اجتهدنا في هذا الكتاب أن نوصلَ نصّه كما أراده مؤلّفه إلى القارئ الكريم، ولذلك فقد اقتصر عملُنا على بعض الأمور الأساسيّةِ في التحقيقِ، وقد اتّبعنا بعدَ نسخِ الكتابِ ومقابلَتِهِ على النسخِ المعتمدة في التحقيقِ؛ منهجًا في التحقيق يتلخّصُ في الأمور التاليةِ:
١ - اختيار اللفظ الذي نطمئنّ إليه، ويغلب على ظنّنا أنّه الصواب، فإن كان مثبتًا في إحدى النسخ أثبتناه منها، وإلا نظرنا في الأصول التي نقل منها المصنّف، وأثبتنا ما فيها إن كان أقرب إلى الصواب، فإنّ نقلَهُ يعتريه ما يعتري ما في الكتب المطبوعة من الوهم كذلك.
٢ - عزو الأقوال إلى المصنّفين، والتأكّد من نسبة أقوال أئمّتنا ﵃ إليهم مِنْ كتب المذهب ومصادرِهِ الأصليّة، أو من خلال كتب المذاهب الأخرى عند نسبة الكلام إلى الشافعيّ أو مالك ﵄.
٣ - رجعت إلى الكتب المخطوطة الموجودة؛ التي نقل منها المصنّف عبارات كثيرة، فأجتهد في البحث عن مواطن النقول التي لم أجدها في المصادر المطبوعة، وقد تيسّر لي بفضل الله تعالى عددٌ من أهمّ المخطوطات التي استعان بها المصنّف في كتابة هذا الكتاب، ورجعت إليها وطابقتُ ما فيها مع نقل المصنّف عنها، ووجدتُه دقيقًا غالبًا، سوى بعض النقول التي وهم فيها أو عزاها إلى كتابٍ وهي ليست فيه بحرفِها.
٤ - عُنينا بضبط الكلمات المشكلة، وضبطِ أواخر الكلم عمومًا إلا عند عدم الحاجة إلى ذلك مطلقًا، وذلك لكثرةِ المنتسبين إلى مذهبِ الإمام أبي حنيفةَ من غير
[ ٢٧ ]
العربِ ممّن يعينُهُم الضبطُ على الانتفاع بالكتاب. كما أثبنا علامات الترقيم المناسبة في مواضعها من الكلام، وجعلنا للفقراتِ بداياتٍ وأسطرًا جديدةً، ووضعنا أسماءَ الكتبِ بين معقوفتين صغيرتين، وأثبنا المنقولَ منها بحرفه بين قوسين ليتميّز عن كلام المصنّف.
٥ - أغفِلُ ذكرَ ما لا قيمةَ له من التقديمِ والتأخير بينَ النُّسَخِ، مثل قوله: (سُؤْرُ الآدميِّ وما يؤكَلُ لحمُهُ طاهرٌ، وكذا سُؤْرُ الجُنُب والحائض والنُّفَساءَ والكافرِ). فقد وردت في بعض النسخ: (والكافر والنفساء)، ولا أثر لهذا التقديم والتأخير في أحكام الفقه. ومثل قوله: (وأمَّا الماء المستعمَلُ فكلُّ ماءٍ أُزِيلَ به حَدَثٌ أو استُعمِلَ في البدنِ على وَجْهِ القُربةِ، كذا في الهداية والقُدوريِّ) وردت في بعض النسخ: (القدوريّ والهداية).
٦ - لم أثبتِ الفروقَ الطفيفةَ التي لا أثرَ لها في المعنى مطلقًا، أو التي هي مِن قَبيل التذكيرِ والتأنيثِ للّفظِ الذي لا يحتملُ غيرَهُ - فلعلّ هذا من أثرِ العُجمَةِ أو من عُجمَةِ النسّاخِ -؛ لئلّا أُثقِلَ الهوامشَ بالنقولِ، مثل قولِه: (شعرُ الإنسانِ وعظْمُه طاهرٌ، وقال الشافعيُّ: نجسٌ)، في بعض النسخ: (قال الشافعيُّ) بحذفِ واوِ الاستئنافِ، ولا أثرَ لإثباتِها أو حذفِها. ومثل قوله: (إنْ كانتِ السماءُ تُمطِرُ في حالِ ما أصابَ ذلكَ الماءَ لم يتنجَّس الثوبُ، وإن (كانت) لا تمطر يتنجَّسُ). في النسخ كلها: (وإن (كان) لا تمطِرُ).
٧ - ما يذكره من أسماء الكتب خطأ محضًا؛ فإِنِّي أُثبِتُ الصوابَ؛ وأشيرُ إلى النسخةِ المخالفةِ أو النسخِ المخالفةِ؛ وإن كانَ الأصلَ، كقولِهِ: (كذا في الفتاوى الكبير) وهي الفتاوى الكبرى.
[ ٢٨ ]
٨ - ضبطنا الآيات القرآنيّة، وعزوناها، ليسهل الرجوع إليها في مواضعها من المصحف، واستخرجنا الحديث النبويّ الشريف من مظانّه، وذكرنا باختصارٍ عزوَهُ دونَ تخريجِ طرقه وروايتِه، وذلك ببيان اسم أهمّ من رواه، مع بيان الكتاب والباب الذي رواه فيهما، ومع ذكر رقم الحديث، ودون البحث عن أطرافه وشواهده؛ لأنّ هذا ليس غرض الكتاب، ولا هو متوقّف عليه في شيء، مع الحرص على إتمام الرواية، أو بيان موضع الشاهد في الحديث، أو ذكر الرواية التي تفيد ما ذهب إليه المصنّف إن لم تكن مذكورة.
٩ - حققنا أسماء الأماكن وتراجم الأعلام على قدر الوسع، فإنّ كتب التراجم ومعاجم البلدان أحيانًا لا تسعف، لتغيّر أسماءِ بعضِ الأماكنِ بين العصور، ولوجود الاسم عينه لأكثر من منطقة في العالم، ولا مرجّح بينها أحيانًا.
١٠ - التعريف بالكتب والمصنّفات التي وردت أسماؤها في هذا الكتاب، وقد بلغت أكثر من مائتي كتاب، مع ذكر نبذة مختصرة جدًّا عنها؛ كي لا نثقل حواشي الكتاب.
١١ - تبيين المسائل التي ذكر المصنّف طرفها، أو ذكر فيها قول الإمام دون المعتمد في المذهب، فعرضنا قول الصاحبين وبيّنّاه من مظانّه في كتب الفقه، كما استدعى تبيين المسائل أحيانًا تسجيل آراء من خالف المصنّف من أئمّتنا أو من اختار غير ما اختاره هو، وخصوصًا بعض التفصيلات في المواضع التي أجملَها والتي قدّرنا أنّ القارئَ يحتاجُها غالبًا.
١٢ - لم أجتهد في بيان مصطلحات الصوفيّةِ في القسمِ الأخيرِ مِنَ الكتابِ، وذلك لأنّ لهذه المصطلحاتِ كتُبَها ولها أربابُها، وليسَ فيما كتبَهُ المصنّفُ من
[ ٢٩ ]
العباراتِ غالبًا إشكالٌ فقهيٌّ أو اعتقاديٌّ، وإنّما هي أقربُ إلى العاداتِ التي اختارها أهل كل طريقة ليسير عليها الذين اختاروا أن يكونوا من أتباعهم، ولا يلزمون بها مسلمًا لم يختر أن يكون منهم.
* * *
[ ٣٠ ]