"نه" اعلم أنا نحتاجُ في هذا الفصلِ إلى معرفِة أشياءَ؛ منها (^١): سببُ وجودِ (^٢) سجدةِ التلاوةِ، وبيانُ شرائطِها (^٣)، وبيانُ ركنِها، وبيانُ صِفَتِها، وبيانُ مواضِعِها، وبيانُ مَن يَجِبُ عليه، وبيانُ كيفيةِ أدائِها.
أمّا سببُ وجوبِها: فتلاوةُ آياتٍ معدودةٍ من القرآنِ، أو سماعُها (^٤)، وهي أربعةَ عَشَرَ في آخرِ الأعرافِ، وفي الرعدِ، والنحلِ، وبني إسرائيلَ، ومريمَ، وأولى (^٥) من الحجِّ، والفُرقان، والنملِ، و﴿الم (١) تَنْزِيلَ﴾، و﴿ص﴾، و﴿حم﴾ السجدة، والنجم، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، و﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١].
أما (^٦) شرائطُها (^٧): فالطهارةُ من الحدثِ، وعَن النجاسةِ الحقيقية، واستقبالُ القِبلةِ، وسُنَّ التكبيرُ في الابتداءِ والانتهاءِ.
وأما ركنُها: فوضعُ الجبهةِ على الأرضِ.
وأمّا صفتُها: فإنّها واجبٌ (^٨) عندنا.
وقال الشافعيُّ: إنَّها سُنّةٌ، كذا في "مبسوطِ" شيخ الإسلامِ و"الهداية".
_________________
(١) زاد في (ص): (بيان).
(٢) في (ص): (وجوب).
(٣) في (ص): (شرطها).
(٤) في (س): (وسماعها).
(٥) في (س) و(ص): (الأولى).
(٦) في (س): (وأما).
(٧) في (ص): (شروطها)، وفي (س): (شرطها).
(٨) في (س): (واجبة).
[ ٣٩١ ]
"نه" عند الشافعيِّ أربعةَ عَشَرَ أيضًا (^١)، لكن في الحجِّ سجدتان، وليس في ﴿ص﴾ سجدةٌ، كذا في "خلاصة (^٢) الغزالية".
وعند الشافعيِّ: السجدةُ في ﴿حم﴾ السجدة عند قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧].
وعندنا: عند آخر الآية الثانية، عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
وكان الخلافُ بيننا وبينه في حقِّ مواضعِ السجدة من ثلاثة مواضعَ.
وذُكِرَ في بعض كُتُب الفقه: أنَّ سورةَ النجم وما بعدَها عند مالِكٍ: ليس من مواضع السجود.
"نه" ذُكِرَ في "الإيضاح" و"المحيط": أنَّ (^٣) كلَّ من لا تجبُ عليه الصلاةُ، ولا قضاءُ الصلاةِ، كالحائضِ والنفساءِ والكافِرِ والصبيِّ والمجنونِ: فلا سجودَ عليهم؛ يعني: إذا قرأ واحدٌ من هؤلاءِ آيةَ السجدةِ، أو سَمِعَ: لا تَجِبُ عليه سجدةُ التلاوةِ، كذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
"خف" لو سَمِعَ منهم مُسلِمٌ عاقِلٌ بالِغٌ: يَجِبُ عليه بسماعِه.
ولو قرأ الجُنُبُ أو المُحدِثُ أو سمِعَها (^٤): يجبُ عليهما، وكذا المريضُ.
"خف" لا يَجِبُ إذا سمِعَها من طيرٍ، وهو المختارُ. ومن النائِمِ: الصحيحُ أنَّها تَجِبُ إِن سمِعَها منه.
_________________
(١) سقط من (ص): (أيضًا).
(٢) في (س) و(ص): (الخلاصة).
(٣) سقط من (ص): (أن).
(٤) في (س): (أو سمعا).
[ ٣٩٢ ]
"خف" إن سمِعَها من الصَّدَى: لا يَجِبُ عليه.
"نه" المريضُ إذا سمِعَ آيةَ سجدةِ التلاوةِ (^١)، وهو عاجِزٌ عن أدائِها بالإيماءِ: لا يَجِبُ أصلًا.
"خف" لو قرأ آيةَ السجدةِ بالفارسيّةِ: فعليه وعلى من سمِعَها السجدةُ، فَهِمَ السامِعُ أو لا.
وذَكَرَ نجمُ الدين عمرُ النسفيُّ في كتابه: إذا تلا آية السجدةِ بالفارسيةِ وسمِعَها (^٢) غيرُه: لزِمَتْهُ السجدةُ عندَ أبي حنيفةَ، علِمَ بها السامِعُ، أو لم يعلَمْ.
وقال أبو يوسفَ ومُحمَّدٌ: إن علِمَ بها: يَجِبُ، وإلا: فلا، كذا ذُكِرَ في "الإيضاح".
"خف" لو قرأَ بالعربيةِ: يلزمُه مُطلَقًا، لكن يُعذَرُ في التأخير ما لم يعلَمْ.
"خف" لا تجِبُ السجدةُ بكتابةِ القرآنِ، ولا تَجِبُ على الأصمِّ والنائم.
"هد" مَن كرَّرَ تلاوةَ آيةِ سجدةٍ واحدةٍ في مَجلِسٍ واحدٍ: أجزأته سجدةٌ واحدةٌ.
الأصلُ: أنَّ مَبنى السجدةِ على التداخلِ؛ دفعًا للحرج، وهو تداخلُ السببِ دونَ الحُكمِ، وإمكانُ التداخلِ عندَ اتِّحادِ المجلس؛ لكونه جامعًا للمتفرِّقاتِ.
"هد" لو تبدَّلَ (^٣) مجلسُ التالي دونَ السامعِ على ما قيلَ، والأصح: أَنَّه لا يتكرَّرُ الوجوبُ على السامع.
"خف" إذا قرأ آيةَ السجدةِ بالهجاءِ (^٤): لا تَجِبُ عليه السجدةُ.
_________________
(١) قوله: (سجدة التلاوة): هو في (س): (السجدة).
(٢) في (ص): (فيسمعها)، وفي (س): (فسمعها).
(٣) زاد في (ص): (مجلس السامع دون التالي يتكرر الوجوب، وكذا إذا تبدل).
(٤) مقطعة الحروف كالذي يتهجّى إذا كان لا يعرف القراءة، بل يقرؤها حرفًا حرفًا.
[ ٣٩٣ ]
ولو فعلَ (^١) في الصلاةِ: لا تَفسُدُ، كذا ذُكِرَ في "القنية"، إلّا أنَّه لا ينوبُ عن القراءةِ.
"خف" إذا قرأَ القرآنَ: يُكرَهُ له أن يتركَ آيةَ السجدةِ.
ولو قرأ آيةَ السجدةِ كلَّها إلّا الحروفَ التي (^٢) في آخرِها: لا يَسجُدُ.
ولو قرأَ الحروفَ التي (^٣) فيها (^٤) السجدةُ وحدَها: لم يسجدْ ما لم يقرأ أكثرَ الآية أو أكثرَ من نصفِ الآيةِ.
"خف" أجمعوا (^٥) أنَّ سجدةَ التلاوةِ في الصلاةِ تتأدَّى (^٦) بسجدةِ الصلاةِ، وإن لم ينوِ، هذا إذا سجدَ للصلاةِ على الفورِ؛ أي: على ذلك الحالة (^٧)، والفورُ عبارةٌ عن السرعةِ.
"خف" اختلفوا في الركوعِ:
قال الشيخُ الإمامُ المعروفُ بخواهر زاده: لا بدَّ للركوعِ من النية حتَّى ينوبَ عن سجدةِ التلاوة، نصَّ عليه مُحمَّدٌ، ولو قرأَ بعدَ آيةِ السجدة ثلاثَ آياتٍ وركَعَ بسجدة (^٨) التلاوة: قالَ الإمامُ خواهر زاده: لا ينوبُ الركوعُ عن السجدة.
_________________
(١) في (ص): (جعل).
(٢) في (ص): (الحرف الذي).
(٣) في (ص): (الحرف الذي).
(٤) في (ص): (فيه).
(٥) زيد في (س): (على).
(٦) في (س): (يتأدَّى).
(٧) هكذا في الأصول، والمقصود: (على تلك الحالة)، أو (على ذلك الحال).
(٨) في (س) و(ص): (لسجدة).
[ ٣٩٤ ]
وقال شمسُ الأئمّةِ الحلوانيُّ: لا يَنقَطِعُ الفورُ بثلاثِ آياتٍ؛ وينوبُ، فإن قرأ أكثرَ من ثلاثِ آياتٍ (^١): لا ينوبُ.
"خف" رجلٌ قرأ آيةَ السجدةِ في الصلاةِ: إن كانتِ السجدةُ في (^٢) آخر السورة أو قريبًا من آخرِها، بعدَها آيةٌ أو آيتانِ إلى آخرِ السورة: فهو بالخيارِ، إن شاءَ رَكَعَ بها (^٣) ينوي للتلاوة (^٤)، وإن شاءَ سَجَدَ، ثمَّ يَعودُ إلى القيام، فيختِمُ (^٥) السورةَ، وإن وصلَ بها سورةً أخرى: كانَ أفضلَ.
وإن لم يسجُدْ للتلاوةِ على الفورِ، حتَّى ختَمَ السورةَ، ثُمَّ رَكَعَ وسجدَ: تَسقُطُ (^٦) عنه سجدةُ التلاوةِ.
ولو ركَعَ لصلاتِه على الفورِ: تَسقُطُ (^٧) عنهُ سجدهُ التلاوةِ، نوَى في السجدةِ سجدةَ (^٨) التلاوة (^٩) أو لم ينوِ، (^١٠) كذا إذا قرأَ بعدَها آيتين.
"نه" إذا دخلَ مَعَ الإمامِ بعدَما سجدَ الإمامُ سجدةَ التلاوة: لم يكن عليه أنْ يَسجُدَها في الصلاةِ، وليسَ عليه أن يَسجُدها بعدَ الفراغِ من الصلاةِ أيضًا.
_________________
(١) قوله: (آيات): سقط من (س).
(٢) قوله (في): سقط من (س).
(٣) في (ص): (لها).
(٤) في (ص): (التلاوة).
(٥) في (ص): (ويختم).
(٦) في (س): (يسقط).
(٧) في (س): (يسقط).
(٨) سقط من (ص): (سجدة).
(٩) في (ص): (للتلاوة).
(١٠) زاد في (س) و(ص): (و).
[ ٣٩٥ ]
قالوا: تأويلُ هذه المسألةِ: إذا أدركَ الإمامَ في آخرِ تلكَ الركْعَةِ: يَصيرُ مُدرِكًا للركعةِ (^١) من أوَّلِها، فيصيرُ مُدرِكًا للقراءةِ، وما تعلَّقَ بالقراءة من السجدة.
فأما إذا أدركَ (^٢) في الركعةِ الأُخرى: لم يَصِرْ مُدركًا للركعةِ التي قرأ فيها ما لم (^٣) يَصِرْ مُدرِكًا لتلكَ القراءة، ولا لما (^٤) تعلَّق (^٥) بتلكَ القراءةِ مِنَ السجدةِ، كذا في "المحيطِ".
وأشار إلى هذا في "الهداية" بقوله: لأنَّه صار مُدرِكًا لها بإدراكِ الركعةِ (^٦).
"هد" مَن تلا آيةَ السجدةِ (^٧) فَلَم يسجُدْها حتَّى دخلَ في الصلاةِ، فأعادَها وسجدَها: أجزأتْهُ السجدةُ عن التلاوتين، كذا في "القُدُوريِّ".
"نه" هذا إذا لم يتبدَّلْ مَجلِسُ الصلاةِ عن مَجلِسِ التلاوة.
فأما إذا تبدَّلَ فعليه لكلِّ تلاوةٍ سجدةٌ، كما لو لم يدخلْ في الصلاة.
وفي "النوادر": يَسجُدُ أخرى بعدَ الفراغِ، سواءٌ سجدَ في الصلاةِ أو لم يسجُدْ.
وإذا تلا الإمامُ آيةَ السجدةِ: سجدَها في الصلاة، وسجَدَ المأمومُ معَه.
_________________
(١) في (ص): (الركعة).
(٢) زيد في (س): (الإمام).
(٣) في (ص): (فلم).
(٤) في (ص): (بما).
(٥) في (س): (يتعلَّق).
(٦) سقط من (ص): (وأشار إلى هذا في "الهداية" بقوله: لأنه صار مدركًا لها بإدراك الركعة).
(٧) في (س) و(ص): (سجدة).
[ ٣٩٦ ]
وإن تلا المأمومُ: لم يَسجُدِ الإمامُ ولا المأمومُ، لا في الصلاةِ، ولا بعدَها، كذا في "القُدُوريِّ".
"جص" هذا عندَ أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ، وقال مُحمَّدٌ: يَسجُدُ الكلُّ بعدَ الفراغ.
وإن سمِعُوا في الصلاةِ آيةَ سجدةٍ من رجلٍ ليسَ معَهم في الصلاةِ: لم يسجدوها في الصلاةِ، وسجَدُوها بعدَ الصلاةِ، فإنْ سجدُوها في الصلاةِ: لم يُجزئهم (^١) ولم تَفسُد صلاتُهم، كذا مَذْكُورٌ في "القُدُوريِّ" و"الجامع الصغير".
"خف" مُصلِّي التطوُّعِ إذا قرأ آية السجدةِ وسجَدَ لها، ثمَّ فَسَدَتْ صلاتُه: وجَبَ عليهِ قضاؤها، ولا يلزمُه إعادةُ تلكَ السجدَةِ.
"خف" لو قرأ آيةَ السجدَةِ راكبًا، أو سمِعَها وهو راكِبٌ: أجزأَهُ أَن يُومِيَء على الدابةِ (^٢) للسجدةِ (^٣).
وكذا إن قرَأَها راكبًا ثمَّ نَزَلَ، ثمَّ رَكِبَ وأدّاها بالإيماء: جازَ عندَ أبي يُوسفَ، وهكذا رُوي عن مُحمَّدٍ، خلافًا لزُفَرَ.
ولو قرأَ على الدابةِ وسجدَ على الأرض: يجوزُ، بخلافِ العكسِ.
"خف" المُصلِّي إذا قرأ آيةَ السجدةِ على الدابّة مِرارًا، وخلفَه رجلٌ يسوقُ الدابةَ: سجدَ المُصلِّي سجدةً واحدةً، والسائقُ يَسجُدُ بكلِّ (^٤) مرّة (^٥).
_________________
(١) في (س): (تجزئهم)، و(ص): (يجزهم).
(٢) سقط من (ص): (على الدابة)، وقوله: (الدابة للسجدة): هو في (س): (السجدة).
(٣) في (ص): (عن السجدة).
(٤) في (ص): (لكل).
(٥) زاد في (ص): (وذكر في "الجامع الكبير": لو قرأ على الدابة سجد المصلي سجدة واحدة، والسائق يسجد لكل مرة).
[ ٣٩٧ ]
وذُكِرَ في "الجامع الكبير": لو قرأ على الدابة مِرارًا: إن (^١) لم يكنْ في الصلاة: تكرَّرَ، وفي السفينةِ: لا يتكرَّرُ في الحالَيْنِ (^٢).
وذُكِرَ في "خلاصةِ الفتاوى"، نقلًا عن "الجامع الكبير": أنَّ القيامَ والقعودَ والاضطجاعَ لا يُبْطِلُ اتِّحادَ المَجْلِسِ.
وذُكِر في "خُلاصةِ الفتاوى": إذا اتَّحدَ المَجلِسُ، واختلفَتْ آيَاتُ السجدة؛ بأن قرَأَ أربعَ عَشَرَ سجدةً، أو (^٣) اتَّحدَتْ الآيةُ واختلفَ المَجلِسُ: تكرَّرَ الوجوبُ.
وعلى هذا روايةُ كُتُبِ الفقهِ طُرًّا.
"خف" لو شرعَ التالي في عَقدِ النِّكاح، فما دامَا في عقدِ النِّكاح: فهو مجلسٌ مُتَّحِدٌ، ثمَّ إذا شرعًا في عقدِ البيعِ، فما دامَا في عقدِ البيعِ: فهو مَجلِسُ البيعِ أو غيرُهُ، قَطَعَ حكمَ المَجْلِسِ الأَوَّلِ حَتَّى لو قرأها مرّةً أخرى: يلزمُهُ سجدةٌ أخرى.
وكذا إذا قُدِّمَت إليه المائدةُ، فأكلَ منها، أو عَمِلَ عَمَلًا يُعرَفُ أَنَّه قَطعٌ لما كان قبلَ ذلكَ: فإِنَّه يَقطَعُ حكمَ المَجْلِسِ؛ أي: اتِّحادَه.
_________________
(١) قوله: (إن): سقط من (س).
(٢) وسبب ذلك أنها وجبت على وجهٍ؛ فصح أن تؤدَّى فيه أو في مثلِه، قال في الجوهرة النيرة على مختصر القدوريِّ (١/ ٨٤): (ولو قرأ آيةَ سجدةٍ راكبًا فلم يسجُدُها حتى نزَلَ ثُمَّ رَكِبَ بعد ذلكَ فسجدَها على الدابَّةِ أجزأهُ عندنا). وقال زفرُ: لا يُجزِئُهُ؛ لأنَّهُ لما نزلَ وجَبَتْ عليه بغير إيماءٍ، فصارَ كما إذا تلاها على الأرض فلمْ يسجُدها حتى ركِبَ: لا يُجزِئُه إن سجدَها على الدابة؛ كذا في هذا، ولنا أنها وجَبَت عليه بالإيماء فإذا أدّاها على الوجهِ الذي وجبَتْ أجزأه، وكذا على هذا الاختلافِ إذا قرأها عند طلوعِ الشمسِ ولم يسجُدها حتى أدَّاها عندَ الغروبِ).
(٣) في (ص): (و).
[ ٣٩٨ ]
ولو كان العملُ قليلًا: لا يقطَعُ حكمَ المجلسِ، كما إذا أكل لُقمةً أو لقمَتَيْنِ، أو شَرِبَ شَربةً، أو تكلَّمَ بكلمةٍ: لا يتكرَّرُ (^١) السجدةُ.
"خف" لو قرَأها وهو قائِمٌ أو قاعِدٌ، ثمَّ نامَ مُضطعجًا: فقد انقطعَ حُكمُ المَجلِسِ، حتَّى لو (^٢) انتبهَ فقرَأَها ثانيًا: يلزمُهُ سجدةٌ أخرى، ولو نامَ قاعدًا: لا يَقطَعُ حُكمَ المَجلِس.
"خف" لو قرأَ آيةَ السجدةِ في موضعٍ، ومعَهُ رجلٌ يَسْمَعُها (^٣)، ثمَّ قَامَ هذا التالي وذهبَ، ثمَّ انصرفَ، وقرأَ تلك الآيةَ ثانيًا وذهبَ، ثمَّ عادَ، فقرأَ هكذا: فإِنَّه يَجِبُ على التالي لكلِّ مَرَّةٍ سجدةٌ على حِدَةٍ، ولا يجبُ على السامِعِ إلا سجدةٌ (^٤).
وكذا الجوابُ: إذا كان التالي على مكانِهِ والسامعُ يذهبُ ويجيءُ ويسمَعُ، فَإِنَّه يَجِبُ على التالي سجدةٌ واحِدةٌ، وعلى السامعِ يجبُ لكلِّ مرّةٍ سجدةٌ (^٥) على حِدةٍ.
"خف" لو قرَأها وهو ماشٍ: يلزمُه لكلِّ قراءةٍ سجدةٌ.
"خف" لو انتقلَ من زاوية المسجدِ أو البيتِ إلى زاويةٍ أخرى: لا يتبدَّلُ المكانُ إلا إذا كان الدارُ كبيرةً، كدارِ السلطانِ.
ولوِ انتقلَ في المسجدِ الجامعِ من زاويةٍ إلى زاويةٍ: لا يَتكرَّرُ الوُجوبُ.
"خف" ففي كلِّ مَوضِعٍ يَصحُّ الاقتداءُ: يُجعَلُ كمكانٍ واحدٍ لا يَتَكَرَّرُ الوُجوبُ.
_________________
(١) في (س): (تتكرّر).
(٢) في (س) و(ص): (إذا).
(٣) في (ص): (سمعها).
(٤) زاد في (ص): (واحدة).
(٥) سقط من (ص): (سجدة).
[ ٣٩٩ ]
وبسَيْرِ السفينةِ لا يتبدَّلُ حُكمُ المجلسِ، بخلافِ سيرِ الدابةِ إذا لم يكُن في الصلاةِ، كما ذكرنا عن قريبٍ.
"خف" لو قرَأها على غُصنٍ، ثمَّ انتقلَ منهُ إلى غصنٍ آخرَ، فأعادَها: اختلفوا فيه، فالصحيحُ: أنَّه يتكرَّرُ الوجوبُ (^١).
"خف" يُشترَطُ لأداءِ سجدةِ التلاوةِ ما يُشترَطُ للصلاةِ، ويُبطِلُها ما يُبطِلُ الصلاةَ، كما مرَّ آنفًا، إلا محاذاةُ المرأة.
وإن ضحك فيها: لا تَبطُلُ (^٢) طهارتُه، ولا يجوزُ أداؤها في الأوقات المكروهة (^٣)، كذا في "النوادر".
"خف" لو نامَ في سجدةِ التلاوةِ: يَنتقِضُ الوضوءُ، بخلافِ الصُّلبيّةِ (^٤)، والأصحُّ: أَنَّها كالصُّلبيّةِ.
_________________
(١) زاد في (ص): (وكذا لو قرَأها في الكدس مرارًا، أو يدورُ حول الطاحونةَ: الصحيحُ أنه يتكرَّرُ الوجوبُ). قال في العين (٥/ ٣٠٤): "كدس: الكُدْسُ من الطعام ومن الدراهم: ما يجمع. [يقال]: كُدْسٌ مُكَدَّسٌ". وإنما يطلق ذلك على ما حُصد مِنَ القمحِ أو الشعيرِ وكدِّسَ قبل الذرِّ، كما يطلق عليه لفظ العرمة. قال في العين (٢/ ١٣٦): "والعَرَمَةُ الكُدْسُ المدوسُ الذي لم يُذَرَّ بعدُ".
(٢) في (س): (يبطل).
(٣) زاد في (س) و(ص): (إلّا أن يقرأ في ذلك الوقت كما ذكرنا في فصل الأوقات).
(٤) السجدة الصلبيَّة هي السجدة التي تكون من صلب الصلاة، وغير الصلبيَّةِ التي تكون ليست أصلية فيها، كسجود السهو وسجود التلاوة. وفرّق في المحيط البرهاني بين سجدة التلاوة وسجدة السهو وسجدة الشكر، فقال (١/ ٦٩): "والنومُ في سجدةِ التلاوةِ لا ينقضُ الوضوءَ، كالنوم في السجدة الصُّلبيَّةِ، هكذا ذكرَهُ شمسُ الأئمةِ الحلوانيُّ ﵀، قال ﵀: وكذلكَ في سجدةِ الشكر عندَ محمَّدٍ، وعندَ أبي حنيفةَ ﵀ حدثٌ؛ لأنَّ سجدةَ الشكرِ عندَهُ ليست بمرويَّةٍ، وفي "فوائدِ القاضي" الإمام أبي عليٍّ النسفيِّ قولُهُ مثلُ قولِ محمَّدٍ، قال القاضي الإمامُ ﵀: وسواءٌ سجدَهُ على وجهِ السنَّةِ، والنومُ في سجدةِ السهوِ ليسَ بحدثٍ".
[ ٤٠٠ ]
"نه" نقلًا عن "المحيط": إن كان التالي وحدَه يقرأ كيفَ يشاءُ (^١)، وإن كان معَهُ جماعةٌ: قال مشايخُنا: إن كانَ القومُ متأهِّبينَ للسجودِ، ويقعُ في قلبِهِ أنَّه لا يَشُقُّ عليهِم أداءُ السجدَةِ: ينبغي أن (^٢) يقرأ آيةَ السجدةِ (^٣) جَهْرًا.
وإن كانوا محدِثِين أو (^٤) يَظنُّ أنَّهم يسمعونَ ولا يسجُدُونَ، أو يقعُ في قلبِهِ أنه يَشُقُ عليهِم أداءُ السجدةِ: ينبغي أن يقرَأها في نفسِهِ، ولا يجهرُ؛ تَحرُّزًا عن تأثيمِهم (^٥)، هكذا في "خُلاصةِ الفتاوى".
"خف" من أرادَ السجودَ كبَّرَ في أوَّلِ السجدَةِ وآخرها.
ويقولُ في سجودِهِ: سبحانَ ربِّيَ الأعلى ثلاثًا، ولو لم يذكُرْ فيها شيئًا أصلًا: يُجزئه كالمكتوبةِ (^٦)، ولا تَشهُّدَ عليه (^٧) ولا سلامَ، كذا في "النهاية" وغيره.
"نه" إِنَّ التكبيرَ ليسَ بواجبٍ، بل هو سُنةٌ، كما ذكرنا آنفًا في أوَّلِ هذا الفصلِ، وأَيَّدَهُ ما ذكرَهُ في "المحيطِ" فقالَ: ورَوى الحسنُ عن أبي حنيفة: أنَّه لا يُكبِّرُ عندَ الانحطاطِ.
"نه" ذُكِرَ في "المبسوطِ": الأصحُّ: أنْ (^٨) يقول (^٩) ما يقولُ في سجدَةِ الصلاةِ.
_________________
(١) في (س): (شاء).
(٢) زاد في (ص): (لا).
(٣) في (س) و(ص): (السجود).
(٤) في (س) و(ص): (و).
(٥) في الأصل وفي (ص): (تأثيم).
(٦) أي: كالسجدة في المكتوبة.
(٧) قوله: (عليه): سقط من (س).
(٨) في (س): (أَنَّه).
(٩) زاد في (س) و(ص): (من التسبيح).
[ ٤٠١ ]
"نه" بعضُ المتأخِّرينَ استحسنوا أنْ يقولَ فيها: "سبحان ربِّنا؛ إن كان وعدُ ربِّنا لمفعولًا".
"نه" استحسنَ العلماءُ أن يقولَ: الله أكبرُ (^١)، فيسجدُ، وإن لم يَفْعَل: لم يَضُرُّه، كذا أيضًا في "خُلاصةِ الفتاوَى".
وأما عندَ الشافعيِّ (^٢) مَن سجدَ في غيرِ الصلاةِ: كبَّرَ للإحرامِ رافعًا يديْهِ ناويًا، ثمَّ
_________________
(١) سقط من (ص): (يقول الله أكبر). زاد في (ص): (يقوم).
(٢) ينظر لتفصيل قول الشافعية في المسألة: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء (٢/ ١٢٤)، وقد حكى الإمام الرافعي في (الشرح الكبير المسمّى فتح العزيز بشرح الوجيز) أن الرفع للتكبير لسجودِ التلاوةِ يكونُ دونَ الرفع لتكبيراتِ الصلاةِ، فقال (٤/ ١٩٢): (ويستحبُّ قبلها تكبيرةٌ معَ رفعِ اليدين إنْ كانَ في غير الصلاةِ، ودونَ الرفعِ إنْ كانَ في الصلاةِ، وقيلَ يجبُ التحرُّمُ والتحلُّلُ والتشهُّدُ، وقيلَ يجبُ التحرُّمُ والتحلُّلُ دونَ التشهُّدِ، وقيلَ لا يجبُ إلا التحرُّمُ). وقد نقلَ المازريُّ المالكيُّ خلافَ الأئمّة وحكَى تفصيلَها في شرحِ التلقين (١/ ٨٠٥) فقال: "وأمّا التكبيرُ له [أي: لسجود السهو] خافضًا ورافعًا فاختلف قولُ مالكٍ فيه: فأَثْبَتَهُ مرَّةً وضَعَّفَهُ مرَّةً أخرى، إلا أن يكونَ في صلاةٍ فلم يختلِف قولُهُ في إثباتِهِ. وبمثلِ قولِنا في إثباتِ التكبير خافضًا ورافعًا ونفي السلام قالَ أبو حنيفةَ في إحدى الروايتَيْن عنهُ، وعنه روايةٌ أخرَى أنه يُكبِّرُ للرفع دونَ الخفضِ. وبمثلِ قولنا أيضًا في إثباتِ التكبير خافضًا ورافعًا قال ابن حنبلَ، إلا أنه أثبتَ السلامَ. وبمثلِ قولِنا في إثباتِ التكبير خافضًا ورافعًا قال الشافعيُّ، إلا أنه زادَ تكبيرةً أخرى للافتتاحَ، وأثبتَ السلام في أحدِ قولَيْهِ دونَ تشهُّدٍ. فأما إثباتُ التكبيرِ في الصلاةِ فإنّه في عبادةٍ مشروعٌ في سجودِها التكبيرُ، فجرَى الأمرُ في سجودِها الفرضِ والنفل مجرى واحدًا. وأما إثباتُه في أحدِ القولَيْنِ في غير الصلاة؛ فتشبيهًا بسجودِ الصلاة، ولأنه ﷺ قرأ القرآنَ فلما مرَّ بالسجدة كبر وسجَدَ، وأمّا نفيُهُ فلأنَّ التكبير إِنَّما شُرِعَ في الصلاةِ، وسجودُ التلاوةِ بمجرَّدِهِ ليسَ بالصلاةِ المعهودة. =
[ ٤٠٢ ]
يُكبِّرُ للسجودِ، ولا يرفَعُ يديه، ثمَّ يُكبِّرُ للرفعِ، ويُسلِّمُ، كذا ذُكِرَ في "النهاية".
* * *
_________________
(١) = وأما إثباتُ الشافعيِّ تكبيرَةَ الافتتاحِ فقياسًا على صلاةٍ مبتدأةٍ، وابتداؤها إنما يكونُ بتكبيرة الافتتاح. وقد قال بعضُ الأشياخ: إنَّما اختلف قولُ مالكٍ في التكبير ولم يختلف قولُهُ في نفي التسليم؛ لأنَّ التسليمَ إنَّما يكونُ فيما كبَّرَ فيهِ للافتتاح قائمًا، ألا ترى أنَّ صلاةَ الجنازة لما كانَ تكبيرُ افتتاحِها قائمًا شُرعَ فيها السلامُ. فعورِضَ هؤلاءِ بسجودِ السهو لمَّا كانَ السلامُ ثابتًا فيه وتكبيرُهُ جالسًا: فأجابَ بعضُهُم بِأَنَّهُ تبَعٌ لصلاةٍ شُرِعَ فيها السلامُ، فشُرِعَ في التابع لها، وأجابَ بعضُهُم بأنَّ العقدَ للصلاةِ آكدُ من الحلِّ؛ أنَّها يُخرجُ منها بالحدثِ وغيرهِ كما حكيناهُ عن أبي حنيفةَ. فلأجْلِ الاختلافِ في افتقار الصلاة إلى التسليمِ ضَعُفَ حتى انحطت رتبتُهُ عن التكبيرِ.
[ ٤٠٣ ]