اعلم أنَّ النجاسةَ الحقيقيّةَ (^١) ضربانِ: مُغلَّظةٌ، ومُخفَّفةٌ (^٢).
إن أصابَت مِنَ النجاسةِ المُغلَّظةِ قدْرَ الدرهمِ وما دونَه: كالدمِ، والبولِ، والخمرِ، وخُرءِ (^٣) الدجاجِ، وبولِ الحمارِ: جازَتِ الصلاةُ معَه، وإن زادَت لم تَجُزْ.
وذُكِرَ في "مُختارِ الفتاوى": أنَّ بولَ الصغيرِ كذلك، أَكَلَ أو لم ياكُل.
وقال زُفرُ والشافعيُّ: قليلُ النجاسةِ وكثيرُها سواءٌ.
"خف" قَدْرُ الدرهمِ: لا يَمنَعُ (^٤)، ويَكونُ مُسيئًا.
وإن كان أقلَّ: فالأفضلُ أن يغسلَها، ولا يَكونُ مُسيئًا (^٥).
"هد" يُروى اعتبارُ الدرهمِ مِن حيثُ المَساحةِ في النجاسةِ المُغلَّظةِ، وهو: قدْرُ عَرضِ الكفِّ في الصحيحِ.
ويُروى من حيثُ الوزنِ، وهو الدرهمُ الكبيرُ المِثقالِ، وهو: ما يَبلغُ وزنُه مِثقالًا.
_________________
(١) أي: الحسيّة الماديّة، غير المعنوية الحكميّة.
(٢) زاد في (ص): (هد).
(٣) في (ص): (خروء).
(٤) زاد في (س): (الصلاة). والمقصود صحّتها لا عينها، وعدم المنع من صحة الصلاة لا يعني عَدَمَ الإثم، بل نصّ بعض العلماء على إثم من يصلّي بهذا القدر من النجاسة. قال ابن عابدين في الحاشية (رد المحتار) (١/ ٣١٧): (لا ينافي الإثم كما استنبطه في "البحر" من عبارة "السراج"، ونحوه في شرح "المنية" فإنه ذكر ما ذكره الشارح من التفصيل، وقد نقله أيضًا في "الحلية" عن "الينابيع").
(٥) في الدرّ المختار (١/ ٣١٦): " (وعفا) الشارع (عن قدر درهم) وإن كرِهَ تحريمًا، فيجبُ غسلُه، وما دونَهُ تنزيهًا فيُسنُّ، وفوقَه مبطلٌ".
[ ١٥٦ ]
وقيل في التوفيقِ بينَهما:
- الأُولى: في الرقيقِ (^١).
- والثانيةُ: في الكثيف.
"هد" إن أصابَتْ من المُخفَّفةِ كبولِ ما يُؤكَلُ لحمُه: جازَتِ الصلاةُ معَه حتَّى يَبلُغَ رُبُعَ كلِّ الشوبِ، صحَّحَه شمسُ الأئمّةِ السرخَسِيُّ (^٢)، ويُروى ذلك عن أبي حنيفةَ.
والربُعُ مُلحَقٌ بالكُلِّ في حقِّ بعضِ الأحكامِ.
وعنه: رُبُعُ أدنى ثوبٍ تَجوزُ فيه الصلاةُ كالمِئزَرِ.
وقيل: رُبُعُ المَوضِعِ الذي أصابَه كالذيلِ (^٣) والكُمِّ والدُّخريصِ (^٤).
وعن أبي يُوسفَ: شِبرًا في شِبرٍ؛ يعني: شِبرًا طُولًا وشِبرًا عَرَضًا، كذا في "الهداية" و"النهاية".
_________________
(١) النجاسة الرقيقة كالبول والدم، وما خرج سائلًا من الدبر، والكثيفة: كالغائط.
(٢) محمد بن أحمد بن سهل، أبو بكر، شمس الأئمة: قاض، من كبار الأحناف، مجتهد، من أهل سرخس (في خراسان). أشهر كتبه "المبسوط" في الفقه والتشريع، ثلاثون جزءًا، أملاه وهو سجين بالجب في أوزجند (بفرغانة) تـ: (٤٨٣ هـ) "الأعلام" (٥/ ٣١٥).
(٣) في (س): (الذيل).
(٤) الدخريص: ما يوصل به بدنُ الثوبِ ليوسّعه، واحد الدخاريص، ويمكن أن يكون القطع التي توضع في الثياب ليصبح عرضها ملائمًا للابسها. والدخريص من الثوبِ والأرضِ والدرعِ: (التيريز)، والتِّخْريصُ لغةٌ فيه؛ وأنشدَ ابن برّي للأعشى: كما زدتَ في عرضِ القميصِ الدَّخَارِصَا قال أبو منصور: سمعتُ غيرَ واحدٍ من اللغويينَ يقول: الدِّخرِيصُ مُعرَّبٌ، أصلُهُ فارسيٌّ، وهو عندَ العربِ البِنِّيقَةُ واللّبنَةُ والسبْجَةُ والسعِيدَةُ. لسان العرب (٧/ ٣٥).
[ ١٥٧ ]
"جص" إنَّ بَولَ ما يُؤكَلُ لحمُه طاهِرٌ عندَ مُحمَّدٍ.
وذُكِرَ في "الفتاوى (^١) الكُبرى": في بولِ ما يُؤكَلُ لحمُه (^٢) الفتوى على قولِ أبي حنيفةَ وأبي يُوسُفَ: أنَّه نَجِسٌ نَجاسةً (^٣) خفيفةً.
وذُكِرَ في (^٤) "تاج الشريعةِ" (^٥): أنَّ النجاسةَ الغليظةَ إذا أُزيلَت ببولِ ما يُؤكَلُ لحمُه: لا يَمنَعُ جوازَ الصلاةِ ما لم يَبلُغ رُبُعَ الثوبِ (^٦).
إنْ (^٧) أصابَ مِنَ الروثِ (^٨) أو أخثاءِ البَقرِ (^٩) أكثرُ من قَدْرِ الدرهمِ: لم تَجُز الصلاةُ فيه عندَ أبي حنيفةَ.
وقال أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ: يُجزئه ما لم يَفحُش، وحَدُّ الفَاحِشِ:
- عندَ مُحمَّدٍ: الربُعُ.
- وعندَ أبي يُوسُفَ: شِبرٌ في شِبرٍ، كما ذكرنا.
_________________
(١) في الأصل: (الفتوى).
(٢) سقط من (س): (لحمه).
(٣) في (س): (نجاسته).
(٤) زاد في (ص) و(س): (شرح).
(٥) (عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي، تاج الشريعة: فقيه حنفي، مفسر). كان مقيمًا في حلب تـ: (٥٨٢ هـ) "الأعلام" (٣/ ٢٣٩).
(٦) زاد في (ص): (جص) أي: النجاسة الخفيفة التي أزيلت بها الغليظة لم تبلغ ربع الثوب.
(٧) زاد في (ص): (جص).
(٨) "الروث: مَعْرُوف راث الفْرس وَغَيره من ذِي الْحَافِر يروث رَوْثًا". جمهرة اللغة (١/ ٤٢٤).
(٩) " (أخثاءُ البقَر): أَبُو عبيد خَثَّى الثورُ وخَثَى خَثْيًا وَهُوَ الخِثْي، وَجمعه أَخْثاءُ، أَبُو حَاتِم، ثَلَخ البقرُ يَثلَخ ثَلْخًا، وَهُوَ خُرْؤه فِي أيَّام الرَّبِيع إِذا خالطَهَ الرُّطْب" المخصص، لابن سيده (٢/ ٢٦٧).
[ ١٥٨ ]
وذَكَرَ في "العناية" (^١): أنَّ البَعْرَ (^٢) والروثَ وَخَثيَ البقرِ طاهِرٌ.
وقال ابنُ أبي ليلى (^٣): السرقينُ (^٤) ليسَ بشيءٍ، قليلُه وكثيرُه لا يَمنَعُ.
"جص" ثَوبٌ أصابَه من بولِ الفرسِ: لم تَفسُدِ الصلاةُ ما لم (^٥) يَفحُش عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ.
وقال مُحمَّدٌ: لا تَفسُدُ وإن فَحُشَ، كذا في "الهداية".
"تف" روى أبو يُوسُفَ عن أبي حنيفةَ: أنَّه قال: سألْتُ أبا حنيفةَ عن الكثيرِ الفاحِشِ، فكرِهَ أن يَحُدَّ فيه حَدًّا، وقال: الكَثيرُ الفاحِشُ ما يَستفحِشُه الناسُ ويَستكثِرونَهُ.
"قن" قيل: بولُ الفرسِ نجاسةٌ غَليظةٌ.
وذُكِرَ في "قنية الفتاوى": أنَّ تُركيًّا أمسَكَ فرسَه، فبالَ فرسُه في السوقِ، فنفرَ
_________________
(١) زاد في (ص): (أن مالكًا يقول)، وهو كذلك في العناية (١/ ٢٠٥).
(٢) "البَعَرُ لِلإبل، ولكلّ ذي ظلف، إلّا للبقر الأهليّ، فإنه يَخْثِي. والوحشيّ يَبْعَرُ. ويقال: بَعَرُ الأرانبِ وخراها. والمبعارُ: الشاةُ أو النّاقة تُباعِرُ إلى حالبها، وهو البُعار على فُعال بضمّ الفاء، لأنّه عيب. وقال: بل المبعار: الكثيرة البَعَر". العين (٢/ ١٣١).
(٣) (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار (وقيل: داود) ابن بلال الأنصاريّ الكوفيّ: قاضٍ، فقيةٌ، من أصحاب الرأي). وَلِيَ القضاء والحكم بالكوفة لبني أمية، ثم لبني العباس. واستمرّ ٣٣ سنة تـ: (١٤٨ هـ) "الأعلام" (٦/ ١٨٩).
(٤) "سرقن: السِّرْقِين والسَّرقين: مَا تُدْمَلُ بِهِ الأَرضُ، وَقَدْ سَرْقَنَها. التَّهْذِيبِ: السَّرْقين مُعَرَّبٌ، ويقال سِرْجين". لسان العرب (١٣/ ٢٠٨). وفي القاموس المحيط، (١٢٠٥): "السِّرْجِينُ والسِّرقِينُ، بكسرهما: الزِّبْلُ، مُعَرَّبا سَرْكينِ، بالفتح"، وهو الزبل والبعر المجتمع الذي قد يُسمَّد به الزرعُ، ويستعمَلُ في إيقاد النار للطعام ونحو ذلك، ويُنطق بالجيم المصريّةِ لا الشاميّة العربيّة.
(٥) في (ص) و(س): (حتى)، وفي الأصل: وضع تحتها (حتى).
[ ١٥٩ ]
الناسُ عنه، فضحكَ، فقال: تَفِرُّون من بولٍ مُختَلَفٍ في نجاستِه، ولا تَفِرُّون من تِجارةٍ مُتَّفقٍ على حُرمتِها؟!
"مص" مَرارةُ كلِّ حَيوانٍ كَبَوْلِهِ، كذا في "الفتاوى الكُبرى" و"الفتاوى الظهيريّة".
"مص" جِرَّةُ البعيرِ كَسِرْقِينِهِ، كذا في "الفتاوى". والجِرَّةُ: ما يَصعَدُ من جوفِهِ إلى فِيه (^١).
"جص" ثوبٌ أصابَه من (^٢) دمِ السمَكِ أكثرُ مِن قَدْرِ الدرهمِ: لم يُنجِّسه؛ لأنَّ ذلك ليس بدمٍ، كذا ذكرَه الزاهديُّ (^٣) في "شرحِه للقُدوريِّ".
"هد" إن أصابَه خرءُ ما لا يُؤكَلُ لحمُه مِنَ الطيورِ أكثرُ من قَدْرِ الدرهمِ: أجزأته الصلاةُ فيه عندَ أبي حنيفةَ وأبي يُوسُفَ.
وقال مُحمَّدٌ: لا تَجوزُ.
وخُرءُ الإِوَزِّ والبَطِّ كخُرءِ الدجاجِ، كذا في "خُلاصة الفتاوى" (^٤).
"مص" البيضةُ إذا وَقعَت من الدجاجةِ في الماءِ أو المَرقِ: لا تُفسِدُ.
_________________
(١) الجِرَّة ما يجترُّهُ البعير، وذلك أنّه يخزّن الطعام في جوفه الأعلى؛ فإذا احتاج إليه أخرجه ومضغه وابتلعه إلى جوفه الأدنى (معدته)، جاء في لسان العرب (٤/ ١٣٠): والجِرَّةُ: جِرَّةُ الْبَعِيرِ حِينَ يَجْتَرُّها فَيَقْرِضُها ثُمَّ يَكْظِمُها. الْجَوْهَرِيُّ الجِرَّةُ، بِالْكَسْرِ، مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ للاجْتِرار. واجْتَرَّ الْبَعِيرُ: مِنَ الجِرَّةِ، وَكُلُّ ذِي كَرِشٍ يَجْتَرُّ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنه خَطَبَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتها؛ الجِرَّةُ: مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مِنْ بَطْنِهِ ليَمْضَغه ثُمَّ يَبْلَعَه".
(٢) سقط من (س): (من).
(٣) مختار بن محمود بن محمد، أبو الرجا، نجم الدين، الزاهدي الغزميني: فقيه، من أكابر الحنفية تـ: (٦٥٨ هـ) "الأعلام" (٧/ ١٩٣).
(٤) ينظر لمزيد من التفصيل في المسألة المحيط البرهانيّ (١/ ٢٢٧ - ٢٢٩).
[ ١٦٠ ]
"مم" رأى في ثوبِه نجاسةً أكثرَ من قَدْرِ الدرهمِ، لا يَدري متى أصابَ (^١): لا يُعيدُ شيئًا، كذا في "المحيط".
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّة": أنَّ فيها الاختلافَ، والمُختارُ عندَ أبي حنيفةَ: أنَّه لا يُعيدُ إلّا الصلاةَ التي هو فيها، وقيل: يُعتبَرُ الظنُّ.
"مم" اشتبَه مَوضِعٌ أصابته (^٢) النجاسةُ من ثوبٍ: يُغسَلُ الكُلُّ، وقيل: يُتحرَّى (^٣).
"خف" إذا كانتِ النجاسةُ في مَوضِعِ قدمَي المُصلِّي: مَنَعَت جوازَ الصلاةِ.
- وإن كانت تحتَ قَدَمٍ واحدةٍ نَجاسةٌ أكثرُ من قَدْرِ الدرهمِ، وتحتَ القدمِ الآخرِ طاهِرٌ: اختلفَ المَشايِخُ فيه، والأصحُّ: أنَّه تَمنَعُ جوازَ الصلاةِ.
- وإن كانت في مَوضِعِ رُكبتَيه أو يديه: لا تَمنَعُ جوازَ الصلاةِ.
- وإن كانت في موضعِ سجودِهِ؛ فعندَ أبي يوسفَ ومحمّدٍ يَمنَعُ جوازَ الصلاةِ (^٤)، وعن أبي حنيفةَ روايتان (^٥).
_________________
(١) في (ص): (أصابت).
(٢) في الأصل: (إصابة).
(٣) في المسألة تفصيل خلاصته: أنّ الثوبَ الواحَد اختُلِفَ في جوازِ الصلاةِ فيه بعدَ التحرّي وغسلِ الموضِعِ الذي يغلِبُ على الظنِّ أنّه موضعُ النجاسةِ، ومن جوّزَ ذلكَ قال: إذا تحرّى وغسَلَ صحّت صلاتُهُ ولا يُعيدُ. قال برهانُ الدين ابن مازةَ البخاريُّ في المحيطِ البرهانيِّ: (وأما الثوبُ الواحدُ إذا أصابَ طرفًا منه نجاسةٌ مانعةٌ جوازَ الصلاةِ، وهي غيرُ مرئيّةٍ، هل يجوزُ له أن يتحرّى طرفًا منه فيغسلُهُ؟ بعضُ المتأخّرينَ مِن مشايخنا جوّزوا ذلكَ، وبعضُهُم قالوا: إذا غسَلَ طرفًا منه من غيرِ تحرٍّ وصلّى فيهِ؛ لا يُحكَمُ بفسادِ صلاتِهِ، وتأوّلْنا للمشايخِ خلافَ ما ذَكرَه هشامٌ في "نوادِرِه" عن محمّدٍ، فقد ذكرَ ثمّةَ: أنّه لا يجوزُ التحرّي في ثوبٍ واحدٍ). المحيطُ (٥/ ٤١٩).
(٤) سقط من الأصل ومن (س) قوله: (وإن كانت في موضعِ سجودِهِ فعندَ أبي يوسفَ ومحمّدٍ يمنعُ جوازَ الصلاة)، والصحيح إثباتها من السياق.
(٥) في المسألة تفصيل وخلاف ذكره السمرقنديّ في عيون المسائل (ص: ٢٣)، قال: =
[ ١٦١ ]
- وإن أعادَ (^١) تِلكَ السجدةَ في الصلاةِ: جازَ عندَ أبي يُوسُفَ.
وفي "شرحِ القدوريِّ (^٢) " قال: جازَ، ولم يَذكُر قولَ أبي يُوسفَ.
"خف" لو صلَّى على بِساطٍ وفي ناحيةٍ منه نَجاسةٌ، إن لم يَكُن في مَوضِعِ قدمِه (^٣)، ولا في مَوضِعِ سجودِه: لا يَمنَعُ جوازَ الصلاةِ، كما مرَّ آنفًا، كذا ذُكِرَ في "مُنيةِ المُفتي"، وإلى هذا تُشيرُ روايةُ "الفتاوى الظهيريّة".
"خف" سواءٌ كان البِساطُ صَغيرًا أو كبيرًا (^٤)؛ بحيثُ لو حرَّكَ أحدَ طرفَيْهِ يتحرَّكُ الطرفُ الآخرُ، وهو المُختارُ، وتَفصِيلُ الكبيرِ والصغيرِ سَواءٌ، وكذا أيضًا في "الفتاوى الظهيريّة".
_________________
(١) = (وإن كانت في بِطانَةِ المصلَّى [أي: سجادة الصلاة] وهو على طهارته [أي: الوجه الطاهر منه] إلّا أنّ قدمَهُ على ذلك لا يجوز. وإن كانت لبِنَةً أو آجُرّةً جازَ أن يصلّيَ عليها في الوجه الآخر. وقَالَ مُحَمَّدٌ: في نوادر الصلاة إذا صلّى على مصلّىً مبطّنٍ، وعلى باطنِهِ نجاسةٌ جازَ. وإذا صلّى الرجلُ وكانَ قيامُهُ على النجاسةِ فصلاتُهُ فاسدةٌ. ولو كانت النجاسةُ في موضعِ يديهِ أو ركبتيهِ جازت صلاتُه، هكذا ذكر في اختلاف زفر، وهي روايةٌ شاذّةٌ عند المشايخ، والصحيحُ أن يُقَالَ: إن كانتِ النجاسةُ في موضعِ ركبتيهِ لا تجوزُ صلاتُهُ. ولو كانت النجاسةُ في موضعِ سجودِهِ قَالَ زُفَرُ صلاتُهُ فاسدةٌ، وقَالَ أَبُوْ يُوْسُفَ: أعادَ السجودَ وتُجزِيهِ، ورُوِي عن أبي حنيفةَ أنّ سجودَهُ جائزٌ ورُوِيَ عن أبي يوسفَ أنّه لا يجوزُ). أ. هـ.
(٢) في الأصل: (عاد).
(٣) (أحمدُ بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان أبو الحسين القدوريّ: فقيهٌ حنفيٌّ، وُلِدَ وماتَ في بغداد). انتهت إليه رئاسة الحنفيّةِ في العراق، وصنّفَ المختصرَ المعروفَ باسمِه "القدوريِّ" في فقه الحنفيّة تـ: (٤٢٨ هـ) "الأعلام" (١/ ٢١٢).
(٤) المقصود: قدماه وركبتاه.
(٥) في (ص) و(س): (كبيرًا أو صغيرًا).
[ ١٦٢ ]
"خف" حُكمُ اللبْدِ والحَصيرِ أيضًا كذلك.
وذُكِرَ في "التقريرِ شرحِ البَزدويِّ (^١) ": أنَّ الصلاةَ بقُربِ النجاسةِ تُكرَهُ، ولا تَفسُدُ؛ لأنَّ تَطهيرَ المَكانِ لا يَفوتُ به، ولكن يَقرُبُ إلى الفَواتِ.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّة": أنَّ اللوحَ إذا تَنجَّسَ أحدُ جانبيه، فصلَّى إنسانٌ على الطرفِ (^٢) الطاهرِ؛ إن كان بحالٍ يُمكِنُ قطعُه نِصفين طُولًا: جازَ، وإلّا فلا.
وذُكِرَ في "المبسوط": إذا كان الثوبُ كلُّهُ مَملوءًا دمًا، وكان الطاهرُ دونَ رُبُعِه:
- فعندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسُفَ: يَتخيَّرُ بينَ أنْ يُصلِّيَ عُريانًا بالإيماءِ، وبينَ أن يُصلِّيَ فيه (^٣) برُكوعٍ وسُجودٍ (^٤)، وهو الأفضلُ.
وقال مُحمَّدٌ: لا تَجوزُ الصلاةُ إلّا فيه، هكذا ذكرَ الإمامُ قاضي خان (^٥) في "شرحه للزياداتِ".
_________________
(١) (محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، أَبو اليسر، صدر الإسلام البزدوي: فقيه بخاريّ، ولي القضاء بسمرقند). انتهت إليه رياسة الحنفية في ما وراء النهر تـ: (٤٩٣ هـ) "الأعلام" (٧/ ٢٢).
(٢) في الأصل: (طرف).
(٣) سقط من الأصل: (فيه).
(٤) أي: في ثوبه النجس "وخُيِّرَ إن طَهُرَ أقلُّ من رُبُعِه" (والصلاةُ فيهِ أفضلُ؛ للسترِ، وإتيانِهِ بالركوعِ والسجودِ) مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٩٠).
(٥) (حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، فخرُ الدين، المعروفُ: بقاضي خان، الأوزجنديِّ الفرغانيِّ: فقيهٌ حنفيٌّ، من كبارهم) تـ: (٥٩٢ هـ) "الأعلام" (٢/ ٢٢٤).
[ ١٦٣ ]
"خف" خُفٌّ أصابَه رَوثٌ أو عَذِرَةٌ؛ يعني: إذا كان لها جِرْمٌ (^١) فحكَّهُ (^٢)، أو مَنيٌّ فيبِسَ كُلُّه (^٣): أجزأه في قولِ أبي حنيفةَ وأبي يُوسُفَ، وعليه الفتوى، كذا ذُكِرَ في "المحيط".
وذُكِرَ في "العنايةِ": لا فَرقَ بينَ الرطبِ واليابسِ، وعليه مَشايخُنا.
وقال شمسُ الأئمّة السرخسيُّ: وهو الصحيحُ وعليه الفتوى؛ للضرورةِ.
وقال مُحمَّدٌ: لا يُجزِئُه حتَّى يَغسِلَ.
إلّا في المَنيِّ الرطْبِ: لا يُجزئِهُ إلَّا بالغَسل إجماعًا (^٤).
وإن أصابَ الخُفَّ بَولٌ؛ يعني: ما ليس له جِرمٌ: لا يَطهُرُ إلّا بالغَسلِ، كذا في "الهداية".
"كا" عن مُحمَّدٍ: أنَّه رَجَعَ عن قولِه في اشتراطِ الغَسلِ في الخُفِّ إن أصابَتْهُ نَجاسةٌ لها جِرمٌ؛ لِما رأى ببلدةِ الريِّ مِن كثرةِ السِّرْقِينِ في طُرُقِهم.
"خف" النجاسةُ لو كانَت على الخُفَّين (^٥) وعلى الثوبِ؛ كلِّ واحدٍ مُنهما
_________________
(١) مفهوم لفظ (الجِرْمِ) المستعملِ في لغةِ الفقه ليس مذكورًا بوضوحٍ في المعاجمِ العربيّةِ، ومعناه: ما له كتلة ووزن وحجم، فالجِرْمُ: المحذوفُ المقذوفُ: قذيفةٌ، أو جسمٌ مقذوفٌ. ومعناهُ الأصليُّ الجسم، ويُستعمَلُ بمعنى حجمِ الشيءِ وامتدادِهِ ومقدارِ كتلتِهِ. وقيل: صخرة عظيمة الجِرم، وأجرام (جمع جِرم): كتلٌ عظيمةٌ مِنَ الحجرِ. تكملة المعاجم العربية (٢/ ١٩١).
(٢) سقط من الأصل: (فحكّه).
(٣) أي: فحكّهُ.
(٤) في (ص) و(س): (بالإجماع).
(٥) في (ص) و(س): (خفين).
[ ١٦٤ ]
أقلَّ من قَدْرِ الدرهمِ، لكن: لو جُمِعَ صار أكثرَ من قَدْرِ الدرهمِ؛ يُجمَعُ، ويَمْنَعُ جوازَ الصلاةِ.
"قن" في الخفِّ والمُكعَّبِ (^١) والجُرموقِ، إذا أمرَّ الماءَ عليه ثلاثًا: طَهُرَت من غيرِ تَجفيفٍ (^٢).
"قن" أبوالُ البَراغيثِ: لا تَمنَعُ جوازَ الصلاةِ.
وذُكِرَ في بعضِ الفتاوى والشروحِ: أنَّ دمَ البَقِّ والبَراغيثِ ليسَتْ بنَجِسةٍ عندنا.
وعندَ الشافعيِّ: نَجِسٌ إلّا أنَّه إذا أصابَ الثوبَ يُجعَلُ عَفوًا؛ لأجل الضرورةِ (^٣)، كذا ذُكِرَ في "تُحفةِ الفُقهاء".
"خف" بولُ الهرّة إذا أصابَ الثوبَ: يَتنجَّسُ إذا زادَ على قَدْرِ الدرهمِ، كذا في
_________________
(١) المكعّب: "اسم لضرب من الأحذية مكعب "دخيل عامي" وضع له مجمع دمشق الحذاء المكعب" معجم متن اللغة، أحمد رضا (٥/ ١٠٩)، وهو ليس دخيلًا عامّيًّا كما ذكروا بل هو منحوت من أصلٍ لغويٍّ صحيح، والمقصود فيما يظهرُ: الحذاءُ الذي له كعبٌ. وينبغي في المسألة المذكورة أن يكون مرتفعًا؛ فإن غطّى موضع الغسل صحّ المسحُ عليه.
(٢) في (س): (تجويف).
(٣) الظاهر أنّه لمشقّة الإزالة والتطهير، ولكون العرف جرى على العفو عنه، قال الإمام الشافعيُّ في الأمّ (١/ ٧٢): (وإذا كان يسيرًا كدم البراغيث وما أشبهه لم يغسل؛ لأن العامة أجازت هذا)، وفي مختصر المزنيِّ (٨/ ١١١). (قال الشافِعِيُّ): ولو صلّى رجلٌ وفي ثوبه نجاسةٌ من دمٍ أو قَيْحٍ وكان قليلًا مثل دم البراغيث وما يتعافاهُ الناس لم يُعِدْ. وانظر: اللباب في الفقه الشافعيّ (ص: ٨٣)، وفي روضةِ الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي تفصيل: (دمُ البراغيثِ، يُعفَى عن قليلِه في الثوبِ والبدنِ، وفي كثيرِهِ وجهانِ: أصحُّهُما: العفوُ). (١/ ٢٨٠).
[ ١٦٥ ]
"الفتاوى الكُبرى"، وكذا بولُ الفأرةِ، وقال بعضُهم: لا يَتنجَّسُ. وإذا أصابَ الإناءَ يَتنجَّسُ بالاتِّفاق.
"خف" بولُ الخَفافِيش وخرؤها: لا يَتنجَّسُ (^١)، وفي "التجريد" ليس بشيءٍ (^٢).
"قن" الدمُ الباقي في عُروقِ الُمذكَّى ولحمِه بعدَ الذبحِ: طاهِرٌ، كذا في "الفتاوى الظهيريّةِ".
وقال في "خلاصةِ الفتاوى": لا تُفسِدُ الثوبَ.
"قن" عن أبي يوسفَ: يُعفَى (^٣) في الأكلِ دُونَ الثيابِ.
وذُكِرَ في "الفتاوى الظهيريّة": أنَّ الحُمرَةَ التي تَظهَرُ في المَرَقةِ من اللحمِ: لا بأسَ بها.
وذُكِرَ في "المُحيطِ": الطحالُ والقَلبُ إذا شُقّا وخَرجَ منهما دمٌ، وليس بسائلٍ: فليس بشيءٍ، كذا ذَكَرَ في "مُنيةِ المُصلِّي".
"قن" صلَّى ومعَه عُنُقُ شاةٍ غيرُ مَغسولٍ: جاز.
"قن" إنَّ الحَجّامَ إذا مَسَحَ مَوضِعَ الحِجامةِ مرّةً واحِدةً وصلَّى المَحجُومُ أيّامًا: لا يَجِبُ عليه إعادةُ ما صلَّى إن زالَ الدمُ بالمَرّةِ الواحدةِ.
"مم" كلبٌ أخذَ عُضوَ رَجُلٍ أو ثَوبَه حالةَ المُزاحِ: نجسَّهُ، وحالةَ الغَضَبِ: لا يُنَجِّسه، كذا ذكره في "خُلاصة الفتاوى" (^٤).
_________________
(١) في (ص): (ينجس).
(٢) لا فرق بين كونه لا ينجّس وبين كونه ليس بشيء، إلّا أنّه قد يدلّ قولهم (ليس بشيء) -وهي العبارة الأكثر استعمالًا في كتب الفقه- إلى أنّه نجاسة لكنّها معفوّ عنها؛ لكونها يسيرة، أمّا قولهم: (لا يُنجِّس) فيدلّ على أنّه لا ينجّس ما يلاقيه من الثياب؛ لعدم نجاسته أصلًا، وإن فَحُشَ.
(٣) في هامش (س): (في الكل).
(٤) "وقال الولوالجي أيضًا: الكلبُ إذا أخذَ عضوَ إنسانٍ أو ثوبَهُ: إن أخذَ في حالة الغضبِ لا يتنجّس؛ =
[ ١٦٦ ]
"قن" لو عضَّهُ الكلبُ، ولا يرى بللًا: لا بأسَ.
"مم" كلبٌ دخلَ الماءَ، ثمَّ نفضَ نفسَه، فأصابَ شيئًا: يُنجِّسه (^١)، ولو نَفَضَ مِنَ المَطرِ: لا يُنَجِّسُه إذا لم يَصِلِ الماءُ إلى جلدِه، وإذا وصلَ الماءُ إلى جلدِه يُنجِّسُ (^٢)، كذا في "الفتاوى الظهيريّة" و"الفتاوى الكُبرى".
"خف" رجلٌ رمَى عُذرَةً في نَهَرٍ فانتضحَ الماءُ مِن وُقوعِها، فأصاب ثوبَ إنسانٍ: لا يَنجُسُ (^٣)، إلّا أن يَظهرَ فيه لونُ النجاسةِ.
ونظيرُ هذا: أنَّ (^٤) الحِمارَ (^٥) إذا بالَت (^٦) في الماءِ وأصابَ من ذلك ثوبَ رَجُلٍ: لم يضرَّ (^٧).
_________________
(١) = لأنه يأخذُه بالأسنان؛ ولا رطوبةَ فيها، وإن أخذه في حالة المزاح يتنجس؛ لأنه يأخذه بالأسنان والشفتين، وشفتاه رطبة، فيتنجس اهـ. وكذا ذكر غيره، وفي القنية رامزًا للوبريّ: عضَّهُ كلبٌ ولا يَرَى بللًا لا بأس به، يعني: لا يجبُ غسلُهُ، ولا يخفى أنّ ما في القنية إنّما ينظر إلى وجود المقتضي للنجاسة، وهو الريق سواء كان ملاعبًا أو غضبانًا، وهو الفقه. وقد صرّح في الملتقط بأنّه لا يتنجّس ما لم يرَ البللَ؛ سواء كان راضيًا أو غضبانًا، وفي الصيرفيّة هو المختار، وكذا في التتارخانيّة، وواقعات الناطفيّ وغيرهما، كذا في عقد الفوائد وفي خزانة الفتاوى. وعلامةُ الابتلال أنْ لو أخذَهُ بيدِهِ تبتلُّ يدُهُ". البحرُ الرائقُ (١/ ١٠٨).
(٢) في (ص): (نجسه).
(٣) في (ص): (ينجسه).
(٤) في (س) و(ص): (يتنجس).
(٥) سقط من (س) و(ص): (أن).
(٦) في (ص): (الحمارة).
(٧) يصح تأنيثه مجازًا، والأولى تذكيرُهُ.
(٨) في (ص): (يضره).
[ ١٦٧ ]
"جص" بولٌ انتُضِحَ على الثوبِ؛ أي تَرشَّشَ مثلَ رؤوسِ الإبرِ: فليس بشيءٍ، كذا أيضًا في "خُلاصةِ الفَتاوى".
"خف" لو مرَّ الريحُ على النجاساتِ، وثمّةَ ثوبٌ مَبلولٌ مُعلَّقٌ فيُصيبُه (^١) ذلك الريحُ: قال شمسُ الأئمّة الحلوانيُّ (^٢): يتنجَّسُ.
وكذلك إذا ابتلَّ السراويلُ بالعَرَقِ أو بالماءَ، ثمَّ فسَا فيه (^٣): إنَّه يتنجَّسُ عندَ شمسِ الأئمّة الحلوانيِّ.
"نه" ذَكَرَ الإمامُ التمرتاشيُّ (^٤): أنَّه (^٥) يُكرَهُ.
واختُلِفَ: أنَّ الريحَ عينُها نَجِسٌ، أم تَنجُسُ (^٦) بسبب مرورِها على النجاسةِ (^٧).
وثمرتُه: تَظهَرُ فيما لو خَرَجَ منه الريحُ وعليه سراويلُ مُبتلّةٌ، هل تَنجُسُ؟
- مَن قال: إنَّ عينَها نَجَسٌ: يقول: بتنجُّسِ السراويلِ.
_________________
(١) في (ص): (يصيبه).
(٢) (عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحلواني البخاري، أبو محمد، الملقب بشمس الأئمة: فقيه حنفي). نسبته إلى عمل الحلواء، وربما قيل له "الحلوائي" كان إمام أهل الرأي في وقته ببخارى تـ: (٤٤٨ هـ) "الأعلام" (٤/ ١٣).
(٣) أي أخرج ريحًا.
(٤) (أحمد بن إسماعيل بن محمد بن آيدغمش، أبو العباس، ظهير الدين ابن أبي ثابت التمرتاشي: عالم بالحديث، حنفي، كان مفتي خوارزم). نسبته إلى تمرتاش من قراها تـ: (٦١٠ هـ) "الأعلام" (١/ ٩٧).
(٥) زاد في (ص) و(س): (ذكر).
(٦) في (ص): (نجس)، سقط من (س): (أم تنجس)
(٧) أي: تمرُّ على الغائطِ في الأمعاءِ قبلَ خروجِها.
[ ١٦٨ ]
- ومَن قال: إنَّ عينَها طَاهِرٌ، إلّا أنَّها تنجَّست؛ لِمُجاورةِ النجاسة إيّاها: يقولُ: لا تَتَنجَّسُ السراويلُ.
كما لو مرَّتِ الريحُ بنجاسةٍ، ثمَّ مرَّت تلكَ الريحُ على ثوبٍ مُبتلٍّ: فإنَّها لا تُنجِّسُه (^١).
"هد" إذا أصابَتِ الأرضَ نجاسةٌ، فجفَّت بالشمسِ، وذهب أثرُها: جازتِ الصلاةُ على مكانِها. وقال زُفَرُ والشافعيُّ: لا يجوزُ.
والتيمُّمُ به لا يَجوزُ بالاتِّفاقِ، وجفافُها بالشمسِ ليس بشرطٍ في طهارتِها.
وذُكِرَ في "فتاوى الكُبرى": إذا أصابَ ذلكَ الأرضَ ماءٌ: عادَت نجِسةٌ في روايةٍ.
"هد" عن مُحمَّدٍ ﵀: أنَّه لمّا دخلَ الريَّ ورأى البلوى بطينِ مَحِلّاتِها (^٢): أفتى بأنَّ الكثيرَ الفاحِشَ لا يَمنَعُ الصلاةَ.
"كا" قال مشايخُنا على قياسِ هذه الروايةِ: طينُ بُخارَى لا يَمنَعُ جوازَ الصلاةِ، وإن كان كثيرًا فاحِشًا مع أنَّ الترابَ مَخلوطٌ بالعُذراتِ؛ دفعًا للبَلوى.
وعندَ أبي حنيفةَ: نَجِسٌ؛ يعني: إذا كان كثيرًا فاحشًا، كذا ذكره في "الجامع الصغير".
وذَكَرَ فخرُ الدين قاضي خان في "فتاواه": أنَّ ما اعتادَه أهلُ بلدِنا من مَشيهم بالخُفِّ بلا جُرموقٍ، ولا مُكعَّبٍ (^٣)، ولا كوثٍ (^٤)، ويطؤونَ العُذراتِ والسرْقينَ،
_________________
(١) قال في المحيط البرهانيّ: "لو كان السراويل مبتلًا وأصابه هذا الريح لا يتنجس سراويله عند عامة المشايخ، … إلا أن يظهرَ أثرُهُ كصفرةٍ ظهرت في السراويل المنبذ بعدَ خروج الريح" (١/ ٤٧٨).
(٢) في (ص) و(س): (محلّاته)، والمحلّةُ: المنطقة والمنازل المجتمعة.
(٣) ما ينتعلُ ممّا يستر الكعبَ، أو يكون له كعبٌ ويمكن أن يكون من طبقات من الجلد.
(٤) (الكَوْثُ: القَفْشُ) بالقَاف والفَاءِ والشَّين المعجَمَةِ (الَّذِي يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ). قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وكأَنَّ المقطوعَ الَّذِي يُلْبَسُ الرِّجْلَ يُسَمَّى كَوْثًا تَشْبِيهًا بكَوْثِ الزَّرْعِ، وَيُقَال لَهُ القَفْشُ، وكأَنَّه مُعَرَّبٌ، كَذَا =
[ ١٦٩ ]
ورِدعةِ السكَكِ، والأسواقِ، ثمَّ يَطؤونَ بُسُطَ المَسجِدِ يُلطِّخونَها: لا يَلزَمُ المُصلِّي حملُ شيءٍ (^١) طاهِرٍ يُصلِّي عليه، ولا يَلتَفِتُ إلى احتمالِ النجاسةِ.
قال نجمُ الدينِ الزاهديُّ الخُوارزميُّ في كتابِه "القنية": هذا في زَمَنِ الوَرَعِ والاحتياطِ، أمّا في زمانِنا (^٢) في بلدنِا: لا يَنبغي أن يُصلِّيَ عليها حتَّى يُلقيَ عليها شيئًا طاهرًا، فيحتاطُ في أمر الصلاةِ التى هي وجهُ دينِه وعِمادُه.
"خف" إذا أراد أن يُصلِّيَ على القِباءِ: يَجعَلُ الكَتِفَ تحتَ رِجليهِ ويَسجُدُ (^٣) على الظِّهارةِ (^٤)، ويَجعَلُ البِطانةَ تحتَه، هكذا (^٥) أجابَ شمسُ الأئمّة الحّلوانيُّ.
"كا" ماءُ فَمِ النائمِ الذي يَسيلُ من فمِه: طاهِرٌ، وهو الصحيحُ.
وعندَ أبي يُوسُفَ: نَجِسٌ، والتقديرُ فيه بالكثيرِ الفاحِشِ.
وذُكِرَ في "المُحيط": إن جَفَّ على الثوبِ، فبقيَ له أثرٌ أو لونٌ: فهو نَجِسٌ.
وذَكَرَ في "المُلتقَطِ": هو طاهِرُ، إلّا إذا عَلِمَ انبعاثَه من الجوفِ.
وذَكَرَ في "واقعات" الحلوانيِّ: أنَّه طاهِرٌ سواءً نزلَ من الرأسِ، أو انبعثَ مِنَ الجوفِ، وعليه الفتوى.
وذَكَرَ في "الفتاوى الكُبرى": هذا عندَ أبي حنيفةَ ومُحمَّدٍ.
_________________
(١) = فِي اللّسانِ، وَهُوَ نوعٌ من الخِفَافِ الصِّغارِ. تاج العروس (٥/ ٣٣٦).
(٢) في (ص) و(س): (ثوب).
(٣) زاد في (س): (هذا).
(٤) زاد في (ص) و(س): (على الذيل ويصلي).
(٥) ظهر الثوب (القباء).
(٦) زاد في (ص): (ذكر).
[ ١٧٠ ]
"مم" فَرَشَ نعليه في مكانٍ نَجِسٍ وقام عليهما: جازَت صلاتُه، ولو لم يَفرِشهُما: لا تجوزُ.
"قن" على مُصلّاهُ نجاسةٌ قَدْرَ الدرهمِ، وعلى بَدَنِهِ (^١) مثلُه: لا تُجمَعُ.
وذُكِرَ في بعضِ الكُتُبِ: إذا كانَتِ النجاسةُ في مَواضِعَ مُتفرِّقةٍ: تُجمَعُ نحوَ ما إذا كانت على بدنه (^٢) نجاسةٌ وعلى ثوبِه نجاسةٌ وعلى مَكانِ صلاتِه نجاسةٌ إذا اجتمعت (^٣)؛ زادت على قَدَرِ الدرهمِ: مَنَعت جوازَ الصلاةِ.
وذَكَرَ في "حِيرة الفُقهاء": أنَّ رجلًا معَه ثلاثةُ أثوابٍ، أحدُها نَجِسٌ غَيرُ مُعيَّنٍ، فحضَرَتِ الصلاةُ، فتحرَّى وصلَّى الظهرَ في أحدها، فلمّا حَضَرَتْ صلاةُ العصرِ: تَحرَّى وصلَّى في الثاني، ثمَّ حَضَرَت صلاةُ المَغرِبِ، فتحرّى وصلَّى في الثالثِ، ثمَّ صلّى العشاءَ في الثوبِ (^٤) الذي صلَّى فيه الظهرَ:
- فإنَّ صلاةَ (^٥) الظهرِ والعصرِ: جائزةٌ؛ لأنَّه صلَّى هاتين الصلاتين فيهما، فقد وقعَ اليقينُ (^٦) أنَّ النجِسَ هو الثالثُ، والأوَّلان طاهران.
- وصلاةُ المَغرِبِ والعِشاءِ: فاسِدةٌ؛ لأنَّه حينَ صلَّى المَغرِبَ في الثوبِ الثالثِ؛ فقد صلّاها في ثوبٍ وَقَعَ اليَقينُ (^٧) بنجاسته (^٨)، فلم يَجُز، وحين صلّى العِشاءَ في
_________________
(١) في (س): (يديه).
(٢) في (س): (يديه).
(٣) في (ص) و(س): (جمعت).
(٤) زاد في (ص): (الأول).
(٥) سقط من الأصل: (صلاة).
(٦) في (ص) و(س): (التيقن).
(٧) في (ص) و(س): (التيقن).
(٨) في الأصل: (بنجاسة).
[ ١٧١ ]
الثوبِ الطاهرِ، فلم يَجُزْ؛ لأنَّ المَغرِبَ غيرُ جائزٍ (^١). وذُكِرَ في روايةٍ أخرى: أنَّ العِشاءَ جائزٌ (^٢).
"هد" النجاسةُ إن (^٣) أصابَتِ المِرآةَ و(^٤) السيفَ: اكتُفِيَ بمَسحِهِما.
"قن" كذلك الصُّفرُ (^٥) والزجاجُ، إذا ذهبَ عينُها وريحُها.
"هد" إذا كانَتِ (^٦) النجاسةُ مرئيّةً (^٧): فطهارَتُها زوالُ عينِها، إلّا أنْ يَبقَى مِنْ أثرِها ما يَشُقُّ إزالَتُها.
وما ليس بمَرئيٍّ: فطهارَتُها أن يُغسَلَ حتَّى يَغلِبَ على ظنِّ الغاسِلِ أنَّه قد طَهُرَ.
"تف" أمّا غَسلُ النجاسةِ التي كانت غيرَ مَرئيّةٍ؛ مثلُ: البولِ في "ظاهِرِ الروايةِ": لا يَزولُ إلَّا بالغَسلِ ثلاثًا.
وقال الشافعيُّ: يَطهُرُ بالغَسلِ مرّةً (^٨).
والصحيحُ: قولُنا (^٩).
_________________
(١) فعليه قضاء المغرب قبل أداء العشاء.
(٢) في (ص): (جائزة).
(٣) في (ص) و(س): (إذا).
(٤) في (ص) و(س): (أو).
(٥) في (ص) و(س): (الظفر).
(٦) زاد في (س): (من).
(٧) في (ص) و(س): (مرئيًا).
(٨) عدّها الشافعيّة تطهيرًا شرعيًّا، وإن كان في شيءٍ غيرِ مرئيٍّ، (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فِيهِ مُعْتَبَرًا كَالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي الطَّهَارَةِ). الحاوي الكبير (١/ ٣٠٨).
(٩) الصحيحُ قولُنا بناءً على أصولِنا، وقولُ الشافعيِّ يُبنَى على أصولِهِ ويُصحّح عليها، وهذا التصحيحُ =
[ ١٧٢ ]
- إن كان المَوضِعُ الذي أصابَه نَجِسٌ يتشرَّبُ فيه (^١) شيءٌ قليلٌ؛ مثلُ: اللبدة (^٢) والخُفِّ؛ لا احتياجَ إلى العَصرِ.
- وإن كان شيءٌ يتشرَّبُ فيهِ شيءٌ كثيرٌ: يُنظَرُ: إن كان ممّا يُمكِنُ عَصرُهُ كالثوبِ ونحوِه: فإنَّ طهارَتَهُ بالغَسلِ ثلاثًا، والعِصرِ في كلِّ مرّةٍ، كذا ذُكِرَ في "الهداية".
"قن" لو تنجَّسَ النطعُ ويضرُّه الغَسلُ، فمَسَحَه بخِرقةٍ مَبلولةٍ ثلاثَ مرّاتٍ طَهُرَ (^٣).
"قن" غَسَلَ الثوبَ النجِسَ في الطشتِ (^٤): فإنَّه يَغسِلُ الطشتَ (^٥) ثلاثًا في كلِّ مَرّةٍ بعدَ عَصرِ الثوبِ.
وذُكِرَ في بعضِ الفتاوى: يَغسِلُ الطشتَ (^٦) في الأولى: ثلاثًا، وفي الثانية: مرَّتينِ، وفي الثالثةِ: مرّةً، كذا في "القُنيةِ".
وذُكِرَ في "جامِع (^٧) التفاريقِ" عن عبد الرحيم الختنيِّ (^٨): ظاهِرُ ما أشارَ إليه
_________________
(١) = من تجوّزِ المصنّفينَ في الموازنةِ بين المذاهبِ، وهو غيرُ دقيقٍ، فتنبّه!
(٢) سقط من (ص) و(س): (فيه).
(٣) في (ص) و(س): (البدن).
(٤) لأنّ دفع الضرر بإتلافه أكبر من جلب المصلحة بتمام تطهيره الطهارة المعتادة المشروعة.
(٥) في (س): (الطست).
(٦) في (س): (الطست).
(٧) في (س): (الطست).
(٨) في (ص) و(س): (جمع).
(٩) ذكر في "كشف الظنون عن أسامي الفنون" أنَّه واحدٌ من الفقهاء الذين جمع لهم الخجنديّ في فتاويه من فقهاء عصرِهِ، ولم أجدهُ في كتب التراجم والأعلامِ، وذكره في أثناء كلامه عن فتاوى الخجنديّ. (٢/ ١٢٢٢).
[ ١٧٣ ]
"الجامعُ": أنَّه لا يحتاجُ إلى غَسلِ الطشت (^١)، فإنَّه يَطهُرُ بطهارةِ الثوبِ، كالرشاءِ والدلوِ في نَزحِ البئرِ (^٢).
"مص" رُوِيَ عن أبي يُوسُفَ في الدُّهنِ النجِسِ: إذا جُعِلَ في إناءٍ، فَصُبَّ عليه الماءُ، فيعلو الدهنُّ، فرُفِعَ بشيءٍ هكذا إذا فُعِلَ ثلاثَ مرّاتٍ: يُحكَمُ بطهارةِ الدهنِ.
* * *
_________________
(١) في (س): (الطست).
(٢) وهذا يبنى عليه التطهير باستعمال الغسّالاتِ الآليّةِ التي لا يُغسلُ إناؤها وحدَه، بل تتوالى الغسلاتُ في مجمع الماءِ دونَ غسلِ إجانةِ الغسّالةِ من داخلها. وبناء على القول المشهور في المذهب لا تطهّر هذه الغسّالات الملابس؛ لعدم تطهير وعاء الغسل الداخليّ.
[ ١٧٤ ]