"خف" رُوِيَ عن أبي يوسفَ: أنَّه قالَ: سألتُ أبا حنيفةَ عن الاستسقاءِ، هل فيه صلاةٌ مَسنونةٌ؟ قال أبو حنيفةَ: ليس في الاستسقاءِ صلاةٌ مَسنونةٌ في جماعةٍ، فإن صلَّى الناسُ وُحدانًا: جازَ، وإنَّما الاستسقاءُ: الدعاءُ والاستغفارُ، كذا أيضًا في "القُدُوريِّ".
"نه" قال شمسُ الأئمّةِ الحلوانيُّ: ذَكَرَه في "المحيطِ" أنَّ الناسَ يَخرجون إلى الاستسقاء مُشاةً لا على ظهورِ دوابِّهم، في ثيابٍ (^٢) خُلْقٍ أو غسيلٍ أو مُرقَّعٍ، مُتذلِّلين خاضعينَ ناكسي رُؤوسهم (^٣) في كلِّ يومٍ يُقدِّمونَ الصدقةَ قبلَ الخروجِ، ثمَّ يَخرُجونَ، هذا تفسيرُ قولِ مُحمَّدِ بنِ الحسن الشيبانيِّ.
وقريبٌ من مَذهبِنا ما ذكره في "الخُلاصة الغزاليّة" في مذهبِ الشافعيِّ: إذا غارَتِ الأنهارُ، وانقطعَتِ الأمطارُ، وانهارَتِ القنواتُ: فيُستحَبُّ للإمامِ أن يأمُرَ الناسَ أوَّلًا بصيام ثلاثةِ أيّامٍ، وما أطاقوا من الصدقةِ، والخروجِ من المَظالِم، والتوبةِ من المعاصي.
ثمَّ يَخرُجُ بهم في اليومِ الرابعِ وبالعجائزِ والصبيانِ؛ مُتنظِّفينَ (^٤) في ثيابٍ، بِذِلَّةٍ واستكانةٍ، متواضعينَ، وإلى هذا أشارَ (^٥) لفظُ "الهدايةِ" (^٦).
_________________
(١) سقط من (ص) و(س): (فصل في).
(٢) زاد في (ص): (عتق).
(٣) زاد في (ص): (ثم).
(٤) في (ص): (متنطقين).
(٥) سقط من (ص) و(س): (أشار).
(٦) في (ص) و(س): (النهاية).
[ ٣٦٧ ]
"خف" قال أبو يُوسُفَ ومُحمَّدٌ: يُصلِّي الإمامُ أو نائبُه بالناسِ في الاستسقاءِ ركعتيْنِ بجماعةٍ، يقرأُ فيهما ما (^١) شاءَ جهرًا، لكنَّ الأفضلَ أن يَقرأَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ (^٢) [الغاشية: ١]، وفي روايةٍ: يُكبِّرُ فيهما كما في صلاةِ العيدِ.
وعندَ الشافعيِّ أيضًا: يُصلِّي بجماعةٍ، كذا في "الخُلاصةِ شرحِ القُدُوريِّ".
"خف" بعدَ الفراغِ من الصلاةِ يَخطُبُ عندَ أبي يُوسُفَ ومُحمَّدٍ، وعندَ أبي حنيفةَ: لا يَخطُبُ.
وذُكِرَ في "القُدُوريِّ": أنَّ الإمامَ يَقلِبُ رداءَه، ولا يَقلِبُ القومُ أرديَتَهم (^٣).
_________________
(١) في (ص) و(س): (بما).
(٢) زاد في (ص) و(س): (حديث الغاشية).
(٣) اقتصر على قولهما دونَ ذكر قولِ الإمامِ أبي حنيفةَ ﵁، فإنّهما قالا يقلبُ رداءَه، وقال الإمام لا يقلبُ. قال الكاسانيّ في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (١/ ٢٨٤): "وهل يَقلِبُ الإمامُ رداءَهُ؟ لا يقلبُ؛ في قول أبي حنيفةَ، وعندهما يقلبُ إذا مضى صدرٌ مِنْ خُطبَتِهِ. فاحتجّا بما رُوِي أنَّ النبيَّ ﷺ "قلَبَ رداءَه" ولأبي حنيفةَ ما رُوِيَ "أنّه ﵇ استسقى يومَ الجمعةِ ولم يقلب الرداءَ"؛ ولأنّ هذا دعاءٌ، فلا معنَى لتغييرِ الثوبِ فيهِ كما في سائرِ الأدعيةِ، وما رُوِيَ أنَّهُ قَلَبَ الرداءَ محتمِلٌ: يَحتَمِلُ أنّه تغيَّرَ عليه فأصلَحَهُ؛ فظنَّ الراوي أنّه قَلْبٌ، أو يَحتَمِلُ أنّه عرفَ مِنْ طريقِ الوحيِ أنَّ الحالَ ينقلبُ من الجَدْبِ إلى الخصبِ متى قلبَ الرداءَ بطريقِ التفاؤلِ ففعَلَ، وهذا لا يوجَدُ في حقِّ غيرِهِ … وعندَ مالكٍ يقلِبُونَ أيضًا، واحتجَّ بما رُوِي عن عبد اللهِ بنِ يزيد "أنَّ النبيَّ ﷺ حوَّلَ رداءَهُ وحوَّلَ الناسُ أرديتهم". وهما يقولانِ: إنَّ تحويلَ الرداءِ في حقِّ الإمامِ أمرٌ ثبَتَ بخلافِ القياسِ بالنصِّ على ما ذكرنا، فنقتصِرُ على مَورِدِ النصِّ، وما رُوِيَ من الحديثِ شاذٌّ، على أنّه يحتَمِلُ أنّه ﷺ عرفَ ذلكَ فلم يُنكِرْ عليهِم؛ فيكونُ تقريرًا، ويحتَمِلُ أنّهُ لم يعرِفْ؛ لأنّه كانَ مستقبِلَ القبلةِ مستدبرًا لهم، فلا يكونُ حُجَّةً مع الاحتمال".
[ ٣٦٨ ]
"نه" صفةُ تَقليبِ الرداءِ:
إن كان مُربَّعًا؛ بأن كان خميصةً: جَعَلَ أسفلَهُ أعلاهُ.
وإن كان مُدوَّرًا؛ بأنْ كان (^١) جُبّةً: جَعَلَ الجانِبَ الأيمنَ على الجانبِ الأيسرِ، والجانبَ الأيسرَ على الجانبِ الأيمنِ.
ولا يَحضُر أهلُ الذمّةِ الاستسقاءَ.
وقال مالِكٌ: إن خَرَجوا: لم يُمنَعوا من ذلكَ (^٢)، كذا في "النهاية".
_________________
(١) زاد في (ص): (عليه).
(٢) عندَ المالكيّة تفصيلٌ في المسألةِ يحسُنُ ذِكرُهُ، ومِنْ أوفَى من استوعبَهُ المازريُّ في شرحِ التلقينِ، وفيه: (١/ ١١١١): "وأباحَ في المدوّنةِ خروجَ أهلِ الذمّةِ. ومنعَ ذلك أشهبُ في مدوّنتِه، وإذا أجَزْنا خروجَهُم؛ فقالَ ابن حبيبٍ يخرجونَ وقتَ خروجِ الناسِ، ويعتزلونَ ناحيةً ولا يخرجونَ قبلَ الناسِ ولا بعدَهم؛ لأنه يُخشَى إن استسقوا قبلُ أو بعدُ أن يوافقوا وقتَ نزولِ الغيثِ فيكونُ في ذلكَ فتنةٌ للناس. وقال القاضي أبو محمَّدٍ في غيرِ كتابِه هذا: لا بأسَ أن يخرُجوا بعدُ. وقال مكحولٌ: لا بأسَ بإخراجِ أهلِ الذمَّةِ للاستسقاءِ مع المسلمين. وقال الأوزاعيُّ كتبَ يزيدُ بنُ عبدِ الملكِ إلى عمّالِهِ أن يُخرِجوا أهلَ الذمَّةِ إلى الاستسقاءِ، فلم يَعِبْ عليه أحدٌ من أهلِ زمانِهِ. وقال بعضُ الناسِ في إنكارِ حراجِهم: من أعظَمِ العارِ أن يَتوسَّلَ إليهِ أولياؤه بأعدائِه. وهم وإن كانوا قد ضَمِنَ اللهُ أرزاقَهم، فإنّا لا نمنَعُهم مِنَ الخروجِ. لذلك على القول المشهورِ عندنا. وبه قال الشافعيُّ. ولكنهم يخرجون منعزلينَ عنِ الناسِ؛ لأنَّ اللعنةَ تنزِلُ عليهم ولو أرادوا في الاستسقاءِ التطوَّفَ بصُلُبِهِم، فقد قالَ ابنُ حبيبٍ: (لا يُمنَعُ اليهودُ والنصارى من الاستسقاءِ والتطوُّفِ بصُلُبِهم وشركِهم، إذا برزوا بذلك وتنحّوا به عن الجماعة، ويُمنَعُونَ من إظهارِ ذلكَ في أسواقِ المسلمينَ وجماعاتِهم في الاستسقاءِ وغيرِهِ، كما يُمنَعون من إظهارِ الزنا وشُربِ الخمرِ). وانظر أيضًا لتبيّن قول المالكيّة: الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٣٤)، وشرح مختصر خليل للخرشي (٢/ ١١٠)، وحاشية العدويّ على كفاية الطالب الربّانيّ (١/ ٤٠٣).
[ ٣٦٩ ]