطْعَنَ في دينهم (^٦)؛
_________________
(١) زاد في (ص): (هد).
(٢) زاد في (ص): (شرح)، وقوله: (في): سقط من (س).
(٣) زاد في (ص): (وقيل يقعدُ تحقيقًا للمخالفَةِ؛ لأنَّ الساكتَ شريكُ الداعي).
(٤) في (ص): (جواز الاقتداء).
(٥) في (س): (الحنفي).
(٦) تسمية مذهب الشافعية دينًا باعتبار المعنى اللغوي لا الاصطلاحي، والمقصود ما يدينون الله تعالى =
[ ٤٢٩ ]
لِما روى مكحولٌ النسفيُّ في كتابٍ (^١) سمّاهُ "الشعاع" (^٢): عن أبي حنيفةَ: أنَّ مَن رفعَ يديْهِ عندَ الركوعِ، وعندَ رفعِ الرأسِ مِنَ الركوعِ: تَفسُدُ صلاتُه، وجعلَ ذلك عملًا كثيرًا، وصلاتُهم فاسدةٌ عندَنا، فلا يَصِحُّ الاقتداءُ فيها (^٣).
_________________
(١) = به، وهو اختيارهم الفقهي، ولا يصحُّ وصفُ المذهبِ بـ (الدين) إلا من هذا الوجهِ، وفيه تكلّف، فلا ينبغي.
(٢) في (س): (كتابه).
(٣) في هامش الأصل نسخة: (الشفاء). وكتاب الشعاع لمكحول بن الفضل النسفي، وله أيضًا كتاب اللؤلؤيات، كان يروي الفقه عن أبي سليمان موسى الجوزجاني صاحب محمد بن الحسن، مات سنة ٣١٨ هـ. وانظر في ترجمته الفوائد البهية في تراجم الحنفية لعبد الحي اللكنوي ص (٢١٦).
(٤) في (ص): (بهذا). وهذا من مبالغاتِ بعضِ العلماءِ المجهولين المنتسبينَ إلى المذاهب وتهويلاتِهم، ولا يصحُّ إطلاقُ مثلِ هذه الأحكامِ، بل تصحُّ الصلاةُ خلفَ الشافعيِّ بلا خلافٍ معتبرٍ بين العلماءِ من المذاهبِ الأربعةِ المعتبرةِ، وقد صح عن الأئمة الثلاثة تصحيحها في باب الوتر، حيث ذكروا أنّ من صلّى الوتر خلف من يقنت فيها فإنّه لا يعيدها بلا خلاف بينهم، إنّما اختلفوا في متابعته في القنوت أو السكوت، أمّا الصلاة نفسها فهي صحيحة بلا خلاف بينهم، وفي هذا دليل على تصحيح الاقتداء بالشافعي الذي يقنت في الوتر. وقد نقل في الجواهر المضيّة أنه لا يُعرف، قال (٤٠٥) ترجمة: (١٦٣٤ - مكحول النسفي): "وكان شيخنا قاضي القضاة أبو الحسن يقول: الراوي لهذه الرواية لا يُعرَفُ". وقد نقلَ العلامةُ عبدُ الحيِّ اللكنويُّ في كتابهِ "الفوائدِ البهيةِ في تراجمِ الحنفية" كلامًا يحسُنُ ذكرُهُ بتمامِهِ، وذلك في ترجمة ميمون بن محمد بن محمد بن معتمد بن محمد بن مكحول النسفي، وتكلم عن جد جده، ولم يفرد لمكحول ترجمةً! حيث قالَ في (٢١٦): (وقالَ في "المحيط" كانَ شيخنُا يقولُ: (مكحول) الراوي لهذه الرواية لا يُعرَف! كذا في طبقات القاري. قلت: هذه الروايةُ هي التي غرّت أمير كاتب الإتقاني فحَكَمَ بفسادِ الصلاةِ برفعِ اليدين؛ وكتبَ فيها رسالةً، وردَّ عليه تقيُّ الدين عليُّ بنُ عبدِ الكافي السبكيُّ الشافعيُّ أحسنَ ردَّ كما مرَّ ذِكرُهُ في ترجمتِه، وبها اغترَّ أبو اليسرِ ومَن سلكَ مسلَكَهُ فحَكَمَ بعدمِ جوازِ اقتداءِ الحنفيِّ بالشافعيِّ؛ لأنهم =
[ ٤٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يرفعونَ أيديهم، وهو مفسدٌ عندنا. قالَ حسامُ الدينِ السنغاقيُّ في "النهاية": قد ذَكَر أبو اليسر أنَّ اقتداءَ الحنفيِّ بشافعيِّ المذهبِ غيرُ جائزٍ من غيرِ أن يطعَن في دينهم، لما روى مكحولٌ النسفيُّ في كتابٍ سمّاهُ (الشعاع) عن أبي حنيفةَ: مَنْ رَفَعَ يدَيه عندَ الركوعِ وعندَ الرفعِ مِنَ الركوعِ تفسُدُ صلاتُهُ، وجعلَ ذلكَ عملًا كثيرًا؛ فصلاتُهم فاسدةٌ عندنا، فلا يصحُّ الاقتداءُ لهذا. وذكرَ في "الفوائد الظهيرية" بعدما ذكر هذا: فيه نظرٌ؛ لأنّ فسادَ الصلاةِ عندَ رفع اليدينِ لا يمنَعُ صحةَ الاقتداءِ في الابتداء؛ لجوازِ صلاةِ الإمامِ إذ ذاكَ. انتهى. وفي "شرحِ الجامعِ الصغيرِ" للصدرِ الشهيدِ عمرَ بن عبدِ العزيز بن عمرَ بن مازَهُ تحتَ مسألةِ (صلّى الفجرَ خلفَ إمام يقنتُ): فإنّه يسكتُ ولا يتابعُه؛ عند أبي حنيفة ومحمدٍ، وقال أبو يوسفَ: يتابِعُهُ، إلخ. قال بعضُ مشايخنا: دلّت المسألةُ على أن اقتداءَ الحنفيِّ بشافعيِّ المذهبِ جائزٌ إذا كان محتاطًا في موضعِ الخلافِ، ولم يكن متعصبًا، ولا شاكًا في إيمانه، وأنكرَ آخرونَ ذلكَ؛ فإنّه رُوِيَ عن مكحولٍ النسفيِّ - مصنِّفِ كتابِ اللؤلؤياتِ - عن أبي حنيفةَ أنّ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ عند الركوعِ وعند رفعِ الرأسِ منه فسدَتْ صلاتُهُ؛ لأنه عملٌ كثيرٌ، فصلاتُهم فاسدةٌ عندنا، فلا يصح هذا الاقتداء. انتهى. والحق أنّ هذه الروايةَ التي رواها مكحولٌ شاذةٌ لا يعتدُّ بها ولا بذَاكِرِها، وممن صرّح بشذوذها: محمّدُ بن عبد الواحدِ الشهيرِ بابنِ الهمامِ في فتح القدير، وذكَرَ أنّه صرّحَ بشذوذِها صاحبُ النهاية. وفي "حليةِ المُحَلِّي شرح منيةِ المصلِّي" لابن أمير حاج: الفسادُ برفع اليدين في الصلاة رواية مكحول النسفيِّ عن أبي حنيفةَ، وهو خلافُ ظاهرِ الرواية؛ ففي الذخيرة: رفعُ اليدينِ لا يُفْسِدُ؛ منصوصٌ عليه في باب صلاةِ العيدين في "المختارِ": لا يفسدُ؛ لأنَّ مُفْسِدَها لم يُعرَف قُربةً فيها. أ. هـ. وفي السرّاجية رفع اليدين لا يفسد وهو المختار. انتهى. وفي مقدمة رفع اليدين في الصلاة لمحود بن أحمد بن مسعود القونوي: القول بعدم جواز اقتداء الحنفي بالشافعي ليس مذهب أبي حنيفة، وإنّما هو قولٌ شاذٌّ، ذكرَهُ بعضُ المتأخرينَ على رواية مكحولٍ النسفيِّ: وإن مكحولًا تفردَ بهذِه الروايةِ. ولم يروِها أحدٌ غيرُه في ما تعلم. ولم يكن مشهورًا بالرواية في المذهب. =
[ ٤٣١ ]
"هد" إذا عَلِمَ المُقتدِي منه ما يزعُمُ به فسادَ صلاتِهِ كالفصْدِ وغيرِهِ: لا يجوزُ (^١) الاقتداءُ به.
وذُكِرَ في "العناية" في "شرح"الهداية": أنَّ الاقتداءَ به إنما يَصِحُّ إذا تحامَى في (^٢) مواضعِ الخلافِ؛ بأن يتوضأَ في الخارج النجسِ من غيرِ السبيلينِ، وأن لا
_________________
(١) = ولم نجد له قولًا ولا اختيارًا. ولم ينصَّ أحدٌ من المشايخ على صحةِ هذه الروايةِ ورجحانِها. فينزل بمنزلة المجهول من الرواية؛ ومن يكن بهذه المثابة لا يجوز العملُ بروايته. ومعلومٌ أن مكحولًا لم يكن من أهل القرون المعدّلة. ولم تشتهر روايتُهُ في السلف [أي سلف أئمة المذهب] ليُقرَّ عليها. فلا يجبُ العملُ بروايتِه، بل لا يجوزُ، حتى قالَ الأصوليونَ من أصحابنا: إنَّ روايةَ مثل هذا المجهولِ في زماننا لا يُعمَلُ بها، وإذا كانَ كذلكَ في روايةِ الأخبارِ فكذا في روايةِ الأحكامِ الدينيةِ؛ إذ لا فرقَ بينهما في العمل بها. وأيضًا فإنّ ظاهر ما روي عن مكحول يدلُّ على أنه أدرك أبا حنيفةَ، فلزِمَ القائلَ بصحَّة روايتِه أحدُ الأمرين، وهو: إما أن يبين إدراكَه لأبي حنيفةَ، أو يبينَ الرواةَ الذين بينَه وبينَ أبي حنيفةَ؛ لتصحَّ روايتُهُ. وكذا من نقَلَ تلكَ الروايةَ عن مكحولٍ من المشايخِ المتأخرين كالصدرِ الشهيدِ وغيرهِ، ومعلومٌ أنهم لم يُدركوا مكحولًا، فيلزمُ أيضًا أن يَبينَ إدراكُهم إيَّاهُ، أو يَبِينَ الرواةُ الذينَ بينَهم وبينَ مكحولٍ، وإذا تعذرَ ذلك كانت تلك الروايةُ منقطعةَ الإسنادِ من الطريقينِ الأعلى والأسفلِ، فيتطرقُ الطعنُ إليها بهذا الاعتبار. وكذا نقول في سائرِ الرواياتِ المخالفةِ لظاهرِ المذهبِ - اللهم إلا أن يُنَصَّ على صِحَّتِها والعملِ بها [فيعمل بها] باعتبار التنصيصِ على صحتها، لا باعتبار ذاتها، وليسَ هذا من بابِ الإرسالِ؛ لما بينا أنّ مكحولًا لم يكن من أهلِ القرونِ المعدّلة ليُقبَلَ إرسالُه، ولم يروِ أحدٌ عن مكحولٍ هذه الرواية مسندةً عن الإمامِ ولا مرسلةُ لتَقوَى روايتُهُ. انتهى ملخصًا.).
(٢) في (س) و(ص): (يجزئه).
(٣) سقط من (ص): (في).
[ ٤٣٢ ]
ينحرفَ عن القِبلةِ انحرافًا فاحشًا، ولا يكونَ شاكًّا في إيمانِه، وألا يتوضّأ في الماءِ الراكدِ القليلِ، وأن يغسِلَ ثوبَهُ من المنيِّ إن كانَ رطبًا أو يَفرِكَ اليابسَ، وألا يَقطَعَ الوِترَ، ويراعيَ الترتيبَ في الفوائتِ، وأن يمسحَ رُبُعَ رأسِهِ، فإنْ عَلِمَ منه (^١) شيئًا (^٢) من هذه الأشياءِ لا يصحُّ الاقتداءُ، وإنْ لم يَعلَمْ جازَ (^٣).