الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
أمّا بعد:
بين يدي الكتاب: (المذاهب مناهج وبناء فكريّ)
فإنّ لله تعالى أسرارًا في خلقه، يهب من يشاء منهم علمًا وحكمةً وفضلًا، ويجعل من يشاء عقيمًا عن إدراك المعاني، عاقرًا عن إنتاج الأفكار! وقد خصّ الله تعالى أهل الفقه بمزيّة الابتكار، والنظر في الأدلة والنصوص والواقع وبناء الأحكام والفتاوى، وكم من فقيه بلغ رتبة الاجتهاد والنظر والترجيح على مرّ العصور، فلم يَفتْ هذه الأمّةَ نفعُه، بل وصل علمُهُ فكُتِبَ صدقةً جاريةٌ ممّا يُنتَفَعُ به.
إنّ أمّة اصطفاها الله تعالى فختمَ بها الأمم؛ وجعلها خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس، وكتب لها بفضلِهِ شهادةً على العالمين: لا يُمكنُ أن تضِلَّ بمجموعها، وإلا لانتفى حفظُ الذكرِ على يدها، ولكانت كغيرها مُحتاجَةً إلى تجديدِ الرسالةِ والعهدِ السماويِّ، فلمَّا انتفى ذلك تيقَّنَّا أن إجماعَها على أمرٍ يفيدُ صوابَهُ، وأنَّ اتفاق العقلاءِ فيها على رأي يعني قربَه مِنَ الحق.
وممّا هو معلومٌ لكلّ طالب علمٍ أنّ مذاهبَ الفقه الأربعةَ التي هي محلّ إجماع المسلمين وغاية مرجعيَّتهم في كلّ عصر؛ كانت نَتاجَ مدارسَ فكريّةٍ وأصوليّةٍ،
[ ٩ ]
وليست مجرّدَ اجتهاداتٍ فرديّةٍ، فالمذهبُ تكوّن من مناقشاتٍ علميّةٍ بين مجموعةٍ عاشت في عصر مؤسّسِه، ثمّ مجموعاتٍ أخرى عاشت روحَ المذهب فتشبّعت بعقليّةِ صاحبِه، وآنست أنّها أقرب إلى منهجِ المذهب وفكرِهِ؛ فاقتنعت به حتّى حملته وحملها، فبنى اللاحقون على أقوال السابقين واستنبطوا من عباراتهم فهومًا وصورًا، وأخذوا بأصولهم وفروعهم جملة! حتّى صاروا ينطقون بلسانهم، ويفكرون بعقلهم، مع استقلاليّة في النظر للتوصّلِ إلى الأحكام، فلذا لم يخلُ الأمرُ من تفرّداتٍ في بعضِ المسائلِ ومعارضات، ووجدت بين الأئمّة مخالفاتٌ علميّةٌ ترفّعوا بها عن الخصومة والشقاق.
وقد بحث اللاحقون في أقوال السابقينَ منقّحين ومرجّحين ومستدلّين، فصارت المذاهب الأربعة بخدمة أربابها والمنتسبين إليها: مدارس علميّةً منهجيّةً، خدَمَها فحولٌ لهم عقولٌ كبارٌ على مرِّ التاريخ، وانتسب إليها أكابرُ من كلِّ أصقاعِ الأرض على غيرِ تواطئٍ بينهم محتملٍ على تركِ مصادرِ الشريعةِ والتمسكِ بالمذهب! فبطل زعمُ من أرادَ مِنَ الأمّةِ اليومَ نُفَرَةً عن المذهبيّة بحجّة الرجوع إلى مصادرها، وقيل له فكيف ترى أولئك الكبار أصحاب الحجى وأرباب الألباب وأولي النهى أقد ضلّوا حين تركوا ما تدعونا إليه اليوم فانتسبوا إلى إمام مجتهدٍ؟ أم أنّك بلغت مبلغًا فوق ما بلغوا؟ فهممتَ بما لم يهمّوا به بعدَ أن رأوا برهان ربّهم؛ فربط الله على قلوبهم.
إنّ الانتسابَ إلى هذه المدارس الفقهيّة يجعل المرء في تيارٍ من الخيرِ عريضٍ، يرى فيه حولَه المحدثين والمفسّرينَ والمتكلّمين والفقهاءَ، ويشهدُ رأيَهم وتأييدَهم فيزدادُ اطمئنانًا وثقةً بحُسنِ منهجِهِ وصحةِ اختيارِه.
[ ١٠ ]
بيدَ أن هذا الانتسابَ لا ينبغي أن تشوبَهُ شائبةُ التعصّبِ؛ فإنكارِ الغيرِ؛ أو الانتقاص منه! بل هو انتسابٌ مدرسيٌّ يوقّر فيه من اختار انتسابًا آخرَ غيرَ انتسابِهِ، لأنّه منتسبٌ إلى أهل الفضل مثلَه، لكنّه يُنكِرُ على من يدعُ الالتزامَ بمدرسةٍ ومنهجٍ منقّحٍ رصينٍ، ليلتحقَ بشذّاذٍ ارتأوا أن يشقّوا بأنفسهم أعسرَ طريقٍ استغرقَ فتحُهُ في أوّل عصورِ الإسلام نحوًا من مائةٍ وخمسينَ سنةً، حتّى تمّ ذلك في الجيل العلميِّ الرابعِ أو الخامسِ من أجيال الأمّة، وما تمّ إلا بتراكمٍ معرفيّ، وتلاقحٍ فكريّ، واتصالٍ زمانيّ ومكانيّ، نفقدُه اليوم أو نكاد!
إنّ نظرةً عجلى في كتب التاريخ تعرّف الناظر إلى الانسجام الكبير بين أئمّة المذاهب وبين أتباعهم وتقديرَهم لبعضهم، ومن الظلم لهذه المدارس الفكريّة التي بنيت عليها حضارة الأمّة - حيث كانت هي نظام الحكم - أن نقرأ عنها لماماتٍ من التاريخ تصارع فيها بعض المنتسبين إليها سياسيًّا في بعض البلاد وبعض الأزمنة؛ التي لم تتجاوز عشرات السنين؛ فنسحب ذلك على أصل الانتساب إليها، ونلحق بالمذاهب عار الشقاقِ السياسيّ والحياتيّ بين أفراد من الأمّة حين تعاندوا؛ فنتج تفرّق صفّهم عن تنازعهم السياسيّ والحياتيّ لا عن انتمائهم الفقهيّ المذهبيّ، ففرح بذلك بعض دعاة ترك المذهبيّة والنزوع إلى فرقة الأمة وعدم انضباطها، فحملوا الاختلاف على المذاهب، وجعلوها سببًا فيه.
إنّ المذاهب الإسلاميّة حصنُ الأمّة من الانجرار خلفَ غالٍ محرّفٍ أو مبطلٍ منتحل أو جاهل مؤوّلٍ على وجهٍ لا يصحّ تأويلُ النصوصِ إليه!
وقد خصّ الله تعالى مذهب أبي حنيفة النعمان بالتطبيق في الأرض دهورًا، فحكمت به الدولة العبّاسيّة قرونًا، ثمّ حكمَت به الدولة العثمانيّة قرونًا، ولم يخل
[ ١١ ]
زمانٌ من الحكم به بعد نشوئه، فأعانَ ذلك على اكتمالِ أبوابه وتمام نظامه، ولن تجد مذهبًا وضعت فيه القوانين واشتغل أهله بالقضاء والسير وإدارة الدول والسياسة الشرعية كما وقع لمذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ وعن أئمة أهل السنّة جميعهم.