جمع المصنّف في كتابه نوادر الفقه وجواهرَه، وكانت طريقتُهُ في الجمع مميّزةً لم يسلكها غيرُهُ من المصنّفين، ومن أبرز ما يميّز تلك الطريقة:
- أنه يختار عبارةً من كتاب وعبارة من كتاب آخر لتكتملَ صورةُ الموضوع بالنقولاتِ المتفرّقةِ من الكتبِ، حتّى ينسُجَ منها الموضوعَ كاملًا.
- قد يضطرُّ المصنّف في أثناء ذلك إلى تكرارِ بعض العباراتِ من عددٍ من المصادرِ، بيد أن هذا كان نادرًا.
- تعرّضَ المصنّفُ لمذهبِ الشافعيّةِ عشرات المرّاتِ في كتابِهِ، وذكر مذهب المالكيّة مرارًا أقلّ منها.
- اهتمّ المصنّف بحكاية قول أئمّة المذهب الحنفيّ، وأكثر من نقل بعض الروايات عن الإمام من طرق غير مشهورة، كنقلِهِ روايات الحسن بن زياد عن الإمام أبي حنيفة.
- ذكَر المفتى به، إلّا أنّه لم يذكره من قوله بل من منقوله، فكان ينقل أقوال المرجّحين من أئمّتنا، وينقل أقوال المفتين الذين أفتوا بأحد أقوال الأئمّة.
- يأتي بالمتماثلات وإن لم تكن في أبوابها، وهذا من باب الشيء بالشيء يذكر: قال: (ويشرب فضْلَ وضُوؤه أو بعضَ وضوؤِه قائمًا أو قاعدًا مستقبلَ القِبْلَةَ، وقال الإمامُ خواهر زاده: يشربُ قائمًا، وماءُ زمزمَ أيضًا يُشْرَبُ قائمًا، كذا ذكر أيضًا في الفتاوى الظهيريّة).
يحكي قول الإمام الشافعيّ مع موافقته للمذهب أحيانًا للإشارة إلى مخالفة
[ ٣١ ]
الإمام مالك رحمه الله تعالى، كما في قوله: (سُورُ الكلبِ والخنزيرِ نجسٌ، كذا عند الشافعيِّ).
- ينقل عن بعض كتب الشافعية قال: ("قن" لا بأسَ بالتوضُّؤ بالماء المشمَّسِ عندَنا، ويكرهُ عند الشافعيِّ، كذا في التَّهذيب)، وهو من كتب فقه الشافعيّة.
- نادرًا ما يحكي قول المالكيّة، لكنّه ينقلُهُ عن كتبِ مذهبنا، قال: (والحدُّ الفاصلُ بينهما فقال مالكٌ: إن كان بحالٍ يتَغيَّر طعمُهُ أو لونُهُ أو ريحُهُ فهو قليلٌ، وإن كان لا يَتغيَّر فهو كثيرٌ، كذا في الهداية، وقال الشافعيُّ: إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتين فهو كثيرٌ لا يحمل خَبثًا، والقُلَّتانِ عندَهُ مئتانِ وخمسون مَنًّا، كذا أيضًا في الهداية والنِّهاية).
- قد يهِمُ أحيانًا في نقل قول الشافعيّة أو المالكيّة، قال: (وقال مالِكٌ: يَختُمُ الأذانَ بقولِه: لا إلهَ إلّا الله، واللهُ أكبرُ). وهذه الصيغة ليست في شيءٍ من كتب المالكيّة، ولعله وهمٌ من المصنّف رحمه الله تعالى، ينظر: المدونة (١/ ١٥٧)، والتلقين في الفقة المالكيّ (١/ ٤١)، والكافي في فقه أهلِ المدينة (١/ ١٩٧)، والبيان والتحصيل (١/ ٤٣٥)، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ١٧٣) وغيرها.
وكما في المثال التالي: ("تف" قال مالِكٌ ﵀ وسفيانُ الثوريُّ ﵀: الخرقُ قليلُه وكثيرُه لا يَمنعُ المَسحَ بعد أنْ كان يُطلَقُ عليه اسمُ الخُفِّ).
وهذا خلاف مذهب مالكٍ رحمه الله تعالى، فإنّه يبيحُ المسحَ على خفٍّ فيه خرق قليلٌ دون الكثير، إلّا أنّ حدّ الكثرة عنده يختلف عن حدّ الكثرة عند غيرِهِ، فحدُّ الكثرة عنده الثلث، وليس مقدّرًا بالأصابع الظاهرة. وقد نقل الحطّاب في
[ ٣٢ ]
مواهب الجليل قولَ ابنَ رشدٍ، وعلّقَ عليه؛ فقال (١/ ٣٢٠): "فاستقْرَيْنَا من مجموعِ هذهِ الرواياتِ أنَّه يمسَحُ على الخرق اليسيرِ، ولا يمسَحُ على الخرقِ الكبيرِ، وإذا كان كذلكَ بإجماعٍ، وقامت الأدلَّةُ من الكتابِ والسنّةِ على أَنَّ الثَّلُثَ آخرُ حدِّ اليسيرِ وأوّلُ حدِّ الكثيرِ وَجَبَ أن يمسَحَ على ما كانَ الخَرقُ فيه دونَ الثَّلْثِ، ولا يمسَحَ على ما كان الثلث فأكثر. أعني ثلثَ القدَمِ من الخفِّ لا ثُلُثَ جميعِ جميع الخفِّ …، وتحصيلُها أنه إذا كانَ الخرقُ في الخفِّ الثلثَ فأكثرَ فلا يمسَحُ عليه ظهرتْ منه القدمُ أو لم تظهَرْ، وإِنْ كانَ أقلَّ مِنَ الثلث فإِنَّهُ يمسَحُ عليه ما لم يتّسِع وينفَتِح حتى يظهَرَ منهُ القدمُ، فإِنْ عَرُضَ الخرقُ حتى تظهَرَ منه القدمُ فلا يمسَحُ عليه إلا أن يكونَ يسيرًا كالثقبِ اليسيرِ الذي لا يمكِنُه أن يغسل ما ظهرَ منه من قدمِةَ؛ لأنَّه إذا ظهرَ من ذلكَ ما يُمكِنُهُ الغسلُ لم يصحَّ لهُ المسحُ من أجلِ أنَّهُ لا يجتمِعُ مسحٌ وغسلٌ؛ فعلى هذا يجبُ أن تُخرَّجَ الرواياتُ المشهوراتُ".
- كان ينقلُ عباراتِ الأئمّةِ كما هي في كتبهم، لكنّه لا يُشير إلى الموضعِ الذي نَقَلَ منه؛ وذلكَ لتوافُرِ عين العبارة أو قريبًا من معناها في كثيرٍ من كتبِ الفروع، كما قال: (وأما النَّجسُ فهو الناقضُ الحقيقيُّ الذي ذكرناه آنفًا، وهو لا يخلو إمَّا أن يخرجَ من السَّبيلين أو من غيرِهما، فإن خرجَ من السَّبيلين انتقضَ الوضوءُ بنَفْس الخروج قليلًا كان أو كثيرًا، ولا يشترطُ فيهما السَّيلانُ والتجاوزُ إلى موضع آخَرَ، وإن خرجَ من غيرِ السَّبيلين إن سالَ عن رأسِ الجُرح ووصَل إلى موضعٍ يلحقُه حكمُ التَّطهِير انتقضَ الوضُوءُ، وإن لم يسلْ لم ينتقضِ الوضوءُ، ونُسَخُ الفروع طرًّا ناطقةٌ بهذا).
ومن أمثلة ذلك أيضًا، قوله: (أمّا الفريضةُ فمنها الغُسْلُ من التقاءِ الخِتانين إذا
[ ٣٣ ]
غابتِ الحَشَفَةُ، مِن قبل أو دُبُرٍ، على الفاعل والمفعول، أنزل أو لم يُنزل، كذا ذُكِر في نُسَخ الفروع طُرًّا).
- نادرًا ما يذكرُ بعض أقوالِ السلفِ، مثاله: "خف" التعوُّذُ في الصلاةِ واجبٌ عند عطاء، ويُخفيه إمامًا كانَ أو منفردًا.
- نقل من عدد من الكتب المخطوطة، وقد بحثنا عنها ووجدناها، لكن نقله عنها لم يكن دقيقًا، ومن أمثلة ذلك نقله عن خلاصةِ الفتاوى: ("خف" إذا نام قاعدًا أو مُستويًا أو واضِعًا أَلْيَتَيْهِ على الأرضِ مُستوثقًا مسكنه على الأرض ولم يُسند ظهرَهُ إلى شيءٍ لا ينقض وضوؤه، كذا ذكر أيضًا في تُحفة الفقهاءِ).
فالعبارة هنا ليست دقيقة وهي في خلاصة الفتاوى (مخطوط، لوحة ١٦): (وإن نام قاعدًا مستويًا إليتاه على الأرض مستوثقًا مسكنه على الأرض ولم يُسند ظهره إلى شيء لا وضوء عليه).
ومثالها أيضًا: ("خف" إن نامَ قاعدًا واضعًا إليتَهُ على عَقِبَيْهِ لا يُنقَضُ وُضُوؤُهُ عندَ أبي يوسفَ، وهو قولُ أبي حنيفةَ.
"خف" لو صَلَّى على الدابَّة بجماعةٍ جازَتْ صلاةُ الإمامِ وَمَنْ كَانَ معه على دابَّتِه، ولا يجوزُ اقتداءُ النازلِ بالراكبِ). وهي في خلاصة الفتاوى (مخطوط، لوحة ١٦): (ولو نام قاعدًا أو واضعًا إليته على عقبيه لا وضوء عليه عند أبي يوسف ﵀، وهو قول أبي حنيفة ﵀ ستعالى)
والنصّ في خلاصة الفتاوى لوحة ٤٠: (ولا يجوز اقتداء النازل بالراكب، ولو صلّوا على الدابة بجماعةٍ جازت صلاة الإمام ومن كان معه على دابّته ولا يجوز صلاة غيره في ظاهر الرواية).
[ ٣٤ ]
- يتعرّض للمسألة التي فيها قولٌ للإمام لكنّه لا يشير إلى قوله أحيانًا؛ مثال ذلك قوله: ("نه" قال في "المحيط": مِصرٌ له طريقان؛ أحدُهما: مسيرةُ يوم وليلةٍ، والآخرُ: مسيرةُ ثلاثة أيّامٍ ولياليها: إن أخذَ في الطَّريقِ الذي هو مسيرةُ يومٍ وليلةٍ: لا يَقصُرُ الصلاة، وإن أخذَ في الطريق الذي هو مَسيرة ثلاثةِ أيّامٍ ولياليها قصرَ الصلاةَ). وهذا خلافُ قول الإمامِ، ولم يُشِرْ المصنّف هاهنا لهُ، قال في المحيطِ البرهانيِّ (٢/ ٢٣): "وقال أبو حنيفةَ ﵀: إذا خرَجَ إلى مصرٍ في طريقٍ في ثلاثة أيامٍ، وأمكَنَهُ أن يصِلَ إليه في طريقٍ آخرَ في يومٍ واحدٍ قصَرَ".
وأخيرًا فمن خير ما نختم به هذه المقدّمةَ ما ختم به المصنّف كتابه هذا، حيث قال: (والكتاب كالمكلّف لا يرتفع عنه القلم)! وكلّما نظر الإنسان في كتابٍ؛ قال: لو كان هذا لكان أجود وأحسن.
هذا جهدٌ أردنا به وجه الله تعالى، وخدمةَ مذهبٍ من مذاهب أهل السنّة المعتمدَة في الفقه، وإظهارَ جهدِ عالمٍ من أتباع تلك المدرسةِ الفقهيّةِ العظيمةِ؛ ليكونَ لنا وله صدَقةً جاريةً وعلمًا ينتفع به، وستستمرُّ هذه السلسةِ بعونِ اللهِ تعالى في تحقيق نفائسَ ودُررٍ من الفقه الحنفيِّ، فينتفعَ بها الطلابُ والباحثون، ويجتهدَ في التعرّفِ إلى أسرارِ ما فيها المدقّقون والغوّاصون. فنسألُ الله تعالى أن يكتبَ له القبولَ في الأرضِ، وأن ينفعَ به الغادي والصادي.
وأنت أيّها القارئ الكريم يا طالب العلم؛ لا تنسَ أنّ هذا جهدٌ بشريٌّ معرّضٌ للنقص، مليءٌ بالخطأ، فأشِر إلينا بموضعِه، وراسلِ الدارَ الناشرَةَ ليتمَّ تداركُهُ في قابلِ الطبعات، ويأبى الله العصمةَ إلا لكتابه؛ فأقِلْ عثرتَنا، فالمرءُ مرآةُ أخيه، وإنّما
[ ٣٥ ]
يتعلَّمُ المرءُ ما بقي محبًّا للعلم راغبًا فيه حريصًا عليه، وما بقي يعدُّ نفسَهُ من أهلِ التلقّي والتعلّم، فمن ظنَّ بنفسه تجاوُزَ ذلكَ لم يبقَ عندَه إلا أن يُكرَّرَ ما قُرِّرَ من قَبْلُ، فلا يزدادُ علمًا ولا فتحًا ولا فهمًا.
اللهم فهّمنا وعلّمنا وافتح علينا وبنا ولنا، وضَعْ لنا القبولَ في الأرض والسماءِ.
والحمد لله ربِّ العالمين
المحقق
الدكتور محمد أيمن بن الشيخ أحمد الجمال الحنفي الحموي
منتصف شهر رمضان عام ١٤٤٠ هـ
إسطنبول
* * *
[ ٣٦ ]